*حميد عواد
لبنان جنّة طبيعية مناخاً و جمالاً و ثماراً، و تحفة تاريخية إحتضنت روائع حضارات صبت عصاراتها فيه فتفاعلت و تلاقحت و أينعت و توهّجت و غذت و هدت، فنشّطت شعباً طامحاً يعشق الحياة و يمجّد الخالق و يتنفس الحرية و ينهل المعرفة و يتوق للإكتشاف و ينتشي بالإبداع و ينتعش بالعطاء.
لأنه إزدهر حُسِد و لأنه أوى المضطهدين إضطهد و لأنه حفّز النقاش الحر رجم و لأنه فتح قلبه للضيافة طعن و لأنه تألق بديمقراطيته و حيويته إستهدف.
إستقطب "إقبالا"ً دولياً و "تهافتاً" إقليمياً عليه و "إخترقته" المصالح المتناقضة و الأطماع الخبيثة فتلاطمت فيه و أنهكته. و أصبح بؤرة زلازل صراع دائم مع إسرائيل يوقده جموح "إفناء" متبادل ينسف جهود سعاة السلام.
وسط هذا التجاذب الهائل و في لجج النار و خارجها دفع اللبنانيون أثماناً باهظة، لكنهم تغلبوا على المحن و عصوا على الطغيان. فقوة شكيمة النفوس الأبية و صلابة عزمها على إكمال دورة تعافي حياة الوطن جسّدتا أسطورة طائر الفينيق و أدهشتا العالم.
تراث لبنان غني فلنزده ثراء و نكفّ عن تهميشه.
شعب لبنان متنوع فلنرسّخ الوئام و الإتزان بين شرائحه و لا نزرع بذور الخلاف و نغلّب ب"التخصيب" و السلاح قوماً فنصبح قبائل متناحرة.
هوية لبنان متأصلة في التاريخ و مجدولة بسواعد بنيه و محبوكة بقرائحهم و أحلامهم و مزهوة بالحرية و معمّدة بالشهادة و مزدانة بالمواهب كألوان قوس قزح، فلماذا تغيير معالمها؟
أرض لبنان منتبت خير يطعم كل بنيه و مسكن أمان يأويهم، فلماذا "فرزها" لعزل أهلها عن بعضهم البعض و "إقتطاعها" و فرض الضغوط على الجار خارج سرب "الرعية" ليهجرها و يبيعها؟
نظام لبنان برلماني مدني حر يراعي ميثاقاً و طنياً يحفظ توازناً بين طوائفه و يضمن حرية الرأي و المعتقد و يضمن التجدد في مواقع الحكم و يتيح للشعب ممارسة الحكم من خلال المؤسسات الدستورية، لا خارجها، و يوفر فرص المشاركة في مختلف وجوه الحياة الوطنية لكل اللبنانيين و يفتح أمامهم سبل التقدم و الإصلاح، فلماذا السعي إلى نسف أسسه و محاولة إستبداله بنظام شمولي مقنّع؟
لبنان بأرصدته الغنية و صيغته الفريدة الوادعة هو قدوة تحتذى لا "ورم خبيث" يستوجب إستئصاله.
غالبية الدول العربية قدّرت قيمة وجوده و ضرورة صونه و إختبرت طيبة أهله و جودة اعمالهم.
كذلك الدول الكبرى تعاهدت على صيانة هذا النموذج المميز من الديمقراطية و صاغت عهودها قرارات في مجلس الأمن تضع حداً لإنتهاك سيادة لبنان، و أنشأت محكمة خاصة لكشف المجرمين و الضالعين في إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري و قافلة شهداء "ثورة الأرز" (و من سبقهم مضموراً) لقطع دابر الترويع و رصف طرق الإستبداد بجثث الأحرار و العربدة بالدوس على جماجمهم.
بتضافر ضغوط كل هذه العوامل مع صلابة العصب السيادي تبلورت إرادة لبنانية-دولية مشتركة و قناعة راسخة بضرورة إنخراط كل مكونات الشعب اللبناني في مؤسسات الدولة و تعزيز سلطاتها و صيانة سيادتها و إستقلالها و حرية القرار الديمقراطي فيها.
فالسلطات و المؤسسات البديلة "راجت" في حقبات تفكك الدولة، و غالبية اللبنانيين مجّت أطيافها إن إمتثلت في الأذهان فكيف إذا إنتصبت على أرض الواقع؟
نربأ بأي طيف من أطياف شعب لبنان أن يقف عائقاً في وجه مسيرة نهوض الوطن و ننصح غلاة دعاة إلغاء الطائفية أن يبدأوا بتنقية النفوس في صفوفهم و ندعو "رسل" "البرّ" إلى الإنطلاق بمحاربة الفساد و التنصت من محيطهم و إلى الكف عن الإفتراء على مرجع ديني و وطني سامي التقوى و مهيب الوقار و راسخ الإيمان بالله و الوطن، و راجح الحكمة و بالغ التأثيربرأيه، كان له كما لأسلافه دور أساسي في صون حرية و سيادة و استقلال الوطن. "فالرشق بالحجر الكبير" لن "يكبّر" راميه. و الضرب ب"سيف السلطان" لن "يطوّب" الضارب به "سلطاناً". و الأحرى بمن فقد التوازن ألا يتوهم أنه "قاضي القضاة" فيطلق الأحكام عشوائياً و يُصدر "براءات الذمة" للمشبوهين و "يُدين" الضحايا.
لقد إشمأزّ اللبنانييون المتنوّرون من الزندقة في الولاء الوطني و من "نوبات جنون" أصحاب الشخصيات "المنفصمة". فالإدعاء الكاذب تدحضه الممارسات المناقضة له.
و الشخصية الضائعة بين الإنسلاخ عن طهر نضال إستعادة السيادة، "تكفيراً" عن "الذنوب"، و الإلتصاق بعهر مضطهديها هي آيلة إلى الإنشراخ.
كذلك الشخصية المجذوبة بين شرعية المسؤولية الرسمية و لا شرعية الإلتزام الميليشياوي نهايتها الإنفلاق.
طوبى لمن استحقوا التقدير و الإحترام و التأثير فكرّسوا طاقاتهم و علاقاتهم لخدمة الوطن.
أما الذين تنكروا لأفضاله و عملوا على "توضيبه" هدية لأسيادهم فسيلقون لوماً قاسياً و سيواجهون بإعتراض عارم من أحرار لبنان.
إنتخابات نيابية مهمة تقبل على اللبنانيين و المغتربون يشعرون بالمرارة و الخيبة و الغضب لعدم إتاحة فرصة الإقتراع عبر السفارات و القنصليات في بلدان إنتشارهم ليشاركوا برسم مسار الوطن الساكن في وجدانهم و الحاضر أبداً في بالهم.
وصيتهم لأخوانهم المقيمين فيه أن يدركوا أهمية إختيارهم و يُحكّموا ضمائرهم فلا يتحولوا بيادق يُنتخب بها دمى، بل يركزوا بصرهم و بصيرتهم على كفاءة المرشح و إستقامته و نزاهته و عمق التزامه الوطني و مدى تعلقه بالنظام الديمقراطي و حرصه على الحريات و السيادة و الإستقلال.
ليس أسهل من التمييز بين درب العبودية المنحدر نحو الهاوية و درب الحرية و الكرامة الصاعد نحو القمة، فذاك مظلم و هذا مضيء.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
٢٠.٣.٠٩
٨.٢.٠٩
المال يُعوّض أمّا الوطن فلا
حميد عواد*
السلطة و الثروة و القدرة و المعرفة و التلقين الجذاب هي أرصدة مزدوجة النتائج:
إذا إمتلكها الأخيار و وظفوها في خدمة الإنسانية، رفعوا المجتمعات إلى أعلى المراتب.
أما إذا إقتنصها الأشرار و المهووسون، في غفلة من القيّمين على تأمين سلامة توجهها، و سخّروها لإستعباد البشر و إستغلال طاقاتهم و إعاقة نموّهم و تشويه طباعهم، لأورثوهم تحجّراً في العقل و تقلّصاً في الوعي و بروزاً للغرائز البهيمية التي يثير إضطرابها "جزراً" تقهقرياً تلاطم أمواجه دفق "مدّ" تيارات التطور.
لسنوات عدة تركت الاسواق المالية العالمية شبه مستباحة لنهش الصقور الشرهة.
إذ غضّ طرف الرقيب عن العمليات المشبوهة و التقارير المضللة و البيانات المغشوشة و التوقعات المضخمة و الإختلاسات المموهة و التوظيفات الخطرة والقروض العشوائية الهائلة التي قصمت ظهور المستدينين العاجزين عن إيفائها.
فأتانا زرع الريح بحصاد العاصفة و تفجرت الأوهام زلازل أطاحت بصروح مالية عريقة و شركات عملاقة تساقطت معها مؤسسات لا تحصى معممة البطالة و الإفلاس.
و الطامة الكبرى هي أن الحكومات وعت ضرورة التدخل متأخرة فرتبت على كاهل المكلفين، ضحايا الكارثة الذين تبخرت مدخراتهم، مزيداً من الديون لتقرض المصارف و المؤسسات التي تعتبرها عصب الإقتصاد و توظف في مجالات تحفز، حسب تقديرها، النشاط الإقتصادي، لإنقاذ العالم من الركود.
رغم ضخّ الدول الكبرى مبالغ طائلة من الأموال لكبح التدهور و إنعاش مقومات الحياة، يسود التوجس و الهلع من إتساع مدى إكتساح هذا الإعصار الذي هو في طور بدايته.
أما السؤال المحيّر الذي يرتسم في الأذهان فهو: أية خزائن تسرب إليها كل هذا المال؟
في الجو الحالك و المدلهمّ الذي ينذر بالفاقة و العوز و الجوع، يستذكر المرء التهور و الإسراف و التبذير الذين طبعوا سلوك العديد من "أباطرة" المال، أفراداً و جماعات و حكاماً، حيث هدروا الأموال الخاصة و العامة دون حساب.
و إذا كان شنيعاً إستغلال مال الغير لإشباع نهم "الغيلان"، فأشنع منه هو حرقه لإشعال حروب و إيقاد نزاعات تلهبها دون هوادة حميّة العقائد المتصلّبة المشرئبّة لإنتزاع حقوق من حيّز النقاش السلمي و زجّها في أتون النزاعات المسلحة.
لإدراك مدى أذية وهول و عبثية الحروب، تكفي الإشارة إلى فداحة حروب الشرق الأوسط التي زهقت نيرانها مئات الآلاف من الأرواح و نشرت الدمار و البؤس و التخلّف مستهلكة إثنا عشرة تريليون دولاراً.
فلو إعتمدت الحلول السلمية لسلمت نفوس الضحايا و صرفت الأموال على تحسين أوضاع الشعوب، و إجتثّ الجوع و مُحيت الأمية و إستؤصل المرض و نشر الأمان و الطمانينة و السلام و الرفاهية في أرجاء العالم.
رغم المعاكسة الشرسة لأنظمة التأله و الإستبداد المستقوية بالسلاح و البطش و المنتصبة على جثث رعاياها و جثامين حلفائها، لا بدّ من المثابرة على تضافر جهود كل الدول الحرة المؤمنة بالحوار و التفاهم و الوئام و السلام، ضمن إطار تحرك شامل منسّق و حثيث، يكبح جماح عشاق سفك الدماء، و يجمع و يؤازر قوى الإعتدال.
فيواكبها خلال إستكشاف آفاق معالجة سلمية عادلة و حاسمة و حازمة لجذور الصراعات القائمة، حتى تتكلل المساعي بإبرام إتفاقات حلول دائمة، تدعم التدابير المتخذة لتخفيف أعباء الأزمة الإقتصادية و تسهّل الإرتقاء إلى الإنعاش تحفزاً لبلوغ البحبوحة.
إن "الفروع" المنبثقة من الأنظمة "المصدّرة للثورات" و القلاقل، على صورة "أصولها"، تحسب مواطنيها و "المتخرجين" من دورات تدريبها بيادق تحشدها في معاركها و تسدّ "فراغات" ما تستهلكه الحرب بمخزون متجدد لا ينضب، و تستدرّ بكثافة الضحايا عطف الرأي العام في المجتمعات الحرة و تصوّر كل "موقعة" خاضتها إنتصاراً لها.
لا تكفّ هذه الأنظمة المشاكسة و المتمردة عن تعزيز قدراتها العسكرية و اللوجستية و المادية و البشرية المحدودة بالحصار و الحظر العالمين اللذين يطوّقان "طموحاتها".
و كلما حاول المجتمع العالمي فتح سبل لحوار مشروط معها لإقناعها بالتخلي عن شبق التطاول و الهيمنة على دول جوارها و ب"ترويض" نشاطات التخصيب النووي و الإقلاع عن عرقلة الحلول السلمية، كلما سجّلت إنتصاراً لتعنتها.
ثم تنطلق من بعض الكبوات و النكسات التي تصيب الدول الديمقراطية لتعلن سقوط الحضارات و نجاح أنماط الحكم المتخلفة و القمعية و الهجينة التي تمارسها.
إن أنظمة التقهقر هذه تثابر على "تصدير" خلاياها المبرمجة لغزو تدريجي للمجتمعات المنفتحة مستغلة بيئتها المضيافة لتكثير أعدادها و ترجيح كفة قلب المعايير لملاء مة عقائدها.
إن مراحل التغلغل العقائدي و التمدد البشري في لبنان بلغت مراحل حرجة تحتم تراص أبنائه الحريصين على صيانة طابعه الديمقراطي الحضاري ليشكلوا سداً منيعاً في وجه خطة الهيمنة المنهجية التوسعية التي تستهدفه. تحت شعار الممانعة و التصدي بويع الولاء للخارج و ضيّقت على اللبنانيين سبل العيش و زعزع إستقرارهم و إنتزعت الإمتيازات لحملة راية "ولاية الفقيه" حصصاً في الأرض و في مواقع السلطات و القرار تجاوزت نطاق الشراكة إلى إلزامية الفرض.
هذا الإستقطاب للنفوذ المدعوم بقوة السلاح سبب إنشطاراً حاداً ضمن صفوف الشعب اللبناني: شطر حريص على ولاية الجمهورية اللبنانية بدستورها وقوانينها ومؤسساتها و شطر يفذلك ولاية الفقيه ليغزلها و يحبكها في نسيج الدولة ليجعلها "جماهيرية" ثيوقراطية منجذبة و هائمة في فلك إيران و قمرها السوري.
مهما تفاقم ذرّ الرماد في العيون لتعييب مشروع ترسيخ سيادة الدولة و "تظهير" "فضائل" ركوب البساط الأعجمي السحري، لا بد أن يكتشف اللبنانيون حيل إشاحة الأنظار عن خطورة المشروع المموه و أن يثبتوا إعتراضهم على محاولات تمسيخ وطنهم فيحشدوا تأييدهم لحرية و سيادة و إستقلال و فرادة لبنان. فحذار في الإنتخابات المقبلة سلوك طريق المقصلة.
مستعيناً و معدلاً ببيت من شعر المتنبي أقول:
"الرأي" أصدق إنباءً من "الخطب" في حدّه الحدّ بين "العزّ" و "الجدب"
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
السلطة و الثروة و القدرة و المعرفة و التلقين الجذاب هي أرصدة مزدوجة النتائج:
إذا إمتلكها الأخيار و وظفوها في خدمة الإنسانية، رفعوا المجتمعات إلى أعلى المراتب.
أما إذا إقتنصها الأشرار و المهووسون، في غفلة من القيّمين على تأمين سلامة توجهها، و سخّروها لإستعباد البشر و إستغلال طاقاتهم و إعاقة نموّهم و تشويه طباعهم، لأورثوهم تحجّراً في العقل و تقلّصاً في الوعي و بروزاً للغرائز البهيمية التي يثير إضطرابها "جزراً" تقهقرياً تلاطم أمواجه دفق "مدّ" تيارات التطور.
لسنوات عدة تركت الاسواق المالية العالمية شبه مستباحة لنهش الصقور الشرهة.
إذ غضّ طرف الرقيب عن العمليات المشبوهة و التقارير المضللة و البيانات المغشوشة و التوقعات المضخمة و الإختلاسات المموهة و التوظيفات الخطرة والقروض العشوائية الهائلة التي قصمت ظهور المستدينين العاجزين عن إيفائها.
فأتانا زرع الريح بحصاد العاصفة و تفجرت الأوهام زلازل أطاحت بصروح مالية عريقة و شركات عملاقة تساقطت معها مؤسسات لا تحصى معممة البطالة و الإفلاس.
و الطامة الكبرى هي أن الحكومات وعت ضرورة التدخل متأخرة فرتبت على كاهل المكلفين، ضحايا الكارثة الذين تبخرت مدخراتهم، مزيداً من الديون لتقرض المصارف و المؤسسات التي تعتبرها عصب الإقتصاد و توظف في مجالات تحفز، حسب تقديرها، النشاط الإقتصادي، لإنقاذ العالم من الركود.
رغم ضخّ الدول الكبرى مبالغ طائلة من الأموال لكبح التدهور و إنعاش مقومات الحياة، يسود التوجس و الهلع من إتساع مدى إكتساح هذا الإعصار الذي هو في طور بدايته.
أما السؤال المحيّر الذي يرتسم في الأذهان فهو: أية خزائن تسرب إليها كل هذا المال؟
في الجو الحالك و المدلهمّ الذي ينذر بالفاقة و العوز و الجوع، يستذكر المرء التهور و الإسراف و التبذير الذين طبعوا سلوك العديد من "أباطرة" المال، أفراداً و جماعات و حكاماً، حيث هدروا الأموال الخاصة و العامة دون حساب.
و إذا كان شنيعاً إستغلال مال الغير لإشباع نهم "الغيلان"، فأشنع منه هو حرقه لإشعال حروب و إيقاد نزاعات تلهبها دون هوادة حميّة العقائد المتصلّبة المشرئبّة لإنتزاع حقوق من حيّز النقاش السلمي و زجّها في أتون النزاعات المسلحة.
لإدراك مدى أذية وهول و عبثية الحروب، تكفي الإشارة إلى فداحة حروب الشرق الأوسط التي زهقت نيرانها مئات الآلاف من الأرواح و نشرت الدمار و البؤس و التخلّف مستهلكة إثنا عشرة تريليون دولاراً.
فلو إعتمدت الحلول السلمية لسلمت نفوس الضحايا و صرفت الأموال على تحسين أوضاع الشعوب، و إجتثّ الجوع و مُحيت الأمية و إستؤصل المرض و نشر الأمان و الطمانينة و السلام و الرفاهية في أرجاء العالم.
رغم المعاكسة الشرسة لأنظمة التأله و الإستبداد المستقوية بالسلاح و البطش و المنتصبة على جثث رعاياها و جثامين حلفائها، لا بدّ من المثابرة على تضافر جهود كل الدول الحرة المؤمنة بالحوار و التفاهم و الوئام و السلام، ضمن إطار تحرك شامل منسّق و حثيث، يكبح جماح عشاق سفك الدماء، و يجمع و يؤازر قوى الإعتدال.
فيواكبها خلال إستكشاف آفاق معالجة سلمية عادلة و حاسمة و حازمة لجذور الصراعات القائمة، حتى تتكلل المساعي بإبرام إتفاقات حلول دائمة، تدعم التدابير المتخذة لتخفيف أعباء الأزمة الإقتصادية و تسهّل الإرتقاء إلى الإنعاش تحفزاً لبلوغ البحبوحة.
إن "الفروع" المنبثقة من الأنظمة "المصدّرة للثورات" و القلاقل، على صورة "أصولها"، تحسب مواطنيها و "المتخرجين" من دورات تدريبها بيادق تحشدها في معاركها و تسدّ "فراغات" ما تستهلكه الحرب بمخزون متجدد لا ينضب، و تستدرّ بكثافة الضحايا عطف الرأي العام في المجتمعات الحرة و تصوّر كل "موقعة" خاضتها إنتصاراً لها.
لا تكفّ هذه الأنظمة المشاكسة و المتمردة عن تعزيز قدراتها العسكرية و اللوجستية و المادية و البشرية المحدودة بالحصار و الحظر العالمين اللذين يطوّقان "طموحاتها".
و كلما حاول المجتمع العالمي فتح سبل لحوار مشروط معها لإقناعها بالتخلي عن شبق التطاول و الهيمنة على دول جوارها و ب"ترويض" نشاطات التخصيب النووي و الإقلاع عن عرقلة الحلول السلمية، كلما سجّلت إنتصاراً لتعنتها.
ثم تنطلق من بعض الكبوات و النكسات التي تصيب الدول الديمقراطية لتعلن سقوط الحضارات و نجاح أنماط الحكم المتخلفة و القمعية و الهجينة التي تمارسها.
إن أنظمة التقهقر هذه تثابر على "تصدير" خلاياها المبرمجة لغزو تدريجي للمجتمعات المنفتحة مستغلة بيئتها المضيافة لتكثير أعدادها و ترجيح كفة قلب المعايير لملاء مة عقائدها.
إن مراحل التغلغل العقائدي و التمدد البشري في لبنان بلغت مراحل حرجة تحتم تراص أبنائه الحريصين على صيانة طابعه الديمقراطي الحضاري ليشكلوا سداً منيعاً في وجه خطة الهيمنة المنهجية التوسعية التي تستهدفه. تحت شعار الممانعة و التصدي بويع الولاء للخارج و ضيّقت على اللبنانيين سبل العيش و زعزع إستقرارهم و إنتزعت الإمتيازات لحملة راية "ولاية الفقيه" حصصاً في الأرض و في مواقع السلطات و القرار تجاوزت نطاق الشراكة إلى إلزامية الفرض.
هذا الإستقطاب للنفوذ المدعوم بقوة السلاح سبب إنشطاراً حاداً ضمن صفوف الشعب اللبناني: شطر حريص على ولاية الجمهورية اللبنانية بدستورها وقوانينها ومؤسساتها و شطر يفذلك ولاية الفقيه ليغزلها و يحبكها في نسيج الدولة ليجعلها "جماهيرية" ثيوقراطية منجذبة و هائمة في فلك إيران و قمرها السوري.
مهما تفاقم ذرّ الرماد في العيون لتعييب مشروع ترسيخ سيادة الدولة و "تظهير" "فضائل" ركوب البساط الأعجمي السحري، لا بد أن يكتشف اللبنانيون حيل إشاحة الأنظار عن خطورة المشروع المموه و أن يثبتوا إعتراضهم على محاولات تمسيخ وطنهم فيحشدوا تأييدهم لحرية و سيادة و إستقلال و فرادة لبنان. فحذار في الإنتخابات المقبلة سلوك طريق المقصلة.
مستعيناً و معدلاً ببيت من شعر المتنبي أقول:
"الرأي" أصدق إنباءً من "الخطب" في حدّه الحدّ بين "العزّ" و "الجدب"
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
٢٧.١٢.٠٨
فضاء الحرية لا فلك "الثقب الأسود"
*حميد عواد
مدرسة الحياة توفر دروساً قيّمة لمن يعتبر و يستخلص الجدوى مما حصل.
نبيه من يتعلّم من أخطائه و أحذق منه من يتعلّم من أخطاء غيره فيتحاشاها.
لكنّ الغريب في عصر التجلي و التنوير، الذي يحملنا على متنه، أن يبقى الظلام مخيّماً على بعض البيئات و يعمي البصائر، فيقع أهلها ضحايا أستغلال "رعاة" ديماغوجيين و دجّالين و مخادعين، يتملّكهم هاجس دوام سلطانهم و تجديد "بيعتهم" و حرمان "رعاياهم" من نعمة المعرفة و مذاق الكرامة الإنسانية.
و كي لا يفقدوا زمام السيطرة و أعنّة الإستعباد، يطوّقون كل من يصحو من ربقة تخديرهم، ليأمنوا شرّ فضحه آثامهم و حشرههم داخل حلقات المساءلة و المحاسبة.
ثم يلتفون حول إحباط كل جهد إصلاحي و يواظبون على ممارسة أساليب التجهيل و التضليل و التنكيل و شحذ الغرائز و "تسمين ثيرانهم" و ترويج نخاستهم لضبط و تطويع "رعاياهم".
إنّ التوق إلى المعرفة مفتوحة أمامه سبل الإتصالات الحديثة التي تفتح نوافذ إلى النور حتى في بيئات منغلقة.
لكن إيكال التدبير إلى أفراد محدودي الإمكانات و القدرات يبقى ضعيف المردود بطيء الخطى.
لذا لا بد من تضافر مساعي الأحرار في أرجاء المعمورة لمساعدة ضحايا الإستبداد ورهائن الجهل و الكبت و التضليل.
و البداية السليمة تنطلق من الإرشاد المحفز للوعي و الإعداد المحصّن لآليات الحصاد وجني الثمار.
لكن ذلك ليس سهل الإنجاز في مواطن إغتصاب الطغاة الظالمين للملك و كرامة الإنسان.
رغم تعثر بعض تجارب تفكيك الأغلال سابقاً لا بد من إكمال جهد تحرير الطاقات المكبوتة و الكفاءات المكبّلة بوسائل أنجع، لأن التخاذل أمام عصب التألّه و التخلّف و التعصّب و الإرهاب، أينما نمت، لن يسلم من شرورها شعوب الأرض قاطبة.
إن الإسراع في حلّ الصراعات و النزاعات بجرأة و نزاهة و عدالة و حزم يكسح الكثير من الألغام من دروب تعميم التفاهم و التعاون و الوئام و السلام و الرفاهية.
فجحافل الإنحطاط كامنة لمواكب الرقي لتنقضّ عليها و تغدر بها حين تعثرها. و المعالجة لا تتوقف على أستصلاح البيئات الموبوءة بل تتعداها إلى حماية موائل الحرية و محاضن تمازج الحضارات من غزوات جاهلية.
و لأنّ لبنان زهوة العنفوان و نهدة الحرية و جنة الإلهام و نعيم العيش و خمّارة الفكر و منبت الخير و مصنع الأفذاذ و معقل الأحرار، تناوب الطامعون و الهجّانة الموتورون على طعنه بنصالهم و حرابهم المسمومة لتمزيق نسيجه الإجتماعي و تهشيم طابعه الحضاري المميز و تشريد أبنائه.
إن الدعم الدولي المشكور، قرارات و تدابير، لنضال اللبنانيين أمّن سنداً متيناً و مستمراً و فعّالاً لإستعادة حريتهم و إستقلالهم و سيادتهم و لحماية منجزات تزداد تبلوراً.
عنفوان كلّّ لبناني فخور بهويته الوطنية و مخلص لتراثه العريق، ينفح فيه المروءة لدفاع شرس عن قيمه و أرضه و مؤسسات وطنه.
و الولاء الوطني ينقشع صافياً متى لم تشبه زندقة تناقضه.
إذ لا يمكن الركون إلى الإعلان عن الإنخراط في ورشة بناء و ترميم مؤسسات الدولة المدنية بنظامها البرلماني الديمقراطي الحرّ، فيما نجد فريقاً أنشأ دويلته الخاصة و بطّن "تقيّة" سلّمت أمره إلى مرجعية، خارج الحدود، عقيدتها منافية للقيم الديمقراطية.
و لا يمكن منح الثقة لشبكة من مجموعات جنّدها و خلّفها نظام "الإنبعاث" من الفشل، ببطشه و مراوغته، بعد جلاء عسكره عن لبنان.
و لا يمكن الوثوق بمن فقد ذاكرته و هويته و تبرّأ من "مطالعاته" السيادية السابقة، فهادن و "نقى الوجدان" في "الجوار" فيما ثابر على التحريض و نبذ المصالحة في "عقر الدار".
و عبثاً التغاوي بمظاهر الحفاوة و "التفخيم"، و "خطف" الألقاب بالتشويش و التأليب على المقامات الرفيعة فهي "مجد" باطل و شيكات بلا رصيد.
إن المحكّ لصدق دعوات الإصلاح و البرّ و الخدمة و الفضيلة هو الإلتزام بها و تطبيقها على الذات قبل "الغمز من قناة" الآخرين.
فكم من سلوك معوجّ كذب إدعاء الإستقامة.
إنّ مسلك فخامة رئيس الجمهورية ميشال سليمان، الحاظي بإعجاب و إحترام جامعين، يصحّ أن يُعتمد معياراً لقياس أداء أرباب السياسة، فهو مطبوع بسعة الفكر و رحابة الصدر و ببعد النظر و رجاحة المنطق و رسوخ الإيمان بالوطن و الإلتزام بصيانة الدستور و تعميق الحوار و حماية السلم الأهلي و حفظ كرامة المواطن و سلامة ربوع لبنان.
كما أن غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير يملي التقدير و الإحترام بمهابة تقواه و عمق حكمته و طهر تفانيه. إنه حقاً ضمير لبنان و وجدان بنيه.
ذروة اليقظة هي ذخيرة الخلاص في خضمّ التجاذب السياسي الحالي.
الوطن بحاجة إلى كل ذرّة من طاقات و قدرات و تعاون و محبة أهله لرصفها في بناء و ترميم مؤسسات الدولة توطيداً لدعائم الديمقراطية و الحرية و السيادة و الإستقلال، و لإحباط المحاولات الخبيثة المقنّعة و السافرة لدفعه نحو "الثقب الأسود".
* مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
مدرسة الحياة توفر دروساً قيّمة لمن يعتبر و يستخلص الجدوى مما حصل.
نبيه من يتعلّم من أخطائه و أحذق منه من يتعلّم من أخطاء غيره فيتحاشاها.
لكنّ الغريب في عصر التجلي و التنوير، الذي يحملنا على متنه، أن يبقى الظلام مخيّماً على بعض البيئات و يعمي البصائر، فيقع أهلها ضحايا أستغلال "رعاة" ديماغوجيين و دجّالين و مخادعين، يتملّكهم هاجس دوام سلطانهم و تجديد "بيعتهم" و حرمان "رعاياهم" من نعمة المعرفة و مذاق الكرامة الإنسانية.
و كي لا يفقدوا زمام السيطرة و أعنّة الإستعباد، يطوّقون كل من يصحو من ربقة تخديرهم، ليأمنوا شرّ فضحه آثامهم و حشرههم داخل حلقات المساءلة و المحاسبة.
ثم يلتفون حول إحباط كل جهد إصلاحي و يواظبون على ممارسة أساليب التجهيل و التضليل و التنكيل و شحذ الغرائز و "تسمين ثيرانهم" و ترويج نخاستهم لضبط و تطويع "رعاياهم".
إنّ التوق إلى المعرفة مفتوحة أمامه سبل الإتصالات الحديثة التي تفتح نوافذ إلى النور حتى في بيئات منغلقة.
لكن إيكال التدبير إلى أفراد محدودي الإمكانات و القدرات يبقى ضعيف المردود بطيء الخطى.
لذا لا بد من تضافر مساعي الأحرار في أرجاء المعمورة لمساعدة ضحايا الإستبداد ورهائن الجهل و الكبت و التضليل.
و البداية السليمة تنطلق من الإرشاد المحفز للوعي و الإعداد المحصّن لآليات الحصاد وجني الثمار.
لكن ذلك ليس سهل الإنجاز في مواطن إغتصاب الطغاة الظالمين للملك و كرامة الإنسان.
رغم تعثر بعض تجارب تفكيك الأغلال سابقاً لا بد من إكمال جهد تحرير الطاقات المكبوتة و الكفاءات المكبّلة بوسائل أنجع، لأن التخاذل أمام عصب التألّه و التخلّف و التعصّب و الإرهاب، أينما نمت، لن يسلم من شرورها شعوب الأرض قاطبة.
إن الإسراع في حلّ الصراعات و النزاعات بجرأة و نزاهة و عدالة و حزم يكسح الكثير من الألغام من دروب تعميم التفاهم و التعاون و الوئام و السلام و الرفاهية.
فجحافل الإنحطاط كامنة لمواكب الرقي لتنقضّ عليها و تغدر بها حين تعثرها. و المعالجة لا تتوقف على أستصلاح البيئات الموبوءة بل تتعداها إلى حماية موائل الحرية و محاضن تمازج الحضارات من غزوات جاهلية.
و لأنّ لبنان زهوة العنفوان و نهدة الحرية و جنة الإلهام و نعيم العيش و خمّارة الفكر و منبت الخير و مصنع الأفذاذ و معقل الأحرار، تناوب الطامعون و الهجّانة الموتورون على طعنه بنصالهم و حرابهم المسمومة لتمزيق نسيجه الإجتماعي و تهشيم طابعه الحضاري المميز و تشريد أبنائه.
إن الدعم الدولي المشكور، قرارات و تدابير، لنضال اللبنانيين أمّن سنداً متيناً و مستمراً و فعّالاً لإستعادة حريتهم و إستقلالهم و سيادتهم و لحماية منجزات تزداد تبلوراً.
عنفوان كلّّ لبناني فخور بهويته الوطنية و مخلص لتراثه العريق، ينفح فيه المروءة لدفاع شرس عن قيمه و أرضه و مؤسسات وطنه.
و الولاء الوطني ينقشع صافياً متى لم تشبه زندقة تناقضه.
إذ لا يمكن الركون إلى الإعلان عن الإنخراط في ورشة بناء و ترميم مؤسسات الدولة المدنية بنظامها البرلماني الديمقراطي الحرّ، فيما نجد فريقاً أنشأ دويلته الخاصة و بطّن "تقيّة" سلّمت أمره إلى مرجعية، خارج الحدود، عقيدتها منافية للقيم الديمقراطية.
و لا يمكن منح الثقة لشبكة من مجموعات جنّدها و خلّفها نظام "الإنبعاث" من الفشل، ببطشه و مراوغته، بعد جلاء عسكره عن لبنان.
و لا يمكن الوثوق بمن فقد ذاكرته و هويته و تبرّأ من "مطالعاته" السيادية السابقة، فهادن و "نقى الوجدان" في "الجوار" فيما ثابر على التحريض و نبذ المصالحة في "عقر الدار".
و عبثاً التغاوي بمظاهر الحفاوة و "التفخيم"، و "خطف" الألقاب بالتشويش و التأليب على المقامات الرفيعة فهي "مجد" باطل و شيكات بلا رصيد.
إن المحكّ لصدق دعوات الإصلاح و البرّ و الخدمة و الفضيلة هو الإلتزام بها و تطبيقها على الذات قبل "الغمز من قناة" الآخرين.
فكم من سلوك معوجّ كذب إدعاء الإستقامة.
إنّ مسلك فخامة رئيس الجمهورية ميشال سليمان، الحاظي بإعجاب و إحترام جامعين، يصحّ أن يُعتمد معياراً لقياس أداء أرباب السياسة، فهو مطبوع بسعة الفكر و رحابة الصدر و ببعد النظر و رجاحة المنطق و رسوخ الإيمان بالوطن و الإلتزام بصيانة الدستور و تعميق الحوار و حماية السلم الأهلي و حفظ كرامة المواطن و سلامة ربوع لبنان.
كما أن غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير يملي التقدير و الإحترام بمهابة تقواه و عمق حكمته و طهر تفانيه. إنه حقاً ضمير لبنان و وجدان بنيه.
ذروة اليقظة هي ذخيرة الخلاص في خضمّ التجاذب السياسي الحالي.
الوطن بحاجة إلى كل ذرّة من طاقات و قدرات و تعاون و محبة أهله لرصفها في بناء و ترميم مؤسسات الدولة توطيداً لدعائم الديمقراطية و الحرية و السيادة و الإستقلال، و لإحباط المحاولات الخبيثة المقنّعة و السافرة لدفعه نحو "الثقب الأسود".
* مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
١.١١.٠٨
صبّ الجهود الطيّبة لإكتساب المناعة
*حميد عواد
لبنان الوديع ينهض على وقع وعد "لبّيك لبنان!" مع إنتفاض أبنائه المخلصين من ركام تخريب الشياطين، و إنتصابهم لإفتدائه بالمهج و إنعاشه و إبراز قيمه الأصيلة، ببذل جهود حثيثة معجونة بالعرق و الدمّ و العنفوان و الوفاء و المحبة.
لبنان يسامح من أساء إليه و شوّه قسماته البهيّة شرط الكف عن الإساءة و التشويه. و هو يفرح ليقظة الضمائر الآيبة من آفاق السراب و التيه.
لبنان يسعد لتفتح بصائر مجتمعات منغلقة أدركها نور نجمه فأكتشفت فيه موئلاً للوئام، لا مسرحاً للخصام، و حوضاً خصباً للتفاعل الخلاّق، لا مسلخاً وسخاً للتناحر الهلاّك، و حاضرة حاضنة للعمران، لا بؤرة توتير للتخريب، و منتجعاً مضيافاً للإستجمام لا "مكسر عصا" للحاقدين و لا "حقل رماية" للمتدربين او "ساحة وغى" للمتطاحنين أو ميدان "حروب وقائية أو بديلة" للمتنازعين.
لبنان ينشرح لمبادرة أصدقائه الكثر إلى زجر و ردع مصادر التهديد و الترهيب، و يقدّر مساعداتهم الإقتصادية و المالية و العسكرية، و مواكبة نهوضه بتعزيز سلطاته و تدعيم مؤسساته و إزالة العقبات و العوائق من درب سريان دورة الحياة الديمقراطية و تزخيم مواهب أبنائه لصبّها في سياق دفعه قدماً نحو الرقي و الإزدهار.
لبنان بدأ بإستعادة زهوة مجده كمنتدى للثقافة و محترف للفنون و مربع للسياحة و صرح حضاري لتعانق الأديان و قد توهّج قبسٌ من أنوار دوره الوئامي و المبدع بالأمس في إحتفال تدشين التحفة المعمارية مسجد محمد الأمين، و ذلك رغم حؤول الظروف الراهنة دون ترسيخ سلطة الدولة على كل الأراضي اللبنانية و ممارسة واجبها الجوهري في حصر حمل السلاح بقواها الشرعية دون منازع لحماية سلامة و حقوق المواطنين و حرمة المؤسسات و صيانة الحدود.
لكلّ مواطن أو زائر ملتزم بالقانون حقّ، غير قابل للجدل أو النقض، بالتنقّل بحرية في ربوع لبنان دون "مفاجأته" بإدعاءات "إنتهاكه" مناطق "عسكرية" غير نظامية تجعله معرّضاً للإستجواب أو حتى تحوّله "هدفاً" لإطلاق النار. إن التعبير الصريح و البليغ عن رغبة من أنشأ فصائله المسلحة الخاصّة داخل لبنان، بتسهيل نهوض الدولة اللبنانية و إحترام سيادتها و إستقلالها، يتجسّد في تفكيك فصائله أولاً و تجيير طاقاته لصالح تدعيم سلطاتها، و إلا ضاعت المساعي هباء و أفصحت التصاريح الإنشائية عن هراء و تهكّم يفضحان الستار الواهي المموّه لنوايا خبيثة.
إنّ حرية الفكر و العقيدة و التعبير هي حقّ فطري و بديهي مصون دستورياً و راسخ في لبنان طالما لم ينتقص من أو يتعدى على حرية عامة الناس.
لكن الجنوح بممارستها إلى التهويل و العنف و الجموح إلى الهيمنة و الإكراه هو شذوذ خطير، لا يخفف من أذاه "تطمين" بتأجيل "التنفيذ" (الإطباق) إلى حين "نضج ظروف التخصيب و التغلغل الميداني".
و لا يطمس عوراتها بخور "إغداق الحفاوة و التكريم" لمن أنتج إضطراب مفاهيمه و إختلال موازينه تبديداً لرصيد مناضلين أبرار من صفوة اللبنانيين خلال جهود "نُذرت" ل"أللبننة" فإنعكست و إنقلبت "أيرنة" و "سورنة"!
في خضمّ حركة بورصة الإبتزاز السياسي يضغط "متعهّدو" مسخ وجه لبنان المتألّق و إغتصاب دوره الطليعي و نهش تراثه المجيد بإتجاه الإرتداد إلى سوق النخاسة التي سادت ثلاثة عقود و الإحتفاظ ب"الغنائم" التي أباحها لنخّاسيه في كافة مؤسسات و إدارات الدولة و أخطرها في المجالين الأمني و القضائي.
لذا يروج التبادل العجيب و التداول المريب و يُسوّق الذمّ في معرض المدح و يُضخّ السمّ في خلاصة الدسم!
لكن الأمل و التفاؤل ينتعشان مع تبلور الإرادة الحرّة و إختمار الوعي و رجحان كفّة الحكمة و تكوكب الطلائع السيادية و تتابع خطوات التلاقي و جهود التهدئة التي نتمنّى أن تؤول إلى نقاء الضمير و صفاء الوجدان و جلاء الرؤية و إرساء الإيمان بالوطن و إنماء اللحمة الوطنية.
لضمان نجاح عملية الإقلاع و التحليق نحو آفاق الهناء، لا بد من إشراك فعلي لجناح الاغتراب اللبناني المرن و النافذ إلى جانب إخوته المقيمين، فيزداد زخم الطيران.
و لا بد من التنويه أن تنشيط الجهود الخيرة، الآيلة إلى تأمين حياة كريمة للبنانيين، تترافق مع رفق ببيئتهم الطبيعية الخلاّبة و تثمير لغلاّتها و تسخير لطاقاتها النظيفة الشمسية و المائية و الهوائية.
فيما تشكو السوق المالية العالمية من "فقدان المناعة (و الثقة) المكتسبة" نرجو أن تُنسج المناعة الوطنية دون زغل متغلبة على دسائس التفرقة ومحبطة لمغريات تهجين الولاء و شراء الذمم.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
لبنان الوديع ينهض على وقع وعد "لبّيك لبنان!" مع إنتفاض أبنائه المخلصين من ركام تخريب الشياطين، و إنتصابهم لإفتدائه بالمهج و إنعاشه و إبراز قيمه الأصيلة، ببذل جهود حثيثة معجونة بالعرق و الدمّ و العنفوان و الوفاء و المحبة.
لبنان يسامح من أساء إليه و شوّه قسماته البهيّة شرط الكف عن الإساءة و التشويه. و هو يفرح ليقظة الضمائر الآيبة من آفاق السراب و التيه.
لبنان يسعد لتفتح بصائر مجتمعات منغلقة أدركها نور نجمه فأكتشفت فيه موئلاً للوئام، لا مسرحاً للخصام، و حوضاً خصباً للتفاعل الخلاّق، لا مسلخاً وسخاً للتناحر الهلاّك، و حاضرة حاضنة للعمران، لا بؤرة توتير للتخريب، و منتجعاً مضيافاً للإستجمام لا "مكسر عصا" للحاقدين و لا "حقل رماية" للمتدربين او "ساحة وغى" للمتطاحنين أو ميدان "حروب وقائية أو بديلة" للمتنازعين.
لبنان ينشرح لمبادرة أصدقائه الكثر إلى زجر و ردع مصادر التهديد و الترهيب، و يقدّر مساعداتهم الإقتصادية و المالية و العسكرية، و مواكبة نهوضه بتعزيز سلطاته و تدعيم مؤسساته و إزالة العقبات و العوائق من درب سريان دورة الحياة الديمقراطية و تزخيم مواهب أبنائه لصبّها في سياق دفعه قدماً نحو الرقي و الإزدهار.
لبنان بدأ بإستعادة زهوة مجده كمنتدى للثقافة و محترف للفنون و مربع للسياحة و صرح حضاري لتعانق الأديان و قد توهّج قبسٌ من أنوار دوره الوئامي و المبدع بالأمس في إحتفال تدشين التحفة المعمارية مسجد محمد الأمين، و ذلك رغم حؤول الظروف الراهنة دون ترسيخ سلطة الدولة على كل الأراضي اللبنانية و ممارسة واجبها الجوهري في حصر حمل السلاح بقواها الشرعية دون منازع لحماية سلامة و حقوق المواطنين و حرمة المؤسسات و صيانة الحدود.
لكلّ مواطن أو زائر ملتزم بالقانون حقّ، غير قابل للجدل أو النقض، بالتنقّل بحرية في ربوع لبنان دون "مفاجأته" بإدعاءات "إنتهاكه" مناطق "عسكرية" غير نظامية تجعله معرّضاً للإستجواب أو حتى تحوّله "هدفاً" لإطلاق النار. إن التعبير الصريح و البليغ عن رغبة من أنشأ فصائله المسلحة الخاصّة داخل لبنان، بتسهيل نهوض الدولة اللبنانية و إحترام سيادتها و إستقلالها، يتجسّد في تفكيك فصائله أولاً و تجيير طاقاته لصالح تدعيم سلطاتها، و إلا ضاعت المساعي هباء و أفصحت التصاريح الإنشائية عن هراء و تهكّم يفضحان الستار الواهي المموّه لنوايا خبيثة.
إنّ حرية الفكر و العقيدة و التعبير هي حقّ فطري و بديهي مصون دستورياً و راسخ في لبنان طالما لم ينتقص من أو يتعدى على حرية عامة الناس.
لكن الجنوح بممارستها إلى التهويل و العنف و الجموح إلى الهيمنة و الإكراه هو شذوذ خطير، لا يخفف من أذاه "تطمين" بتأجيل "التنفيذ" (الإطباق) إلى حين "نضج ظروف التخصيب و التغلغل الميداني".
و لا يطمس عوراتها بخور "إغداق الحفاوة و التكريم" لمن أنتج إضطراب مفاهيمه و إختلال موازينه تبديداً لرصيد مناضلين أبرار من صفوة اللبنانيين خلال جهود "نُذرت" ل"أللبننة" فإنعكست و إنقلبت "أيرنة" و "سورنة"!
في خضمّ حركة بورصة الإبتزاز السياسي يضغط "متعهّدو" مسخ وجه لبنان المتألّق و إغتصاب دوره الطليعي و نهش تراثه المجيد بإتجاه الإرتداد إلى سوق النخاسة التي سادت ثلاثة عقود و الإحتفاظ ب"الغنائم" التي أباحها لنخّاسيه في كافة مؤسسات و إدارات الدولة و أخطرها في المجالين الأمني و القضائي.
لذا يروج التبادل العجيب و التداول المريب و يُسوّق الذمّ في معرض المدح و يُضخّ السمّ في خلاصة الدسم!
لكن الأمل و التفاؤل ينتعشان مع تبلور الإرادة الحرّة و إختمار الوعي و رجحان كفّة الحكمة و تكوكب الطلائع السيادية و تتابع خطوات التلاقي و جهود التهدئة التي نتمنّى أن تؤول إلى نقاء الضمير و صفاء الوجدان و جلاء الرؤية و إرساء الإيمان بالوطن و إنماء اللحمة الوطنية.
لضمان نجاح عملية الإقلاع و التحليق نحو آفاق الهناء، لا بد من إشراك فعلي لجناح الاغتراب اللبناني المرن و النافذ إلى جانب إخوته المقيمين، فيزداد زخم الطيران.
و لا بد من التنويه أن تنشيط الجهود الخيرة، الآيلة إلى تأمين حياة كريمة للبنانيين، تترافق مع رفق ببيئتهم الطبيعية الخلاّبة و تثمير لغلاّتها و تسخير لطاقاتها النظيفة الشمسية و المائية و الهوائية.
فيما تشكو السوق المالية العالمية من "فقدان المناعة (و الثقة) المكتسبة" نرجو أن تُنسج المناعة الوطنية دون زغل متغلبة على دسائس التفرقة ومحبطة لمغريات تهجين الولاء و شراء الذمم.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
٨.٩.٠٨
ذخيرتنا الإيمان بالوطن
*حميد عواد
بثّ الخوف و نشر الرعب في نفوس الناس، تهويلاً بالتعنيف و الإستقواء و ترهيباً بشهر السلاح و التنكيل و ترويعاً بالقتل، هو الأسلوب الهمجي الذي تتقنه و تعتمده القوى المتوحشة لإخضاع الناس و إخراسها و تصفية العاصين على التدجين، إغتيالاً أو تهجيراً أو محاصرةً و قمعاً و إضطهاداً أو زجّاً في الزنازين.
تحت وطأة و هول هكذا ضغوط قاهرة يُغيّب الضمير الحرّ و يُخنق صوت الحكمة و يُجرّم الرأي الصريح و الصائب بينما يعلو صخب الغوغاء و التطرّف و الإنتهازية، فيرتاح المفترسون لفرض "ملك" إغتصبوه و غنموه من هضم الحقوق و تعطيل الفكر الناقد و من كشف الحساب الدقيق.
شهد اللبنانيون و صدوا بصلابة صولات و جولات للباطل على مدى عقود في ديارهم. لكنّ ذلك أضناهم و إستنزفهم و أحدث شروخاً في البيئة الإجتماعية و فرزاً جغرافياً بسبب إختراق النفوذ الغريب لنسيج المجتع المختلط خاصة عبر "الضيوف" و "الوافدين" و "الناشئين" على تلقين متزمّت و صراع مستديم مع إسرائيل و نهم جامح لإلتهام لبنان. و في ظلال الفوضى "فرّخت" بؤر تخريب و قواعد مسلّحة متطاولة على سيادة الدولة و متآمرة على أمن المواطن تحت شعارات و ذرائع منوعة و خادعة.
رغم المساندة الدولية المستمرّة لردع الإنتهاك و الإقتحام الإقليمين لحرمات الوطن، مساعٍ و قراراتٍ أممية و حشدٍ لقوات حفظ السلام، و رغم الدعم الحثيث لنهوض الدولة بعد كلّ كبوة برفد جهود مسؤوليها و تزويد و تجهيز مؤسساتها و شدّ أزر الجادّين و المؤمنين بقيام الدولة السّيدة و المستقلة و المسيّرة بحكم القانون المنبثق من الدستور، ينكبّ المحور الإقليمي الإيراني-السوري على تعزيز نفوذه داخل لبنان عبر استنفار "مسلحيه" المرتبطين عضوياً بأوامره مقتطعاً "قواعد" عسكرية يحرك شاغليها طبقاً لمقتضيات تناطحه و تفاوضه مع المجتمع الدولي.
لآ شكّ أنّ إيران الأثقل وزناً و الأكثر إقتداراً و إكتفاءً و غنى في هذا المحور، هي الأكثر ثقة "لنجاح سياستها في لبنان" حيث أوجدت كياناً كامل التجهيز و التسلح و التدريب منافساً لمؤسسات الدولة يذّكر بدويلة منظمة التحرير التى تفككت في لبنان لتقوم في مكانها المناسب: الأراضي الفلسطينية.
لقد شقّت فيالق هذه "القواعد" طريقها إلى الحكم في لبنان لتثابر على توسيع تفوذها و مدّ سيطرتها داخل المؤسسات، و لتواظب على الضغظ الميداني لفرض إرادتها المتحدّرة من مخططات أوليائها.
و طالما إستمرّ فرض مصالح المحور الإيراني-السوري على حساب نهوض و إستقرار الوطن و طالما تواصل تقويض مؤسساته و هضمه و قضمه من الداخل بقي لبنان في دائرة الخطر.
كلما سلك المجتمع الدولي الطرق الدبلوماسية للتعاطي مع هذا المحور، كلما إعتبر الثنائي الإيراني-السوري و طوابيره أنه أنتصر.
في سياق تحصيل الأثمان القصوى للكفّ عن مشاغباته يجزّئ النظام السوري صفقاته. ها هو "يبيع" الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي وعداً بإقامة علاقات دبلوماسية "حصّله" الرئيس اللبناني ميشال سليمان خلال زيارته لدمشق، ليستوفي ثمنه زيارة من ساركوزي لدمشق. و قد كان قطف ثمار "تسهيل" إجراء الإنتخابات الرئاسية في لبنان ثم تشكيل الحكومة فكّاً جزئيّاً لعزلته الدولية.
لكن المتتبع لتصريحات المسؤولين السوريين فيما يخصّ لبنان يجد أنها تنمّ و تنضح بوضوح عن حلم إستعادة السيطرة عليه. فالدخول الروسي إلى جورجيا و أوسيتيا و أبخازيا دغدغ "حنان" الرئيس السوري بشار الأسد لعودة إلى لبنان. كما أنّه لمّح إلى تدخّل عسكري بذريعة حماية جماعات يعتبرها من "عظام الرقبة" قاطنة في شمال لبنان زجّت في معمعة إشتباكات مسلحة مع جماعات مختلفة "اللون" لكن مماثلة الإرتباط بمن دبّر هذه الفتن.
تحضرني نادرة في هذا السياق تتعلق بفرد يعاني من عقدة نفسية تجعله يظنّ أنّه حبة قمح لأنّ دجاجة جيرانه تطارده. و بعد الخضوع لمعالجة نفسية وثق أنه ليس بحبة قمح. لكن ما أن رأى الدجاجة هرب. فسئل لماذا هربت فقال أنا موقن أنني لست حبة قمح لكن عليكم أن تقنعوا الدجاجة بذلك.
قطعاً لدابر الفتنة حزمت الحكومة أمرها و نشرت لواءً من الجيش اللبناني في مناطق التوتر (طرابلس، التبانة، جبل محسن) بعد التمهيد بإجراء مشاورات واسعة مع ممثلين رسميين و عير رسميين. و أرفقت الإنتشار الأمني بخطة للتنمية الإجتماعية و الإقتصادية لتجنيد كل الطاقات في العمل المجدي و المثمر. هكذا يستنفد حملة السلاح غير الشرعي طاقات جيش الوطن بإفتعال الفتن المتنقلة.
في غمرة الحديث عن إستكمال جلسات الحوار تحت رعاية و إدارة رئيس الجمهورية و بحضور عربي، و عشية تعيين قائد أصيل للجيش، صُعق اللبنانيون بخبر إستهداف مروحية للجيش اللبناني بنار عناصر من التنظيم المسلح المشتقّ من "عظام رقبة" النظام الإيراني، و فجعوا بمقتل ضابظ مرموق عالي المناقب و مصقول المهارات و متعدد المواهب و الكفاءات هو النقيب الطيار سامر حنا. كل المخلصين المتشبثين بتوطيد دعائم الدولة أحسّوا بالمرارة لسقوط شهيد غالٍ، فلذة من كبد الوطن، أرداه رصاص أضاع البوصلة أو أعماه التضليل، فإعتبر كل من إقترب من "قاعدة" إقتطعها من أرض الوطن، هو "عدو" حلّ هدر دمه. المسؤولية ليست فردية و ليت "تحمّلها" يرد الروح لفقيد الوطن.
إنّ محاولة التخفيف من حدة الغضب لا تجيز، "لياقة"، تصنيف هكذا خسارة فادحة حادثاً عابراً، و لا التلميح بأن الفريق المرتكب و إن سلم مطلقاً للنار، تطوّع للإستسلام، ليس ملزماً بالخضوع للمحاسبة.
تنقيباً عن الوضوح في المفاهيم يستذكر المراقب جملة الإفتراءات السابقة على الجيش الهادفة إلى تكبيله و كيف "تحوًر" قرار من مجلس الوزراء السابق "حرباً" فشُنت بإسمها حملة "تأديبية" و "نظيفة" في بيروت و الجبل. ثم يتساءل: هل شُبّه للعين "الراصدة" رؤية العدو في "عيينة" البندقية التي إرتسم في بؤرتها رأس قائد المروحية و غاب عنها العلم فضُغظ على الزناد؟
غريب تنطح من قايض تراث نضال شباب سيادي ب"حضانة ذمّية" و "إمتيازات منوعة" لينبري للدفاع عن حاضنه شاهراً سيفه المستعار في وجه منافسيه و أخصام حليفه!
حبّذا لو توقظ هذه الصدمة كل الضمائر الخدرة، فيستعيد المواطن المحبط أو المضلل عافيته الفكرية و يتحوّل من مفعول به و فيه إلى فاعل نبيه يكرّس ولاءه لوطنه و يلتزم المصلحة الوطنية الشاملة و يفضح المشعوذين و يكشف أضاليلهم.
للإسهام في نشر التوعية و التربية المدنية السليمة يجب على وزارة الإعلام بالإشتراك مع وزارة الثقافة تنظيم حملات تثقيفية من خلال شعارات مأثورة
عميقة المدلول نافذة التوجيه تلزم كل وسائل الإعلام بنشرها و بثها بلا مقابل على دفعات يومياً و تنظم بالتعاون و التنسيق مع رجال الفكر و المؤسسات الثقافية و التربوية ندوات تروّج لتوسيع آفاق المعرفة و شحذ المنطق النقدي و تنمية الطاقات و المهارات و "تخصيب الخير" و "تعقيم الشرّ".
* مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
بثّ الخوف و نشر الرعب في نفوس الناس، تهويلاً بالتعنيف و الإستقواء و ترهيباً بشهر السلاح و التنكيل و ترويعاً بالقتل، هو الأسلوب الهمجي الذي تتقنه و تعتمده القوى المتوحشة لإخضاع الناس و إخراسها و تصفية العاصين على التدجين، إغتيالاً أو تهجيراً أو محاصرةً و قمعاً و إضطهاداً أو زجّاً في الزنازين.
تحت وطأة و هول هكذا ضغوط قاهرة يُغيّب الضمير الحرّ و يُخنق صوت الحكمة و يُجرّم الرأي الصريح و الصائب بينما يعلو صخب الغوغاء و التطرّف و الإنتهازية، فيرتاح المفترسون لفرض "ملك" إغتصبوه و غنموه من هضم الحقوق و تعطيل الفكر الناقد و من كشف الحساب الدقيق.
شهد اللبنانيون و صدوا بصلابة صولات و جولات للباطل على مدى عقود في ديارهم. لكنّ ذلك أضناهم و إستنزفهم و أحدث شروخاً في البيئة الإجتماعية و فرزاً جغرافياً بسبب إختراق النفوذ الغريب لنسيج المجتع المختلط خاصة عبر "الضيوف" و "الوافدين" و "الناشئين" على تلقين متزمّت و صراع مستديم مع إسرائيل و نهم جامح لإلتهام لبنان. و في ظلال الفوضى "فرّخت" بؤر تخريب و قواعد مسلّحة متطاولة على سيادة الدولة و متآمرة على أمن المواطن تحت شعارات و ذرائع منوعة و خادعة.
رغم المساندة الدولية المستمرّة لردع الإنتهاك و الإقتحام الإقليمين لحرمات الوطن، مساعٍ و قراراتٍ أممية و حشدٍ لقوات حفظ السلام، و رغم الدعم الحثيث لنهوض الدولة بعد كلّ كبوة برفد جهود مسؤوليها و تزويد و تجهيز مؤسساتها و شدّ أزر الجادّين و المؤمنين بقيام الدولة السّيدة و المستقلة و المسيّرة بحكم القانون المنبثق من الدستور، ينكبّ المحور الإقليمي الإيراني-السوري على تعزيز نفوذه داخل لبنان عبر استنفار "مسلحيه" المرتبطين عضوياً بأوامره مقتطعاً "قواعد" عسكرية يحرك شاغليها طبقاً لمقتضيات تناطحه و تفاوضه مع المجتمع الدولي.
لآ شكّ أنّ إيران الأثقل وزناً و الأكثر إقتداراً و إكتفاءً و غنى في هذا المحور، هي الأكثر ثقة "لنجاح سياستها في لبنان" حيث أوجدت كياناً كامل التجهيز و التسلح و التدريب منافساً لمؤسسات الدولة يذّكر بدويلة منظمة التحرير التى تفككت في لبنان لتقوم في مكانها المناسب: الأراضي الفلسطينية.
لقد شقّت فيالق هذه "القواعد" طريقها إلى الحكم في لبنان لتثابر على توسيع تفوذها و مدّ سيطرتها داخل المؤسسات، و لتواظب على الضغظ الميداني لفرض إرادتها المتحدّرة من مخططات أوليائها.
و طالما إستمرّ فرض مصالح المحور الإيراني-السوري على حساب نهوض و إستقرار الوطن و طالما تواصل تقويض مؤسساته و هضمه و قضمه من الداخل بقي لبنان في دائرة الخطر.
كلما سلك المجتمع الدولي الطرق الدبلوماسية للتعاطي مع هذا المحور، كلما إعتبر الثنائي الإيراني-السوري و طوابيره أنه أنتصر.
في سياق تحصيل الأثمان القصوى للكفّ عن مشاغباته يجزّئ النظام السوري صفقاته. ها هو "يبيع" الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي وعداً بإقامة علاقات دبلوماسية "حصّله" الرئيس اللبناني ميشال سليمان خلال زيارته لدمشق، ليستوفي ثمنه زيارة من ساركوزي لدمشق. و قد كان قطف ثمار "تسهيل" إجراء الإنتخابات الرئاسية في لبنان ثم تشكيل الحكومة فكّاً جزئيّاً لعزلته الدولية.
لكن المتتبع لتصريحات المسؤولين السوريين فيما يخصّ لبنان يجد أنها تنمّ و تنضح بوضوح عن حلم إستعادة السيطرة عليه. فالدخول الروسي إلى جورجيا و أوسيتيا و أبخازيا دغدغ "حنان" الرئيس السوري بشار الأسد لعودة إلى لبنان. كما أنّه لمّح إلى تدخّل عسكري بذريعة حماية جماعات يعتبرها من "عظام الرقبة" قاطنة في شمال لبنان زجّت في معمعة إشتباكات مسلحة مع جماعات مختلفة "اللون" لكن مماثلة الإرتباط بمن دبّر هذه الفتن.
تحضرني نادرة في هذا السياق تتعلق بفرد يعاني من عقدة نفسية تجعله يظنّ أنّه حبة قمح لأنّ دجاجة جيرانه تطارده. و بعد الخضوع لمعالجة نفسية وثق أنه ليس بحبة قمح. لكن ما أن رأى الدجاجة هرب. فسئل لماذا هربت فقال أنا موقن أنني لست حبة قمح لكن عليكم أن تقنعوا الدجاجة بذلك.
قطعاً لدابر الفتنة حزمت الحكومة أمرها و نشرت لواءً من الجيش اللبناني في مناطق التوتر (طرابلس، التبانة، جبل محسن) بعد التمهيد بإجراء مشاورات واسعة مع ممثلين رسميين و عير رسميين. و أرفقت الإنتشار الأمني بخطة للتنمية الإجتماعية و الإقتصادية لتجنيد كل الطاقات في العمل المجدي و المثمر. هكذا يستنفد حملة السلاح غير الشرعي طاقات جيش الوطن بإفتعال الفتن المتنقلة.
في غمرة الحديث عن إستكمال جلسات الحوار تحت رعاية و إدارة رئيس الجمهورية و بحضور عربي، و عشية تعيين قائد أصيل للجيش، صُعق اللبنانيون بخبر إستهداف مروحية للجيش اللبناني بنار عناصر من التنظيم المسلح المشتقّ من "عظام رقبة" النظام الإيراني، و فجعوا بمقتل ضابظ مرموق عالي المناقب و مصقول المهارات و متعدد المواهب و الكفاءات هو النقيب الطيار سامر حنا. كل المخلصين المتشبثين بتوطيد دعائم الدولة أحسّوا بالمرارة لسقوط شهيد غالٍ، فلذة من كبد الوطن، أرداه رصاص أضاع البوصلة أو أعماه التضليل، فإعتبر كل من إقترب من "قاعدة" إقتطعها من أرض الوطن، هو "عدو" حلّ هدر دمه. المسؤولية ليست فردية و ليت "تحمّلها" يرد الروح لفقيد الوطن.
إنّ محاولة التخفيف من حدة الغضب لا تجيز، "لياقة"، تصنيف هكذا خسارة فادحة حادثاً عابراً، و لا التلميح بأن الفريق المرتكب و إن سلم مطلقاً للنار، تطوّع للإستسلام، ليس ملزماً بالخضوع للمحاسبة.
تنقيباً عن الوضوح في المفاهيم يستذكر المراقب جملة الإفتراءات السابقة على الجيش الهادفة إلى تكبيله و كيف "تحوًر" قرار من مجلس الوزراء السابق "حرباً" فشُنت بإسمها حملة "تأديبية" و "نظيفة" في بيروت و الجبل. ثم يتساءل: هل شُبّه للعين "الراصدة" رؤية العدو في "عيينة" البندقية التي إرتسم في بؤرتها رأس قائد المروحية و غاب عنها العلم فضُغظ على الزناد؟
غريب تنطح من قايض تراث نضال شباب سيادي ب"حضانة ذمّية" و "إمتيازات منوعة" لينبري للدفاع عن حاضنه شاهراً سيفه المستعار في وجه منافسيه و أخصام حليفه!
حبّذا لو توقظ هذه الصدمة كل الضمائر الخدرة، فيستعيد المواطن المحبط أو المضلل عافيته الفكرية و يتحوّل من مفعول به و فيه إلى فاعل نبيه يكرّس ولاءه لوطنه و يلتزم المصلحة الوطنية الشاملة و يفضح المشعوذين و يكشف أضاليلهم.
للإسهام في نشر التوعية و التربية المدنية السليمة يجب على وزارة الإعلام بالإشتراك مع وزارة الثقافة تنظيم حملات تثقيفية من خلال شعارات مأثورة
عميقة المدلول نافذة التوجيه تلزم كل وسائل الإعلام بنشرها و بثها بلا مقابل على دفعات يومياً و تنظم بالتعاون و التنسيق مع رجال الفكر و المؤسسات الثقافية و التربوية ندوات تروّج لتوسيع آفاق المعرفة و شحذ المنطق النقدي و تنمية الطاقات و المهارات و "تخصيب الخير" و "تعقيم الشرّ".
* مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
٢.٧.٠٨
حبّذا العودة إلى الرشد
حميد عواد*
يُحسد لبنان على موقعه الطبيعي الآمن نسبياً من ضربات الهزّات المدمرة و المتكررة، و البعيد عن مدى إنفلاش حمم البراكين و مسارات الزوابع و الأعاصير و عن نطاق بيْد القحط و الجدب و التصحر.
و يُشتهى أكثر لغناه الطبيعي و خصبه و جودة ثماره و طيب مناخه و شواهده التاريخية البارزة للعيان أو المطمورة في كل أرضه.
و لأن "الجنّة من دون ناس (طامحة و مضيافة تضخ فيها صخب الحياة) ما بتنداس"، ما قُدّر للبنان أن يصبح درّة الشرق و منتداه الثقافي لولا الجهود الخيّرة التي بذلها أبناؤه الطافحون بعشقهم لحلاوة الحياة.
يوم نعم لبنان بسلام و إستقرار، أنضجت الخميرة اللبنانية الأصيلة العجين و نفحت نهضة إزدهار و عمران و فورة إقتصاد، و نشّطت التلاقح الفكري والتفاعل الحضاري، فرفعت لبنان إلى مصاف نموذج إنساني فريد و رائد في رقيّه.
لكن للأسف الشديد لم يسلم هذا الوطن الوادع من صليات أطماع الجوار الحاقد، و جموح طغيان العقائد المنحرفة و شهوات السيطرة العنفية، و قذائف البارود و بخّات التحريض، و زخّات المال المسموم التي تناوبت على تخريبه و التنكيل بأهله.
و إذا كانت فظيعةً ذنوبُ الغزاة الذين شنّوا حملاتهم العسكرية على الوطن أو دسّوا الدسائس على أهله، و أهول منها تواطؤ المقيمين في إعداد و حياكة و تنفيذ المؤامرات، فبماذا يُنْعت و كيف يُصنّف حاملو التذاكر اللبنانية الذين ضلّلهم التبشير الهجين فحرفهم عن الولاء الوطني و فسخهم عن مجتمعهم و زجّهم في نهج تصادمي هدّام و خطير؟
يستحق اللبنانيون - بعد طول إجهاد و إستنزاف - فسحة أمان و طمأنينة و سلام لإلتقاط الأنفاس و المثابرة على إحياء الوطن و البناء و الإنماء بالجهود الجبّارة التي ما إنفك عن بذلها الخيّرون خلال إنقشاع فترات الهدوء الفاصلة بين صولات التعكير الناشئة عن إحتدام "مضاربات" بورصة الصراعات الإقليمية.
لا يخفى على أي نبيه مرامي معتنقي عقائد التزمُّت و الفرز و الهيمنة مهما تحذلقوا في تزيينها و إسباغ صفات العصمة عليها.
فإرباك ترميم و إعادة بناء مؤسسات الدولة بذريعة مطالب تعجيزية متوالدة و الإستقواء عليها بالإنتشار الميداني لخلايا و "قواعد" مسلّحة (كالفطر "من فقش الموج لمرمى الثلج"، في عمق السهل و المدن و الريف.) و تطويق المواطنين و المسؤولين و "مداهمتهم!" و التهديد بالمزيد، واضح للعيان.
إن تأسيس "قاعدة" "الرعاية" الإيرانية في لبنان، بالتنسيق الوثيق مع النظام السوري و مخبريه، خلق كياناً يجمع بين مواصفات "الباسيج" و "الباسدران" منفصلاً عن الدولة ، يسعى بشكل حثيث إلى تذويبها في بنيته و إلحاقها بإستراتيجية عرّابيه.
على صورة جموح نزعة السيطرة التي تحرك النظام الإيراني في المنطقة، يتصرف حزب "أبنائه البررة" في لبنان.
و مثلما أنكر النظام السوري على العرب الأقحاح عروبتهم للإستئثار بشعارها، كذلك أنكر أركان الحزب الآنف الذكر على اللبنانيين الأصلاء و طنيتهم.
و كمجلس "صيانة الدستور" الذي يؤهل المرشحين للنيابة في إيران، نصّب نفسه لجنة إمتحان لفرز و رفض أو قبول المرشحين للمناصب "الحساسة" و أكثر.
إن توجيه السلاح نحو المعترضين على "قدسيته" و "حصانته" ضد ولاية الدولة، لفرض مشروع "ولاية" حاضن الدويلة، هو خطأ جسيم شحن العصبية المذهبية و أضعف هيبة الدولة في مواجهة خلايا التطرّف الداعية إلى الحماية المسلحة الذاتية لبؤرها.
يثير هذا الواقع المؤسف في الأذهان القول المأثور: "علّمته رمي السهام، فلم إشتدّ ساعده، رماني!".
لا يظنّن المستقوون بالفصائل المسلّحة على المواطنين الودعاء و دولتهم أنهم يكسبون و يضمنون الأمان من إفتراس "حماتهم"، فكم من غزال هارب من أسد يتّمه ، حظي بحماية أمومة اللبوة لفترة من الزمن تمكن بعدها الأسد المترصّد من مغافلتها و فتك بالغزال.
في هذه الظروف الحرجة لا يجوز الضياع في دهاليز المماحكات السياسية و الطيش في توزيع الأنصبة و المناصب، طالما بقي الخطر كامناً في لبّ الصراع بين مشروع التطور و النمو في رحاب الحداثة النقيّة و الديمقراطية الحقّة، ينازعه مشروع التقوقع و التعصّب و العبودية.
إن عزل الأجيال اليانعة في خلوات التلقين الموتور ليغرز في أذهانها أوامر رجعية صارمة تحرّم الإنفتاح و توصي بالغلبة العددية و التفرّد بالتنظيم العسكري و حمل السلاح خارج مؤسّسات و سلطة الدولة، هو دعوة للتنابذ بدل الإلفة و تفكيك لأواصر الودّ و التضامن و التكافل و التعاضد.
فحرصاً على سلامة الحياة الوطنية يجب تضافر جهود كل المخلصين لإطلاق نهضة وطنية شاملة تدعم تعزيز مؤسسات الدولة و سيادة سلطاتها على كافة المرافق و كامل التراب الوطني و قاطنيه.
الواجب الوطني يقضي بالتحذير من خطورة النهج المنحرف، و بالحضّ على التحرر من العقد و الخوف، و بالإفتخار بقيم التراث الوطني، و بترسيخ أسس تربية مدنية صالحة تساهم في تنقية الضمائر و تصفية النيّات و ترجيح كفّة التعقل و بلورة رؤيا مستقبلية ناصعة و مشرقة للوطن، تليق بنبل رسالته الحضارية و بإستحقاق أبنائه.
في حمأة التناكف و تلاطم الموج بين مدّ و جزر الحركة السياسية و التعكير الأمني و التعطيل الإقتصادي على مدى ستة عشر شهراً عجافاً، إنتُخب رئيساً للجمهورية قائدُ الجيش العماد ميشال سليمان، المرموق الشخصية التي أجمع على تقدير رفعة مناقبها و صفاء وطنيتها و عمق ولائها، كل شرائح الوطن و كل الدول الصديقة.
و قد تمّ ذلك برعاية عربية مشكورة أدارتها دولة قطر و كخطوة أولى من الإتفاق الذي عقد في الدوحة.
و إستجابة لهذا التسهيل و وفاء بوعده، سيفتح الرئيس الفرنسي ساركوزي أبواب الإيلزيه للرئيس السوري بشار الأسد في 13 تموز بعد دعوته للإشتراك في المؤتمر المعدّ لإنشاء "الإتحاد من أجل المتوسط".
أما الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك الذي أوصد باب قصر الرئاسة في وجه الرئيس السوري إستنكاراً لإغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فإنه إتخذ موقفاً قاسياً بالغ المدلول بمقاطعة إحتفال العيد الوطني (14 تموز) إستنكاراً لحضور الرئيس الأسد.
في هذا الإطار قد يُعطى الوطن، الذي يقاسي الآن مخاضاً عسيراً لإستيلاد حكومة وحدة وطنية، "حقنة مسهّلة" قبيل الزيارة المذكورة لكسب مزيد من التكريم.
فرأفةً بالوطن و رفقاً بأهله و حرصاً على تسهيل مهمة الرئيسين في إطلاق عجلة ورشة إستكمال بناء الدولة، ليخفّف المتبجّحون من غلوائهم و يكفّوا عن التعقيد المجيّر لحساب مساومات الجار و حليفه الإيراني.
إن فرض الشروط على قيامة الدولة و تشكيل أجهزتها ليس من حقّ أحد بل إن الدولة هي التي تملي، بدستورها و نظامها و مؤسساتها و قوانينها، شروط اللعبة السياسية الديمقراطية على كل الفرقاء.
أحد أوجه المصائب التي تنكب لبنان، هو التطفّل و الإنقضاض على الشأن الوطني العام من جانب جماعات تحاول "تشذيب" اهله و محو تاريخه و تراثه ب"التطهير" العقائدي و الناري.
لا يجوز الإمعان في تشويه صورة لبنان الغنيّ و السخيّ، و لا يصح طمس إنجازات مواهب أبنائه الواسعة الإنتشار.
ليتذكّر كل من يتعاطى بشؤون الوطن أن قرقعة السلاح و ضجيج التهديد و صخب الخطب الجوفاء لا ترفع المقام و لا تبني وطناً. بل بالخدمة المتفانية يسمو الخادم إلى مرتبة السيادة.
فلنقتد بسيرة الطوباوي يعقوب الكبّوشي الذي إغتذى وجدانه من النعمة الإلهية فكرّس حياته لخدمة الضعفاء و أواهم و إعتنى بهم فسلك درب القداسة و إستحقّ التكريم.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشرون اللبنانية
يُحسد لبنان على موقعه الطبيعي الآمن نسبياً من ضربات الهزّات المدمرة و المتكررة، و البعيد عن مدى إنفلاش حمم البراكين و مسارات الزوابع و الأعاصير و عن نطاق بيْد القحط و الجدب و التصحر.
و يُشتهى أكثر لغناه الطبيعي و خصبه و جودة ثماره و طيب مناخه و شواهده التاريخية البارزة للعيان أو المطمورة في كل أرضه.
و لأن "الجنّة من دون ناس (طامحة و مضيافة تضخ فيها صخب الحياة) ما بتنداس"، ما قُدّر للبنان أن يصبح درّة الشرق و منتداه الثقافي لولا الجهود الخيّرة التي بذلها أبناؤه الطافحون بعشقهم لحلاوة الحياة.
يوم نعم لبنان بسلام و إستقرار، أنضجت الخميرة اللبنانية الأصيلة العجين و نفحت نهضة إزدهار و عمران و فورة إقتصاد، و نشّطت التلاقح الفكري والتفاعل الحضاري، فرفعت لبنان إلى مصاف نموذج إنساني فريد و رائد في رقيّه.
لكن للأسف الشديد لم يسلم هذا الوطن الوادع من صليات أطماع الجوار الحاقد، و جموح طغيان العقائد المنحرفة و شهوات السيطرة العنفية، و قذائف البارود و بخّات التحريض، و زخّات المال المسموم التي تناوبت على تخريبه و التنكيل بأهله.
و إذا كانت فظيعةً ذنوبُ الغزاة الذين شنّوا حملاتهم العسكرية على الوطن أو دسّوا الدسائس على أهله، و أهول منها تواطؤ المقيمين في إعداد و حياكة و تنفيذ المؤامرات، فبماذا يُنْعت و كيف يُصنّف حاملو التذاكر اللبنانية الذين ضلّلهم التبشير الهجين فحرفهم عن الولاء الوطني و فسخهم عن مجتمعهم و زجّهم في نهج تصادمي هدّام و خطير؟
يستحق اللبنانيون - بعد طول إجهاد و إستنزاف - فسحة أمان و طمأنينة و سلام لإلتقاط الأنفاس و المثابرة على إحياء الوطن و البناء و الإنماء بالجهود الجبّارة التي ما إنفك عن بذلها الخيّرون خلال إنقشاع فترات الهدوء الفاصلة بين صولات التعكير الناشئة عن إحتدام "مضاربات" بورصة الصراعات الإقليمية.
لا يخفى على أي نبيه مرامي معتنقي عقائد التزمُّت و الفرز و الهيمنة مهما تحذلقوا في تزيينها و إسباغ صفات العصمة عليها.
فإرباك ترميم و إعادة بناء مؤسسات الدولة بذريعة مطالب تعجيزية متوالدة و الإستقواء عليها بالإنتشار الميداني لخلايا و "قواعد" مسلّحة (كالفطر "من فقش الموج لمرمى الثلج"، في عمق السهل و المدن و الريف.) و تطويق المواطنين و المسؤولين و "مداهمتهم!" و التهديد بالمزيد، واضح للعيان.
إن تأسيس "قاعدة" "الرعاية" الإيرانية في لبنان، بالتنسيق الوثيق مع النظام السوري و مخبريه، خلق كياناً يجمع بين مواصفات "الباسيج" و "الباسدران" منفصلاً عن الدولة ، يسعى بشكل حثيث إلى تذويبها في بنيته و إلحاقها بإستراتيجية عرّابيه.
على صورة جموح نزعة السيطرة التي تحرك النظام الإيراني في المنطقة، يتصرف حزب "أبنائه البررة" في لبنان.
و مثلما أنكر النظام السوري على العرب الأقحاح عروبتهم للإستئثار بشعارها، كذلك أنكر أركان الحزب الآنف الذكر على اللبنانيين الأصلاء و طنيتهم.
و كمجلس "صيانة الدستور" الذي يؤهل المرشحين للنيابة في إيران، نصّب نفسه لجنة إمتحان لفرز و رفض أو قبول المرشحين للمناصب "الحساسة" و أكثر.
إن توجيه السلاح نحو المعترضين على "قدسيته" و "حصانته" ضد ولاية الدولة، لفرض مشروع "ولاية" حاضن الدويلة، هو خطأ جسيم شحن العصبية المذهبية و أضعف هيبة الدولة في مواجهة خلايا التطرّف الداعية إلى الحماية المسلحة الذاتية لبؤرها.
يثير هذا الواقع المؤسف في الأذهان القول المأثور: "علّمته رمي السهام، فلم إشتدّ ساعده، رماني!".
لا يظنّن المستقوون بالفصائل المسلّحة على المواطنين الودعاء و دولتهم أنهم يكسبون و يضمنون الأمان من إفتراس "حماتهم"، فكم من غزال هارب من أسد يتّمه ، حظي بحماية أمومة اللبوة لفترة من الزمن تمكن بعدها الأسد المترصّد من مغافلتها و فتك بالغزال.
في هذه الظروف الحرجة لا يجوز الضياع في دهاليز المماحكات السياسية و الطيش في توزيع الأنصبة و المناصب، طالما بقي الخطر كامناً في لبّ الصراع بين مشروع التطور و النمو في رحاب الحداثة النقيّة و الديمقراطية الحقّة، ينازعه مشروع التقوقع و التعصّب و العبودية.
إن عزل الأجيال اليانعة في خلوات التلقين الموتور ليغرز في أذهانها أوامر رجعية صارمة تحرّم الإنفتاح و توصي بالغلبة العددية و التفرّد بالتنظيم العسكري و حمل السلاح خارج مؤسّسات و سلطة الدولة، هو دعوة للتنابذ بدل الإلفة و تفكيك لأواصر الودّ و التضامن و التكافل و التعاضد.
فحرصاً على سلامة الحياة الوطنية يجب تضافر جهود كل المخلصين لإطلاق نهضة وطنية شاملة تدعم تعزيز مؤسسات الدولة و سيادة سلطاتها على كافة المرافق و كامل التراب الوطني و قاطنيه.
الواجب الوطني يقضي بالتحذير من خطورة النهج المنحرف، و بالحضّ على التحرر من العقد و الخوف، و بالإفتخار بقيم التراث الوطني، و بترسيخ أسس تربية مدنية صالحة تساهم في تنقية الضمائر و تصفية النيّات و ترجيح كفّة التعقل و بلورة رؤيا مستقبلية ناصعة و مشرقة للوطن، تليق بنبل رسالته الحضارية و بإستحقاق أبنائه.
في حمأة التناكف و تلاطم الموج بين مدّ و جزر الحركة السياسية و التعكير الأمني و التعطيل الإقتصادي على مدى ستة عشر شهراً عجافاً، إنتُخب رئيساً للجمهورية قائدُ الجيش العماد ميشال سليمان، المرموق الشخصية التي أجمع على تقدير رفعة مناقبها و صفاء وطنيتها و عمق ولائها، كل شرائح الوطن و كل الدول الصديقة.
و قد تمّ ذلك برعاية عربية مشكورة أدارتها دولة قطر و كخطوة أولى من الإتفاق الذي عقد في الدوحة.
و إستجابة لهذا التسهيل و وفاء بوعده، سيفتح الرئيس الفرنسي ساركوزي أبواب الإيلزيه للرئيس السوري بشار الأسد في 13 تموز بعد دعوته للإشتراك في المؤتمر المعدّ لإنشاء "الإتحاد من أجل المتوسط".
أما الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك الذي أوصد باب قصر الرئاسة في وجه الرئيس السوري إستنكاراً لإغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فإنه إتخذ موقفاً قاسياً بالغ المدلول بمقاطعة إحتفال العيد الوطني (14 تموز) إستنكاراً لحضور الرئيس الأسد.
في هذا الإطار قد يُعطى الوطن، الذي يقاسي الآن مخاضاً عسيراً لإستيلاد حكومة وحدة وطنية، "حقنة مسهّلة" قبيل الزيارة المذكورة لكسب مزيد من التكريم.
فرأفةً بالوطن و رفقاً بأهله و حرصاً على تسهيل مهمة الرئيسين في إطلاق عجلة ورشة إستكمال بناء الدولة، ليخفّف المتبجّحون من غلوائهم و يكفّوا عن التعقيد المجيّر لحساب مساومات الجار و حليفه الإيراني.
إن فرض الشروط على قيامة الدولة و تشكيل أجهزتها ليس من حقّ أحد بل إن الدولة هي التي تملي، بدستورها و نظامها و مؤسساتها و قوانينها، شروط اللعبة السياسية الديمقراطية على كل الفرقاء.
أحد أوجه المصائب التي تنكب لبنان، هو التطفّل و الإنقضاض على الشأن الوطني العام من جانب جماعات تحاول "تشذيب" اهله و محو تاريخه و تراثه ب"التطهير" العقائدي و الناري.
لا يجوز الإمعان في تشويه صورة لبنان الغنيّ و السخيّ، و لا يصح طمس إنجازات مواهب أبنائه الواسعة الإنتشار.
ليتذكّر كل من يتعاطى بشؤون الوطن أن قرقعة السلاح و ضجيج التهديد و صخب الخطب الجوفاء لا ترفع المقام و لا تبني وطناً. بل بالخدمة المتفانية يسمو الخادم إلى مرتبة السيادة.
فلنقتد بسيرة الطوباوي يعقوب الكبّوشي الذي إغتذى وجدانه من النعمة الإلهية فكرّس حياته لخدمة الضعفاء و أواهم و إعتنى بهم فسلك درب القداسة و إستحقّ التكريم.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشرون اللبنانية
٣.٥.٠٨
لؤلؤة الشرق أم علف التنين؟
حميد عواد*
لا نخال لبنانياً فطناً و محباً لوطنه، يستسيغ إجهاض دورة تعافيه في أوج إنطلاقتها و إقحامه في دوامة الغليان و فقدان التوازن و التصدع التي قذفه إليها "فرسان" و "قراصنة" محلّفة لطاعة و مكرّسة لخدمة نظامين "متألّهين" يحركهما "وحام" الهيمنة و "شبق" السلطة و "غريزة" الإستبداد.
فََتَحت شعار "تحسين" شروط "المشاركة" في السلطة تم إنسحاب من الوزارة، لما لاح طيف إستحقاق إبرام إتفاقية المحكمة الدولية الطابع المخصصة للنظر في قضية إغتيال رئيس الوزراء الشهيد رفيق الحريري، و "حُجزت" مفاتيح المجلس النيابي و "أُحتكر" سر صياغة "إعادة تركيب السلطة" و "أُسترهن" حل الأزمة من قبل الثنائي الإيراني-السوري "الممانع" للكف عن "التسلل" و "التسرب" إلى عقر ديار جيرانه.
أخطبوط "بسدران" النظام الإيراني، بالتنسيق مع "الشبل" السوري، فرّخ بوضوح و قوة و زخم في لبنان وفي العراق و في غزة مغتذياً من "مصل" "مقاومة الإحتلال"، و كال"خلد" إمتدت أنفاقه إلى داخل دول عربية أخرى.
إن طول السيطرة المزدوجة على لبنان في ظروف كان فيها مهيض الجناح مكنت النظام الإيراني من بناء دويلته في وطن الأرز و سمحت للنظام السوري بإمتصاص رحيق الديمقراطية منه و بتشعيب بؤر مخابراته وسهلت إختراق مجموعات متعطشة لدور و مال و سلطة، فتوطن بها الثنائي توطئة لتحطيم و إبتلاع كل معالم الكيان النموذجي.
عصبة هذا الحلف إنقلبت على النظام الديمقراطي في لبنان و حالت دون إنتخاب رئيس للجمهورية و غررت بطامح ل"سراب" هذا المنصب كي تتلطى بترشيحه لإكمال ورشة هدمها، و إستدرجت إحتكاكات خطيرة مع الجماهير السيادية و حتى مع عناصر الجيش، في محاولة فاشلة لتشويه إنجازاته الأمنية و لتعييب الإجماع الذي حظي به قائده كمرشح لرئاسة الجمهورية "بعد إكتمال عقده"، و ما زالت تستفز القوى الأمنية و تسخر من هيبة الدولة فيما تنقض لنهش و تسخير مؤسساتها.
و ما الحدث المؤلم الذي أستشهد فيه إبنان باران (نصري ماروني و سليم عاصي المنتميان إلى حزب الكتائب) من أبناء زحلة برصاص مجرمين غادرين "مرعيين" من حاشية الإنقلابيين إلا فصلاً جديداً من مسلسل ترويع القوى السيادية الناشطة في حشد المواطنين للتعبير العلني عن توقهم إلى العبور نحو تدعيم بناء الدولة الشامخة، بدءاً بإنجاز إنتخاب مرشح الإجماع الوطني قائد الجيش العماد ميشال سليمان.
هكذا تُفجّر صواعق الفتن بالتتابع و يختفي مفتعلوها داخل شبكة انفاق بؤر التآمر المعدة لحمايتهم من ملاحقة سلطة الدولة و المتصلة بشرقي الحدود.
تتكثف "الصولات" الميدانية و يتسع مداها لتتراوح بين "إستضافة قسرية" و تحرير محتجزين من أيدي السلطة و إطلاق نار.
و قد تشعبت ميادين التحدي الأمني لتنفذ إلى داخل السجون مثيرة هاجس "التمهيد" لعملية "إخفاء" ما، "تُسحب" خلالها شخصيات أمنية محورية من منال القضاء اللبناني و الدولي المختلط الماثل في المحكمة القريبة الإكتمال لتنظر في قضية إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
و لملء الفراغ بين محطات تعطيل الجلسات النيابية، المحددة نظرياً لإنتخاب رئيس الجمهورية، تخرج من قبعة الساحر "مبادرات باهرة"، تشيح الأنظار عن مصدر العلة، كََلّ منها العاقل و ردد تنبيهه للساحر: "مرتى مرتى تلهجين بأمور كثيرة و المطلوب واحد: تنفيذ بنود المبادرة العربية" التي أكد بوضوح واضعوها و "أصدقاء لبنان" في مؤتمر الكويت و بينهم الوزير القطري ، أن إنتخاب مرشح الإجماع -الصعب و النادر الحصول- قائد الجيش العماد ميشال سليمان ينجز أولاً من غير ربطه سلفاً بتفاصيل ما يليه من تشكيل حكومة وحدة وطنية تتولج بلورة قانون إنتخابي يستخلص من المقترحات المتعددة المتوفرة، ليصاغ القانون الأكثر أمانة للتمثيل. لكن قراءة المزامير على من إرتبط عضوياً بجموح "الإفتراس" الذي يحرك المحور الإيراني-السوري لم تغير ما في نفوسهم، فما زالوا يحضون الدول الداعمة للبنان على إشباع نهم "أباطرتهم" ل"حل" الأزمة فيه، رغم تسليط الضوء على جذور العلة و مطالبة تحالف 14 آذار السيادي بالضغط على الجانب السوري لإصلاح خلل "علاقاته" مع لبنان و ضبطها في أطر تبادل دبلوماسي و إحترام سيادة لبنان و ترسيم الحدود المشتركة.
لكن كيف السبيل إلى إهداء العاقين بالولاء الوطني طالما تاهوا في "غيبوبة نشوة الإستقواء و الإنتصار"، فهم يثابرون على التعبير عن "إعتزازهم" ببناء "دويلتهم" لدرجة التهكم و تحدي قدرة بقية شرائح الوطن على بناء "دولتهم"، و الطريف أن أسياد "الكانتون" يحذرون الآخرين من محاولات "الفدرلة" و التقسيم.
و لتأكيد حسن الطوية طالعنا ناطق من سربهم البارحة بقوله أن النظام السوري أخطأ بالإنسحاب من لبنان (!!!) و هم "يفون بنذورهم لشفيعهم" و حليفه "القلق"، بالمثابرة على إحياء "طقوس" التهديد و الترويع و القضم و الرصد و يمعنون بشل المؤسسات التى تعصى على سيطرتهم ويستنزفون أموال الدولة و يستنفدون خدماتها و يغتصبون أملاكها و أملاك الغير و يتصدون للأجهزة التي تحاول محاسبتهم.
و لأن الأموال "المنظفة" تردهم بإستمرار من راعيهم و تقيهم من الجوع، لا ضير إن شل الإقتصاد بغوغائهم و جفل المستثمرون و جمدت المنح و القروض الميسرة لتمويل المشاريع الحيوية و حولت وجهة أموال الفورة النفطية و ضيقت سبل عيش المواطنين ليسهل رميهم بين أشداق أسماك القرش ليبتلعوا اراضيهم.
و هذا يخدم مآربهم في "إفساح" المجال لتمدد "رعاياهم" بإقتلاع "الآخرين" من موطنهم و سوقهم قسراً إلى الهجرة بعد إحباطهم و تيئيسهم. لذلك يثابرون على زعزعة الإستقرار و يجتهدون في طمس هوية مرتكبي الإغتيالات و يغدقون السلاح و المال على مجموعات رديفة ليهددوا بإحتمالات "خروجها عن السيطرة".
و لأن الأغرار "مغمورون بالأفضال" تراهم "يضربون بسيف" مانحها و يجهدون النفس في تبرير أخطائه رداًً للجميل، و لا يتورعون عن التحريض الفاضح و التنقيب عن القبور بحثاً عن "وليمة سياسية" فاسدة.
فيما يُخلّد الخيرون بمساهماتهم البناءة، جنت زمر التخريب شهرة من قدرتها المشؤومة على الهدم و من إبتداعها وضعاً هجيناً ما عرفه بلد في التاريخ.
إن إختطاف منصب رئاسة الجمهورية رهينة لإرادة الخارجين على القانون و غنيمة لأوليائهم ما هو إلا إغتيال شنيع للوطن.
لقد دأب النظام الإيراني على إستنفار قدرات "خريجيه" و مجنديه و أتباعه و إمكاناته المشفوعة بالتخصيب النووي، لضخّها ميدانياً مستهدفاً تفشيل الجهود الدولية الآيلة إلى عصرنة الأنظمة و فتح آفاق شعوبها و خنق الإرهاب و حماية منابع النفط، و مستشرساً لإنتزاع "إقرار" دولي بزعامته في منطقة الشرق الأوسط.
كما يضغط جاهداً لإقتطاع "دور محوري" لحليفه السوري (المستجير به) يوسع هامش نفوذه.
أما المجتمع الدولي فيطوّق تمدده و يحاول إحتواء أطماعه رافضاً المساومة على حساب أمن و إستقرار الدول العربية الصديقة و يصدّ "مراودات" النظام السوري الطامح إلى إستعادة السيطرة على لبنان.
و ها هوذا الأخير، في سعيه لفتح الأبواب الموصدة في وجهه، يوحي بمباركة دعوة جديدة و منمقة للحوار.
و رغم التوجّس من الخيبات السابقة أعطت الأكثرية فرصة لتثميرها و "أعلنت النية" على إلتزامها بتشكيل حكومة وحدة وطنية كما تبنّت مبدأ قانون إنتخابي يرتكز على القضاء كدائرة إنتخابية مع الموافقة على تقسيم بيروت مقابل ضمانة إجراء إنتخاب الحائز على التزكية الشاملة العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية خلال جلسة 13 أيار.
والآن ينتظر حاضن الأكثرية و رئيس "كتلة المستقبل" النائب سعد الحريري تحديد موعد من طارح المبادرة رئيس "حركة أمل" و كتلة "الإنماء و التحرير" و المجلس النيابي نبيه بري ( الدائم الحضور في مؤتمرات و لقاءات خارج البلاد و النادر الحضور في المجلس النيابي "المحجور" عن الإنعقاد) لتثبيت التوافق.
أنظار اللبنانيين المخلصين شاخصة إلى الموعد التاسع عشر من سلسلة التأجيل المحبط على أمل ان يتم الإستحقاق.
المهزلة طالت و تطبيق الدستور هو محك سلامة النيات و مؤسسات الدولة هي المسلك الشرعي لأي تحرك محق و الديموقراطية هي نظام الشراكة البناءة الضامن لتجدد السلطة و المحفز للقرائح و المنمي للطاقات و الدافع نحو التطور، فهل يعقل طحن كنوز الوطن علفاً لتنين التخلف؟!
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
لا نخال لبنانياً فطناً و محباً لوطنه، يستسيغ إجهاض دورة تعافيه في أوج إنطلاقتها و إقحامه في دوامة الغليان و فقدان التوازن و التصدع التي قذفه إليها "فرسان" و "قراصنة" محلّفة لطاعة و مكرّسة لخدمة نظامين "متألّهين" يحركهما "وحام" الهيمنة و "شبق" السلطة و "غريزة" الإستبداد.
فََتَحت شعار "تحسين" شروط "المشاركة" في السلطة تم إنسحاب من الوزارة، لما لاح طيف إستحقاق إبرام إتفاقية المحكمة الدولية الطابع المخصصة للنظر في قضية إغتيال رئيس الوزراء الشهيد رفيق الحريري، و "حُجزت" مفاتيح المجلس النيابي و "أُحتكر" سر صياغة "إعادة تركيب السلطة" و "أُسترهن" حل الأزمة من قبل الثنائي الإيراني-السوري "الممانع" للكف عن "التسلل" و "التسرب" إلى عقر ديار جيرانه.
أخطبوط "بسدران" النظام الإيراني، بالتنسيق مع "الشبل" السوري، فرّخ بوضوح و قوة و زخم في لبنان وفي العراق و في غزة مغتذياً من "مصل" "مقاومة الإحتلال"، و كال"خلد" إمتدت أنفاقه إلى داخل دول عربية أخرى.
إن طول السيطرة المزدوجة على لبنان في ظروف كان فيها مهيض الجناح مكنت النظام الإيراني من بناء دويلته في وطن الأرز و سمحت للنظام السوري بإمتصاص رحيق الديمقراطية منه و بتشعيب بؤر مخابراته وسهلت إختراق مجموعات متعطشة لدور و مال و سلطة، فتوطن بها الثنائي توطئة لتحطيم و إبتلاع كل معالم الكيان النموذجي.
عصبة هذا الحلف إنقلبت على النظام الديمقراطي في لبنان و حالت دون إنتخاب رئيس للجمهورية و غررت بطامح ل"سراب" هذا المنصب كي تتلطى بترشيحه لإكمال ورشة هدمها، و إستدرجت إحتكاكات خطيرة مع الجماهير السيادية و حتى مع عناصر الجيش، في محاولة فاشلة لتشويه إنجازاته الأمنية و لتعييب الإجماع الذي حظي به قائده كمرشح لرئاسة الجمهورية "بعد إكتمال عقده"، و ما زالت تستفز القوى الأمنية و تسخر من هيبة الدولة فيما تنقض لنهش و تسخير مؤسساتها.
و ما الحدث المؤلم الذي أستشهد فيه إبنان باران (نصري ماروني و سليم عاصي المنتميان إلى حزب الكتائب) من أبناء زحلة برصاص مجرمين غادرين "مرعيين" من حاشية الإنقلابيين إلا فصلاً جديداً من مسلسل ترويع القوى السيادية الناشطة في حشد المواطنين للتعبير العلني عن توقهم إلى العبور نحو تدعيم بناء الدولة الشامخة، بدءاً بإنجاز إنتخاب مرشح الإجماع الوطني قائد الجيش العماد ميشال سليمان.
هكذا تُفجّر صواعق الفتن بالتتابع و يختفي مفتعلوها داخل شبكة انفاق بؤر التآمر المعدة لحمايتهم من ملاحقة سلطة الدولة و المتصلة بشرقي الحدود.
تتكثف "الصولات" الميدانية و يتسع مداها لتتراوح بين "إستضافة قسرية" و تحرير محتجزين من أيدي السلطة و إطلاق نار.
و قد تشعبت ميادين التحدي الأمني لتنفذ إلى داخل السجون مثيرة هاجس "التمهيد" لعملية "إخفاء" ما، "تُسحب" خلالها شخصيات أمنية محورية من منال القضاء اللبناني و الدولي المختلط الماثل في المحكمة القريبة الإكتمال لتنظر في قضية إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
و لملء الفراغ بين محطات تعطيل الجلسات النيابية، المحددة نظرياً لإنتخاب رئيس الجمهورية، تخرج من قبعة الساحر "مبادرات باهرة"، تشيح الأنظار عن مصدر العلة، كََلّ منها العاقل و ردد تنبيهه للساحر: "مرتى مرتى تلهجين بأمور كثيرة و المطلوب واحد: تنفيذ بنود المبادرة العربية" التي أكد بوضوح واضعوها و "أصدقاء لبنان" في مؤتمر الكويت و بينهم الوزير القطري ، أن إنتخاب مرشح الإجماع -الصعب و النادر الحصول- قائد الجيش العماد ميشال سليمان ينجز أولاً من غير ربطه سلفاً بتفاصيل ما يليه من تشكيل حكومة وحدة وطنية تتولج بلورة قانون إنتخابي يستخلص من المقترحات المتعددة المتوفرة، ليصاغ القانون الأكثر أمانة للتمثيل. لكن قراءة المزامير على من إرتبط عضوياً بجموح "الإفتراس" الذي يحرك المحور الإيراني-السوري لم تغير ما في نفوسهم، فما زالوا يحضون الدول الداعمة للبنان على إشباع نهم "أباطرتهم" ل"حل" الأزمة فيه، رغم تسليط الضوء على جذور العلة و مطالبة تحالف 14 آذار السيادي بالضغط على الجانب السوري لإصلاح خلل "علاقاته" مع لبنان و ضبطها في أطر تبادل دبلوماسي و إحترام سيادة لبنان و ترسيم الحدود المشتركة.
لكن كيف السبيل إلى إهداء العاقين بالولاء الوطني طالما تاهوا في "غيبوبة نشوة الإستقواء و الإنتصار"، فهم يثابرون على التعبير عن "إعتزازهم" ببناء "دويلتهم" لدرجة التهكم و تحدي قدرة بقية شرائح الوطن على بناء "دولتهم"، و الطريف أن أسياد "الكانتون" يحذرون الآخرين من محاولات "الفدرلة" و التقسيم.
و لتأكيد حسن الطوية طالعنا ناطق من سربهم البارحة بقوله أن النظام السوري أخطأ بالإنسحاب من لبنان (!!!) و هم "يفون بنذورهم لشفيعهم" و حليفه "القلق"، بالمثابرة على إحياء "طقوس" التهديد و الترويع و القضم و الرصد و يمعنون بشل المؤسسات التى تعصى على سيطرتهم ويستنزفون أموال الدولة و يستنفدون خدماتها و يغتصبون أملاكها و أملاك الغير و يتصدون للأجهزة التي تحاول محاسبتهم.
و لأن الأموال "المنظفة" تردهم بإستمرار من راعيهم و تقيهم من الجوع، لا ضير إن شل الإقتصاد بغوغائهم و جفل المستثمرون و جمدت المنح و القروض الميسرة لتمويل المشاريع الحيوية و حولت وجهة أموال الفورة النفطية و ضيقت سبل عيش المواطنين ليسهل رميهم بين أشداق أسماك القرش ليبتلعوا اراضيهم.
و هذا يخدم مآربهم في "إفساح" المجال لتمدد "رعاياهم" بإقتلاع "الآخرين" من موطنهم و سوقهم قسراً إلى الهجرة بعد إحباطهم و تيئيسهم. لذلك يثابرون على زعزعة الإستقرار و يجتهدون في طمس هوية مرتكبي الإغتيالات و يغدقون السلاح و المال على مجموعات رديفة ليهددوا بإحتمالات "خروجها عن السيطرة".
و لأن الأغرار "مغمورون بالأفضال" تراهم "يضربون بسيف" مانحها و يجهدون النفس في تبرير أخطائه رداًً للجميل، و لا يتورعون عن التحريض الفاضح و التنقيب عن القبور بحثاً عن "وليمة سياسية" فاسدة.
فيما يُخلّد الخيرون بمساهماتهم البناءة، جنت زمر التخريب شهرة من قدرتها المشؤومة على الهدم و من إبتداعها وضعاً هجيناً ما عرفه بلد في التاريخ.
إن إختطاف منصب رئاسة الجمهورية رهينة لإرادة الخارجين على القانون و غنيمة لأوليائهم ما هو إلا إغتيال شنيع للوطن.
لقد دأب النظام الإيراني على إستنفار قدرات "خريجيه" و مجنديه و أتباعه و إمكاناته المشفوعة بالتخصيب النووي، لضخّها ميدانياً مستهدفاً تفشيل الجهود الدولية الآيلة إلى عصرنة الأنظمة و فتح آفاق شعوبها و خنق الإرهاب و حماية منابع النفط، و مستشرساً لإنتزاع "إقرار" دولي بزعامته في منطقة الشرق الأوسط.
كما يضغط جاهداً لإقتطاع "دور محوري" لحليفه السوري (المستجير به) يوسع هامش نفوذه.
أما المجتمع الدولي فيطوّق تمدده و يحاول إحتواء أطماعه رافضاً المساومة على حساب أمن و إستقرار الدول العربية الصديقة و يصدّ "مراودات" النظام السوري الطامح إلى إستعادة السيطرة على لبنان.
و ها هوذا الأخير، في سعيه لفتح الأبواب الموصدة في وجهه، يوحي بمباركة دعوة جديدة و منمقة للحوار.
و رغم التوجّس من الخيبات السابقة أعطت الأكثرية فرصة لتثميرها و "أعلنت النية" على إلتزامها بتشكيل حكومة وحدة وطنية كما تبنّت مبدأ قانون إنتخابي يرتكز على القضاء كدائرة إنتخابية مع الموافقة على تقسيم بيروت مقابل ضمانة إجراء إنتخاب الحائز على التزكية الشاملة العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية خلال جلسة 13 أيار.
والآن ينتظر حاضن الأكثرية و رئيس "كتلة المستقبل" النائب سعد الحريري تحديد موعد من طارح المبادرة رئيس "حركة أمل" و كتلة "الإنماء و التحرير" و المجلس النيابي نبيه بري ( الدائم الحضور في مؤتمرات و لقاءات خارج البلاد و النادر الحضور في المجلس النيابي "المحجور" عن الإنعقاد) لتثبيت التوافق.
أنظار اللبنانيين المخلصين شاخصة إلى الموعد التاسع عشر من سلسلة التأجيل المحبط على أمل ان يتم الإستحقاق.
المهزلة طالت و تطبيق الدستور هو محك سلامة النيات و مؤسسات الدولة هي المسلك الشرعي لأي تحرك محق و الديموقراطية هي نظام الشراكة البناءة الضامن لتجدد السلطة و المحفز للقرائح و المنمي للطاقات و الدافع نحو التطور، فهل يعقل طحن كنوز الوطن علفاً لتنين التخلف؟!
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
١٢.٣.٠٨
"إستئثار" في معرض "المشاركة"
*حميد عواد
تتوثق الشراكة الإنسانية في فضاء ملائم من الأخوة العطوفة، خارج مقابر الجهل و التعصب و العبودية و التقوقع، بتلاقي الإرادات الطيبة و توافقها على أهداف تخدم بحق و إنصاف الخير العام. عندها يترافد التعاون المخلص و ينصب الجهد المجدول في موكب العمل المجدي لبلوغ الترقي و الإزدهار برعاية السلام و الوئام في جو مفعم بالتفاؤل و الطمأنينة، و مضبوط بأحكام القانون و مقتضيات العدالة في أطر المؤسسات.
نستذكر، بأسى وأسف، مآسي الشعوب و معاناتها خلال حقبات من الصراعات الضارية و الحروب المدمرة التي إعتصرتها في مجرى تاريخها، لكننا نتعزى بنهوضها و نعجب بقدرتها على تجاوز محنها بفضل تصميمها على التعافي من ربقتها، للإنطلاق بشغف نحو البناء و النمو و الإرتقاء. و ما أن نستفيق على واقعنا حتى يصيبنا هول صدمة من إستمرار بعضها، و كأنها مرض عضال، و من تكرار اوجه بائدة من وجوهها و بروز أنماط هجينة منها لا تليق بهذا العصر المتطور بزخم في كل المجالات.
المثال الصارخ لصراع إستعصى على الحلول هو الصراع العربي الإسرائيلي الذي تعقد و تشعب و إستقطب المشاعر خارج إطاره الجغرافي ليقحمها في لججه داخل دوائر التعاطف مع فرقاء النزاع، وذلك بسبب إطالة أمده و شدة قساوته. و هو أرخى بثقله على لبنان و شكل غطاء لمحاولة إبتلاعه ولإستباحة سيادته و التنكيل بأهله و تدمير مؤسساته و عمرانه و تشويه وجهه الحضاري و تهجير أهله.
في ثنايا خواطر التأمل في مسار الشأن الوطني تبدو صيغة الميثاق الوطني التي عقدت تمهيداً للإستقلال سنة 1943 و كأنها قبلت على مضض لأن ما أن تصاعدت الفورة العروبية الوحدية في بداية الخمسينات حتى بدأ إهتزاز كيان الوطن و استكمل الإنقضاض عليه مع نشوء فصائل منظمة التحرير الفلسطينية و حصول الصدامات المتشعبة التي دفع اللبنانيون أثماناً باهظة و كاد يتحول إلى وطن بديل للفلسطينيين. لكن النظام السوري الممهد و المترصد لفرص الإنقضاض على لبنان لإستتباعه دخل أراضينا بعسكره و أمسك بالوضع و لم يخرج من لبنان "رسمياً" (زارعاً قنابل غضبه الموقوتة "أمانة" في معسكرات أيتامه) ألا عنوة بعد إستصدار قرار مجلس الأمن الدولي 1559 و إثر إغتيال رئيس الوزراء وشهيد الوطن رفيق الحريري، بعد إختراق كل مؤسسات الدولة و هيمنة عسكرية مباشرة طالت 29 عاماً.
إلتزاماً بخيار إحياء الدولة من خلال "إتفاق الطائف"، تخلت القوات اللبنانية عن سلاحها سنة 1990 و إنخرطت في مسيرة البناء لكن النظام السوري إعتبرها عقبة في وجه سيطرته على قرار الوطن فحلها عندما عصيت عليه و أوقع بقائدها، ثم وثق التحالف مع النظام الإيراني و وجد مصلحة في ترسيخ و استنفار "القاعدة العسكرية" التي ولدت من رحم الثورة الإيرانية المصدرة إلى لبنان، بعد تدريب و تمويل و تبشير ديني جهادي حضر "المؤمنين" لصدام مستديم مع إسرائيل حتى "الإفناء" (و هنا يكمن سر إثارة قضية رفض التوطين رغم توافق كل اللبنانيين إضافة إلى الفلسطينيين على رفضه و إدراجه في نص الدستور).
معاناة لبنان فريدة لا نظير لها في التاريخ. سلسلة من الهزات و الإضطرابات المتلاحقة أستنزفت اللبنانيين و أفرغت لبنان من ثلث ابنائه، و النزف جار، كما أفقدته الكثير من طابعه المتميز. لذا غدا، اليوم أكثر من الأمس، إقحام لبنان في لعبة الصراعات البديلة جريمة لا تغتفر و يجب مقاومتها.
إن الدعم السياسي و المادي للدولة اللبنانية من قبل الدول الصديقة هو عمل مشكور و مقدر، لكن على الصعيد الفردي ليس للبنانيين الأبرار الرافضين لنظام "الرعاية و الدعم"، الذي يمده التحالف الإيراني-السوري، إلا ابناءهم المغتربين الذين يردون عنهم غائلة العوز.
في سياق المفاضلة بين تعامل دولة و أخرى مع لبنان، شتان بين من يرعى التوافق و لم الشمل فيه و بين من يفرز من اللبنانيين قبائل لتناحر بقية شرائح الوطن.
شتان بين الدول الصديقة التي تدعم خزينة الجمهورية اللبنانية و قواها الشرعية و بين تلك التي تتخطى الحكومة الشرعية و تغدق المال و السلاح مباشرة على منظمات مسلحة ترتبط بها و تخدم مصالحها.
شتان بين من يؤازر اللبنانيين في جهود إعادة بناء الدولة و بين من يحبط إنطلاقها.
أما بعد، فهل يصنف هذا العمل، مهما حمل من شعارات جذابة ، إلا في سياق خرق سيادة الدولة و تفكيك أوصالها ودعم التمرد على سلطتها.
كل لبناني أصيل يريد القوة و المنعة و العزة لوطنه، لكن لا يتحقق ذلك إلا من خلال المؤسسات الأمنية الشرعية و في طليعتها الجيش، حصن لبنان.
الأمن لا "يخصخص" و السيادة لا تجير.
كفى إبتزازاً و إستنزافاً و تجويعاً و ترهيباً للبنانيين.
إن أصحاب مشاريع التمدد الديموغرافي و تجريد اللبنانيين من أملاكهم تحت ضغط العوز بعد مصادرة أملاك عامة و خاصة، أصبحوا مكشوفي النيات غايتهم الإستئثار بالوطن في كنف و حضانة الهيمنة الإيرانية-السورية.
كما إن الإرتباط العضوي ل"صلب" المعارضة بمشروع بسط سيادة الأمبراطورية الإيرانية في المنطقة و حماية حليفها النظام السوري من تداعيات إجراءات المحكمة الدولية الطابع المختصة بقضية إغتيال الرئيس الحريري، وضعه في موقع الصاعق الناسف لجهود بناء الدولة، فكيف يؤتمن على ثلث "ضامن" لتعطيل أداء الحكومة؟
و إذا كان من صفاء نية و تقدير للمسؤولية لماذا لا يُبادر إلى إنتخاب مرشح الإجماع الموثوق قائد الجيش العماد ميشال سليمان ليبحث بعدها تحت رعايته مختلف القضايا الوطنية ( و كم قضية أقرت في جلسات الحوار ثم تنكر لها من أفترش الساحات و أقحم مناصريه في أعمال شغب و إستفزاز آلت إلى إحتكاكات مؤسفة) و في طليعتها تشكيل الحكومة طبقاً للإجراءات الدستورية و من ثم ينظر في مقترحات قانون الإنتخاب الذي يبقى عائباً و مرفوضاً إن لم يضمن حق المغتربين بالمشاركة في الترشح و الإنتخاب ( و ما أكثر الذين أضطروا لمغادرة الوطن تاركين وراءهم ارتالاً من إخوانهم مصطفة على ابواب السفارات سعياً وراء مصدر رزق لإطعام عائلاتهم!) ؟
أما القفز إلى الأمام و التورية الهادفة إلى منع إنتخاب رئيس للجمهورية و إلى تبرير ضرب السلطة التنفيذية و إيصاد باب المجلس في وجه السلطة التشريعية، من خلال طرح شروط تعجيزية لإعداد "الوجبة"، إستباقاً لتكليف "الطاهي"، فيما الناس تتضور جوعاً، فهي مناورة مفضوحة.
في هذا السياق أية إنتخابات مبكرة تطرح الآن، طالما شحن النفوس بلغ حداً خطيراً دفع الوطن و مواطنيه إلى حافة الهاوية، حيث "إكتشف" فرسان النظام الإيراني عندنا أن إنتماءهم هو أبعد من حدود الوطن و أن توقهم المتوقد إلى القتال هو "تكليف ديني" يريدون إعادة صياغة الكيان الوطني حول مقتضياته؟
أهل الوطن بحاجة إلى فترة نقاهة لغسل النفوس قبل تنقيح النصوص، و لصفاء الضمائر بعيداً عن "غسل" الأدمغة و الأموال و ترهيب السلاح و إفتعال الإنتكاسات. فلا يجوز إبقاء الوطن رهينة أعمال عسكرية يستنسبها و يقررها و يبتها فيلق غير نظامي لايرتبط بالمؤسسات الوطنية.
ثم أي وطن يُبنى و أي عمران يُشاد وأي مستقبل يُحضر و أي إقتصاد يُنشط و أي بال يُطمأن و أي أمل يُنعش و أية حياة تزدهر في ظل مخيمات التدريب (كبديل عن نوادي اللياقة البدنية) و "منتجعات" البؤر الأمنية و منابر "حلقات التثقيف" المؤثرة في مجالس العزاء و دهاليز النشاط المشبوه؟
أي عاقل يسلس القياد ل"حماية ذمية" و يجرؤ على التبجح ب"مأثرة" تعطيل مؤسسات الدولة و خنق الإقتصاد و تجفيل أبناء وطنه؟ كيف ينقلب من حمل مشروع دولة مدنية ديمقراطية سيدة حرة مستقلة على مبادئ آمن بها و انتخب على اساس إلتزامها، ل"يستأنس" بمعشر أرباب الأنظمة الشمولية و الإستبدادية و يتماهى في مشاريعهم و يشن حملات التهجم على رؤساء الدول الغربية التى رعته و ساندته يوم كان يناضل لإستعادة السيادة؟
هل تسهيل "إرتشاف" الوطن من قبل هكذا أنظمة هو عمل سيادي؟
النظام السوري يحاول، بالتنسيق مع المرتبطين به، إثبات فشل قيامة لبنان، العريق في تراثه و دوره، كوطن مستقل عن هيمنته، لذا يعتبر حريته وسيادته "تعدياً" على سلطته و "تحدياً" ل"سيادة سوريا" و إفتئاتاً لحق مكتسب له، لأنه يطمع بإستعادة السيطرة عليه و مصادرة قراره و عرقلة تدابير المحكمة الدولية، لذلك لا يريد ترسيم الحدود و لا تبادل السفراء و لا الإعتراف بسيادته.
و هو في شعوذته المناقضة للمنطق، يروج للمقاومة المسلحة في لبنان و لا يعتمدها في الجولان بل يركز على الجهود الدبلوماسية و المحادثات السرية و الوساطات.
يؤيد بالكلام إستعادة مزارع شبعا التي سلخت من "عهدته" و لا يتعاون لإصدار وثيقة مكتوبة تحدد نطاقها و تعترف بلبنانيتها.
يحارب بالواسطة وينتحل صفة راعي الحلول و يتنطح ل"قطف" ثمار إنتصارات "حلفائه" في لبنان.
يأوي "المطلوبين" بالجملة و "يبيعهم" بالمفرق و بالمزاد.
يبشر بالمشاركة في لبنان و يستأثر بالحكم في سوريا.
يخضع المخيمات الفلسطينية في سوريا لسيطرته و يجير قواها لصالحه، فيما يقيم قواعد ل"فلسطينييه" في لبنان ليتحدوا سلطة الدولة و يستفزوا قواه الأمنية.
هذا النظام يفعل المستحيل لضمان ديمومة بقائه في سدة الحكم.
لا عجب إذن أن تصتدم مبادرات الحلول التي تريح لبنان بجدار كيد و ضغينة وطمع و ذعر هذا النظام. بل العجب ممن يأملون تعاونه و يعطونه الفرصة تلو الأخرى!
المطلوب تذكيرهذا النظام أن الأجدر به التغلب على غريزة الإستبداد و الأنانية و فك طوق الإحتكار و الفساد، و تركيز إهتمامه على تحسين مستوى حياة شعبه لا التنكيل به و زج مثقفيه في الزنازين. و ليكف عن تحريض شبكة مخبريه في لبنان ضد سائر اللبنانيين. لكن ذلك لن يحصل طوعاً.
كذلك على النظام الإيراني أن يقتنع أن للبنانيين الحق بالهناء في "مراقد عنزاتهم" و عدم تحويلها إلى "مرابض" و "قواعد"
ل"هداياه" المباركة.
لكل من ضاق صدره بطابع لبنان المميز بحلاوة طبع أهله و جمال طبيعته و روعة تحفه التاريخية و غنى تنوعه البشري و إنفتاح أهله على الدنيا و إحتضان تراثه لتيارات حضارية متمازجة يستقي منها أبناؤه، نقول: إلزموا دياركم و إرفعوا أياديكم عن وطننا و دعوا شعبنا يعيش!
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
تتوثق الشراكة الإنسانية في فضاء ملائم من الأخوة العطوفة، خارج مقابر الجهل و التعصب و العبودية و التقوقع، بتلاقي الإرادات الطيبة و توافقها على أهداف تخدم بحق و إنصاف الخير العام. عندها يترافد التعاون المخلص و ينصب الجهد المجدول في موكب العمل المجدي لبلوغ الترقي و الإزدهار برعاية السلام و الوئام في جو مفعم بالتفاؤل و الطمأنينة، و مضبوط بأحكام القانون و مقتضيات العدالة في أطر المؤسسات.
نستذكر، بأسى وأسف، مآسي الشعوب و معاناتها خلال حقبات من الصراعات الضارية و الحروب المدمرة التي إعتصرتها في مجرى تاريخها، لكننا نتعزى بنهوضها و نعجب بقدرتها على تجاوز محنها بفضل تصميمها على التعافي من ربقتها، للإنطلاق بشغف نحو البناء و النمو و الإرتقاء. و ما أن نستفيق على واقعنا حتى يصيبنا هول صدمة من إستمرار بعضها، و كأنها مرض عضال، و من تكرار اوجه بائدة من وجوهها و بروز أنماط هجينة منها لا تليق بهذا العصر المتطور بزخم في كل المجالات.
المثال الصارخ لصراع إستعصى على الحلول هو الصراع العربي الإسرائيلي الذي تعقد و تشعب و إستقطب المشاعر خارج إطاره الجغرافي ليقحمها في لججه داخل دوائر التعاطف مع فرقاء النزاع، وذلك بسبب إطالة أمده و شدة قساوته. و هو أرخى بثقله على لبنان و شكل غطاء لمحاولة إبتلاعه ولإستباحة سيادته و التنكيل بأهله و تدمير مؤسساته و عمرانه و تشويه وجهه الحضاري و تهجير أهله.
في ثنايا خواطر التأمل في مسار الشأن الوطني تبدو صيغة الميثاق الوطني التي عقدت تمهيداً للإستقلال سنة 1943 و كأنها قبلت على مضض لأن ما أن تصاعدت الفورة العروبية الوحدية في بداية الخمسينات حتى بدأ إهتزاز كيان الوطن و استكمل الإنقضاض عليه مع نشوء فصائل منظمة التحرير الفلسطينية و حصول الصدامات المتشعبة التي دفع اللبنانيون أثماناً باهظة و كاد يتحول إلى وطن بديل للفلسطينيين. لكن النظام السوري الممهد و المترصد لفرص الإنقضاض على لبنان لإستتباعه دخل أراضينا بعسكره و أمسك بالوضع و لم يخرج من لبنان "رسمياً" (زارعاً قنابل غضبه الموقوتة "أمانة" في معسكرات أيتامه) ألا عنوة بعد إستصدار قرار مجلس الأمن الدولي 1559 و إثر إغتيال رئيس الوزراء وشهيد الوطن رفيق الحريري، بعد إختراق كل مؤسسات الدولة و هيمنة عسكرية مباشرة طالت 29 عاماً.
إلتزاماً بخيار إحياء الدولة من خلال "إتفاق الطائف"، تخلت القوات اللبنانية عن سلاحها سنة 1990 و إنخرطت في مسيرة البناء لكن النظام السوري إعتبرها عقبة في وجه سيطرته على قرار الوطن فحلها عندما عصيت عليه و أوقع بقائدها، ثم وثق التحالف مع النظام الإيراني و وجد مصلحة في ترسيخ و استنفار "القاعدة العسكرية" التي ولدت من رحم الثورة الإيرانية المصدرة إلى لبنان، بعد تدريب و تمويل و تبشير ديني جهادي حضر "المؤمنين" لصدام مستديم مع إسرائيل حتى "الإفناء" (و هنا يكمن سر إثارة قضية رفض التوطين رغم توافق كل اللبنانيين إضافة إلى الفلسطينيين على رفضه و إدراجه في نص الدستور).
معاناة لبنان فريدة لا نظير لها في التاريخ. سلسلة من الهزات و الإضطرابات المتلاحقة أستنزفت اللبنانيين و أفرغت لبنان من ثلث ابنائه، و النزف جار، كما أفقدته الكثير من طابعه المتميز. لذا غدا، اليوم أكثر من الأمس، إقحام لبنان في لعبة الصراعات البديلة جريمة لا تغتفر و يجب مقاومتها.
إن الدعم السياسي و المادي للدولة اللبنانية من قبل الدول الصديقة هو عمل مشكور و مقدر، لكن على الصعيد الفردي ليس للبنانيين الأبرار الرافضين لنظام "الرعاية و الدعم"، الذي يمده التحالف الإيراني-السوري، إلا ابناءهم المغتربين الذين يردون عنهم غائلة العوز.
في سياق المفاضلة بين تعامل دولة و أخرى مع لبنان، شتان بين من يرعى التوافق و لم الشمل فيه و بين من يفرز من اللبنانيين قبائل لتناحر بقية شرائح الوطن.
شتان بين الدول الصديقة التي تدعم خزينة الجمهورية اللبنانية و قواها الشرعية و بين تلك التي تتخطى الحكومة الشرعية و تغدق المال و السلاح مباشرة على منظمات مسلحة ترتبط بها و تخدم مصالحها.
شتان بين من يؤازر اللبنانيين في جهود إعادة بناء الدولة و بين من يحبط إنطلاقها.
أما بعد، فهل يصنف هذا العمل، مهما حمل من شعارات جذابة ، إلا في سياق خرق سيادة الدولة و تفكيك أوصالها ودعم التمرد على سلطتها.
كل لبناني أصيل يريد القوة و المنعة و العزة لوطنه، لكن لا يتحقق ذلك إلا من خلال المؤسسات الأمنية الشرعية و في طليعتها الجيش، حصن لبنان.
الأمن لا "يخصخص" و السيادة لا تجير.
كفى إبتزازاً و إستنزافاً و تجويعاً و ترهيباً للبنانيين.
إن أصحاب مشاريع التمدد الديموغرافي و تجريد اللبنانيين من أملاكهم تحت ضغط العوز بعد مصادرة أملاك عامة و خاصة، أصبحوا مكشوفي النيات غايتهم الإستئثار بالوطن في كنف و حضانة الهيمنة الإيرانية-السورية.
كما إن الإرتباط العضوي ل"صلب" المعارضة بمشروع بسط سيادة الأمبراطورية الإيرانية في المنطقة و حماية حليفها النظام السوري من تداعيات إجراءات المحكمة الدولية الطابع المختصة بقضية إغتيال الرئيس الحريري، وضعه في موقع الصاعق الناسف لجهود بناء الدولة، فكيف يؤتمن على ثلث "ضامن" لتعطيل أداء الحكومة؟
و إذا كان من صفاء نية و تقدير للمسؤولية لماذا لا يُبادر إلى إنتخاب مرشح الإجماع الموثوق قائد الجيش العماد ميشال سليمان ليبحث بعدها تحت رعايته مختلف القضايا الوطنية ( و كم قضية أقرت في جلسات الحوار ثم تنكر لها من أفترش الساحات و أقحم مناصريه في أعمال شغب و إستفزاز آلت إلى إحتكاكات مؤسفة) و في طليعتها تشكيل الحكومة طبقاً للإجراءات الدستورية و من ثم ينظر في مقترحات قانون الإنتخاب الذي يبقى عائباً و مرفوضاً إن لم يضمن حق المغتربين بالمشاركة في الترشح و الإنتخاب ( و ما أكثر الذين أضطروا لمغادرة الوطن تاركين وراءهم ارتالاً من إخوانهم مصطفة على ابواب السفارات سعياً وراء مصدر رزق لإطعام عائلاتهم!) ؟
أما القفز إلى الأمام و التورية الهادفة إلى منع إنتخاب رئيس للجمهورية و إلى تبرير ضرب السلطة التنفيذية و إيصاد باب المجلس في وجه السلطة التشريعية، من خلال طرح شروط تعجيزية لإعداد "الوجبة"، إستباقاً لتكليف "الطاهي"، فيما الناس تتضور جوعاً، فهي مناورة مفضوحة.
في هذا السياق أية إنتخابات مبكرة تطرح الآن، طالما شحن النفوس بلغ حداً خطيراً دفع الوطن و مواطنيه إلى حافة الهاوية، حيث "إكتشف" فرسان النظام الإيراني عندنا أن إنتماءهم هو أبعد من حدود الوطن و أن توقهم المتوقد إلى القتال هو "تكليف ديني" يريدون إعادة صياغة الكيان الوطني حول مقتضياته؟
أهل الوطن بحاجة إلى فترة نقاهة لغسل النفوس قبل تنقيح النصوص، و لصفاء الضمائر بعيداً عن "غسل" الأدمغة و الأموال و ترهيب السلاح و إفتعال الإنتكاسات. فلا يجوز إبقاء الوطن رهينة أعمال عسكرية يستنسبها و يقررها و يبتها فيلق غير نظامي لايرتبط بالمؤسسات الوطنية.
ثم أي وطن يُبنى و أي عمران يُشاد وأي مستقبل يُحضر و أي إقتصاد يُنشط و أي بال يُطمأن و أي أمل يُنعش و أية حياة تزدهر في ظل مخيمات التدريب (كبديل عن نوادي اللياقة البدنية) و "منتجعات" البؤر الأمنية و منابر "حلقات التثقيف" المؤثرة في مجالس العزاء و دهاليز النشاط المشبوه؟
أي عاقل يسلس القياد ل"حماية ذمية" و يجرؤ على التبجح ب"مأثرة" تعطيل مؤسسات الدولة و خنق الإقتصاد و تجفيل أبناء وطنه؟ كيف ينقلب من حمل مشروع دولة مدنية ديمقراطية سيدة حرة مستقلة على مبادئ آمن بها و انتخب على اساس إلتزامها، ل"يستأنس" بمعشر أرباب الأنظمة الشمولية و الإستبدادية و يتماهى في مشاريعهم و يشن حملات التهجم على رؤساء الدول الغربية التى رعته و ساندته يوم كان يناضل لإستعادة السيادة؟
هل تسهيل "إرتشاف" الوطن من قبل هكذا أنظمة هو عمل سيادي؟
النظام السوري يحاول، بالتنسيق مع المرتبطين به، إثبات فشل قيامة لبنان، العريق في تراثه و دوره، كوطن مستقل عن هيمنته، لذا يعتبر حريته وسيادته "تعدياً" على سلطته و "تحدياً" ل"سيادة سوريا" و إفتئاتاً لحق مكتسب له، لأنه يطمع بإستعادة السيطرة عليه و مصادرة قراره و عرقلة تدابير المحكمة الدولية، لذلك لا يريد ترسيم الحدود و لا تبادل السفراء و لا الإعتراف بسيادته.
و هو في شعوذته المناقضة للمنطق، يروج للمقاومة المسلحة في لبنان و لا يعتمدها في الجولان بل يركز على الجهود الدبلوماسية و المحادثات السرية و الوساطات.
يؤيد بالكلام إستعادة مزارع شبعا التي سلخت من "عهدته" و لا يتعاون لإصدار وثيقة مكتوبة تحدد نطاقها و تعترف بلبنانيتها.
يحارب بالواسطة وينتحل صفة راعي الحلول و يتنطح ل"قطف" ثمار إنتصارات "حلفائه" في لبنان.
يأوي "المطلوبين" بالجملة و "يبيعهم" بالمفرق و بالمزاد.
يبشر بالمشاركة في لبنان و يستأثر بالحكم في سوريا.
يخضع المخيمات الفلسطينية في سوريا لسيطرته و يجير قواها لصالحه، فيما يقيم قواعد ل"فلسطينييه" في لبنان ليتحدوا سلطة الدولة و يستفزوا قواه الأمنية.
هذا النظام يفعل المستحيل لضمان ديمومة بقائه في سدة الحكم.
لا عجب إذن أن تصتدم مبادرات الحلول التي تريح لبنان بجدار كيد و ضغينة وطمع و ذعر هذا النظام. بل العجب ممن يأملون تعاونه و يعطونه الفرصة تلو الأخرى!
المطلوب تذكيرهذا النظام أن الأجدر به التغلب على غريزة الإستبداد و الأنانية و فك طوق الإحتكار و الفساد، و تركيز إهتمامه على تحسين مستوى حياة شعبه لا التنكيل به و زج مثقفيه في الزنازين. و ليكف عن تحريض شبكة مخبريه في لبنان ضد سائر اللبنانيين. لكن ذلك لن يحصل طوعاً.
كذلك على النظام الإيراني أن يقتنع أن للبنانيين الحق بالهناء في "مراقد عنزاتهم" و عدم تحويلها إلى "مرابض" و "قواعد"
ل"هداياه" المباركة.
لكل من ضاق صدره بطابع لبنان المميز بحلاوة طبع أهله و جمال طبيعته و روعة تحفه التاريخية و غنى تنوعه البشري و إنفتاح أهله على الدنيا و إحتضان تراثه لتيارات حضارية متمازجة يستقي منها أبناؤه، نقول: إلزموا دياركم و إرفعوا أياديكم عن وطننا و دعوا شعبنا يعيش!
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
١١.٢.٠٨
حتى يبقى رفيق الحريري حيّاً يرزق
حميد عواد*
عام 2005 في اليوم الذي كرّس لتبادل العشاق و المحبين عرابين المحبة و الوفاء، زوّد عشاق الإرهاب و الكيد و الغدر و الضغينة و الحقد و الإجرام عملاءهم بطنّ من المتفجرات ليترصّدوا و يغتالوا بوحشية زلزال التفجير رجلاً كبير القلب، عصامياً مكافحاً مجتهداً صادقاً، تدرّج في تسلّق سلّم النجاح حتى بلغ قمم المجد و غدا عن إستحقاق قائدأ رؤيوياً و عنفوانياً ملهماً للأجيال، لكن مثيراً بشموخه لغيظ أباطرة الإستبداد، إنه رجل الدولة المرموق لبنانياً و عربياً و عالمياً رفيق الحريري.
لقد سلخوه عن وطنه، في ذلك اليوم المشؤوم، و فجعوا محبيه الكثر و هزّوا أركان جنّة العمران و موئل الأمل و الخير.
كان، رحمه الله و طيّب ذكره، رجل دولة متألقاً يستشرف المستقبل و يحضّر له البشر و الخطط و العدة ليضمنه مشرقاً و مزدهراً.
طمح إلى إحياء رسالة لبنان الحضارية بعد طول تشويه، فعزّز الوئام و مدّ جسور التفاهم و الثقة بمساهمة في هندسة "إتفاق الطائف"، كما منح من خلال "مؤسسة الحريري" نعمة تحصيل الدراسة الجامعية لأكثر من خمسة و ثلاثين ألفاً من الشباب و الصبايا فضخّ في قلب و عروق الوطن نفحة حياة منعشة و قوة دفع لا يستكين لها نبض.
فكان ذلك أسمى و أجدى إستثمار يمكن توظيفه لتموين المستقبل و إغناء دور و تراث لبنان في الريادة و الرقي.
إقتحم رفيق الحريري قبب النجاح بقبوله تحدّ لم يجرؤ عليه غيره، فتعهّد بإنجاز بناء فندق بسرعة قياسية و كان على مستوى التحدي فوفى بعهده و بنى أساساً متيناً لصدقيته و زرع بذوراً خصبة لنجاحه اللاحق و أثبت أنه رجل المهمات الصعبة كي لا نقول المستحيلة.
بعد تسجيله النجاح تلو النجاح و بنائه شبكة شركات متنوعة و عقده علاقات شخصية وطيدة مع قيادات عربية و عالمية بارزة، و بعد إعتياده على لذة حصاد غلّة الخير و متعة إنجاز المشاريع العمرانية و فرح تحقيق الأحلام واقعاً، إختلجت في وجدان رفيق الحريري ذروة النشوة بتحقيق حلم إعادة بناء لبنان، دولة سيدة حرة مستقلة و حاضرة عمرانية رائعة تليق بعزة و طموح أبنائها.
فكرّس الرفيق بمحبةٍ و تفان ٍ قدراته و أرصدته المادية و المعنوية لخدمة وطنه و خاض المعترك السياسي فمحضه إخوانه اللبنانيون الثقة و عقدوا عليه الآمال، فقاد كتلة نيابية عريضة و ترأس غالبية المجالس الوزارية و أنطلق بمشاريع الإعمار في ظلّ هيمنة سورية خانقة كبّلت المؤسسات و أعاقت النهوض.
و رغم ذلك حقق الرئيس الحريري إنجازات ضخمة بفضل تصميمه و مثابرته من جهة، و صبره و حنكته و حكمته في التعامل مع ديناصور النظام السوري من جهة أخرى.
و لأن حلم هذا القائد متوّج بإكليل الحرية و السيادة و الإستقلال لوطنه، و لأن نضال الأحرار لنيل هذا الهدف ما إستكان، تبنى المجتمع الدولي هذا التوق المشروع و شقّ طريقه بإصدار قرار مجلس الأمن 1559.
و كان غضب الديناصور لمحاولة إخراجه من مرعاه الخصب مروعاً، فقذف ألسنة لهبه على موكب الرئيس الحريري بتفجير إرهابي ضخم إستشهِد على أثره الرئيس الحريري و الوزير باسل فليحان و لفيف من المرافقين و المجاورين لموقع التفجير.
فُجعت النفوس الحرة و الأبية في لبنان لفقدان الرئيس الحريري و صحبه وكان غضبها بحجم الإنفجار الآثم فبعد مأتم حاشد تقاطب أبناء العزة و الحرية و الكرامة من كل أنحاء لبنان و طافوا في تظاهرة ضخمة أستحقت تسمية "ثورة الأرز" يوم 14 آذار 2005، طالبت بخروج جيش النظام السوري من لبنان و محاكمة المتورطين في تدبير هذه الجريمة الشنعاء.
و هكذا حقق شهيد لبنان بمماته إنجازاً جليلاً يضاف إلى إنجازاته الباهرة خلال حياته، ألا و هو إنبعاث الوحدة الوطنية بين معظم شرائح الوطن.
لكن للأسف البالغ إن الذين يضمرون صيغة مخالفة لتطلعات اللبنانيين في العيش الآمن و الهانئ في كنف دولة قوية ديمقراطية سيدة حرة مستقلة ما زالوا يدورون في فلك رعاتهم، متمسكين برؤيتهم الهجينة للوطن و بتحصنهم في معاقلهم الخارجة عن سلطة الدولة و بإنسلاخهم عن بقية المواطنين.
و قد بلغت حدة ممارساتهم حداً خطيراً بات يهدد الكيان و يمهد للغور بالوطن من جديد في غياهب عهد الطغيان الذي ودّعوه بالرياحين و أكاليل الغار في تظاهرة "الوفاء" في 8 آذار 2005 .
واجب كل لبناني التيقظ للمكائد التي تحاك لإغتيال الوطن و للإنقضاض على إنجازات القوى السيادية و إغتصاب ودائع لفيف شهداء الإستقلال المنتشل.
و حفاظاً على تراثنا العريق المجبول بالعزة و الكرامة و الحرية و كرمى لإزدهار مستقبلنا و أمانة لتطلعاتنا و وفاء لتوصيات شهدائنا الأبرار، لنشبك السواعد و نقف صفاً واحداً و سدا منيعاً لإسقاط تعديات الردة الرجعية و لنواكب مسار المحكمة الدولية للقبض على رؤوس شبكة الإجرام لننعم بالأمان.
و لنستلهم مناقب و خصال الشهداء النبيلة لننقّي ضمائرنا، و لنستمدّ عوامل القوة و أسرار النجاح من مزايا القدوة في المبادرة الناجحة و العمل الخيّر رفيق الحريري فيبقى في وجداننا حيّاً يرزق.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
عام 2005 في اليوم الذي كرّس لتبادل العشاق و المحبين عرابين المحبة و الوفاء، زوّد عشاق الإرهاب و الكيد و الغدر و الضغينة و الحقد و الإجرام عملاءهم بطنّ من المتفجرات ليترصّدوا و يغتالوا بوحشية زلزال التفجير رجلاً كبير القلب، عصامياً مكافحاً مجتهداً صادقاً، تدرّج في تسلّق سلّم النجاح حتى بلغ قمم المجد و غدا عن إستحقاق قائدأ رؤيوياً و عنفوانياً ملهماً للأجيال، لكن مثيراً بشموخه لغيظ أباطرة الإستبداد، إنه رجل الدولة المرموق لبنانياً و عربياً و عالمياً رفيق الحريري.
لقد سلخوه عن وطنه، في ذلك اليوم المشؤوم، و فجعوا محبيه الكثر و هزّوا أركان جنّة العمران و موئل الأمل و الخير.
كان، رحمه الله و طيّب ذكره، رجل دولة متألقاً يستشرف المستقبل و يحضّر له البشر و الخطط و العدة ليضمنه مشرقاً و مزدهراً.
طمح إلى إحياء رسالة لبنان الحضارية بعد طول تشويه، فعزّز الوئام و مدّ جسور التفاهم و الثقة بمساهمة في هندسة "إتفاق الطائف"، كما منح من خلال "مؤسسة الحريري" نعمة تحصيل الدراسة الجامعية لأكثر من خمسة و ثلاثين ألفاً من الشباب و الصبايا فضخّ في قلب و عروق الوطن نفحة حياة منعشة و قوة دفع لا يستكين لها نبض.
فكان ذلك أسمى و أجدى إستثمار يمكن توظيفه لتموين المستقبل و إغناء دور و تراث لبنان في الريادة و الرقي.
إقتحم رفيق الحريري قبب النجاح بقبوله تحدّ لم يجرؤ عليه غيره، فتعهّد بإنجاز بناء فندق بسرعة قياسية و كان على مستوى التحدي فوفى بعهده و بنى أساساً متيناً لصدقيته و زرع بذوراً خصبة لنجاحه اللاحق و أثبت أنه رجل المهمات الصعبة كي لا نقول المستحيلة.
بعد تسجيله النجاح تلو النجاح و بنائه شبكة شركات متنوعة و عقده علاقات شخصية وطيدة مع قيادات عربية و عالمية بارزة، و بعد إعتياده على لذة حصاد غلّة الخير و متعة إنجاز المشاريع العمرانية و فرح تحقيق الأحلام واقعاً، إختلجت في وجدان رفيق الحريري ذروة النشوة بتحقيق حلم إعادة بناء لبنان، دولة سيدة حرة مستقلة و حاضرة عمرانية رائعة تليق بعزة و طموح أبنائها.
فكرّس الرفيق بمحبةٍ و تفان ٍ قدراته و أرصدته المادية و المعنوية لخدمة وطنه و خاض المعترك السياسي فمحضه إخوانه اللبنانيون الثقة و عقدوا عليه الآمال، فقاد كتلة نيابية عريضة و ترأس غالبية المجالس الوزارية و أنطلق بمشاريع الإعمار في ظلّ هيمنة سورية خانقة كبّلت المؤسسات و أعاقت النهوض.
و رغم ذلك حقق الرئيس الحريري إنجازات ضخمة بفضل تصميمه و مثابرته من جهة، و صبره و حنكته و حكمته في التعامل مع ديناصور النظام السوري من جهة أخرى.
و لأن حلم هذا القائد متوّج بإكليل الحرية و السيادة و الإستقلال لوطنه، و لأن نضال الأحرار لنيل هذا الهدف ما إستكان، تبنى المجتمع الدولي هذا التوق المشروع و شقّ طريقه بإصدار قرار مجلس الأمن 1559.
و كان غضب الديناصور لمحاولة إخراجه من مرعاه الخصب مروعاً، فقذف ألسنة لهبه على موكب الرئيس الحريري بتفجير إرهابي ضخم إستشهِد على أثره الرئيس الحريري و الوزير باسل فليحان و لفيف من المرافقين و المجاورين لموقع التفجير.
فُجعت النفوس الحرة و الأبية في لبنان لفقدان الرئيس الحريري و صحبه وكان غضبها بحجم الإنفجار الآثم فبعد مأتم حاشد تقاطب أبناء العزة و الحرية و الكرامة من كل أنحاء لبنان و طافوا في تظاهرة ضخمة أستحقت تسمية "ثورة الأرز" يوم 14 آذار 2005، طالبت بخروج جيش النظام السوري من لبنان و محاكمة المتورطين في تدبير هذه الجريمة الشنعاء.
و هكذا حقق شهيد لبنان بمماته إنجازاً جليلاً يضاف إلى إنجازاته الباهرة خلال حياته، ألا و هو إنبعاث الوحدة الوطنية بين معظم شرائح الوطن.
لكن للأسف البالغ إن الذين يضمرون صيغة مخالفة لتطلعات اللبنانيين في العيش الآمن و الهانئ في كنف دولة قوية ديمقراطية سيدة حرة مستقلة ما زالوا يدورون في فلك رعاتهم، متمسكين برؤيتهم الهجينة للوطن و بتحصنهم في معاقلهم الخارجة عن سلطة الدولة و بإنسلاخهم عن بقية المواطنين.
و قد بلغت حدة ممارساتهم حداً خطيراً بات يهدد الكيان و يمهد للغور بالوطن من جديد في غياهب عهد الطغيان الذي ودّعوه بالرياحين و أكاليل الغار في تظاهرة "الوفاء" في 8 آذار 2005 .
واجب كل لبناني التيقظ للمكائد التي تحاك لإغتيال الوطن و للإنقضاض على إنجازات القوى السيادية و إغتصاب ودائع لفيف شهداء الإستقلال المنتشل.
و حفاظاً على تراثنا العريق المجبول بالعزة و الكرامة و الحرية و كرمى لإزدهار مستقبلنا و أمانة لتطلعاتنا و وفاء لتوصيات شهدائنا الأبرار، لنشبك السواعد و نقف صفاً واحداً و سدا منيعاً لإسقاط تعديات الردة الرجعية و لنواكب مسار المحكمة الدولية للقبض على رؤوس شبكة الإجرام لننعم بالأمان.
و لنستلهم مناقب و خصال الشهداء النبيلة لننقّي ضمائرنا، و لنستمدّ عوامل القوة و أسرار النجاح من مزايا القدوة في المبادرة الناجحة و العمل الخيّر رفيق الحريري فيبقى في وجداننا حيّاً يرزق.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
٢٩.١٢.٠٧
كفى إبتزازاً لأهل الوطن /عزيزان: الرهينة و الفدية
حميد عواد*
ليت الأمانة لسرية و مقتضيات مهمات المحقق الدولي سرج برامرتس سمحت له بالجهر بهوية عصابة الإجرام ( الذاعة الصيت على ألسنة قادة الدول الكبرى المضطلعين، إضافة إلى اللبنانيين الملمّين بالوقائع و الأدلة ) لتُفضح و تُدان، حينما حذرنا من غدرها في سياق تقريره الأخير، قبل أن تتمكن من إغتيال العميد الركن فرنسوا الحاج الذي استشهد و سائقه الرقيب أول خيرالله هدوان، مضيفَين إلى "مهر" الشهادة المبذول في سبيل العزّة و الإستقلال رصيداً نفيساً.
لقد سجّل هذا الضابط المغوار، خلال الدفاع عن الوطن و حماية أمن اهله، مآثر مشرّفة مضمّخة بدماء التضحية و ممهورة بعرابين الوفاء، و أدار بكفاءة عالية و نجاح عظيم عمليات جيشنا الباسل الذي دوّن ملحمة أُسطورية خلال مواجهة شراذم الإرهاب في "نهر البارد"، المصدّرة إلينا من شرقي الحدود.
فيما مهّد سجلّ العميد الركن فرنسوا الحاج إستحقاق خلافة قائد الجيش العماد ميشال سليمان المنذور لتسلّم سدّة الرئاسة، كمن له محترفو الغدر و الإجرام بُعيد منزله و فجّروا حقد آمريهم في سيارة مفخّخة، فإختصروا سيرته المجلية و أفجعوا أهله و أبناء بلدته و الجيش و الوطن بفقدان بطل ميمون، في الذكرى السنوية الثانية لإغتيالهم قائداً مقداماً و خطيباً ملهماً من قادة "ثورة الأرز" شهيد الحرية و العنفوان الوطني "ديك النهار" المدوّي صياحه في ضمائرنا جبران التويني.
شهداء الوطن الأبرار و أبناؤه الشرفاء يستحقون التطويب كقدّيسين لعظمة تضحياتهم و جلل إبائهم و مهابة صبرهم و قوة شكيمتهم و عمق إيمانهم و سُمُوّ تفانيهم.
فوفاءً بِغَيض من فيض عطائهم وجب الإسراع بإعلان مضبطة إتهام عصابات القتل و شبكات الإجرام المترابطة و سوقهم من اوكارهم و معاقلهم إلى المحكمة الدولية المعدّة خصّيصاً لمحاكمتهم، فيسلم اللبنانيون من شرورهم وينطلقوا بزخم مضطرد في تدعيم ركائز الديمقراطية و السيادة و الإستقلال و إكمال ترميم المؤسسات و إصلاح الإدارات و تنظيم القضاء و فصل السلطات في الجمهورية اللبنانية.
لكن للأسف الشديد إن الذين يعيقون و يحبطون مساعي ترسيخ أُسس الدولة ببتر بعض مؤسساتها و تعطيل ممارسة مهام حيوية لبعضها الآخر و إثارة البلبلة و الشغب و التهديد على إيقاع قرقعة السلاح، يفتحون الدرب واسعة أمام حملة السلاح غير الشرعي و يؤمنون الغطاء للعمل الإجرامي المنظم الممعن في تصفية نخب قيادية من الرعيل الإستقلالي المعاصر.
إن الفصيل الأساسي من الفريق الإنقلابي قد سلخ "رعاياه" عن بقية إخوانهم في المجتمع الوطني كما إقتطع حيزه الجغرافي من أرض الوطن وبنى مؤسساته الخاصة و قواه المسلحة و شبكات إتصالاته بمعزل عن سلطة الدولة لكن مستفيداً من خدماتها و ممولآً و " مرتشداً" من أركان النظام الإيراني الذين شكّلوه و رعوه ليقيم في لبنان حكماً تابعاً لفتاوى فقيههم، عند بلوغ تضخم خلاياه البشرية نسبة تقزّم بقية شرائح الوطن.
يوماً بعد يوم يتّضح أن ولاء حلفاء النظامين السوري و الإيراني داخل لبنان هو مرتبط بمصالح "العرّابين" اللذين يجعلان من لبنان متراساً متقدماً لحروبهما العبثية و ورقة إبتزاز للتفاوض عليها مع المجتمع الدولي الذي فتح أقنية الحوار لمصلحة لبنان و رفض التفاوض على حسابه، رغم إلحاح "متمرّدي" الداخل على" إشباع" شهوات سوريا و إيران على "ولائم شهية" تقدَّم من الدول العربية و الغربية إلى سوريا و إيران (طرح معادلات": سعودية/أمريكا/فرنسا/أوروبا>>>سوريا/إيران).
النظام الإيراني و ملحقه السوري يمارسان "تكسير مزاريب العين" و استعراضات القوة و إستنفار الحلفاء و إنشاء خلايا تكفيرية موتورة داخل الدول العربية و خارجها تقوم بزرع القلاقل و زعزعة الإستقرار (راجع حديث عادل الأسدي القنصل الإيراني السابق في دبي عن "خلايا نائمة" في دول الخليج http://www.alarabiya.net/articles/2007/10/30/41005.html). لقد سربت وسائل الإعلام الإسبانية أنباء عن تحذير وجهه أحد أركان النظام السوري إلى السلطات الإسبانية من مغبّة تسليم تاجر السلاح السوري منذر الكسار، المعتقل في إسبانيا، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، و هو الذي "صدف" الإعتداء على الكتيبة الإسبانية (24 حزيران 2007) في جنوب لبنان غداة إعتقاله. إن مثابرة الثنائي الإيراني-السوري على "التسرّب" و بسط و ترسيخ نفوذهما في دول المنطقة مراهنين على استنفاد صمود المجتمع الدولي في التصدي لأطماعهما يشكّل تحدياً ساخراً يوجب معالجته بصرامة و حسم.
و ما سلوك المسلسين لأوامرهما إلا نسخة عن نهجيهما: حاور و ناور، عِدْ و راوغ، خذ و طالب، قبّح مزايا الآخرين و جمّل عيوبك، تمسكن و ابطش، إطلب الرأفة و افجر، تظلّم و اظلم، جوّع الناس و خُض معركة إطعامهم، عزّز الأذلاء و اقمع الأحرار، إدعم الجهلة و اقصِ المثقفين، أطلق السفاحين و اسجن المفكرين, إرتكب المنكر و انسبه إلى خصمك، نادِ بالسلام و مارس العنف، اغتصب حقوق الغير و طالب بالإنصاف، تطمّع و تعفّف، كرّس إرادتك قدراً لا مردّ له، إصقل شهوتك للسلطة لتبدو مشتهىً وطنياً و قومياً، أضمر الغلبة و اظهر المساواة، فرّق و سُدْ، قسّم و إدّعِ التوحيد.
لذلك ليس غريباً تطابق مواقف التابع و المتبوع أو تكاملها. فنغمة "تطيير" إستحقاق إنتخاب رئيس للجمهورية سمعناها قبل فوات المهلة الدستورية، إذ أكّدها لنا مرتبطون بالمخابرات السورية، قبل التصريح بها لاحقاً من مسؤولين سوريين، و حكوا عن البحث فيها خلال شهر آذار المقبل (ربما خلال موعد القمة العربية ليبتزّ النظام السوري موافقة عربية لإعادة ترسيخ نفوذه في لبنان؟! أم ليستشعر أجواء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لجسّ نبض مقايضة الأمان؟! أم أملاً بإنصراف إهتمام الإدارة الأميركية عن قضايا الشرق الأوسط لصبّها نحو الإعداد لمعركة الرئاسة في أمريكا فيسهل الإستفراد بلبنان؟!).
إن حراك المعارضة في لبنان ما هو إلاّ عوارض التدخل الإيراني-السوري في شؤونه.
و الناس تتساءل: كيف تثق هذه المعارضة بالعماد ميشال سليمان و تؤيّد وصوله إلى سدّة الرئاسة فيما هي ترهن عقد جلسة الإنتخاب بالإستجابة إلى شروط تختص بتشكيل الحكومة و خطّتها (البيان الوزاري) و بتعيين قائد للجيش و مسؤولين أمنيين؟
و ما كانت الحاجة إلى شرط تسمية قائد الجيش طالما كان الخليفة المؤهل لهذا المنصب الشهيد العميد الركن فرنسوا الحاج؟
لكن يبدو أن المأمول هو تضييق نطاق الردع الأمني لأي شغب ميداني يدغدغ احلام الرؤوس الحامية.
يجب أن يدرك المشاكسون أنهم ساهموا بحرمان اللبنانيين من شخصيات فذّة إمتدت إليها يد الغدر و أساؤوا إلى ذكراهم و خانوا أمانيهم، كما حرموهم من نعمة بديهية طال توقهم إليها وهي الإستقرار و الطمأنينة، و حرموهم من خيرة أبنائهم الذين يغادرونهم سعياً وراء عيش كريم و مورد رزق، و حرموهم من فورة إقتصادية توفرها لهم توظيفات فائض أسعار النفط وقد ذكرنا بها مع أسف و مرارة العديد من مسؤولي دول الخليج.
ليكن مفهوماً أن لا شرعية و لا مصداقية لأي مطلب يُرفع كحائل يعيق نهضة الوطن و كحبل يلتفّ حول أعناق أبنائه.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
ليت الأمانة لسرية و مقتضيات مهمات المحقق الدولي سرج برامرتس سمحت له بالجهر بهوية عصابة الإجرام ( الذاعة الصيت على ألسنة قادة الدول الكبرى المضطلعين، إضافة إلى اللبنانيين الملمّين بالوقائع و الأدلة ) لتُفضح و تُدان، حينما حذرنا من غدرها في سياق تقريره الأخير، قبل أن تتمكن من إغتيال العميد الركن فرنسوا الحاج الذي استشهد و سائقه الرقيب أول خيرالله هدوان، مضيفَين إلى "مهر" الشهادة المبذول في سبيل العزّة و الإستقلال رصيداً نفيساً.
لقد سجّل هذا الضابط المغوار، خلال الدفاع عن الوطن و حماية أمن اهله، مآثر مشرّفة مضمّخة بدماء التضحية و ممهورة بعرابين الوفاء، و أدار بكفاءة عالية و نجاح عظيم عمليات جيشنا الباسل الذي دوّن ملحمة أُسطورية خلال مواجهة شراذم الإرهاب في "نهر البارد"، المصدّرة إلينا من شرقي الحدود.
فيما مهّد سجلّ العميد الركن فرنسوا الحاج إستحقاق خلافة قائد الجيش العماد ميشال سليمان المنذور لتسلّم سدّة الرئاسة، كمن له محترفو الغدر و الإجرام بُعيد منزله و فجّروا حقد آمريهم في سيارة مفخّخة، فإختصروا سيرته المجلية و أفجعوا أهله و أبناء بلدته و الجيش و الوطن بفقدان بطل ميمون، في الذكرى السنوية الثانية لإغتيالهم قائداً مقداماً و خطيباً ملهماً من قادة "ثورة الأرز" شهيد الحرية و العنفوان الوطني "ديك النهار" المدوّي صياحه في ضمائرنا جبران التويني.
شهداء الوطن الأبرار و أبناؤه الشرفاء يستحقون التطويب كقدّيسين لعظمة تضحياتهم و جلل إبائهم و مهابة صبرهم و قوة شكيمتهم و عمق إيمانهم و سُمُوّ تفانيهم.
فوفاءً بِغَيض من فيض عطائهم وجب الإسراع بإعلان مضبطة إتهام عصابات القتل و شبكات الإجرام المترابطة و سوقهم من اوكارهم و معاقلهم إلى المحكمة الدولية المعدّة خصّيصاً لمحاكمتهم، فيسلم اللبنانيون من شرورهم وينطلقوا بزخم مضطرد في تدعيم ركائز الديمقراطية و السيادة و الإستقلال و إكمال ترميم المؤسسات و إصلاح الإدارات و تنظيم القضاء و فصل السلطات في الجمهورية اللبنانية.
لكن للأسف الشديد إن الذين يعيقون و يحبطون مساعي ترسيخ أُسس الدولة ببتر بعض مؤسساتها و تعطيل ممارسة مهام حيوية لبعضها الآخر و إثارة البلبلة و الشغب و التهديد على إيقاع قرقعة السلاح، يفتحون الدرب واسعة أمام حملة السلاح غير الشرعي و يؤمنون الغطاء للعمل الإجرامي المنظم الممعن في تصفية نخب قيادية من الرعيل الإستقلالي المعاصر.
إن الفصيل الأساسي من الفريق الإنقلابي قد سلخ "رعاياه" عن بقية إخوانهم في المجتمع الوطني كما إقتطع حيزه الجغرافي من أرض الوطن وبنى مؤسساته الخاصة و قواه المسلحة و شبكات إتصالاته بمعزل عن سلطة الدولة لكن مستفيداً من خدماتها و ممولآً و " مرتشداً" من أركان النظام الإيراني الذين شكّلوه و رعوه ليقيم في لبنان حكماً تابعاً لفتاوى فقيههم، عند بلوغ تضخم خلاياه البشرية نسبة تقزّم بقية شرائح الوطن.
يوماً بعد يوم يتّضح أن ولاء حلفاء النظامين السوري و الإيراني داخل لبنان هو مرتبط بمصالح "العرّابين" اللذين يجعلان من لبنان متراساً متقدماً لحروبهما العبثية و ورقة إبتزاز للتفاوض عليها مع المجتمع الدولي الذي فتح أقنية الحوار لمصلحة لبنان و رفض التفاوض على حسابه، رغم إلحاح "متمرّدي" الداخل على" إشباع" شهوات سوريا و إيران على "ولائم شهية" تقدَّم من الدول العربية و الغربية إلى سوريا و إيران (طرح معادلات": سعودية/أمريكا/فرنسا/أوروبا>>>سوريا/إيران).
النظام الإيراني و ملحقه السوري يمارسان "تكسير مزاريب العين" و استعراضات القوة و إستنفار الحلفاء و إنشاء خلايا تكفيرية موتورة داخل الدول العربية و خارجها تقوم بزرع القلاقل و زعزعة الإستقرار (راجع حديث عادل الأسدي القنصل الإيراني السابق في دبي عن "خلايا نائمة" في دول الخليج http://www.alarabiya.net/articles/2007/10/30/41005.html). لقد سربت وسائل الإعلام الإسبانية أنباء عن تحذير وجهه أحد أركان النظام السوري إلى السلطات الإسبانية من مغبّة تسليم تاجر السلاح السوري منذر الكسار، المعتقل في إسبانيا، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، و هو الذي "صدف" الإعتداء على الكتيبة الإسبانية (24 حزيران 2007) في جنوب لبنان غداة إعتقاله. إن مثابرة الثنائي الإيراني-السوري على "التسرّب" و بسط و ترسيخ نفوذهما في دول المنطقة مراهنين على استنفاد صمود المجتمع الدولي في التصدي لأطماعهما يشكّل تحدياً ساخراً يوجب معالجته بصرامة و حسم.
و ما سلوك المسلسين لأوامرهما إلا نسخة عن نهجيهما: حاور و ناور، عِدْ و راوغ، خذ و طالب، قبّح مزايا الآخرين و جمّل عيوبك، تمسكن و ابطش، إطلب الرأفة و افجر، تظلّم و اظلم، جوّع الناس و خُض معركة إطعامهم، عزّز الأذلاء و اقمع الأحرار، إدعم الجهلة و اقصِ المثقفين، أطلق السفاحين و اسجن المفكرين, إرتكب المنكر و انسبه إلى خصمك، نادِ بالسلام و مارس العنف، اغتصب حقوق الغير و طالب بالإنصاف، تطمّع و تعفّف، كرّس إرادتك قدراً لا مردّ له، إصقل شهوتك للسلطة لتبدو مشتهىً وطنياً و قومياً، أضمر الغلبة و اظهر المساواة، فرّق و سُدْ، قسّم و إدّعِ التوحيد.
لذلك ليس غريباً تطابق مواقف التابع و المتبوع أو تكاملها. فنغمة "تطيير" إستحقاق إنتخاب رئيس للجمهورية سمعناها قبل فوات المهلة الدستورية، إذ أكّدها لنا مرتبطون بالمخابرات السورية، قبل التصريح بها لاحقاً من مسؤولين سوريين، و حكوا عن البحث فيها خلال شهر آذار المقبل (ربما خلال موعد القمة العربية ليبتزّ النظام السوري موافقة عربية لإعادة ترسيخ نفوذه في لبنان؟! أم ليستشعر أجواء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لجسّ نبض مقايضة الأمان؟! أم أملاً بإنصراف إهتمام الإدارة الأميركية عن قضايا الشرق الأوسط لصبّها نحو الإعداد لمعركة الرئاسة في أمريكا فيسهل الإستفراد بلبنان؟!).
إن حراك المعارضة في لبنان ما هو إلاّ عوارض التدخل الإيراني-السوري في شؤونه.
و الناس تتساءل: كيف تثق هذه المعارضة بالعماد ميشال سليمان و تؤيّد وصوله إلى سدّة الرئاسة فيما هي ترهن عقد جلسة الإنتخاب بالإستجابة إلى شروط تختص بتشكيل الحكومة و خطّتها (البيان الوزاري) و بتعيين قائد للجيش و مسؤولين أمنيين؟
و ما كانت الحاجة إلى شرط تسمية قائد الجيش طالما كان الخليفة المؤهل لهذا المنصب الشهيد العميد الركن فرنسوا الحاج؟
لكن يبدو أن المأمول هو تضييق نطاق الردع الأمني لأي شغب ميداني يدغدغ احلام الرؤوس الحامية.
يجب أن يدرك المشاكسون أنهم ساهموا بحرمان اللبنانيين من شخصيات فذّة إمتدت إليها يد الغدر و أساؤوا إلى ذكراهم و خانوا أمانيهم، كما حرموهم من نعمة بديهية طال توقهم إليها وهي الإستقرار و الطمأنينة، و حرموهم من خيرة أبنائهم الذين يغادرونهم سعياً وراء عيش كريم و مورد رزق، و حرموهم من فورة إقتصادية توفرها لهم توظيفات فائض أسعار النفط وقد ذكرنا بها مع أسف و مرارة العديد من مسؤولي دول الخليج.
ليكن مفهوماً أن لا شرعية و لا مصداقية لأي مطلب يُرفع كحائل يعيق نهضة الوطن و كحبل يلتفّ حول أعناق أبنائه.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
٣.١٢.٠٧
المشعل و البندقية
حميد عواد*
بمكوناتنا المادية و العقلية و الشعورية و التفاعلية، نغتذي من كل بيئة نلجها، فنتأثر بها و نؤثر فيها على قدر تفاعلنا في بوتقتها.
نتدرج في إستقاء المعرفة و إجراء الإختبارات و فهم العلاقات و كشف الأدوار و إستخلاص النتائج و صوغ القواعد و التمرس في التطبيق إكتساباً للمهارات و تحفّزاً لإستنباط المستجدات و إستيلاد الإبداع.
نحكّ معدن الأشياء و نصقل جوهر القضايا، فنفرز الجيد عن العائب برؤية ثاقبة و منطق ناقد، و نُخضع الأحكام لمعايير النزاهة و ألإنصاف و العدالة الرفيقة لإثبات الحق و لنشر المحبة و الإلفة و الخير.
عسى لو يتوفر لكل إنسان عناية عطوفة و تربية خصبة توسّع نطاق معرفته و تنشط فضوله و تنمّي طاقاته.
متى نضجت شخصية المرء، لا حاجة إلى رادع خارجي لضمان سلامة السلوك، فضميره الحي و قيمه الأخلاقية وعقله المتوقد و الراجح كفيلة بإرشاده إلى جادة الصواب.
و لو قُيض لكل إنسان أن يثمّر طاقاته الخيّرة بعيداً عن لجج الجهل و غرائز التعصب و شهوات الإستئثار بالسلطة، و بمأمن عن هذيان "التأله" و أوهام التبرّك بأمجاد حروب "مقدسة"، لكان بالإمكان تفادي النزاعات و الحروب و إنقاذ الكثير من الأرواح و توفير التكاليف الباهظة لتخصيصها للإنماء و الإعمار و الإرتقاء و الرفاهية.
فيما تتركز أنظارنا على الوطن المطعون بحراب الخارج و الداخل، و المحتقن بأجواء الحرد السياسي المشبوه و المترنح تحت وطأة أعباء التعطيل الإقتصادي و التهديد الأمني، يطالعنا سرب من المشاغبين تعتعهم سكر نرجسي، يستقطرون و يستسقون الخمر من عصارة معاناة أللبنانيين فتقشعرّ لعربدتهم الأبدان، و ينتشون بنوبات "العظمة" منشدين قول "الأخطل":
"إذا ما نديمي علّني ثم علّني ثلاث زجاجات لهن هدير
خرجت أجرّ الذيل زهواً كأنني عليك أمير المؤنين أمير"
و قول "المتنبي":
"أي محل أرتقي أي عظيم أتّقي
و كل ما قد خلق الله و ما لم يخلق
محتقر في همّتي كشعرة في مفرقي"
أنظار المعنيين بمستقبل لبنان من أبنائه و أصدقائه تلاحق عقارب الساعة فيما تسابق دورانها جهود حثيثة لمنع زرع الألغام في درب إنتخاب رئيس للجمهورية و تأمين إنجازه في أقصر المهل بعد تعذر إجرائه قبل نفاد المهلة الدستورية.
أبناء العنفوان و العزة الوطنية حريصون على تكملة مسيرة الخلاص من الطغيان التي إكتسبت زخماً و بلغت ذروتها في 14 آذار 2005، شاقة درب الإنعتاق من الكبت و القهر للإنتعاش بنسائم الحرية و الديمقراطية و السيادة و الإستقلال المحيية للبنان، يسعون جاهدين إلى تأمين حصول عملية إنتخاب رئيس للجمهورية في سياق ديموقراطي.
فيما الفريق المناوئ الذي تكدّر و إكتأب لإنسحاب جيش النظام السوري، عبّر عن تعلّقه بهذا "السند" بتنظيم تظاهرة في 8 آذار 2005، و هو اليوم يعمل جاهداً مع حلفائه للضغظ على الفرقاء الرافضين للتبعية للقبول برئيس يؤمن الغطاء لهيمنة المحور السوري- الإيراني بشروط يحاول فرضها حزب مسلّح مزدوج الطبيعة، إقتطع حيّزاً جغرافياً لسلطانه، نظّمه و أداره طبقاً لعقيدته بمنأى عن سلطة الدولة فجفل من محيطه الكثيرون من المواطنين المستهجنين و المتوجسين هاجرين ديارهم بدافع القلق.
لعبة المعارضة ظاهرها تحصيل حصص تغرر ببعض الحلفاء و باطنها إطباق على الوطن بكامله. ظاهرها "تصحيح" التمثيل و باطنها إحباط نهوض الدولة الديمقراطية المدنية. ظاهرها دعم الحلفاء و باطنها التلطي بهم و خطفهم أسرى. ظاهرها الشكوى من الغبن و باطنها "خذ و طالب".
و لم يعد سراً الدفع بإتجاه إلغاء "إتفاق الطائف" بضرب "الحديد حامياً" قبل أن يبرد.
في اللعبة الراهنة يتوسلون بدعة ما عرفها لبنان في إنتخابات رئاسية سابقة هي تهريب "النصاب" الذي إن صحّ في إحباط إقرار مسألة عادية، فهو لا يجوز في عملية محورية هي إنتخاب رئيس للجمهورية.
و بما أن المجلس النيابي تحول إلى هيئة إنتخابية، تقتصر مهمة أعضائه على إنتخاب رئيس بلا تلكؤ عن القيام بواجب المشاركة، يعتبر التقاعس عن القيام بهذه المسؤولية الملحّة إفتعالاً لحالة إنقلابية على الدستور و الجمهورية و خيانة لأمانة التمثيل، تجعل مقاطعة الثلث زائد واحد من أعضاء المجلس النيابي حائلاً دون إنتخاب جوهري لإنسياب و تكامل السلطات، فيما يكفي حيازة المرشح نسبة النصف زائد واحد في الدورة الثانية ليعتبر ناجحاً!
إن التهرب من المشاركة في أسمى مهام المجلس النيابي هو بمثابة إعتزال المحارب من ساحة المعركة.
إن فريق التبعية للمحور السوري-الإيراني يفاوض بشروط راعييه و بتهويل السلاح تحت ستار التوافق و مواجهة الوصاية الدولية (و هي في الواقع الرعاية و الدعم و الحماية الدولية التي يهم تحالف جبهة التصدي لأحكام القرارات الدولية 1559 و 1701 و1757 عزل لبنان عنها ليسهل الإستفراد به).
اما الفريق الإستقلالي فيواجه هذا الهجوم بتروٍّ و حكمة يحوزان بدعم دولي واسع النطاق.
منذ سنة 2004 و حتى الآن حظي لبنان بإحتضان دولي لم يكلّ، فيما المحور السوري-الإيراني يراهن على إثباط العزائم بإختلاق سلسلة نزاعات و عقد و مطبّات تعيق نهوض الدولة و تسهّل إطباقه (عبر "فرسانه" المحليين)على وطن الأرز لخنق حرية القرار و زهق نبضات الديمقراطية و سحق عنفوان السيادة و محق مقومات الإستقلال و الحضارة و الحداثة.
تحت ذرائع حماية عوامل المنعة و التصدي لمشروع "هيمنة أمريكية" و مواجهة إسرائيل، يستنفر حلف النظامين الإيراني و السوري أتباعه في لبنان للإستفراد بهذا الوطن و الإنقضاض على تياراته السيادية، بإفتعال حالات فوضوية و إعتداءات إرهابية و إنشقاقات سياسية و إستنزافات إقتصادية و ترهيب نفسي إعلامي مسنود إلى "رهبة" التلويح بالسلاح.
و ها هم يروجون ل"إقتراب لبنان من حرب أهلية" و يتوقعون "حصول كارثة" في سياق الضغط بإتجاه فرض رئيس للجمهورية يخضع لشروطهم التعجيزية و "يحمي السلاح" من المطالبة بوضعه في الموقع الطبيعي تحت إمرة الدولة.
في غمرة التجاذبات أُجهضت مبادرة خيّرة خلّفت مرارة عند مرجع كلّي الطوبى إضطر إلى رعايتها فأصدر توضيحاً وضع الأمور في نصابها. و منعاً للمراوحة في الفراغ بادر فريق 14 آذار، من باب الحرص على تأمين مناخ وفاقي في عملية إنتخاب رئيس للجمهورية، إلى تزكية قائد الجيش الحالي لهذا المنصب، نظراً إلى حظوته بدعم كل الفرقاء، تقديراً للنجاح الذي أحرزه الجيش في إجتثاث المجموعة الإرهابية من مخيم نهر البارد و في مهام أمنية أخرى، رغم أنه يتطلب إجتهاداً دستورياً قيصرياً لتسويغه.
و كم كنا نتمنى لو يتخلى قاطر المعارضة عن مشروع إسقاط الدولة أو جعلها مسخاً ينازعها صلاحياتها، لكن الدلائل و المطالب لا تشجع.
و طالما بقي المحور الإيراني-السوري ممسكاً بلاعبيه في لبنان و أختزن ذخيرة من حرية الحركة فسيتحول الإستحقاق الرئاسي كطابة غولف تقذف من محطة إلى أخرى حسب المخطط المرسوم لخدمة مصالحه.
ألمطلوب إستنفار كل الطاقات الخيرة لإعادة الرشد لمن أضاعه و لتقويم هذا الوضع الشاذ، ليسهل إستئناف مسيرة الحرية و السيادة و الإستقلال و الإستقرار و الإزدهار.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
بمكوناتنا المادية و العقلية و الشعورية و التفاعلية، نغتذي من كل بيئة نلجها، فنتأثر بها و نؤثر فيها على قدر تفاعلنا في بوتقتها.
نتدرج في إستقاء المعرفة و إجراء الإختبارات و فهم العلاقات و كشف الأدوار و إستخلاص النتائج و صوغ القواعد و التمرس في التطبيق إكتساباً للمهارات و تحفّزاً لإستنباط المستجدات و إستيلاد الإبداع.
نحكّ معدن الأشياء و نصقل جوهر القضايا، فنفرز الجيد عن العائب برؤية ثاقبة و منطق ناقد، و نُخضع الأحكام لمعايير النزاهة و ألإنصاف و العدالة الرفيقة لإثبات الحق و لنشر المحبة و الإلفة و الخير.
عسى لو يتوفر لكل إنسان عناية عطوفة و تربية خصبة توسّع نطاق معرفته و تنشط فضوله و تنمّي طاقاته.
متى نضجت شخصية المرء، لا حاجة إلى رادع خارجي لضمان سلامة السلوك، فضميره الحي و قيمه الأخلاقية وعقله المتوقد و الراجح كفيلة بإرشاده إلى جادة الصواب.
و لو قُيض لكل إنسان أن يثمّر طاقاته الخيّرة بعيداً عن لجج الجهل و غرائز التعصب و شهوات الإستئثار بالسلطة، و بمأمن عن هذيان "التأله" و أوهام التبرّك بأمجاد حروب "مقدسة"، لكان بالإمكان تفادي النزاعات و الحروب و إنقاذ الكثير من الأرواح و توفير التكاليف الباهظة لتخصيصها للإنماء و الإعمار و الإرتقاء و الرفاهية.
فيما تتركز أنظارنا على الوطن المطعون بحراب الخارج و الداخل، و المحتقن بأجواء الحرد السياسي المشبوه و المترنح تحت وطأة أعباء التعطيل الإقتصادي و التهديد الأمني، يطالعنا سرب من المشاغبين تعتعهم سكر نرجسي، يستقطرون و يستسقون الخمر من عصارة معاناة أللبنانيين فتقشعرّ لعربدتهم الأبدان، و ينتشون بنوبات "العظمة" منشدين قول "الأخطل":
"إذا ما نديمي علّني ثم علّني ثلاث زجاجات لهن هدير
خرجت أجرّ الذيل زهواً كأنني عليك أمير المؤنين أمير"
و قول "المتنبي":
"أي محل أرتقي أي عظيم أتّقي
و كل ما قد خلق الله و ما لم يخلق
محتقر في همّتي كشعرة في مفرقي"
أنظار المعنيين بمستقبل لبنان من أبنائه و أصدقائه تلاحق عقارب الساعة فيما تسابق دورانها جهود حثيثة لمنع زرع الألغام في درب إنتخاب رئيس للجمهورية و تأمين إنجازه في أقصر المهل بعد تعذر إجرائه قبل نفاد المهلة الدستورية.
أبناء العنفوان و العزة الوطنية حريصون على تكملة مسيرة الخلاص من الطغيان التي إكتسبت زخماً و بلغت ذروتها في 14 آذار 2005، شاقة درب الإنعتاق من الكبت و القهر للإنتعاش بنسائم الحرية و الديمقراطية و السيادة و الإستقلال المحيية للبنان، يسعون جاهدين إلى تأمين حصول عملية إنتخاب رئيس للجمهورية في سياق ديموقراطي.
فيما الفريق المناوئ الذي تكدّر و إكتأب لإنسحاب جيش النظام السوري، عبّر عن تعلّقه بهذا "السند" بتنظيم تظاهرة في 8 آذار 2005، و هو اليوم يعمل جاهداً مع حلفائه للضغظ على الفرقاء الرافضين للتبعية للقبول برئيس يؤمن الغطاء لهيمنة المحور السوري- الإيراني بشروط يحاول فرضها حزب مسلّح مزدوج الطبيعة، إقتطع حيّزاً جغرافياً لسلطانه، نظّمه و أداره طبقاً لعقيدته بمنأى عن سلطة الدولة فجفل من محيطه الكثيرون من المواطنين المستهجنين و المتوجسين هاجرين ديارهم بدافع القلق.
لعبة المعارضة ظاهرها تحصيل حصص تغرر ببعض الحلفاء و باطنها إطباق على الوطن بكامله. ظاهرها "تصحيح" التمثيل و باطنها إحباط نهوض الدولة الديمقراطية المدنية. ظاهرها دعم الحلفاء و باطنها التلطي بهم و خطفهم أسرى. ظاهرها الشكوى من الغبن و باطنها "خذ و طالب".
و لم يعد سراً الدفع بإتجاه إلغاء "إتفاق الطائف" بضرب "الحديد حامياً" قبل أن يبرد.
في اللعبة الراهنة يتوسلون بدعة ما عرفها لبنان في إنتخابات رئاسية سابقة هي تهريب "النصاب" الذي إن صحّ في إحباط إقرار مسألة عادية، فهو لا يجوز في عملية محورية هي إنتخاب رئيس للجمهورية.
و بما أن المجلس النيابي تحول إلى هيئة إنتخابية، تقتصر مهمة أعضائه على إنتخاب رئيس بلا تلكؤ عن القيام بواجب المشاركة، يعتبر التقاعس عن القيام بهذه المسؤولية الملحّة إفتعالاً لحالة إنقلابية على الدستور و الجمهورية و خيانة لأمانة التمثيل، تجعل مقاطعة الثلث زائد واحد من أعضاء المجلس النيابي حائلاً دون إنتخاب جوهري لإنسياب و تكامل السلطات، فيما يكفي حيازة المرشح نسبة النصف زائد واحد في الدورة الثانية ليعتبر ناجحاً!
إن التهرب من المشاركة في أسمى مهام المجلس النيابي هو بمثابة إعتزال المحارب من ساحة المعركة.
إن فريق التبعية للمحور السوري-الإيراني يفاوض بشروط راعييه و بتهويل السلاح تحت ستار التوافق و مواجهة الوصاية الدولية (و هي في الواقع الرعاية و الدعم و الحماية الدولية التي يهم تحالف جبهة التصدي لأحكام القرارات الدولية 1559 و 1701 و1757 عزل لبنان عنها ليسهل الإستفراد به).
اما الفريق الإستقلالي فيواجه هذا الهجوم بتروٍّ و حكمة يحوزان بدعم دولي واسع النطاق.
منذ سنة 2004 و حتى الآن حظي لبنان بإحتضان دولي لم يكلّ، فيما المحور السوري-الإيراني يراهن على إثباط العزائم بإختلاق سلسلة نزاعات و عقد و مطبّات تعيق نهوض الدولة و تسهّل إطباقه (عبر "فرسانه" المحليين)على وطن الأرز لخنق حرية القرار و زهق نبضات الديمقراطية و سحق عنفوان السيادة و محق مقومات الإستقلال و الحضارة و الحداثة.
تحت ذرائع حماية عوامل المنعة و التصدي لمشروع "هيمنة أمريكية" و مواجهة إسرائيل، يستنفر حلف النظامين الإيراني و السوري أتباعه في لبنان للإستفراد بهذا الوطن و الإنقضاض على تياراته السيادية، بإفتعال حالات فوضوية و إعتداءات إرهابية و إنشقاقات سياسية و إستنزافات إقتصادية و ترهيب نفسي إعلامي مسنود إلى "رهبة" التلويح بالسلاح.
و ها هم يروجون ل"إقتراب لبنان من حرب أهلية" و يتوقعون "حصول كارثة" في سياق الضغط بإتجاه فرض رئيس للجمهورية يخضع لشروطهم التعجيزية و "يحمي السلاح" من المطالبة بوضعه في الموقع الطبيعي تحت إمرة الدولة.
في غمرة التجاذبات أُجهضت مبادرة خيّرة خلّفت مرارة عند مرجع كلّي الطوبى إضطر إلى رعايتها فأصدر توضيحاً وضع الأمور في نصابها. و منعاً للمراوحة في الفراغ بادر فريق 14 آذار، من باب الحرص على تأمين مناخ وفاقي في عملية إنتخاب رئيس للجمهورية، إلى تزكية قائد الجيش الحالي لهذا المنصب، نظراً إلى حظوته بدعم كل الفرقاء، تقديراً للنجاح الذي أحرزه الجيش في إجتثاث المجموعة الإرهابية من مخيم نهر البارد و في مهام أمنية أخرى، رغم أنه يتطلب إجتهاداً دستورياً قيصرياً لتسويغه.
و كم كنا نتمنى لو يتخلى قاطر المعارضة عن مشروع إسقاط الدولة أو جعلها مسخاً ينازعها صلاحياتها، لكن الدلائل و المطالب لا تشجع.
و طالما بقي المحور الإيراني-السوري ممسكاً بلاعبيه في لبنان و أختزن ذخيرة من حرية الحركة فسيتحول الإستحقاق الرئاسي كطابة غولف تقذف من محطة إلى أخرى حسب المخطط المرسوم لخدمة مصالحه.
ألمطلوب إستنفار كل الطاقات الخيرة لإعادة الرشد لمن أضاعه و لتقويم هذا الوضع الشاذ، ليسهل إستئناف مسيرة الحرية و السيادة و الإستقلال و الإستقرار و الإزدهار.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
١٥.١١.٠٧
نصّ الخطاب الذي ألقيته في إحتفال نظمته الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم
بدءاً أودّ أن أعرب عن تقديري لمعدّي هذا اللقاء من مسؤولي و أعضاء المؤسسات المنضوية تحت جناح الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم-فرع تورنتو، بوركت باكورة نشاطاتكم في الحلّة الجديدة.
كما أوجه شكري لكم جميعاً أيها الحاضرون الكرام على إستعدادكم للإستماع إلى خطب هذه المناسبة، فالإصغاء للكلام و لو كان بليغاً صعب فيما الإنتباه و الترقب مسلّطان على الوطن التوّاق إلى التعافي من الجراح و الوثاب إلى النهوض من الكبوات تحت وطأة ضغوط مضنية و في ظل إستحقاق رئاسي مداهم محفوف بالتعقيدات، نأمل أن يتمخض عن إنتخاب رئيس للجمهورية إستثنائي المزايا حكيم موثوق، بارع في التواصل و حازم في القرار و أمين على ودائع الشهداء و حريص على إكمال منجزات "ثورة الأرز" و تطبيق القرارات الموثقة في محاضر جلسات الحوار و في القرارات الدولية التي واكبتها.
لأن كل لبناني بارّ مفطور على نفحات الحرية و العنفوان و حب الوطن و لأن قوة الشكيمة متأصلة في طبيعتنا، ترانا نجسد أسطورة إنبعاث "طائر الفينيق" فنشرئبّ من عصف الإغتيال و ننتفض من بين أنقاض القصف و نثور على التنكيل و القمع و الإستبداد و الإجرام.
درب جلجلة مفخخة بالألغام و الكمائن و الغدر و مضرجة بدماء الشهداء الجبابرة عبرناها و توّجناها ب"ثورة الأرز" المجيدة، فتوثقت بمعمودية الشهادة العظمى عرى الوحدة الوطنية و تغلّبت إرادة الحياة العزيزة التي لا تنفصم عن سيادة وطنية ناجزة و إستقلال راسخ غير مخروق.
الإنعتاق من براثن الوحوش الضارية، و لو مثخنين بالجراح، كان ثمرة تنسيق جهود مشتركة بين اللبنانيين في المقلبين المقيم و المغترب، إذ هبّ اللبنانيون في المغتربات لنجدة أهلهم المنتفضين داخل الوطن على مغتصبيهم و نجحوا في كسب عطف و تأييد و دعم المجتمع الدولي الذي تبلور سلسلة قرارات صدرت عن مجلس الأمن الدولي بدأت بالقرار 1559 و توالت حتى القرارين 1701 و 1757.
كانت قيادة الجامعة اللبنانية الثقافية في طليعة المساهمين في حشد دعم صانعي القرار في الولايات المتحدة الأميركية و أوروبا و أوستراليا و كندا و المكسيك و أميركا الجنوبية. الدور القيادي لتأمين الدعم للبنان، مارسته الولايات المتحدة و فرنسا بمساندة بقية الدول الأوروبية و الدول العربية الصديقة.
فشكراً للدعم الدولي المتواصل الذي رفد نضال اللبنانيين الأحرار الآيل إلى إنتشال لبنان من الغور في لجج المكائد التي إستهدفته.
إن الإنتشار الإغترابي المرموق و المؤثر جعل من الوطن الصغير عملاقاً ضخماً يصعب إبتلاعه.
تنوعت أسباب و ظروف هجرة اللبنانيين، و كانت موجاتها الحديثة مدفوعة بسلسلة الإضطربات و الفتن و الإعتداءات التي تعرض لها لبنان بسبب دوره الطليعي و ضيافته الرحبة و موقعه الحساس الملتهب بإضطرام الصراعات الإقليمية.
المتحدرون من عائلات لبنانية حافظوا على العادات الطيبة التي ورثوها عن أجدادهم و إحتفظوا بحنين عذب يشدهم إلى الوطن الأم لم يتبدد رغم بُعد المسافة و طول الزمن.
تدرّج تقرّب المتحدرين من جذور بلاد الأرز نحو موطن أجدادهم و أنسبائهم مع تفرع القنصليات اللبنانية و مع قدوم مغتربين جدد و مع تطور وسائل النقل و الإتصالات، و بدأوا يشكلون نواد و جمعيات تعزز تواصلهم.
و كحاجة المؤمن إلى العبادة إشتد إلحاح تشكيل مؤسسة أُمّ، حاضنة للجمعيات و النوادي الإغترابية الناشئة لتؤمن التواصل مع الوطن الأم، فأُنشئت الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم سنة 1960 و أُحتضنت برعاية الدولة حتى إنعقاد مؤتمر عالمي في بيروت سنة 1964حيث تسلّم مسؤولياتها المجلس العالمي المنتخب.
كان التنسيق مفيداً و مثمراً بين الحكومات اللبنانية و الجامعة ولو أنها غير حكومية و غير رسمية. و بدأ تنظيم رحلات جوية تحمل المغتربين و المتحدرين من أصل لبناني ليكتشفوا روعة البلد الذي شوّقهم سحر أحاديث أجدادهم لزيارته.
و بدأت المؤتمرات الإغترابية بالإنعقاد في لبنان و المهاجر و قد شاركتُ في المؤتمر العاشر الذي عقد في البرازيل منتصف أيلول سنة 1994 كرئيس للمجلس الوطني في كندا.
في البدء كانت طيبة المتحدرين من صلب الوطن و من المغتربين تدفعهم إلى محض ممثلي الدولة اللبنانية من سفراء و قناصل و مسؤولين و سياسيين، ثقة كبيرة، لكن بعد التلكؤ الرسمي في تلبية مطالب مشروعة تختصّ بالحصول على الجنسية و حقّ الترشح و الإنتخاب، و بعد وقوع لبنان في القبضة السورية بدأ الحذر و الإبتعاد للنأي بالجامعة عن هذه الهيمنة.
لكن ذلك لم يمنع إختراقات و شرذمات أربكت عمل ناشطي التيارات السيادية في دول الإغتراب
بموازاة التسلط على مقادير الحكم في الوطن.
ففي عهد إستتباب الهيمنة العسكرية للنظام السوري على لبنان شعر أركانه بتنامي تنظيم مجموعات ضغط على الحكومات في الدول النافذة في العالم و منها قيادات الجامعة في الولايات المتحدة و أوستراليا و أوروبا و كندا. فكان الرد إفرادَ وزارة للمغتربين أوكلت إلى خادم مطيع لأوامرهم، و إبتداع ما أصطلح على تسميته ملحقين إغترابيين وزعوا على السفارات لخرق الجاليات و تضليلها و ربطها بتوجيهاتهم و للتجسس على نشاطات المغتربين و محاولة إحباط مساعيهم لدى حكومات بلاد الإنتشار.
و لإحكام الطوق إبتدع النظام السوري هيئة إغترابية عربية برئاسة وزير المغتربين السوري مهمتها الترويج لمصالح هذا النظام في دول العالم و بالتالي تسخير موارد وزارة المغتربين اللبنانية البشرية و المادية لهذا الغرض.
لقد قمت من خلال إنخراطي الإغترابي في الدفاع عن حرية و سيادة و استقلال وطننا الأم بحملات إعلامية عبر مقالات نشرتها في الصحف و كتب وجهتها شخصياً كما وجه مثلها رفاق و نشطاء إلى الحكومة الكندية نفضح فيها واقع الحال السياسي في لبنان و تسرب نفوذ المخابرات السورية إلى سفاراته، و نحضها بالتالي على مساندة مساعي إجلاء جحافل كابوس الطغيان السوري عن لبنان، الديمقراطي النظام، وفاء للقيم و المعايير الكندية المبنية على الديمقراطية و إحترام حقوق الإنسان.
إن الطابع الإجتماعي و الثقافي للجامعة لم يحل دون إدراج بنود في أنظمتها الداخلية تتعهد بموجبها الدفاع عن لبنان في المحافل الدولية في حال تعرضه للخطر. و هذا واجب يمليه علينا الضمير و القلب و العقل تجاه أرض الجذور و منابع الخير، و أمانة في أعناقنا حماية الخصائص الحضارية للبنان الغني بشواهد التاريخ العمرانية و بتراث بسطائه و ألمعييه الإنساني و الفكري و المادي، و برصيد أبنائه الثقافي و العلمي و الإجتماعي الذي تشعّب ضخّه نحو مقاصد الأدمغة المهاجرة.
كسمك السلمون سنجوب البحار و المحيطات و نبدأ بعد تجوالنا رحلات العودة إلى المنابع مهما عاكستنا التيارات و المصاعب لكن لنستريح لا لنموت. و عند كل عودة نخاطب الوطن بلسان إيليا ابو ماضي منشدين:
وطن النجوم أنا هنا حدّق أتذكر من أنا؟
أنا ذلك الولد الذي دنياه كانت هاهنا
جذلان يمرح في حقولك كالنسيم مدندنا
أنا من مياهك قطرة فاضت جداول من سنا
أنا من ترابك ذرّة ماجت كواكب من منى
أنا من طيورك بلبل غنّى بمجدك فإغتنى
كما أوجه شكري لكم جميعاً أيها الحاضرون الكرام على إستعدادكم للإستماع إلى خطب هذه المناسبة، فالإصغاء للكلام و لو كان بليغاً صعب فيما الإنتباه و الترقب مسلّطان على الوطن التوّاق إلى التعافي من الجراح و الوثاب إلى النهوض من الكبوات تحت وطأة ضغوط مضنية و في ظل إستحقاق رئاسي مداهم محفوف بالتعقيدات، نأمل أن يتمخض عن إنتخاب رئيس للجمهورية إستثنائي المزايا حكيم موثوق، بارع في التواصل و حازم في القرار و أمين على ودائع الشهداء و حريص على إكمال منجزات "ثورة الأرز" و تطبيق القرارات الموثقة في محاضر جلسات الحوار و في القرارات الدولية التي واكبتها.
لأن كل لبناني بارّ مفطور على نفحات الحرية و العنفوان و حب الوطن و لأن قوة الشكيمة متأصلة في طبيعتنا، ترانا نجسد أسطورة إنبعاث "طائر الفينيق" فنشرئبّ من عصف الإغتيال و ننتفض من بين أنقاض القصف و نثور على التنكيل و القمع و الإستبداد و الإجرام.
درب جلجلة مفخخة بالألغام و الكمائن و الغدر و مضرجة بدماء الشهداء الجبابرة عبرناها و توّجناها ب"ثورة الأرز" المجيدة، فتوثقت بمعمودية الشهادة العظمى عرى الوحدة الوطنية و تغلّبت إرادة الحياة العزيزة التي لا تنفصم عن سيادة وطنية ناجزة و إستقلال راسخ غير مخروق.
الإنعتاق من براثن الوحوش الضارية، و لو مثخنين بالجراح، كان ثمرة تنسيق جهود مشتركة بين اللبنانيين في المقلبين المقيم و المغترب، إذ هبّ اللبنانيون في المغتربات لنجدة أهلهم المنتفضين داخل الوطن على مغتصبيهم و نجحوا في كسب عطف و تأييد و دعم المجتمع الدولي الذي تبلور سلسلة قرارات صدرت عن مجلس الأمن الدولي بدأت بالقرار 1559 و توالت حتى القرارين 1701 و 1757.
كانت قيادة الجامعة اللبنانية الثقافية في طليعة المساهمين في حشد دعم صانعي القرار في الولايات المتحدة الأميركية و أوروبا و أوستراليا و كندا و المكسيك و أميركا الجنوبية. الدور القيادي لتأمين الدعم للبنان، مارسته الولايات المتحدة و فرنسا بمساندة بقية الدول الأوروبية و الدول العربية الصديقة.
فشكراً للدعم الدولي المتواصل الذي رفد نضال اللبنانيين الأحرار الآيل إلى إنتشال لبنان من الغور في لجج المكائد التي إستهدفته.
إن الإنتشار الإغترابي المرموق و المؤثر جعل من الوطن الصغير عملاقاً ضخماً يصعب إبتلاعه.
تنوعت أسباب و ظروف هجرة اللبنانيين، و كانت موجاتها الحديثة مدفوعة بسلسلة الإضطربات و الفتن و الإعتداءات التي تعرض لها لبنان بسبب دوره الطليعي و ضيافته الرحبة و موقعه الحساس الملتهب بإضطرام الصراعات الإقليمية.
المتحدرون من عائلات لبنانية حافظوا على العادات الطيبة التي ورثوها عن أجدادهم و إحتفظوا بحنين عذب يشدهم إلى الوطن الأم لم يتبدد رغم بُعد المسافة و طول الزمن.
تدرّج تقرّب المتحدرين من جذور بلاد الأرز نحو موطن أجدادهم و أنسبائهم مع تفرع القنصليات اللبنانية و مع قدوم مغتربين جدد و مع تطور وسائل النقل و الإتصالات، و بدأوا يشكلون نواد و جمعيات تعزز تواصلهم.
و كحاجة المؤمن إلى العبادة إشتد إلحاح تشكيل مؤسسة أُمّ، حاضنة للجمعيات و النوادي الإغترابية الناشئة لتؤمن التواصل مع الوطن الأم، فأُنشئت الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم سنة 1960 و أُحتضنت برعاية الدولة حتى إنعقاد مؤتمر عالمي في بيروت سنة 1964حيث تسلّم مسؤولياتها المجلس العالمي المنتخب.
كان التنسيق مفيداً و مثمراً بين الحكومات اللبنانية و الجامعة ولو أنها غير حكومية و غير رسمية. و بدأ تنظيم رحلات جوية تحمل المغتربين و المتحدرين من أصل لبناني ليكتشفوا روعة البلد الذي شوّقهم سحر أحاديث أجدادهم لزيارته.
و بدأت المؤتمرات الإغترابية بالإنعقاد في لبنان و المهاجر و قد شاركتُ في المؤتمر العاشر الذي عقد في البرازيل منتصف أيلول سنة 1994 كرئيس للمجلس الوطني في كندا.
في البدء كانت طيبة المتحدرين من صلب الوطن و من المغتربين تدفعهم إلى محض ممثلي الدولة اللبنانية من سفراء و قناصل و مسؤولين و سياسيين، ثقة كبيرة، لكن بعد التلكؤ الرسمي في تلبية مطالب مشروعة تختصّ بالحصول على الجنسية و حقّ الترشح و الإنتخاب، و بعد وقوع لبنان في القبضة السورية بدأ الحذر و الإبتعاد للنأي بالجامعة عن هذه الهيمنة.
لكن ذلك لم يمنع إختراقات و شرذمات أربكت عمل ناشطي التيارات السيادية في دول الإغتراب
بموازاة التسلط على مقادير الحكم في الوطن.
ففي عهد إستتباب الهيمنة العسكرية للنظام السوري على لبنان شعر أركانه بتنامي تنظيم مجموعات ضغط على الحكومات في الدول النافذة في العالم و منها قيادات الجامعة في الولايات المتحدة و أوستراليا و أوروبا و كندا. فكان الرد إفرادَ وزارة للمغتربين أوكلت إلى خادم مطيع لأوامرهم، و إبتداع ما أصطلح على تسميته ملحقين إغترابيين وزعوا على السفارات لخرق الجاليات و تضليلها و ربطها بتوجيهاتهم و للتجسس على نشاطات المغتربين و محاولة إحباط مساعيهم لدى حكومات بلاد الإنتشار.
و لإحكام الطوق إبتدع النظام السوري هيئة إغترابية عربية برئاسة وزير المغتربين السوري مهمتها الترويج لمصالح هذا النظام في دول العالم و بالتالي تسخير موارد وزارة المغتربين اللبنانية البشرية و المادية لهذا الغرض.
لقد قمت من خلال إنخراطي الإغترابي في الدفاع عن حرية و سيادة و استقلال وطننا الأم بحملات إعلامية عبر مقالات نشرتها في الصحف و كتب وجهتها شخصياً كما وجه مثلها رفاق و نشطاء إلى الحكومة الكندية نفضح فيها واقع الحال السياسي في لبنان و تسرب نفوذ المخابرات السورية إلى سفاراته، و نحضها بالتالي على مساندة مساعي إجلاء جحافل كابوس الطغيان السوري عن لبنان، الديمقراطي النظام، وفاء للقيم و المعايير الكندية المبنية على الديمقراطية و إحترام حقوق الإنسان.
إن الطابع الإجتماعي و الثقافي للجامعة لم يحل دون إدراج بنود في أنظمتها الداخلية تتعهد بموجبها الدفاع عن لبنان في المحافل الدولية في حال تعرضه للخطر. و هذا واجب يمليه علينا الضمير و القلب و العقل تجاه أرض الجذور و منابع الخير، و أمانة في أعناقنا حماية الخصائص الحضارية للبنان الغني بشواهد التاريخ العمرانية و بتراث بسطائه و ألمعييه الإنساني و الفكري و المادي، و برصيد أبنائه الثقافي و العلمي و الإجتماعي الذي تشعّب ضخّه نحو مقاصد الأدمغة المهاجرة.
كسمك السلمون سنجوب البحار و المحيطات و نبدأ بعد تجوالنا رحلات العودة إلى المنابع مهما عاكستنا التيارات و المصاعب لكن لنستريح لا لنموت. و عند كل عودة نخاطب الوطن بلسان إيليا ابو ماضي منشدين:
وطن النجوم أنا هنا حدّق أتذكر من أنا؟
أنا ذلك الولد الذي دنياه كانت هاهنا
جذلان يمرح في حقولك كالنسيم مدندنا
أنا من مياهك قطرة فاضت جداول من سنا
أنا من ترابك ذرّة ماجت كواكب من منى
أنا من طيورك بلبل غنّى بمجدك فإغتنى
١.١٠.٠٧
وطن مرصود
حميد عواد*
الأمثال الشعبية تختصر حكمة شعب بلغة بليغة، لكن العبرة تكمن في الإسترشاد بها: "الجار قبل الدار" و " ألف عدو خارج الدار و لا عدو داخلها" ( يتسلل إليها و يمارس إرهابه على أهلها ) و " إن أنت أكرمت الكريم ملكته و إن أنت أكرمت اللئيم تمرد " و "يا ضيفنا لو زرتنا ألفيتنا نحن الضيوف و أنت ربّ المنزل" نعطفه إستدراكاً على المثل الفرنسي : " خذ راحتك و كأنك في بيتك، لكن لا تنس أنك في بيتنا". " Soyez chez vous, mais n'oubliez pas que vous etes chez nous!"
و فيما يتعذر على المرء أن يختار دائماً جيرانه، فيبتلي بشرور الحاسدين و الطامعين و الحاقدين منهم، فمن الظلم أن يفرض عليه "نزلاؤه". لكن للأسف هذه حال لبنان المنكوب ليس فقط ب" نزلائه" و " جيرانه" ، و إنما أيضاً ببعض أهله الذين جحدوا بأفضال وطنهم و نكصوا بعهود الإخاء الوطني فبايعوا الولاء لمرجعيات منبوذة و "محاصرة" دولياً و منفّرة و مقلقة إقليمياً، لخطورة شبقها الجامح أبداً نحو الهيمنة و لتهوّر نهجها و عنف سلوكها و نزف إبتزازها، و لتعنتها في تحريض غريزة العداء على منطق التفاهم و ترويض الناس على الإسلاس لتضليلها.
للأسف الشديد، بين الإرتزاق و الإنزلاق، إرتبطت هذه الجماعات بمخططات مموليها و "ملهميها" و مدرّبيها و إلتزمت نهجها المستهجن، فحادت عن التطلعات و المصلحة الوطنية الجامعة.
و غدا لبنان معترك صراعات دائمة التناسل، دفع اللبنانيون أثماناً باهظة الكلفة لها، كلما وقع إحتكاك يواكب غالباً إحتدام إشتباك الإرادة و القرارات الدولية مع سلوك المحور الإيراني-السوري. كرمى ل"مَونة" هذا الثنائي، ترخص في عيون أغراره كل النعم الطبيعية التي أسبغها الله على لبنان و كل كنوزه الحضارية و التاريخية وكل أرصدته الثقافية و الإنمائية و البشرية و المادية، فيضعوها فجأة على كفّ عفريت، في مهبّ أهواء و مصالح راعييهما.
كيف لا و أصحاب "النخوة" و طفيليوهم المغتذون بنسغهم يتمردون على شرعية و سيادة الدولة ليمعنوا في إضعافها، إنطلاقاً من "إقطاعياتهم" و بؤرهم، حيث تُشنّف آذانهم و تُشبع أدمغتهم بفتاوى و فذلكات تدعي الإمرة و تنتحل العصمة.
لقد عرف لبنان أنماطاً منوعة من المقاومة، منها فلسطينية و منها متكنية بفلسطين (مدعومة من أنظمة عربية أبرزها النظام السوري) إنطلقت إساساً لمحاربة إسرائيل و أُحيطت بهالة من القداسة. لكن ما لبثت أن جنحت عن هدفها، و إنحرفت لمحاربة اللبنانيين (و لو بمساندة فرقاء منهم ) في عقر دارهم فاستثارت مقاومة لبنانية لإنحرافها و استوجبت لاحقاً إستحضار "قوات ردع عربية" ما لبث أن إستأثر بها النظام السوري إرواءً لظمإٍ مزمن في ضم لبنان إلى "حظيرته"، كما حفّزت إجتياحات إسرائيلية لضرب "الفصائل الفلسطينية" في حلبة الصراع اللبنانية.
و بعد إحباط متكرر لتفاهم اللبنانيين فيما بينهم و بعد التمادي في إنهاكهم "نضجت ظروف" إنعقاد مداولات "إتفاق الطائف" و ما أعقبه من صدامات و حسم لها، تخلّت إثره الميليشيات اللبنانية عن السلاح لتنضم إلى مسيرة بناء الدولة. لكن مشيئة النظام السوري المتصرف المطلق بلبنان حينها، إستثنى فصائل مسلحة مرتبطة بإمرته أو متحالفة معه، أهمها فصيل رعته إيران مباشرة خارج الأطر و الأعراف الدبلوماسية (تماشياً مع الإنتهاكات السورية للسيادة) فثقّفه عقائدياً و درّبه عسكرياً "حرسها الثوري".
و فيما شكّل جلاء الإحتلال الإسرائيلي في 21 أيار سنة 2000 ما وراء "الخط الأزرق" مرحلة أولى من التحرير، أنجز صمود شباب الخط السيادي في إعتراضهم السلمي الحثيث على الهيمنة السورية العسكرية، بمؤازرة القرار الدولي 1559، المرحلة المكملة بإنسحاب الجيش السوري في 26 نيسان سنة 2005 من لبنان.
إن المرتبطين عضوياً بالمحور السوري-الإيراني ما إنتظروا طويلاً ليثبتوا لبقية اللبنانيين أن تحالفهم مع المحور المذكور هو أقوى من عرى شراكتهم الوطنية. فكان "الوعد الصادق" و كان الرد الصاعق حرباً تموزية (2006) ضارية مكلفة و مؤلمة. و ما أن صدر القرار الدولي 1701 بعد مفاوضات عسيرة حتى هبّ من كان يراقب بالمنظار، عليه الأمان، جسامة الدمار من برجه العاجي شرقي الحدود ليشتم الحكام العرب و "يزفّ" نبأ البدء بقطاف الثمار السياسية لتضحيات اللبنانيين!
و كان ذلك إيذاناً بإنسحاب الوزراء "المتناغمين" من الحكومة لتجريدها من صفة "المقاومة الدبلوماسية" و تصنيفها "بتراء" و "غير ميثاقية" و "غير شرعية" تمهيداً لمنعها من إتخاذ القرارات و الطعن بها في حال إصدارها.
الهدف الأساس الذي أفلت من قبضة النظام السوري الهارب من الحساب هو إحباط تشكيل المحكمة الدولية الطابع المخصصة لمحاكمة من يثبت ضلوعه في إغتيال الرئيس رفيق الحريري شهيد استعادة السيادة والإستقلال و في سلسلة إبادة سواه من قادة "ثورة الأرز".
لم ينجح مخطط فرط الحكومة للتحكم بإعادة تشكيلها من قبل حلفاء سوريا و إيران و رُسم خط أحمر عربي و دولي منع إقتحام السراي الحكومي، لكن إحتلال الساحات العامة إستمر مسبباً خسارة فادحة للأقتصاد الوطني تجاوزت 22 مليار دولار ( 75 مليون يومياً على مدى اكثر من ثلاثماية يوم) و ذلك تعبيراً عن "الضنّ بأحوال الفقراء" و إفساحاً لإستيلاد "فرص عمل" توقف نزف هجرة الأدمغة (أم المطلوب التخلص من هذه النخب فيسهل التدجين؟).
من غريب "المصادفات" أنه كلما إنتصب سائس من ساسة المعارضة ليتهم فريق الأكثرية بالتآمر لقتل "نجم" من صفوفهم أو كلما "أُعلن" عن محاولة إغتيال فاشلة لأحد المسؤولين منهم، نُصعق بعد حين بفاجعة إغتيال وحشي تستهدف شخصية استقلالية برلمانية أو حكومية. و بديهي أن هكذا عمل إجرامي يستهدف ترويع نواب و وزراء من قادة مسيرة 14 آذار لشلّ نشاطهم و تثبيط عزائمهم و إنقاص عددهم توخياً لفرط عقد الحكومة أو الأكثرية النيابية.
هكذا تحول إتهام أحد سياسيي مسيرة التبعية و الوفاء للنظام السوري (8 آذار) (مؤيداً بإدعاء موازٍ من وكالة أنباء إقليمية) رعيل مسيرة 14 آذار الإستقلالية بالتخطيط لقتل قائد من خطه، إلى نذير شؤم أفضى إلى إغتيال النائب و المحامي انطوان غانم، الكتائبي العتيق السامي المناقب و الطاهر الضمير و الخادم المتواضع الناشط بصمت.
و مثلما سبقت إغتيال النائب و الصحافي الشهيد جبران التويني، "ديك النهار" المقدام و الصدّاح، محاولة إغتيال مسؤول حزبي مرعي من النظامين الإيراني و السوري، نتوجس خيفة أن تكون محاولة إغتيال مشابهة أُعلن عنها مؤخراً، تمهيداً لإرتكاب إغتيال جديد يغيّب وجهاً جديداً من قادة "ثورة الأرز" لاسمح الله.
مع استعار حماوة التوتر بين إيران و المجتمع الدولي حيال ملف التخصيب النووي و التدخل في الشأن العراقي و اللبناني و الفلسطيني يستنفر النظام الإيراني قوته العسكرية ليرفع معنويات شعبه و حلفائه، و يزيد من توثبه لملء و إستيعاب "فراغات" يساهم في خلقها في المنطقة، لكن لايبدو أنه سيصحو من نشوة القوة ليدرك خطورة الإنذارات التي وجهتها إليه مختلف الدول النافذة و نأمل ألا تتأخر الصحوة كيلا تاتي على وقع صدمة قاصمة.
و حبذا لو يكفّ أركان النظام السوري عن المراوغة و يفقهوا كنه التحذيرات التي يوجهها إليهم قادة المجتمع الدولي كيلا يعبثوا بأمن لبنان و لا يتدخلوا في شؤونه و يعيقوا تعافيه، فقد أصبح أمانة في كنف الرعاية الدولية، يحظى بحضانة و حصانة دوليتين.
لقد ذكّر نبأ غارة الطيران الإسرائيلية الأخيرة على موقع في دير الزور التي خرقت وسائط الدفاع السورية و قصفت و دمرت أهدافاً لم يفصح عن طبيعتها، بعملية قصف ورشة بناء مفاعل "تمّوز" العراقي في حزيران 1981، و جاء إطلاق "الجهاد الإسلامي" لصاروخ من غزة على ثكنة عسكرية إسرائيلية و كأنه ردّ... لبعض الإعتبار.
كما بيّن مسار الغارة لأهل هذا النظام أن سبل خرق الأجواء السورية لا تمر بالضرورة عبر "الخاصرة الرخوة" المدغدغة لأحلام الهيمنة الماثلة في مخيلة أهله.
عسى أن تشكل مظلة الأمان الدولية المناخ المناسب لإتمام إستحقاق إنتخاب رئيس للجمهورية ضمن المهل و الآلية الدستورية، قائد لا منقاد، مستقيم الرأي لا يخطئ و لا يحابي، موثوق الإلتزام بحماية الدستور و رعاية الشعب و أحكام القرارات الدولية، قادر على إبتكار الحلول و استنباط السبل الملائمة لتطبيقها.
عندها يراقب عن كثب سلامة ممارسة سلطات الدولة من الجهات المختصّة المؤتمنة دون أن ينازعها طارئ هجين، فيجري التوجيه و النقد و الإصلاح و البناء عبر مؤسساتها لا خارجها و بأسلوب ديمقراطي لا إنقلابي.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
الأمثال الشعبية تختصر حكمة شعب بلغة بليغة، لكن العبرة تكمن في الإسترشاد بها: "الجار قبل الدار" و " ألف عدو خارج الدار و لا عدو داخلها" ( يتسلل إليها و يمارس إرهابه على أهلها ) و " إن أنت أكرمت الكريم ملكته و إن أنت أكرمت اللئيم تمرد " و "يا ضيفنا لو زرتنا ألفيتنا نحن الضيوف و أنت ربّ المنزل" نعطفه إستدراكاً على المثل الفرنسي : " خذ راحتك و كأنك في بيتك، لكن لا تنس أنك في بيتنا". " Soyez chez vous, mais n'oubliez pas que vous etes chez nous!"
و فيما يتعذر على المرء أن يختار دائماً جيرانه، فيبتلي بشرور الحاسدين و الطامعين و الحاقدين منهم، فمن الظلم أن يفرض عليه "نزلاؤه". لكن للأسف هذه حال لبنان المنكوب ليس فقط ب" نزلائه" و " جيرانه" ، و إنما أيضاً ببعض أهله الذين جحدوا بأفضال وطنهم و نكصوا بعهود الإخاء الوطني فبايعوا الولاء لمرجعيات منبوذة و "محاصرة" دولياً و منفّرة و مقلقة إقليمياً، لخطورة شبقها الجامح أبداً نحو الهيمنة و لتهوّر نهجها و عنف سلوكها و نزف إبتزازها، و لتعنتها في تحريض غريزة العداء على منطق التفاهم و ترويض الناس على الإسلاس لتضليلها.
للأسف الشديد، بين الإرتزاق و الإنزلاق، إرتبطت هذه الجماعات بمخططات مموليها و "ملهميها" و مدرّبيها و إلتزمت نهجها المستهجن، فحادت عن التطلعات و المصلحة الوطنية الجامعة.
و غدا لبنان معترك صراعات دائمة التناسل، دفع اللبنانيون أثماناً باهظة الكلفة لها، كلما وقع إحتكاك يواكب غالباً إحتدام إشتباك الإرادة و القرارات الدولية مع سلوك المحور الإيراني-السوري. كرمى ل"مَونة" هذا الثنائي، ترخص في عيون أغراره كل النعم الطبيعية التي أسبغها الله على لبنان و كل كنوزه الحضارية و التاريخية وكل أرصدته الثقافية و الإنمائية و البشرية و المادية، فيضعوها فجأة على كفّ عفريت، في مهبّ أهواء و مصالح راعييهما.
كيف لا و أصحاب "النخوة" و طفيليوهم المغتذون بنسغهم يتمردون على شرعية و سيادة الدولة ليمعنوا في إضعافها، إنطلاقاً من "إقطاعياتهم" و بؤرهم، حيث تُشنّف آذانهم و تُشبع أدمغتهم بفتاوى و فذلكات تدعي الإمرة و تنتحل العصمة.
لقد عرف لبنان أنماطاً منوعة من المقاومة، منها فلسطينية و منها متكنية بفلسطين (مدعومة من أنظمة عربية أبرزها النظام السوري) إنطلقت إساساً لمحاربة إسرائيل و أُحيطت بهالة من القداسة. لكن ما لبثت أن جنحت عن هدفها، و إنحرفت لمحاربة اللبنانيين (و لو بمساندة فرقاء منهم ) في عقر دارهم فاستثارت مقاومة لبنانية لإنحرافها و استوجبت لاحقاً إستحضار "قوات ردع عربية" ما لبث أن إستأثر بها النظام السوري إرواءً لظمإٍ مزمن في ضم لبنان إلى "حظيرته"، كما حفّزت إجتياحات إسرائيلية لضرب "الفصائل الفلسطينية" في حلبة الصراع اللبنانية.
و بعد إحباط متكرر لتفاهم اللبنانيين فيما بينهم و بعد التمادي في إنهاكهم "نضجت ظروف" إنعقاد مداولات "إتفاق الطائف" و ما أعقبه من صدامات و حسم لها، تخلّت إثره الميليشيات اللبنانية عن السلاح لتنضم إلى مسيرة بناء الدولة. لكن مشيئة النظام السوري المتصرف المطلق بلبنان حينها، إستثنى فصائل مسلحة مرتبطة بإمرته أو متحالفة معه، أهمها فصيل رعته إيران مباشرة خارج الأطر و الأعراف الدبلوماسية (تماشياً مع الإنتهاكات السورية للسيادة) فثقّفه عقائدياً و درّبه عسكرياً "حرسها الثوري".
و فيما شكّل جلاء الإحتلال الإسرائيلي في 21 أيار سنة 2000 ما وراء "الخط الأزرق" مرحلة أولى من التحرير، أنجز صمود شباب الخط السيادي في إعتراضهم السلمي الحثيث على الهيمنة السورية العسكرية، بمؤازرة القرار الدولي 1559، المرحلة المكملة بإنسحاب الجيش السوري في 26 نيسان سنة 2005 من لبنان.
إن المرتبطين عضوياً بالمحور السوري-الإيراني ما إنتظروا طويلاً ليثبتوا لبقية اللبنانيين أن تحالفهم مع المحور المذكور هو أقوى من عرى شراكتهم الوطنية. فكان "الوعد الصادق" و كان الرد الصاعق حرباً تموزية (2006) ضارية مكلفة و مؤلمة. و ما أن صدر القرار الدولي 1701 بعد مفاوضات عسيرة حتى هبّ من كان يراقب بالمنظار، عليه الأمان، جسامة الدمار من برجه العاجي شرقي الحدود ليشتم الحكام العرب و "يزفّ" نبأ البدء بقطاف الثمار السياسية لتضحيات اللبنانيين!
و كان ذلك إيذاناً بإنسحاب الوزراء "المتناغمين" من الحكومة لتجريدها من صفة "المقاومة الدبلوماسية" و تصنيفها "بتراء" و "غير ميثاقية" و "غير شرعية" تمهيداً لمنعها من إتخاذ القرارات و الطعن بها في حال إصدارها.
الهدف الأساس الذي أفلت من قبضة النظام السوري الهارب من الحساب هو إحباط تشكيل المحكمة الدولية الطابع المخصصة لمحاكمة من يثبت ضلوعه في إغتيال الرئيس رفيق الحريري شهيد استعادة السيادة والإستقلال و في سلسلة إبادة سواه من قادة "ثورة الأرز".
لم ينجح مخطط فرط الحكومة للتحكم بإعادة تشكيلها من قبل حلفاء سوريا و إيران و رُسم خط أحمر عربي و دولي منع إقتحام السراي الحكومي، لكن إحتلال الساحات العامة إستمر مسبباً خسارة فادحة للأقتصاد الوطني تجاوزت 22 مليار دولار ( 75 مليون يومياً على مدى اكثر من ثلاثماية يوم) و ذلك تعبيراً عن "الضنّ بأحوال الفقراء" و إفساحاً لإستيلاد "فرص عمل" توقف نزف هجرة الأدمغة (أم المطلوب التخلص من هذه النخب فيسهل التدجين؟).
من غريب "المصادفات" أنه كلما إنتصب سائس من ساسة المعارضة ليتهم فريق الأكثرية بالتآمر لقتل "نجم" من صفوفهم أو كلما "أُعلن" عن محاولة إغتيال فاشلة لأحد المسؤولين منهم، نُصعق بعد حين بفاجعة إغتيال وحشي تستهدف شخصية استقلالية برلمانية أو حكومية. و بديهي أن هكذا عمل إجرامي يستهدف ترويع نواب و وزراء من قادة مسيرة 14 آذار لشلّ نشاطهم و تثبيط عزائمهم و إنقاص عددهم توخياً لفرط عقد الحكومة أو الأكثرية النيابية.
هكذا تحول إتهام أحد سياسيي مسيرة التبعية و الوفاء للنظام السوري (8 آذار) (مؤيداً بإدعاء موازٍ من وكالة أنباء إقليمية) رعيل مسيرة 14 آذار الإستقلالية بالتخطيط لقتل قائد من خطه، إلى نذير شؤم أفضى إلى إغتيال النائب و المحامي انطوان غانم، الكتائبي العتيق السامي المناقب و الطاهر الضمير و الخادم المتواضع الناشط بصمت.
و مثلما سبقت إغتيال النائب و الصحافي الشهيد جبران التويني، "ديك النهار" المقدام و الصدّاح، محاولة إغتيال مسؤول حزبي مرعي من النظامين الإيراني و السوري، نتوجس خيفة أن تكون محاولة إغتيال مشابهة أُعلن عنها مؤخراً، تمهيداً لإرتكاب إغتيال جديد يغيّب وجهاً جديداً من قادة "ثورة الأرز" لاسمح الله.
مع استعار حماوة التوتر بين إيران و المجتمع الدولي حيال ملف التخصيب النووي و التدخل في الشأن العراقي و اللبناني و الفلسطيني يستنفر النظام الإيراني قوته العسكرية ليرفع معنويات شعبه و حلفائه، و يزيد من توثبه لملء و إستيعاب "فراغات" يساهم في خلقها في المنطقة، لكن لايبدو أنه سيصحو من نشوة القوة ليدرك خطورة الإنذارات التي وجهتها إليه مختلف الدول النافذة و نأمل ألا تتأخر الصحوة كيلا تاتي على وقع صدمة قاصمة.
و حبذا لو يكفّ أركان النظام السوري عن المراوغة و يفقهوا كنه التحذيرات التي يوجهها إليهم قادة المجتمع الدولي كيلا يعبثوا بأمن لبنان و لا يتدخلوا في شؤونه و يعيقوا تعافيه، فقد أصبح أمانة في كنف الرعاية الدولية، يحظى بحضانة و حصانة دوليتين.
لقد ذكّر نبأ غارة الطيران الإسرائيلية الأخيرة على موقع في دير الزور التي خرقت وسائط الدفاع السورية و قصفت و دمرت أهدافاً لم يفصح عن طبيعتها، بعملية قصف ورشة بناء مفاعل "تمّوز" العراقي في حزيران 1981، و جاء إطلاق "الجهاد الإسلامي" لصاروخ من غزة على ثكنة عسكرية إسرائيلية و كأنه ردّ... لبعض الإعتبار.
كما بيّن مسار الغارة لأهل هذا النظام أن سبل خرق الأجواء السورية لا تمر بالضرورة عبر "الخاصرة الرخوة" المدغدغة لأحلام الهيمنة الماثلة في مخيلة أهله.
عسى أن تشكل مظلة الأمان الدولية المناخ المناسب لإتمام إستحقاق إنتخاب رئيس للجمهورية ضمن المهل و الآلية الدستورية، قائد لا منقاد، مستقيم الرأي لا يخطئ و لا يحابي، موثوق الإلتزام بحماية الدستور و رعاية الشعب و أحكام القرارات الدولية، قادر على إبتكار الحلول و استنباط السبل الملائمة لتطبيقها.
عندها يراقب عن كثب سلامة ممارسة سلطات الدولة من الجهات المختصّة المؤتمنة دون أن ينازعها طارئ هجين، فيجري التوجيه و النقد و الإصلاح و البناء عبر مؤسساتها لا خارجها و بأسلوب ديمقراطي لا إنقلابي.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
١٩.٧.٠٧
في خضمّ العاصفة: عين على لبنان و عين على القبطان
حميد عواد*
الألوهة مصدر إلهام و هداية لذوي الألباب النبيهة و الإرادات الطيبة: تفيض عليهم بالنعم، فتحفزّ هممهم على عمل الخير و تشحذ نهمهم إلى النهل من منابع المعرفة و تنشّط طاقاتهم على تحصيل المهارات الخلاقة و تقوي قدراتهم على التفوق و التغلب على المصاعب، و تنير لهم سبل خدمة المجتمع البشري للإسهام بتسريع حركة الترقي. هكذا تقضي رعاية العناية الإلهية بمواكبة العمل المثمر للنوايا الطيبة و العزائم النابضة، و بقران جوهر الإيمان بدراية العقل و رجاحة الحكمة و حنان القلب و عفاف الوجدان و نقاء الضمير، و بتعزيز كرامة الإنسان و احتضان حقوقه. أما حجر الناس و حظر التواصل و تحريف العقائد و تحوير المفاهيم و تلويث الأدمغة و تضليل الفهم و إثارة الغرائز و شحن النفوس و زهق الأرواح لا يمت إلى العزة الإلهية بصلة، بل يندرج في سياق تحنيط الطبع الإنساني بطقوس الشعوذة و "رقى" السحر و مراسم عبادة الأصنام. و هذا ما يتوسله مقاولو القتل و التخريب عندما يجندون عميلاً بزي "أمير متدين" ليستقطب بإسم الدين نفراً من السذ ّج، يخدّر عقولهم و يسوقهم "ممغنطين" إلى القيام بأعمال تفجيرية و إنتحارية تخدم غايات هؤلاء الملاعين.
يلوح شبح مخابرات "مألوفة" وراء خلايا إرهابية هجينة متنوعة الأسماء، من "جند شام" "أبو عدس" إلى خلية "شاكر العبسي" المتحدر من "فتح الإنتفاضة" و "المنبعث" (المنعتق) من سجن سوري بعد قضاء عشر ما يحكم به على سجناء الرأي، ليرهبنا و يعبث بأمننا. إعتداءات خليته الإرهابية المتكررة في لبنان إقتضت رداً حاسماً من الجيش اللبناني البطل لإجتثاثها من مخيم نهر البارد الذي حولته معقلاً لهاً. و ها هو جيش لبنان الباسل يكمل المهمة بعد أن أفسح المجال لسكان المخيم بمغادرته و بعد رفض هذه العصابة فرصاً متتالية كي تستسلم، و ذلك كلفه بذل مزيد من الشهداء الأبرار الذين نتألم لفقدانهم و نجلّ تضحياتهم و نتشرّف بإحياء ذكراهم. كذلك نحيّ بخشوع شهداء قوات الأمم المتحدة من الكتيبة الإسبانية الذين سقطوا بإعتداء إرهابي آثم أودى بأرواح ستة منهم. و بالأمس نجا جنود تنزانيون من القوات الأممية من إعتداء آخر استهدفهم. بين تخطيط و إمداد إقليمي نشط، و تبريك من "تورا بورا" يتفاقم الإرهاب في العراق وينثر بعض شظاياه على لبنان. أركان المحور السوري- الإيراني يبدون تعاوناً جزئياً مع بعض المساعي الدولية أحياناً، لكنهم عملياً يحركون حلفاءهم في البؤر المتوترة لنسف هذه المساعي و القرارات الدولية. أهل النظام السوري يلوحون ببيرق العروبة فيما كافة الدول العربية النافذة تعارض نهجهم و سلوكهم. و هم "يجتهدون" ليثبتوا أن الخلاف بين اللبنانيين "غائر" في التاريخ و أن وضعهم سيبقى "هشاً" طالما لم يكلَفوا بإعادة "بسط" "الإستقرار!!!" الذي "نعم" به لبنان خلال عهد هيمنتهم الشاملة ( فحوى لقاء الأسد-بان كي مون) و تواطؤ حلفائهم ما هو إلاّ سند لهذا الإدعاء. يريدون بأي ثمن "وأد" قضية إغتيال الرئيس رفيق الحريري بإحباط تشكيل المحكمةالدوليةالمختصة إذا أمكن و إلاّ شلّها، خاصة و أن المحقق الدولي سيرج برامرتز ثبّت تقييم سلفه و عزا دوافع الإغتيال إلى الخصومة السياسية الواضحة الأطراف. و لأجل هذه الغاية يلعبون اللعبة المزدوجة: تلهّف لمفاوضات سلام مع إسرائيل بإشراف أميركي و إبداء "إستعداد" لفكّ "إرتباطاتهم" الحالية، و في الوقت عينه يؤججون النار في العراق و يسعرون الخلاف و التفجيرات في لبنان، و يلوحون بإطلاق المقاومة في الجولان، مومئين إلى حلفهم الدفاعي مع النظام الإيراني. أما هذا الأخير فمنشرح لإدخاله كفريق نافذ في مساعي حلحلة العقد في لبنان و المنطقة. لكن أعيانه لا يتوانون عن الدفاع بشراسة عن برنامجهم النووي و يحذرون من مغبّة التعرض لبلدهم بإعتداء و يشملون دول الخليج بتحذيراتهم. و يتخلل ذلك "فورات نارية" تفشي مكنوناتهم، كإثارة حسين شريعتمداري ( مستشار لخامنئي) أطروحة ضمّ "البحرين" لإيران مدعياً أن "الشاه" تخلى عنها. هذا في الوقت الذي يدعمون على نطاق واسع الموالين لهم في العراق و لبنان. و تيمناً ب"العراب" الإيراني لا ينفكّ "إبنه الروحي" في لبنان يهول بإقتداره العسكري و "يلفح بوهج ناره" بقية الفرقاء، مندفعاً بزخم لجعل مؤسسات الوطن مسرح دمى سياسي يمسك بكل خيوطها و يوزع أدوارها حسب مقتضيات دعم تمدد نفوذ العراب و حليفه السوري. لذا فالصراع الدولي مع المجرة الإيرانية-السورية هو لمنع الإستفراد بلبنان و دول الخليج و مصير الفلسطينيين و هو صراع حيوي لحماية منابع البترول و نمو و يناع الديمقراطية إنطلاقاً من لبنان. و هكذا بعد نزع القشور ينقشع لبّ الصراع في لبنان: قوى لإنعاش الديمقراطية مدعومة من المجتمع الدولي و قوى مناهضة لها، مسيّرة من اللولب الإيراني-السوري، تؤمن بحصر السلطات تحت إمرة فقيه واحد أحد. من هنا ترتبط إمكانية التوصل إلى تسوية بمدى استعداد الفريق الأخير للتخلي عن عقيدته. أما وضعها في "الثلاجة" فهو رهان على الوقت يرتجى منه رجحان كفة المؤيدين لهذا التوجه. لذا فالمخاض عسير و مطلب "المشاركة" في الحكم بالثلث "المحبط" ينطوي على "قرصنة" السلطات إذا لم يقترن بإتفاق على البيان الوزاري و آلية إنتخاب رئيس للجمهورية. و من الأفضل ألاّ يكون الرئيس "مرقماً" فرجالات لبنان الأفذاذ أكثر من أن يحصروا بدوائر محدودة. و هنا رغم الظروف التي تتحسس خطورتها كل الدول و تحتم إجتراح حلول معقولة للأزمات و الإسراع في تشكيل المحكمة الدولية، نرجو أن يعلن ترشيحه لرئاسة الجمهورية من يملك رصيداً مهيباً من حرية الضمير و تنوع الكفاءات و سعة الأفق و عمق المعرفة و نفاذ البصيرة و دقة التقييم و صواب الأحكام و قوة الإقناع و مرونة الفكر و سرعة الخاطر و شمول التخطيط و الإقدام الحازم عند العزم و جاذبية قدوة رائدة، و سجلاً ناصعاً حافلاً بالمنجزات الناجحة، إذا تكلم نصت الجميع و إذا أمر أطيع. و ربما من المفيد، تجنباً للإتيان برئيس يستجلب اللعنة على طائفته، أن يصار إلى دعوة أكبر عدد ممكن من حكماء الطائفة المارونية للإجتماع تحت رعاية غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير للتداول بأسماء شخصيات قادرة على القيادة في المرحلة الراهنة فتقترح على النواب كمرشحين لسدة الرئاسة. و لا بد من تسجيل ملا حظة حول لغط النصاب المطلوب لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية فنقول أنه ذروة الواجب إلوطني أن يحضر الجلسة كل نائب و يقترع حسب وحي ضميره. و في نفس الوقت نشير إلى أن المشترع أقفل الباب على أي محاولة ل"تطيير" النصاب عندما قضى بتحول المجلس هيئة ناخبة مهمتها الوحيدة إنجاز إنتخاب الرئيس، و حين أستوجب حصول المرشح على نسبة ثلثي الأصوات في الدورة الأولى، اسقط من حسابه إمكانية تخلّف أي نائب عن القيام بهذا الواجب الأسمى. و بالتالي إن التهرب من حضور جلسة إنتخاب رئيس الجمهورية هو بمثابة إنقلاب على أسس الدستور و على الجمهورية. كفى لبنان مسخاً لنموذجه الحضاري و تخريباً لمنجزات أبنائه و تنكيلاً بهم و قهراً لهم و تضييقاً لسبل عيشهم لإقتلاعهم من أرضهم. لبنان العريق و أهله الأصلاء بحاجة إلى حماية دولية تسبغ عليه طابع الحياد الإيجابي و تحفظ صيغته كموئل للفكر المثقف، الحر دون تعدّ و المسؤول دون تردد و المنتج دون هدر، و كمحمية لطبيعة خلابة الجمال و لإنسان مصون الحقوق ينصرف للعمل المجدي و للإبداع الخلاّق دون هواجس الغدر و وساوس الأذية.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
الألوهة مصدر إلهام و هداية لذوي الألباب النبيهة و الإرادات الطيبة: تفيض عليهم بالنعم، فتحفزّ هممهم على عمل الخير و تشحذ نهمهم إلى النهل من منابع المعرفة و تنشّط طاقاتهم على تحصيل المهارات الخلاقة و تقوي قدراتهم على التفوق و التغلب على المصاعب، و تنير لهم سبل خدمة المجتمع البشري للإسهام بتسريع حركة الترقي. هكذا تقضي رعاية العناية الإلهية بمواكبة العمل المثمر للنوايا الطيبة و العزائم النابضة، و بقران جوهر الإيمان بدراية العقل و رجاحة الحكمة و حنان القلب و عفاف الوجدان و نقاء الضمير، و بتعزيز كرامة الإنسان و احتضان حقوقه. أما حجر الناس و حظر التواصل و تحريف العقائد و تحوير المفاهيم و تلويث الأدمغة و تضليل الفهم و إثارة الغرائز و شحن النفوس و زهق الأرواح لا يمت إلى العزة الإلهية بصلة، بل يندرج في سياق تحنيط الطبع الإنساني بطقوس الشعوذة و "رقى" السحر و مراسم عبادة الأصنام. و هذا ما يتوسله مقاولو القتل و التخريب عندما يجندون عميلاً بزي "أمير متدين" ليستقطب بإسم الدين نفراً من السذ ّج، يخدّر عقولهم و يسوقهم "ممغنطين" إلى القيام بأعمال تفجيرية و إنتحارية تخدم غايات هؤلاء الملاعين.
يلوح شبح مخابرات "مألوفة" وراء خلايا إرهابية هجينة متنوعة الأسماء، من "جند شام" "أبو عدس" إلى خلية "شاكر العبسي" المتحدر من "فتح الإنتفاضة" و "المنبعث" (المنعتق) من سجن سوري بعد قضاء عشر ما يحكم به على سجناء الرأي، ليرهبنا و يعبث بأمننا. إعتداءات خليته الإرهابية المتكررة في لبنان إقتضت رداً حاسماً من الجيش اللبناني البطل لإجتثاثها من مخيم نهر البارد الذي حولته معقلاً لهاً. و ها هو جيش لبنان الباسل يكمل المهمة بعد أن أفسح المجال لسكان المخيم بمغادرته و بعد رفض هذه العصابة فرصاً متتالية كي تستسلم، و ذلك كلفه بذل مزيد من الشهداء الأبرار الذين نتألم لفقدانهم و نجلّ تضحياتهم و نتشرّف بإحياء ذكراهم. كذلك نحيّ بخشوع شهداء قوات الأمم المتحدة من الكتيبة الإسبانية الذين سقطوا بإعتداء إرهابي آثم أودى بأرواح ستة منهم. و بالأمس نجا جنود تنزانيون من القوات الأممية من إعتداء آخر استهدفهم. بين تخطيط و إمداد إقليمي نشط، و تبريك من "تورا بورا" يتفاقم الإرهاب في العراق وينثر بعض شظاياه على لبنان. أركان المحور السوري- الإيراني يبدون تعاوناً جزئياً مع بعض المساعي الدولية أحياناً، لكنهم عملياً يحركون حلفاءهم في البؤر المتوترة لنسف هذه المساعي و القرارات الدولية. أهل النظام السوري يلوحون ببيرق العروبة فيما كافة الدول العربية النافذة تعارض نهجهم و سلوكهم. و هم "يجتهدون" ليثبتوا أن الخلاف بين اللبنانيين "غائر" في التاريخ و أن وضعهم سيبقى "هشاً" طالما لم يكلَفوا بإعادة "بسط" "الإستقرار!!!" الذي "نعم" به لبنان خلال عهد هيمنتهم الشاملة ( فحوى لقاء الأسد-بان كي مون) و تواطؤ حلفائهم ما هو إلاّ سند لهذا الإدعاء. يريدون بأي ثمن "وأد" قضية إغتيال الرئيس رفيق الحريري بإحباط تشكيل المحكمةالدوليةالمختصة إذا أمكن و إلاّ شلّها، خاصة و أن المحقق الدولي سيرج برامرتز ثبّت تقييم سلفه و عزا دوافع الإغتيال إلى الخصومة السياسية الواضحة الأطراف. و لأجل هذه الغاية يلعبون اللعبة المزدوجة: تلهّف لمفاوضات سلام مع إسرائيل بإشراف أميركي و إبداء "إستعداد" لفكّ "إرتباطاتهم" الحالية، و في الوقت عينه يؤججون النار في العراق و يسعرون الخلاف و التفجيرات في لبنان، و يلوحون بإطلاق المقاومة في الجولان، مومئين إلى حلفهم الدفاعي مع النظام الإيراني. أما هذا الأخير فمنشرح لإدخاله كفريق نافذ في مساعي حلحلة العقد في لبنان و المنطقة. لكن أعيانه لا يتوانون عن الدفاع بشراسة عن برنامجهم النووي و يحذرون من مغبّة التعرض لبلدهم بإعتداء و يشملون دول الخليج بتحذيراتهم. و يتخلل ذلك "فورات نارية" تفشي مكنوناتهم، كإثارة حسين شريعتمداري ( مستشار لخامنئي) أطروحة ضمّ "البحرين" لإيران مدعياً أن "الشاه" تخلى عنها. هذا في الوقت الذي يدعمون على نطاق واسع الموالين لهم في العراق و لبنان. و تيمناً ب"العراب" الإيراني لا ينفكّ "إبنه الروحي" في لبنان يهول بإقتداره العسكري و "يلفح بوهج ناره" بقية الفرقاء، مندفعاً بزخم لجعل مؤسسات الوطن مسرح دمى سياسي يمسك بكل خيوطها و يوزع أدوارها حسب مقتضيات دعم تمدد نفوذ العراب و حليفه السوري. لذا فالصراع الدولي مع المجرة الإيرانية-السورية هو لمنع الإستفراد بلبنان و دول الخليج و مصير الفلسطينيين و هو صراع حيوي لحماية منابع البترول و نمو و يناع الديمقراطية إنطلاقاً من لبنان. و هكذا بعد نزع القشور ينقشع لبّ الصراع في لبنان: قوى لإنعاش الديمقراطية مدعومة من المجتمع الدولي و قوى مناهضة لها، مسيّرة من اللولب الإيراني-السوري، تؤمن بحصر السلطات تحت إمرة فقيه واحد أحد. من هنا ترتبط إمكانية التوصل إلى تسوية بمدى استعداد الفريق الأخير للتخلي عن عقيدته. أما وضعها في "الثلاجة" فهو رهان على الوقت يرتجى منه رجحان كفة المؤيدين لهذا التوجه. لذا فالمخاض عسير و مطلب "المشاركة" في الحكم بالثلث "المحبط" ينطوي على "قرصنة" السلطات إذا لم يقترن بإتفاق على البيان الوزاري و آلية إنتخاب رئيس للجمهورية. و من الأفضل ألاّ يكون الرئيس "مرقماً" فرجالات لبنان الأفذاذ أكثر من أن يحصروا بدوائر محدودة. و هنا رغم الظروف التي تتحسس خطورتها كل الدول و تحتم إجتراح حلول معقولة للأزمات و الإسراع في تشكيل المحكمة الدولية، نرجو أن يعلن ترشيحه لرئاسة الجمهورية من يملك رصيداً مهيباً من حرية الضمير و تنوع الكفاءات و سعة الأفق و عمق المعرفة و نفاذ البصيرة و دقة التقييم و صواب الأحكام و قوة الإقناع و مرونة الفكر و سرعة الخاطر و شمول التخطيط و الإقدام الحازم عند العزم و جاذبية قدوة رائدة، و سجلاً ناصعاً حافلاً بالمنجزات الناجحة، إذا تكلم نصت الجميع و إذا أمر أطيع. و ربما من المفيد، تجنباً للإتيان برئيس يستجلب اللعنة على طائفته، أن يصار إلى دعوة أكبر عدد ممكن من حكماء الطائفة المارونية للإجتماع تحت رعاية غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير للتداول بأسماء شخصيات قادرة على القيادة في المرحلة الراهنة فتقترح على النواب كمرشحين لسدة الرئاسة. و لا بد من تسجيل ملا حظة حول لغط النصاب المطلوب لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية فنقول أنه ذروة الواجب إلوطني أن يحضر الجلسة كل نائب و يقترع حسب وحي ضميره. و في نفس الوقت نشير إلى أن المشترع أقفل الباب على أي محاولة ل"تطيير" النصاب عندما قضى بتحول المجلس هيئة ناخبة مهمتها الوحيدة إنجاز إنتخاب الرئيس، و حين أستوجب حصول المرشح على نسبة ثلثي الأصوات في الدورة الأولى، اسقط من حسابه إمكانية تخلّف أي نائب عن القيام بهذا الواجب الأسمى. و بالتالي إن التهرب من حضور جلسة إنتخاب رئيس الجمهورية هو بمثابة إنقلاب على أسس الدستور و على الجمهورية. كفى لبنان مسخاً لنموذجه الحضاري و تخريباً لمنجزات أبنائه و تنكيلاً بهم و قهراً لهم و تضييقاً لسبل عيشهم لإقتلاعهم من أرضهم. لبنان العريق و أهله الأصلاء بحاجة إلى حماية دولية تسبغ عليه طابع الحياد الإيجابي و تحفظ صيغته كموئل للفكر المثقف، الحر دون تعدّ و المسؤول دون تردد و المنتج دون هدر، و كمحمية لطبيعة خلابة الجمال و لإنسان مصون الحقوق ينصرف للعمل المجدي و للإبداع الخلاّق دون هواجس الغدر و وساوس الأذية.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
٢١.٦.٠٧
تناسخ الأبالسة
حميد عواد*
عندما تضعف مناعة العيش الرغيد في جنة كانت آمنة إسمها لبنان، فيما ينمو في أعضاء منها سرطان خبيث يمسخ خلاياها مغتذياً من إفرازات هجينة سامة، تدرها أثداء غيلان جائعة تنهش أحشاء الوطن على إيقاع طبول الحرب و أناشيد مبايعة الولاء لقوى الهيمنة، حينئذِ تتناسخ الأبالسة من "الخلايا المختلة" لتخوض "معاركها المبرمجة" جاعلة النعيم جحيماً. وقع لبنان في منطقة موبوءة بالعداوات و مشحونة بالصراعات و ملتاعة بالنهم إلى السيطرة و مضطرمة بالتوق إلى التوسع، فتلقفته هذه الأنواء و استنفدت عافيته الحروب و الفتن، إذ كان لكل سورة جنون أبالستها من عساكر الجوار و "مناضلي" الداخل، "نزلاء" و بلديين. و ها نحن في مرحلة من مراحل عذابات الجلجلة يطبق فيها جيشنا الباسل بعزيمة و ثبات على حفنة من الشذاذ "المتحصنين" في مخيم نهر البارد سرقوا مصرفاً و قتلوا جنوداً استفزازاً و استدراجاً للمواجهة و قد غدروا بهم على الطرقات خارج نطاق وظيفتهم أو في أسرتهم نياماً. و سبق أن قبضت الأجهزة الأمنية الرسمية على مجموعة منهم إعترفت بإرتكاب جريمة تفجير الحافلتين في عين علق و أخرى كانت تعدّ سيارة مفخخة لتفجيرها في زحلة. و المحققون منكبّون اليوم على استقاء مزيد من المعلومات من الذين اعتقلوا من أفراد هذه الشبكة لكشف مخططاتهم و معرفة أهدافهم و مدى تشعب ارتباطاتهم. نذكر جيداً الإنذارات المتكررة التي وجهها إلينا النظام السوري من "توافد" هذه الشراذم "المشتقة" من منظمات برع في فسخها ("فتح الإنتفاضة"، "الجبهة الشعبية-القيادة العامة" وصولاً إلى منظمات و أحزاب لبنانية التسمية...). و ليس سراً أنه هو الذي أطلق زعيمين من زعمائهم بعد "استضافتهما" (تأهيلهما ربما؟!) مدة سنتين في السجن (أحدهما قائدهم، شاكر العبسي، محكوم بالإعدام في الأردن لضلوعه في إغتيال الدبلوماسي الأميركي لورانس فولي سنة 2002) فيما يسجن نخبة من رجال الفكر عشرات السنين لتوقيعهم "إعلان بيروت" أو مطالبتهم بإلغاء حالة الطوارئ و محكمة أمن الدولة، و منح المواطن السوري حرية ممارسة كامل حقوقه السياسية و المدنية! هذا النهج في التحالف و التخاصم يخبّر الكثير عن طبيعة هذا النظام. خلال مرحلة حبس الأنفاس و الإرباك هذه، أضافت عصابة الإجرام- الجليّة التنسيق و البديهية النسب- حلقة جديدة إلى سلسلة الإغتيالات التي استهدفت طليعة موكب الأحرار الثائرين على أسيادها، رعاة الإرهاب و منتهكي الحقوق الإنسانية و مستبيحي الحرمات لإخضاع الأباة و ضمهم إلى مملكة التخلف و التصحر و الإكتئاب، حيث تنحصر الإحتفالات بمراسم الجنازات. لقد ترصد المجرمون النائب و القاضي وليد عيدو، رئيس لجنة الدفاع البرلمانية و الشخصية المرموقة من لفيف قادة 14 آذار، و فجروا سيارة مفخخة لدى خروج سيارته من ناد إعتاد على مراودته، فاستشهد مع أبنه المحامي خالد و بقية مرافقيه، كما استشهد من كانوا في الجوار. كل إنسان نبيل يشجب بغضب هذا العمل الشنيع و يشعر بالصدمة و الأسى و المرارة لفقدان هذه الأرواح العزيزة التي سفك دماءها محترفو الإجرام لصالح رعاتهم و آمريهم الذين يجدون في إضعاف الوطن و تهجير أبنائه و تجفيل المستثمرين انعاشاً لآمالهم في بسط هيمنتهم، لذا يثابرون على زعزعة استقراره بلا هوادة إجهاضاً لجهود إنهاضه و إعادة إعماره. وحدهم الذين إرتبطوا بمحاور التخلف و البؤس الإقليمية يهللون لل"تناقص" في عدد الأكثرية النيابية الحالية و يجعلونها "مادة تندر سمجة" بثتها خطأ إحدى الوسائل المرئية و المسموعة، و هي تنضح بما يجول في خواطر أوساطهم و تضعهم مع من يعارضون إنتخاب بديلين لشهيدين من قافلة شهداء معمودية الإستقلال المستعاد، النائب و الوزير بيار الجميل و النائب و القاضي وليد عيدو، في موقع التواطؤ الموضوعي مع القتلة. الرئيس بري "فاتح" على الإعلام و "مسكّر" على المجلس! فصدّ بهذا الإقفال صيغة المحكمة ذات الطابع الدولي (المختصة بمحاكمة المشتبه بضلوعهم في جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري و ما يتفرع عنها) علّه يريح أرباب النظام السوري من هذا الكابوس. لكنها "تقمّصت" دولية في مجلس الأمن الدولي بالقرار 1757 القاضي بتشكيلها تحت أحكام البند السابع. و هذا ما دفع النظام السوري إلى رفع وتيرة استنفارحلفائه المحليين و الإقليميين و الدوليين لتطويق مفاعيل هذا القرار رغم نكران علاقته بها و نأيه عنها. و هذا الوضع شحذ توقه إلى و إلحاحه على إنتزاع القدرة على إتخاذ القرار الحر من اللبنانيين ب"الكماشة" السورية-الإيرانية القابضة بفكيها لكبح حركة المؤسسات و لتعطيل كل السلطات وصولاً إلى فرض رئيس للجمهورية طيّع لمشيئته. و إذا قيّض للقحط أن يتمدد، تتحنط الديمقراطية و تتمسّخ العدالة وتجفّ الينابيع و القرائح. و دفعاً لبلاد الأرز نحو التصحّر، يحكم حولها طوق الحصار السياسي و الميداني و الصدامي (الحامي في النهر البارد) و التفجيري بالأفخاخ الملغمة، إضافة إلى تحريض إسرائيل على القصف بإطلاق صواريخ "يتيمة" عليها، و تبرز خطورة و أبعاد الأحداث المتلاحقة على أرض الوطن. و يبدو سيناريو دور "العبسي" كملحق لفيديو "أبو عدس" في لعبة التمويه عن كبار المجرمين. و يأتي قلب الطاولة على "إتفاق مكة" في حسم "حماس" الوضع العسكري في غزة لحسابها رسالة مزدوجة تعبر عن غضب النظام السوري من إقصائه عن سوق المقايضات التي يشتهيها، كما يعطي عيّنة عما يمكن "إنجازه" في "المفارز" و "البؤر" الأمنية "الخارجة" عن "إختصاص" أجهزة أمن الدولة اللبنانية حيث يطوًّق "الأمن الرسمي" إذا تجرأ على عبور "الحدود" و "دخول" "معقل" ما بلا إذن، و "يساق مخفوراً" إلى التحقيق من قبل "الأمن الذاتي" الذي "أتهم" أحد أركانه بالأمس "الآخرين" (بتقليدهم) بإطلاق نداء لإقامة "أمن ذاتي" واصفاً هكذا دعوة بنزعة "تقسيمية"!!! لبنان، متعهّد الحوار و التسامح و الإنفتاح و الإلفة بين أبنائه، لا يجازى بأذية التكفيريين و المتزمتين و المتوحشين و الذبّاحين، و ليتذكر من تخونه الذاكرة أن من يرعى الوحوش و يربيها ينتهي في بطونها. لقد استخرج اللبنانيون وطنهم من بطن الحوت (كالنبي يونان) بدعم دؤوب من المجتمع الدولي، فهل يتوقع الجزارون و الطهاة خدعهم لذبحه و طهوه من جديد ليقدم وليمة لحوتين ما برحا يراودانه؟ الأجدى إطعام الجياع من اللبنانيين بدل التحذلق لجعلهم طعاماً للحوتين الجائعين!
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
عندما تضعف مناعة العيش الرغيد في جنة كانت آمنة إسمها لبنان، فيما ينمو في أعضاء منها سرطان خبيث يمسخ خلاياها مغتذياً من إفرازات هجينة سامة، تدرها أثداء غيلان جائعة تنهش أحشاء الوطن على إيقاع طبول الحرب و أناشيد مبايعة الولاء لقوى الهيمنة، حينئذِ تتناسخ الأبالسة من "الخلايا المختلة" لتخوض "معاركها المبرمجة" جاعلة النعيم جحيماً. وقع لبنان في منطقة موبوءة بالعداوات و مشحونة بالصراعات و ملتاعة بالنهم إلى السيطرة و مضطرمة بالتوق إلى التوسع، فتلقفته هذه الأنواء و استنفدت عافيته الحروب و الفتن، إذ كان لكل سورة جنون أبالستها من عساكر الجوار و "مناضلي" الداخل، "نزلاء" و بلديين. و ها نحن في مرحلة من مراحل عذابات الجلجلة يطبق فيها جيشنا الباسل بعزيمة و ثبات على حفنة من الشذاذ "المتحصنين" في مخيم نهر البارد سرقوا مصرفاً و قتلوا جنوداً استفزازاً و استدراجاً للمواجهة و قد غدروا بهم على الطرقات خارج نطاق وظيفتهم أو في أسرتهم نياماً. و سبق أن قبضت الأجهزة الأمنية الرسمية على مجموعة منهم إعترفت بإرتكاب جريمة تفجير الحافلتين في عين علق و أخرى كانت تعدّ سيارة مفخخة لتفجيرها في زحلة. و المحققون منكبّون اليوم على استقاء مزيد من المعلومات من الذين اعتقلوا من أفراد هذه الشبكة لكشف مخططاتهم و معرفة أهدافهم و مدى تشعب ارتباطاتهم. نذكر جيداً الإنذارات المتكررة التي وجهها إلينا النظام السوري من "توافد" هذه الشراذم "المشتقة" من منظمات برع في فسخها ("فتح الإنتفاضة"، "الجبهة الشعبية-القيادة العامة" وصولاً إلى منظمات و أحزاب لبنانية التسمية...). و ليس سراً أنه هو الذي أطلق زعيمين من زعمائهم بعد "استضافتهما" (تأهيلهما ربما؟!) مدة سنتين في السجن (أحدهما قائدهم، شاكر العبسي، محكوم بالإعدام في الأردن لضلوعه في إغتيال الدبلوماسي الأميركي لورانس فولي سنة 2002) فيما يسجن نخبة من رجال الفكر عشرات السنين لتوقيعهم "إعلان بيروت" أو مطالبتهم بإلغاء حالة الطوارئ و محكمة أمن الدولة، و منح المواطن السوري حرية ممارسة كامل حقوقه السياسية و المدنية! هذا النهج في التحالف و التخاصم يخبّر الكثير عن طبيعة هذا النظام. خلال مرحلة حبس الأنفاس و الإرباك هذه، أضافت عصابة الإجرام- الجليّة التنسيق و البديهية النسب- حلقة جديدة إلى سلسلة الإغتيالات التي استهدفت طليعة موكب الأحرار الثائرين على أسيادها، رعاة الإرهاب و منتهكي الحقوق الإنسانية و مستبيحي الحرمات لإخضاع الأباة و ضمهم إلى مملكة التخلف و التصحر و الإكتئاب، حيث تنحصر الإحتفالات بمراسم الجنازات. لقد ترصد المجرمون النائب و القاضي وليد عيدو، رئيس لجنة الدفاع البرلمانية و الشخصية المرموقة من لفيف قادة 14 آذار، و فجروا سيارة مفخخة لدى خروج سيارته من ناد إعتاد على مراودته، فاستشهد مع أبنه المحامي خالد و بقية مرافقيه، كما استشهد من كانوا في الجوار. كل إنسان نبيل يشجب بغضب هذا العمل الشنيع و يشعر بالصدمة و الأسى و المرارة لفقدان هذه الأرواح العزيزة التي سفك دماءها محترفو الإجرام لصالح رعاتهم و آمريهم الذين يجدون في إضعاف الوطن و تهجير أبنائه و تجفيل المستثمرين انعاشاً لآمالهم في بسط هيمنتهم، لذا يثابرون على زعزعة استقراره بلا هوادة إجهاضاً لجهود إنهاضه و إعادة إعماره. وحدهم الذين إرتبطوا بمحاور التخلف و البؤس الإقليمية يهللون لل"تناقص" في عدد الأكثرية النيابية الحالية و يجعلونها "مادة تندر سمجة" بثتها خطأ إحدى الوسائل المرئية و المسموعة، و هي تنضح بما يجول في خواطر أوساطهم و تضعهم مع من يعارضون إنتخاب بديلين لشهيدين من قافلة شهداء معمودية الإستقلال المستعاد، النائب و الوزير بيار الجميل و النائب و القاضي وليد عيدو، في موقع التواطؤ الموضوعي مع القتلة. الرئيس بري "فاتح" على الإعلام و "مسكّر" على المجلس! فصدّ بهذا الإقفال صيغة المحكمة ذات الطابع الدولي (المختصة بمحاكمة المشتبه بضلوعهم في جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري و ما يتفرع عنها) علّه يريح أرباب النظام السوري من هذا الكابوس. لكنها "تقمّصت" دولية في مجلس الأمن الدولي بالقرار 1757 القاضي بتشكيلها تحت أحكام البند السابع. و هذا ما دفع النظام السوري إلى رفع وتيرة استنفارحلفائه المحليين و الإقليميين و الدوليين لتطويق مفاعيل هذا القرار رغم نكران علاقته بها و نأيه عنها. و هذا الوضع شحذ توقه إلى و إلحاحه على إنتزاع القدرة على إتخاذ القرار الحر من اللبنانيين ب"الكماشة" السورية-الإيرانية القابضة بفكيها لكبح حركة المؤسسات و لتعطيل كل السلطات وصولاً إلى فرض رئيس للجمهورية طيّع لمشيئته. و إذا قيّض للقحط أن يتمدد، تتحنط الديمقراطية و تتمسّخ العدالة وتجفّ الينابيع و القرائح. و دفعاً لبلاد الأرز نحو التصحّر، يحكم حولها طوق الحصار السياسي و الميداني و الصدامي (الحامي في النهر البارد) و التفجيري بالأفخاخ الملغمة، إضافة إلى تحريض إسرائيل على القصف بإطلاق صواريخ "يتيمة" عليها، و تبرز خطورة و أبعاد الأحداث المتلاحقة على أرض الوطن. و يبدو سيناريو دور "العبسي" كملحق لفيديو "أبو عدس" في لعبة التمويه عن كبار المجرمين. و يأتي قلب الطاولة على "إتفاق مكة" في حسم "حماس" الوضع العسكري في غزة لحسابها رسالة مزدوجة تعبر عن غضب النظام السوري من إقصائه عن سوق المقايضات التي يشتهيها، كما يعطي عيّنة عما يمكن "إنجازه" في "المفارز" و "البؤر" الأمنية "الخارجة" عن "إختصاص" أجهزة أمن الدولة اللبنانية حيث يطوًّق "الأمن الرسمي" إذا تجرأ على عبور "الحدود" و "دخول" "معقل" ما بلا إذن، و "يساق مخفوراً" إلى التحقيق من قبل "الأمن الذاتي" الذي "أتهم" أحد أركانه بالأمس "الآخرين" (بتقليدهم) بإطلاق نداء لإقامة "أمن ذاتي" واصفاً هكذا دعوة بنزعة "تقسيمية"!!! لبنان، متعهّد الحوار و التسامح و الإنفتاح و الإلفة بين أبنائه، لا يجازى بأذية التكفيريين و المتزمتين و المتوحشين و الذبّاحين، و ليتذكر من تخونه الذاكرة أن من يرعى الوحوش و يربيها ينتهي في بطونها. لقد استخرج اللبنانيون وطنهم من بطن الحوت (كالنبي يونان) بدعم دؤوب من المجتمع الدولي، فهل يتوقع الجزارون و الطهاة خدعهم لذبحه و طهوه من جديد ليقدم وليمة لحوتين ما برحا يراودانه؟ الأجدى إطعام الجياع من اللبنانيين بدل التحذلق لجعلهم طعاماً للحوتين الجائعين!
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
١١.٥.٠٧
"لا تفسخوا الصبي!"
حميد عواد*
فصول درب جلجلة اللبنانيين كثرت و تجاوزت آلامها طاقة الإحتمال البشري. فلماذا كلما ختم فصل فتح المتكنّون ب"مارس"-إله الحرب- فصلاً جديداً من الضيق، يختصر فسحة إلتقاطهم الأنفاس. عملية الخنق هذه تنسق مع بقية "رعايا" و "وكلاء" النظام السوري، و تشفع بإبتهالات طالبي "اللجوء الذمي" الذين سبب لهم سراب العطش إلى السلطة حالة من الإنفصام و الزندقة السياسية. أشبال "الباسدران" يضغطون على اللبنانيين لفرض نهجهم دون هوادة، و لا يوفرون فرصة للتهويل بشدة بأسهم و إثبات رشاقتهم القتالية و لو كان الثمن باهظاً. فالمهم و المجدي، في عرف قادتهم، ليس هناء اللبنانيين بعيشهم، بل تسهيل إمساك "ولي أمرهم" بأزمّة الصراع مع إسرائيل ميدانياً و إيقاد النزاع إشباعاً لظمإ جماهير متعطشة لكسر شوكتها. فبذلك تعزز إيران موقعها شعبياً على الصعيد الإقليمي و تفاوضياً على الصعيد الدولي، خاصة و أن رفضها للقيود الدولية الآيلة إلى منعها من تخصيب اليورانيوم في أجهزتها الخاصة للطرد المركزي يكاد يشعل حرباً. و كي لا يفلت زمام الأمور أستعادت المملكة العربية السعودية المبادرة و رعت اتفاقاً بين طرفي الصراع في السلطة الفلسطينية و إعادت طرح "المبادرة العربية للسلام مع إسرائيل"، التي سبق و عرضها ولي العهد سابقاً و الملك حالياً عبد الله بن عبد العزيز في القمة العربية التي عقدت في بيروت سنة 2002 ، كما بذلت جهوداً حثيثة لتحفيز الوئام بين اللبنانيين و الإهتداء إلى سبيل الخروج من المأزق السائد. إفتعل هذا المأزق الفريق إياه الذي بقي على سابق عهده في تبادل الخدمات و الدعم مع النظام السوري إضافة إلى إلتزامه المطلق ب"مشورة" الولي الفقيه في إيران. و ذلك معاكسة للمساعي و القرارات الدولية التي تحصن الحرية و الديمقراطية في لبنان و تعضد أبناءه في صون حقوقهم و حماية سيادتهم و استقلالهم. و اللافت أن لبنان أصبح في معادلة "الدمج" الإيرانية الراهنة "العضو المريض" من "الجسم الواحد" مع إيران، إضافة إلى إعتباره "الإقليم المسلوخ" عن "معسكر النظام السوري" بمنظار أركان هذا الأخير. لذا إن لم يكبح "جموح" التحالف الإيراني السوري لن "يُترك" للبنانيين "مرقد عنزة" في وطنهم. و لتسريع عملية "هضم" لبنان، تتواتر عوامل إرهاق كاهل أهله بأعباء هائلة تمهّد لتجريدهم من أرضهم أو سلخهم عنها و غصبهم على الهجرة تاركين وراءهم أرضاً سائبة و إخوة مهيضي الجناح يسهل إفتراسهم. ضمن هذا المخطط تبرز معالم تركيز بنية دويلة "فئوية" مكتملة المؤسسات و "المؤن"، ذات سلطة و قوات "ذاتية" مدججة بالسلاح و مزودة بشبكة مخابرات و اتصالات و أجهزة تنصت خاصة بها، صبّها و قولبها النظام الإيراني في قلب لبنان لتنازع و تقرض سلطات دولته من داخلها و خارجها. و يبلغ إعتداد القيمين عليها درجة يتحدّون معها من يناقض أهدافهم و مسلكهم، و يتوعدونه بالويل و الثبور و عظائم الأمور إن ألحّ على إعتراضهم. و يوحون لمن يدعوهم إلى التماهي في بوتقة الدولة الجامعة أن إنحلال هذه في دولتهم الفئوية هو أهون السبل لإستتباب "الإستقرار". و إنطلاقاً من هذه الذهنية، عندما يدعون للمشاركة في السلطة يتبين أنهم يقصدون إستكمال الإستئثار بها. و عندما يدعون للتوافق فإنما يعنون الإذعان لمشيئتهم. و عندما يؤيدون أمراً ما في المبدأ فإنما يؤشرون إلى عقد النية على تفريغه من المضمون. و عندما يتكلمون عن تغير المعطيات يريدون التنصل من الإلتزامات السابقة. و عندما يلهجون بمطلب إعادة تشكيل السلطة فإنما يقصدون الإنقلاب عليها. و عندما يدعون للتحرير ( المفتوح الآفاق ) يقصدون الكفاح المسلح لا الدبلوماسية المحللة فقط للتفاوض على أراضي حليفهم النظام السوري، و يغدو كل ما يمسونه "مقدساً" ( بقدر ما تقدس إسم "أبي عمّار" خلال تسلطنه على أجزاء من لبنان ). و كأن مشروع تحريرهم يمر عبر، كيلا نقول يتوقف عند، "جلاء" آخر لبناني بارّ "رسولي" أعياه الإرتطام بحائط الفرز "الفئوي" فحمل رضوضه إلى بيئة وديعة آمنة ليبلسم جراحه و يتعافى. و إمعاناً في الترهيب هناك حرص على إبقاء كابوس الإغتيالات ماثلاً في أذهان اللبنانيين عبر عرقلة تشكيل و تجويف المحكمة الدولية الطابع المزمع إنشاؤها لمحاكمة المتهمين في الضلوع في جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري و صحبه، حماية لرؤوس شبكة الإغتيال و عملائها. هذا "الردع الترويعي" هو إنعكاس لذعر أركان النظام السوري من المضي في إقامة المحكمة. و سلوك التطير الخطر يتمثل في:
1) الإستجارة بروسيا و الصين لتعديل نظام المحكمة للحد من صلاحياتها داخل مجلس الأمن الدولي.
2) حشد الحلفاء في لبنان لنسف تشكيلها.
3) توكيل مكتب محاماة دولي مهمة "إستقراء" و تحليل تقارير المحققين الدوليين ديتلف ميليس و سرج برامرتس.
4) ترويع و زعزعة الإستقرار داخل لبنان بإستثارة الفتن، تذكرنا بتهديد "رئاسي" شهير.
5) إبداء استعدادات "طيبة" لتأدية "خدمات" علنية و سرية للمجتمع الدولي، إضافة إلى سعي شغوف للتفاوض مع إسرائيل، مهّدت له لقاءات سرية لتعلن بعدها عروض "لافتة" حملها وسيط (إبراهيم سليمان) و طرحها داخل الكنيست الإسرائيلي.
تحت شعار الخوف من تسييس المحكمة، يعيق النظام السوري و حلفاؤه في لبنان قيامها من خلال "بتر" الحكومة، ليعتبروها غير شرعية فيعيبوا قراراتها، و عبر "نفي" المجلس النيابي ( و ربما "كتعه" لاحقاً) بمنع إنعقاده كي لا يقرّها. لذا أعيدت إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة لإجراء المقتضى، مشفوعة بموافقة خطية وقعها سبعون نائباً أوصد باب المجلس في وجههم فيما مشروعا الموازنة و تشكيل المجلس الدستوري و ما ينيف عن 150 مشروع قانون حيوي، منها ما يرتبط بتنفيذ إلتزامات باريس 3، تنتظر "عطوفة" رئيس المجلس لوضعها في متناول المناقشة لبتها. و بما أن تشكيل المحكمة أصبح في عهدة مجلس الأمن خارج دائرة الإبتزاز و الإستنزاف رفعت نسبة المقاعد المقترحة على المعارضة للمشاركة في الحكومة العتيدة (17-13) شرط التوافق المسبق على برنامج عملها. لكن الرد جاء بنكران النقاط السبع التي صيغت بإجماع أعضاء الحكومة و التي عدلت على أساسها مسودة القرار الدولي 1701. في هذا الجو المحموم تتقلب "الأمزجة" و معها التصريحات: ما أن تطلق دعوات إلى الحوار حتى يبدد آمالها الإلغاء أو التصعيد. وتعلو صيحات تنادي بإنتخابات نيابية مبكرة مرعية بقانون يضمن أمانة التمثيل ( يتلهف إلى إجرائها من يظن أنه سيحصد الأكثرية) و يستعر وطيس النقاش عن "جنس ملائكة" الرئاسة، فيما همّ "أمّ الصبي" هو بقاء الجمهورية!
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
فصول درب جلجلة اللبنانيين كثرت و تجاوزت آلامها طاقة الإحتمال البشري. فلماذا كلما ختم فصل فتح المتكنّون ب"مارس"-إله الحرب- فصلاً جديداً من الضيق، يختصر فسحة إلتقاطهم الأنفاس. عملية الخنق هذه تنسق مع بقية "رعايا" و "وكلاء" النظام السوري، و تشفع بإبتهالات طالبي "اللجوء الذمي" الذين سبب لهم سراب العطش إلى السلطة حالة من الإنفصام و الزندقة السياسية. أشبال "الباسدران" يضغطون على اللبنانيين لفرض نهجهم دون هوادة، و لا يوفرون فرصة للتهويل بشدة بأسهم و إثبات رشاقتهم القتالية و لو كان الثمن باهظاً. فالمهم و المجدي، في عرف قادتهم، ليس هناء اللبنانيين بعيشهم، بل تسهيل إمساك "ولي أمرهم" بأزمّة الصراع مع إسرائيل ميدانياً و إيقاد النزاع إشباعاً لظمإ جماهير متعطشة لكسر شوكتها. فبذلك تعزز إيران موقعها شعبياً على الصعيد الإقليمي و تفاوضياً على الصعيد الدولي، خاصة و أن رفضها للقيود الدولية الآيلة إلى منعها من تخصيب اليورانيوم في أجهزتها الخاصة للطرد المركزي يكاد يشعل حرباً. و كي لا يفلت زمام الأمور أستعادت المملكة العربية السعودية المبادرة و رعت اتفاقاً بين طرفي الصراع في السلطة الفلسطينية و إعادت طرح "المبادرة العربية للسلام مع إسرائيل"، التي سبق و عرضها ولي العهد سابقاً و الملك حالياً عبد الله بن عبد العزيز في القمة العربية التي عقدت في بيروت سنة 2002 ، كما بذلت جهوداً حثيثة لتحفيز الوئام بين اللبنانيين و الإهتداء إلى سبيل الخروج من المأزق السائد. إفتعل هذا المأزق الفريق إياه الذي بقي على سابق عهده في تبادل الخدمات و الدعم مع النظام السوري إضافة إلى إلتزامه المطلق ب"مشورة" الولي الفقيه في إيران. و ذلك معاكسة للمساعي و القرارات الدولية التي تحصن الحرية و الديمقراطية في لبنان و تعضد أبناءه في صون حقوقهم و حماية سيادتهم و استقلالهم. و اللافت أن لبنان أصبح في معادلة "الدمج" الإيرانية الراهنة "العضو المريض" من "الجسم الواحد" مع إيران، إضافة إلى إعتباره "الإقليم المسلوخ" عن "معسكر النظام السوري" بمنظار أركان هذا الأخير. لذا إن لم يكبح "جموح" التحالف الإيراني السوري لن "يُترك" للبنانيين "مرقد عنزة" في وطنهم. و لتسريع عملية "هضم" لبنان، تتواتر عوامل إرهاق كاهل أهله بأعباء هائلة تمهّد لتجريدهم من أرضهم أو سلخهم عنها و غصبهم على الهجرة تاركين وراءهم أرضاً سائبة و إخوة مهيضي الجناح يسهل إفتراسهم. ضمن هذا المخطط تبرز معالم تركيز بنية دويلة "فئوية" مكتملة المؤسسات و "المؤن"، ذات سلطة و قوات "ذاتية" مدججة بالسلاح و مزودة بشبكة مخابرات و اتصالات و أجهزة تنصت خاصة بها، صبّها و قولبها النظام الإيراني في قلب لبنان لتنازع و تقرض سلطات دولته من داخلها و خارجها. و يبلغ إعتداد القيمين عليها درجة يتحدّون معها من يناقض أهدافهم و مسلكهم، و يتوعدونه بالويل و الثبور و عظائم الأمور إن ألحّ على إعتراضهم. و يوحون لمن يدعوهم إلى التماهي في بوتقة الدولة الجامعة أن إنحلال هذه في دولتهم الفئوية هو أهون السبل لإستتباب "الإستقرار". و إنطلاقاً من هذه الذهنية، عندما يدعون للمشاركة في السلطة يتبين أنهم يقصدون إستكمال الإستئثار بها. و عندما يدعون للتوافق فإنما يعنون الإذعان لمشيئتهم. و عندما يؤيدون أمراً ما في المبدأ فإنما يؤشرون إلى عقد النية على تفريغه من المضمون. و عندما يتكلمون عن تغير المعطيات يريدون التنصل من الإلتزامات السابقة. و عندما يلهجون بمطلب إعادة تشكيل السلطة فإنما يقصدون الإنقلاب عليها. و عندما يدعون للتحرير ( المفتوح الآفاق ) يقصدون الكفاح المسلح لا الدبلوماسية المحللة فقط للتفاوض على أراضي حليفهم النظام السوري، و يغدو كل ما يمسونه "مقدساً" ( بقدر ما تقدس إسم "أبي عمّار" خلال تسلطنه على أجزاء من لبنان ). و كأن مشروع تحريرهم يمر عبر، كيلا نقول يتوقف عند، "جلاء" آخر لبناني بارّ "رسولي" أعياه الإرتطام بحائط الفرز "الفئوي" فحمل رضوضه إلى بيئة وديعة آمنة ليبلسم جراحه و يتعافى. و إمعاناً في الترهيب هناك حرص على إبقاء كابوس الإغتيالات ماثلاً في أذهان اللبنانيين عبر عرقلة تشكيل و تجويف المحكمة الدولية الطابع المزمع إنشاؤها لمحاكمة المتهمين في الضلوع في جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري و صحبه، حماية لرؤوس شبكة الإغتيال و عملائها. هذا "الردع الترويعي" هو إنعكاس لذعر أركان النظام السوري من المضي في إقامة المحكمة. و سلوك التطير الخطر يتمثل في:
1) الإستجارة بروسيا و الصين لتعديل نظام المحكمة للحد من صلاحياتها داخل مجلس الأمن الدولي.
2) حشد الحلفاء في لبنان لنسف تشكيلها.
3) توكيل مكتب محاماة دولي مهمة "إستقراء" و تحليل تقارير المحققين الدوليين ديتلف ميليس و سرج برامرتس.
4) ترويع و زعزعة الإستقرار داخل لبنان بإستثارة الفتن، تذكرنا بتهديد "رئاسي" شهير.
5) إبداء استعدادات "طيبة" لتأدية "خدمات" علنية و سرية للمجتمع الدولي، إضافة إلى سعي شغوف للتفاوض مع إسرائيل، مهّدت له لقاءات سرية لتعلن بعدها عروض "لافتة" حملها وسيط (إبراهيم سليمان) و طرحها داخل الكنيست الإسرائيلي.
تحت شعار الخوف من تسييس المحكمة، يعيق النظام السوري و حلفاؤه في لبنان قيامها من خلال "بتر" الحكومة، ليعتبروها غير شرعية فيعيبوا قراراتها، و عبر "نفي" المجلس النيابي ( و ربما "كتعه" لاحقاً) بمنع إنعقاده كي لا يقرّها. لذا أعيدت إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة لإجراء المقتضى، مشفوعة بموافقة خطية وقعها سبعون نائباً أوصد باب المجلس في وجههم فيما مشروعا الموازنة و تشكيل المجلس الدستوري و ما ينيف عن 150 مشروع قانون حيوي، منها ما يرتبط بتنفيذ إلتزامات باريس 3، تنتظر "عطوفة" رئيس المجلس لوضعها في متناول المناقشة لبتها. و بما أن تشكيل المحكمة أصبح في عهدة مجلس الأمن خارج دائرة الإبتزاز و الإستنزاف رفعت نسبة المقاعد المقترحة على المعارضة للمشاركة في الحكومة العتيدة (17-13) شرط التوافق المسبق على برنامج عملها. لكن الرد جاء بنكران النقاط السبع التي صيغت بإجماع أعضاء الحكومة و التي عدلت على أساسها مسودة القرار الدولي 1701. في هذا الجو المحموم تتقلب "الأمزجة" و معها التصريحات: ما أن تطلق دعوات إلى الحوار حتى يبدد آمالها الإلغاء أو التصعيد. وتعلو صيحات تنادي بإنتخابات نيابية مبكرة مرعية بقانون يضمن أمانة التمثيل ( يتلهف إلى إجرائها من يظن أنه سيحصد الأكثرية) و يستعر وطيس النقاش عن "جنس ملائكة" الرئاسة، فيما همّ "أمّ الصبي" هو بقاء الجمهورية!
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
٢٤.٣.٠٧
الأمان في البعد عن الحوتين
حميد عواد*
العلم يبني "صروحاً" لا "حدود" لها
و الجهل يهدم بيوت العز و الشرف
طوبى لمن أدرك غنى الروافد الحضارية الواردة إلى القلب النابض "لبنان"، و وعى رسالته و دوره في تلقيحها و تخصيبها ثم ضخّها إلى مختلف الشعوب المنتشرة في أرجاء المعمورة. فبذل جهده بمحبة و تفانٍ و صبّ عرقه ليجبل الخير بتراب الوطن و يشيد عمراناً و تراثاً و مجداً. و حبذا لو يصحو ضمير من عبث بهذه الإنجازات و حطّم هذه النفائس ليعاني العذاب الذي يستحق. سيُخلّد التاريخ صاغة "تاج الشرق" "لبنان" و سيفضح همجية المسيئين إليه و المنكّلين به. و هل يستحقّ ضعفاء الإيمان المتنكرين لوطنهم و المتألبين عليه سوى الغضب و الإدانة؟ كم مرة خذل هؤلاء أخلالهم كلماانحرفوا إلى مناصرة من غرر بهم ليفكّك أركان الوطن، تسهيلاً لضمّ أهله إلى سوق نخاسته و وَشْمِهم عبيداً و رهائن خاضعين لمجونه و جنونه و تنكيله و جشعه. على إيقاع قساوة التجارب المريرة أدرك كثير من اللبنانيين، الذين شردوا عن السراط الوطني، أهمية الإنتماء إليه و حنّوا إلى دفء كنفهم الطبيعي. لكن رغم هذا التيقظ ظل رعيل آخر محجوراً في كهوف التبشير التضليلي يخضع لترويض منهجي يعطّل العقل و يسلّط الغرائز. و تلقائياً نأى، من ركب موج هذا المدّ، عن بقية مواطنيه، و راح يمارس مع أقرانه"طقوساً خاصة بهم" مستوحاة من مصادر الإرشاد و الإلهام دون إعتبار لهواجس و تطلعات من هم خارج سربهم. كم كانت خيبة هؤلاء عظيمة عندما إنكب "جيّاشو الحميّة" على تعثير مسيرة التعافي تمهيداً لعكسها و سوق اللبنانيين من جديد إلى حظيرة الإذعان و الإذلال "المرعية" بأركان نظامي إيران و سوريا. كل الضنينين بحريتهم و عزّتهم و سيادتهم و استقلالهم ينتفضون في مواجهة هذه الردّة الرجعية و يتساءلون: أي فذلكة تضليلية تسوّغ تفخيخ السلطات، و هي في أوج ترميمها، تحت شعار "إعادة تكوينها"؟ و أي نضال "مقدس" هو ذا الذي يضرب إقتصاد الوطن، في عزّ استعادة انفاسه، تكراراً و دون هوادة؟ و أي خدمة وطنية جليلة تُؤدّى بالعبث الدائم بالإستقرار و إقلاق المواطنين حول المستقبل و تهجير أبنائهم بإنتظام و تجفيل كل مستثمر؟ إن لم تكن هذه مأساة بل جريمة إستنزاف مميت فماذا عسانا نسمّيها؟ و أي روح وطنية سامية هي تلك التي حوّلت لبنان، ب"سحر" الغوغاء و "تهويل" السلاح "الكامن في الظلّ"، عن مسار التعافي و النهوض و الوئام و التكافل، إلى منزلق الإستنفار المذهبي، ل"يُزكّى" لبنان مرشحاً على لائحة الدول المبتلية بالتناحر المذهبي؟ و أي منطق مختلّ هو ذا الذي يهمل طلباً شرعياً لفتح دورة استثنائية للمجلس النيابي تقدم به فريق الأكثرية النيابية قبل بدء الدورة العادية الحالية؟ و الآن مع بدايتها يحرّم دعوتهم للإجتماع في مقرهم الشرعي- و غالبيتهم ملهوفة لمزاولة مهامهم، بعد طول انقطاع، و مناقشة ما يتجاوز مئة و خمسين مشروع قانون و بتّ شؤون حيوية يتصدرها صيغة المحكمة الدولية الطابع المولجة محاكمة المشتبه بضلوعهم في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري و ما يتصل بها- "تلافياً" لإحداث تصدُّع " قد ينشأ" عن ضوضاء الصخب السياسي، فيما يسوّغ إحتلال الساحات العامة لأشهر و يعتبره مأموناً (و مجزياً إقتصادياً للطبقات الكادحة!)! و الأكثر غرابة هو إعتبار الدعوة إلى إنتخابات نيابية مبكرة، مبادرة ملائمة، في الظروف المحتقنة إياها، المسعّرة للنزعات و العصبيات المحرّفة للخيارات و المثيرة للإحتكاكات الخطيرة. ثم كيف يُعقل السكوت عن محاولات تجريد الوطن من الكفالة الدولية الرادعة للطامعين، و الحائلة دون قذفه أمام حوتين سبق أن إبتلعه أحدهما؟ فهي التي احتضنت و كافأت نضال و صمود بنيه السلميين و انتزعته من أحشاء الحوت المفترس. و ها هو الإنقلاب على بنود جلسات الحوار و النقاط السبع و غيرها من بنود القرار الدولي 1701، يجرّ لبنان نحو فاهي الحوتين و يشكل خطراً مصيرياً يتهدد كيانه المتنوع الأرصدة. إن كل مخلص لوطنه يتمنى تضافر جهود كل مواطنيه في تنافس بنّاء لخدمته و يريده قوياً و منيعاً و آمناً و مزدهراً. لكن السبيل القويم للمساهمة الصادقة في نهوضه، هو الإقدام عند اقتضاء بذل الخير و الإحجام عند تحاشي وقوع الشرّ. في الظروف المعقدة و الحساسة التي تلفّ الوطن، الواجب الوطني يقضي بإيلائه عنايتنا الفائقة و مؤازرتنا، لا إعتبارها فرصة سانحة لإبتزاز تنازلات. إنها حقبة استثنائية حرجة تفرض دعم سلطات الدولة و مؤسساتها لا إضعافها و منازعتها نفوذها بمؤسسات ميدانية فئوية. ممارسة السلطات من خلال المؤسسات الشرعية هي جوهر السيادة، و هي لا تُعار و لا تُفوّض و لا يُفاوض عليها. معروفة تماماً الجهات التي تواطأت مع الحوتين الإقليميين المهووسين بإفتراس لبنان لتجريع أبنائه العلقم، و لم تفسخ "تعاقدها" و التزامها معهما بعد. و الكبوات المتتالية التي افتُعلت، للتسبب بخنق سياسي و إقتصادي، ما هي إلا تنفيذ لبنود هذه العهود. لذا فكل صيغة "تسوية" متشابكة مع هذا الإرتباط هي مفخخة. المطلوب إنعتاق من قيود "ذوي القربى" و إعتناق وثيق لمفاهيم الديمقراطية و الحرية و السيادة و الإستقلال، و التمرس في تطبيقها. إذا كانت المحكمة تشكل طوقاً محكماً حول عنق النظام السوري و إذا كانت مطاردة المجتمع الدولي للنظام الإيراني حثيثة لثنيه عن تشغيل أجهزة الطرد المركزي المخصّبة لليورانيوم و لكبح جموح توقه للسيطرة على شعوب و نفط المنطقة، لماذا السماح لهما بالإطباق على لبنان لجعله ساحة المواجهة تحت ذريعة "إحباط الوصاية الدولية"؟ كثير من خطط هذا الثنائي و حلفائه تبرز للمعاينة الدقيقة، لكن المستتر من أسراره وفير. و قد حملها في جعبته الجنرال علي أصغري لاجئاً إلى "الغرب" و متى أفرغها ستنفضح خيوط مؤامرات كانت غامضة و ستنكشف علاقات الضالعين و أدوار التابعين، و سيقول لنا عندها:
قل لمن يدعي في العلم "معرفة"
حفظت شيئاً و غابت عنك أشياء
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
العلم يبني "صروحاً" لا "حدود" لها
و الجهل يهدم بيوت العز و الشرف
طوبى لمن أدرك غنى الروافد الحضارية الواردة إلى القلب النابض "لبنان"، و وعى رسالته و دوره في تلقيحها و تخصيبها ثم ضخّها إلى مختلف الشعوب المنتشرة في أرجاء المعمورة. فبذل جهده بمحبة و تفانٍ و صبّ عرقه ليجبل الخير بتراب الوطن و يشيد عمراناً و تراثاً و مجداً. و حبذا لو يصحو ضمير من عبث بهذه الإنجازات و حطّم هذه النفائس ليعاني العذاب الذي يستحق. سيُخلّد التاريخ صاغة "تاج الشرق" "لبنان" و سيفضح همجية المسيئين إليه و المنكّلين به. و هل يستحقّ ضعفاء الإيمان المتنكرين لوطنهم و المتألبين عليه سوى الغضب و الإدانة؟ كم مرة خذل هؤلاء أخلالهم كلماانحرفوا إلى مناصرة من غرر بهم ليفكّك أركان الوطن، تسهيلاً لضمّ أهله إلى سوق نخاسته و وَشْمِهم عبيداً و رهائن خاضعين لمجونه و جنونه و تنكيله و جشعه. على إيقاع قساوة التجارب المريرة أدرك كثير من اللبنانيين، الذين شردوا عن السراط الوطني، أهمية الإنتماء إليه و حنّوا إلى دفء كنفهم الطبيعي. لكن رغم هذا التيقظ ظل رعيل آخر محجوراً في كهوف التبشير التضليلي يخضع لترويض منهجي يعطّل العقل و يسلّط الغرائز. و تلقائياً نأى، من ركب موج هذا المدّ، عن بقية مواطنيه، و راح يمارس مع أقرانه"طقوساً خاصة بهم" مستوحاة من مصادر الإرشاد و الإلهام دون إعتبار لهواجس و تطلعات من هم خارج سربهم. كم كانت خيبة هؤلاء عظيمة عندما إنكب "جيّاشو الحميّة" على تعثير مسيرة التعافي تمهيداً لعكسها و سوق اللبنانيين من جديد إلى حظيرة الإذعان و الإذلال "المرعية" بأركان نظامي إيران و سوريا. كل الضنينين بحريتهم و عزّتهم و سيادتهم و استقلالهم ينتفضون في مواجهة هذه الردّة الرجعية و يتساءلون: أي فذلكة تضليلية تسوّغ تفخيخ السلطات، و هي في أوج ترميمها، تحت شعار "إعادة تكوينها"؟ و أي نضال "مقدس" هو ذا الذي يضرب إقتصاد الوطن، في عزّ استعادة انفاسه، تكراراً و دون هوادة؟ و أي خدمة وطنية جليلة تُؤدّى بالعبث الدائم بالإستقرار و إقلاق المواطنين حول المستقبل و تهجير أبنائهم بإنتظام و تجفيل كل مستثمر؟ إن لم تكن هذه مأساة بل جريمة إستنزاف مميت فماذا عسانا نسمّيها؟ و أي روح وطنية سامية هي تلك التي حوّلت لبنان، ب"سحر" الغوغاء و "تهويل" السلاح "الكامن في الظلّ"، عن مسار التعافي و النهوض و الوئام و التكافل، إلى منزلق الإستنفار المذهبي، ل"يُزكّى" لبنان مرشحاً على لائحة الدول المبتلية بالتناحر المذهبي؟ و أي منطق مختلّ هو ذا الذي يهمل طلباً شرعياً لفتح دورة استثنائية للمجلس النيابي تقدم به فريق الأكثرية النيابية قبل بدء الدورة العادية الحالية؟ و الآن مع بدايتها يحرّم دعوتهم للإجتماع في مقرهم الشرعي- و غالبيتهم ملهوفة لمزاولة مهامهم، بعد طول انقطاع، و مناقشة ما يتجاوز مئة و خمسين مشروع قانون و بتّ شؤون حيوية يتصدرها صيغة المحكمة الدولية الطابع المولجة محاكمة المشتبه بضلوعهم في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري و ما يتصل بها- "تلافياً" لإحداث تصدُّع " قد ينشأ" عن ضوضاء الصخب السياسي، فيما يسوّغ إحتلال الساحات العامة لأشهر و يعتبره مأموناً (و مجزياً إقتصادياً للطبقات الكادحة!)! و الأكثر غرابة هو إعتبار الدعوة إلى إنتخابات نيابية مبكرة، مبادرة ملائمة، في الظروف المحتقنة إياها، المسعّرة للنزعات و العصبيات المحرّفة للخيارات و المثيرة للإحتكاكات الخطيرة. ثم كيف يُعقل السكوت عن محاولات تجريد الوطن من الكفالة الدولية الرادعة للطامعين، و الحائلة دون قذفه أمام حوتين سبق أن إبتلعه أحدهما؟ فهي التي احتضنت و كافأت نضال و صمود بنيه السلميين و انتزعته من أحشاء الحوت المفترس. و ها هو الإنقلاب على بنود جلسات الحوار و النقاط السبع و غيرها من بنود القرار الدولي 1701، يجرّ لبنان نحو فاهي الحوتين و يشكل خطراً مصيرياً يتهدد كيانه المتنوع الأرصدة. إن كل مخلص لوطنه يتمنى تضافر جهود كل مواطنيه في تنافس بنّاء لخدمته و يريده قوياً و منيعاً و آمناً و مزدهراً. لكن السبيل القويم للمساهمة الصادقة في نهوضه، هو الإقدام عند اقتضاء بذل الخير و الإحجام عند تحاشي وقوع الشرّ. في الظروف المعقدة و الحساسة التي تلفّ الوطن، الواجب الوطني يقضي بإيلائه عنايتنا الفائقة و مؤازرتنا، لا إعتبارها فرصة سانحة لإبتزاز تنازلات. إنها حقبة استثنائية حرجة تفرض دعم سلطات الدولة و مؤسساتها لا إضعافها و منازعتها نفوذها بمؤسسات ميدانية فئوية. ممارسة السلطات من خلال المؤسسات الشرعية هي جوهر السيادة، و هي لا تُعار و لا تُفوّض و لا يُفاوض عليها. معروفة تماماً الجهات التي تواطأت مع الحوتين الإقليميين المهووسين بإفتراس لبنان لتجريع أبنائه العلقم، و لم تفسخ "تعاقدها" و التزامها معهما بعد. و الكبوات المتتالية التي افتُعلت، للتسبب بخنق سياسي و إقتصادي، ما هي إلا تنفيذ لبنود هذه العهود. لذا فكل صيغة "تسوية" متشابكة مع هذا الإرتباط هي مفخخة. المطلوب إنعتاق من قيود "ذوي القربى" و إعتناق وثيق لمفاهيم الديمقراطية و الحرية و السيادة و الإستقلال، و التمرس في تطبيقها. إذا كانت المحكمة تشكل طوقاً محكماً حول عنق النظام السوري و إذا كانت مطاردة المجتمع الدولي للنظام الإيراني حثيثة لثنيه عن تشغيل أجهزة الطرد المركزي المخصّبة لليورانيوم و لكبح جموح توقه للسيطرة على شعوب و نفط المنطقة، لماذا السماح لهما بالإطباق على لبنان لجعله ساحة المواجهة تحت ذريعة "إحباط الوصاية الدولية"؟ كثير من خطط هذا الثنائي و حلفائه تبرز للمعاينة الدقيقة، لكن المستتر من أسراره وفير. و قد حملها في جعبته الجنرال علي أصغري لاجئاً إلى "الغرب" و متى أفرغها ستنفضح خيوط مؤامرات كانت غامضة و ستنكشف علاقات الضالعين و أدوار التابعين، و سيقول لنا عندها:
قل لمن يدعي في العلم "معرفة"
حفظت شيئاً و غابت عنك أشياء
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
١٣.٢.٠٧
صفوا النوايا ليسلم الوطن
حميد عواد*
مراعاةً لأدوار المجموعات البشرية المؤسسة للبنان و تحسباً لخلل في النمو الديموغرافي عبر الزمن، لحظ المشترع اللبناني بنوداً مثاقية في الدستور اللبناني تهدف إلى ضبط إيقاع العيش المشترك. لكن ما لم تكن النصوص وليدة اقتناعات راسخة في النفوس و مقرونة بالنوايا الطيبة لدى الجميع لإحترام العهود الدستورية، فعبثاً يتعب المشترعون و البنّاؤون.
فكيف يهنأ العيش مع بعض "الشركاء" و يُركن لهم، طالما هم "يرهنون الإستقرار" ببسط "رؤيتهم المختلفة" لِبُنْية الدولة؟ و قد "تحسّبوا"، استباقاً لأي معاكسة، بإنشاء مؤسساتهم الخاصة "العاصية" على النقض و "المعصومة" عن النقد. "فتحصّنوا" فيها خارج "الأطر الرسمية" و بمنأى عن القوانين "السارية" على "سواهم"!
و أين هي الوسيلة الناجعة لكبح جماح أي "قبيلة" تخطّط لإبتلاع الوطن (لحسابها أو حساب غيرها)، لأن "أميرها" "يلقّن" "جماعته" أن " الآخرين" جِيءَ بهم "غزاة" و هؤلاء "الأغراب" لا يشاركونهم مشروعهم الخاص بإقامة "الإمارة الفاضلة"؟
و أي "مزامير" تُجدي قراءتها "لتهدئة روع" و "تنفيس إحتقان" مَن أفقده الرشد، "طاعون" الإفتراس و "طاغوت" القوة؟
و ما الوسيلة المنبّهة "لصحوة" " المنوّمين"، "مسمّري الأنظار"، الشاخصين إلى إحصاءات "بورصة الإنجاب"، مترقبين "بشغف" بلوغ "تضخّمهم" "الرقم القياسي" "الحاسم(؟)" و "الماحق" لكل "النِسب الأخرى"، لإعلان "النصر"؟
و هل يُعدّ شريكاً نزيهاً و وفيّاً مَن يتقبل، على مضض "التقيّة"، صيغة الحياة الوطنية، فيما هو "ينتظر بصبر" "نضج الظروف المؤاتية"، لا بل ينشط بلا هوادة لِمَحو فرادتها و تغيير معاييرها و قلب أحكامها، نائياً عن المفاهيم الأليفة للقيم البشرية الجامعة؟
سنّة التوالد العشوائي في مزارع مسيّجة لا تليق بالإنسان. لكنها تشبع جموح عشق السيطرة الناهش غريزة بعض المشعوذين المثابرين على التغرير بالناس و تطويقهم و "المسّ" بعقولهم لتسخيرهم مسوخاً مسلوبي الإرادة. فهكذا يقيّض لكل من هؤلاء أن يتباهى برصيده من "ملكية الرؤوس" و يتبجّح بإستقطابه قطيعاً وافراً، روّضه بنسج الأحلام السحرية و دغدغة المشاعر المثيرة، فجعله طوع بنانه، مستعداً غِبّ طلبه للإنزلاق في الصراعات العبثية و الإندلاق في صناديق الإقتراع يوم الإتنخاب. و أمانة للحق أقول أنه يجب فحص أهلية كل مقترع للتأكد من سلامة ملكاته العقلية و ولائه الوطني و التيقن من معرفته بشخصية كل مرشح و برنامجه و تمتعه بحرية قراره. إذ لا يجوز السماح لموتورين أو مضلّلين أو عقوقين أو مرتهنين بإعطاب محرك الديموقراطية و لولبها. إن "فكّ طوق العزلة" الإجتماعية و الفكرية و الثقافية و السياسية عن "المعتقلين" في "مخيمات" تشريخ النسيج الوطني، المزوّدة "بمستوصفات" الحقن التحريضي و "حقول" التدريب القتالي، لا يحققه كلام هامشي يكتب على الورق و لا "توسيع رقع" نشاط إعاقة دورة الحياة في عزّ إنبعاثها و إنتعاشها. بل يبدأ بالتخلي عن مشروع "إغراق" الوطن بما يشبه"طوفاناً" بشرياً مدججاً بالسلاح و مدرباً على الولاء لمرجعية لا ترتبط به. ثم ينطلق للتركيز على توثيق الشراكة في بناء الوطن عبر تنقية النفوس من الهوس المذهبي و الزندقة الفكرية و هواجس الإعتكاف، بالإستقاء من مناهل الولاء الوطني و الغنى التراثي و الثروة الوطنية و الإقتطاف من الثقافات العالمية و الإغتذاء من القيم الإنسانية الحضارية، و تخصيب الجهود المنشطة للترقي الوطني الشامل. إن النكبات المريرة التي اعتصرت وطننا و كادت تطيح به كنموذج حضاري مميز، فتّحت العيون المغمضة لدى العديد من أبنائه ليدركوا قيمة الكنوز التي يزخر بها. لكن يبدو أن "جوقة" الملتصقين بالمحور "السوراني" لم "تفقه" بعد قدْر الوطن و أهمية حريته و سيادته و استقلاله و ديمقراطيته و حقوق إنسانه. إذ تنظر إليه "بمنظارها" الخاص الذي "يحلل" إلحاقه "بمرجعيتها" و ربطه بحليفيها المداني السلوك و المحاصرين دولياً. و بفضل استجابة أتباع النظامين السوري و الإيراني لأمر تفكيك السلطة في لبنان، لأنها تعصى على سيطرتهما، و تغطية ملتبسي الرؤية السياسية المنساقين في الركب الغوغائي، جاز الإنقلاب على المصلحة الوطنية و دفع الوطن إلى حافة "الإشتباك" الداخلي و استنزاف قطرات العافية من دورة الحياة الوطنية بدل إمدادها بالمزيد. و أوامر التفكيك تتعدى إطار السلطة اللبنانية لتطال المحكمة الدولية الطابع تحت عنوان تأجيل تشكيلها حتى صدور تقرير لجنة التحقيق الدولية النهائي حول مؤامرة إغتيال الرئيس رفيق الحريري المحبوكة بنسيجها خيوط إغتيالات رعيل شهداء الوطن الأبرار الذين استهدفوا خلال السنتين الماضيتين. وعلى درب التفكيك أيضاً تتوغل جهود العصيان الإيراني العنيد ، في الميدان الإقليمي كما على الصعيد الدولي، لمواجهة النقمة العارمة و تنفيس ضغوط القرارات الدولية و إحباط مفاعيلها، و إطلاق الوعيد "بهزم" أميركا في "لبنان"، لإنها تحاول مع المجتمع الدولي ضبط "النهم" الإيراني لتخصيب اليورانيوم و تتصدى لشبق حكام إيران التائقين إلى بسط هيمنتهم على مدى منطقة الشرق الأوسط، المختزنة %60 من إحتياط النفط العالمي و البالغة الأهمية لضخّها معظم الوقود المحرّك لدورة الإقتصاد العالمي. مع تطور الأحداث و انقشاع المواقف يتعرى مطلب الثلث "الضامن" من قشرة المشاركة ليظهر اللبّ الضامر استئثاراً كاملاً بالسلطة لتجييرها إلى أولياء النعمة و الأمر، الطامعين ب"هضم" لبنان. و لا يجد اللبناني الواعي و المخلص، أي مردود إيجابي أو جدوى من هدر الطاقات و إعاقة النهوض و قطع مدد الدعم الدولي المنعش للوطن. فنهج زعزعة الكيان و تهريب السلاح والذخائر- تحت التبن ( أو جنح الظلام) بإتجاه مريب و لوجهة استعمال مشكوك فيها- و تسخير القدرات و المؤسسات لخوض معارك استنزاف طويلة الأمد ضد المجتمع الدولي و ضد الذات، يسندها المحور الإقليمي "السوراني" لحلفائه في لبنان إشباعاً لأطماعه، يؤدي حتماً إلى زجّ الوطن في غيبوبة الإحتضار. إن مناعة الوطن من مناعة مؤسساته الشرعية لا من تشكيل مؤسسات بديلة تنازع الدولة السلطة و تستقوي عليها. كما تُستمدّ من إشاعة الأمن و الإستقرار و الطمأنينة في ربوعه و تحفيز الإنتاج و النمو و الإزدهار. الوطن يستحق التضحية لأجله، و قد بذلها بنوه بسخاء، فإتقوا الله و تيّقظوا لئلا يضحّي أحدكم به!
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
مراعاةً لأدوار المجموعات البشرية المؤسسة للبنان و تحسباً لخلل في النمو الديموغرافي عبر الزمن، لحظ المشترع اللبناني بنوداً مثاقية في الدستور اللبناني تهدف إلى ضبط إيقاع العيش المشترك. لكن ما لم تكن النصوص وليدة اقتناعات راسخة في النفوس و مقرونة بالنوايا الطيبة لدى الجميع لإحترام العهود الدستورية، فعبثاً يتعب المشترعون و البنّاؤون.
فكيف يهنأ العيش مع بعض "الشركاء" و يُركن لهم، طالما هم "يرهنون الإستقرار" ببسط "رؤيتهم المختلفة" لِبُنْية الدولة؟ و قد "تحسّبوا"، استباقاً لأي معاكسة، بإنشاء مؤسساتهم الخاصة "العاصية" على النقض و "المعصومة" عن النقد. "فتحصّنوا" فيها خارج "الأطر الرسمية" و بمنأى عن القوانين "السارية" على "سواهم"!
و أين هي الوسيلة الناجعة لكبح جماح أي "قبيلة" تخطّط لإبتلاع الوطن (لحسابها أو حساب غيرها)، لأن "أميرها" "يلقّن" "جماعته" أن " الآخرين" جِيءَ بهم "غزاة" و هؤلاء "الأغراب" لا يشاركونهم مشروعهم الخاص بإقامة "الإمارة الفاضلة"؟
و أي "مزامير" تُجدي قراءتها "لتهدئة روع" و "تنفيس إحتقان" مَن أفقده الرشد، "طاعون" الإفتراس و "طاغوت" القوة؟
و ما الوسيلة المنبّهة "لصحوة" " المنوّمين"، "مسمّري الأنظار"، الشاخصين إلى إحصاءات "بورصة الإنجاب"، مترقبين "بشغف" بلوغ "تضخّمهم" "الرقم القياسي" "الحاسم(؟)" و "الماحق" لكل "النِسب الأخرى"، لإعلان "النصر"؟
و هل يُعدّ شريكاً نزيهاً و وفيّاً مَن يتقبل، على مضض "التقيّة"، صيغة الحياة الوطنية، فيما هو "ينتظر بصبر" "نضج الظروف المؤاتية"، لا بل ينشط بلا هوادة لِمَحو فرادتها و تغيير معاييرها و قلب أحكامها، نائياً عن المفاهيم الأليفة للقيم البشرية الجامعة؟
سنّة التوالد العشوائي في مزارع مسيّجة لا تليق بالإنسان. لكنها تشبع جموح عشق السيطرة الناهش غريزة بعض المشعوذين المثابرين على التغرير بالناس و تطويقهم و "المسّ" بعقولهم لتسخيرهم مسوخاً مسلوبي الإرادة. فهكذا يقيّض لكل من هؤلاء أن يتباهى برصيده من "ملكية الرؤوس" و يتبجّح بإستقطابه قطيعاً وافراً، روّضه بنسج الأحلام السحرية و دغدغة المشاعر المثيرة، فجعله طوع بنانه، مستعداً غِبّ طلبه للإنزلاق في الصراعات العبثية و الإندلاق في صناديق الإقتراع يوم الإتنخاب. و أمانة للحق أقول أنه يجب فحص أهلية كل مقترع للتأكد من سلامة ملكاته العقلية و ولائه الوطني و التيقن من معرفته بشخصية كل مرشح و برنامجه و تمتعه بحرية قراره. إذ لا يجوز السماح لموتورين أو مضلّلين أو عقوقين أو مرتهنين بإعطاب محرك الديموقراطية و لولبها. إن "فكّ طوق العزلة" الإجتماعية و الفكرية و الثقافية و السياسية عن "المعتقلين" في "مخيمات" تشريخ النسيج الوطني، المزوّدة "بمستوصفات" الحقن التحريضي و "حقول" التدريب القتالي، لا يحققه كلام هامشي يكتب على الورق و لا "توسيع رقع" نشاط إعاقة دورة الحياة في عزّ إنبعاثها و إنتعاشها. بل يبدأ بالتخلي عن مشروع "إغراق" الوطن بما يشبه"طوفاناً" بشرياً مدججاً بالسلاح و مدرباً على الولاء لمرجعية لا ترتبط به. ثم ينطلق للتركيز على توثيق الشراكة في بناء الوطن عبر تنقية النفوس من الهوس المذهبي و الزندقة الفكرية و هواجس الإعتكاف، بالإستقاء من مناهل الولاء الوطني و الغنى التراثي و الثروة الوطنية و الإقتطاف من الثقافات العالمية و الإغتذاء من القيم الإنسانية الحضارية، و تخصيب الجهود المنشطة للترقي الوطني الشامل. إن النكبات المريرة التي اعتصرت وطننا و كادت تطيح به كنموذج حضاري مميز، فتّحت العيون المغمضة لدى العديد من أبنائه ليدركوا قيمة الكنوز التي يزخر بها. لكن يبدو أن "جوقة" الملتصقين بالمحور "السوراني" لم "تفقه" بعد قدْر الوطن و أهمية حريته و سيادته و استقلاله و ديمقراطيته و حقوق إنسانه. إذ تنظر إليه "بمنظارها" الخاص الذي "يحلل" إلحاقه "بمرجعيتها" و ربطه بحليفيها المداني السلوك و المحاصرين دولياً. و بفضل استجابة أتباع النظامين السوري و الإيراني لأمر تفكيك السلطة في لبنان، لأنها تعصى على سيطرتهما، و تغطية ملتبسي الرؤية السياسية المنساقين في الركب الغوغائي، جاز الإنقلاب على المصلحة الوطنية و دفع الوطن إلى حافة "الإشتباك" الداخلي و استنزاف قطرات العافية من دورة الحياة الوطنية بدل إمدادها بالمزيد. و أوامر التفكيك تتعدى إطار السلطة اللبنانية لتطال المحكمة الدولية الطابع تحت عنوان تأجيل تشكيلها حتى صدور تقرير لجنة التحقيق الدولية النهائي حول مؤامرة إغتيال الرئيس رفيق الحريري المحبوكة بنسيجها خيوط إغتيالات رعيل شهداء الوطن الأبرار الذين استهدفوا خلال السنتين الماضيتين. وعلى درب التفكيك أيضاً تتوغل جهود العصيان الإيراني العنيد ، في الميدان الإقليمي كما على الصعيد الدولي، لمواجهة النقمة العارمة و تنفيس ضغوط القرارات الدولية و إحباط مفاعيلها، و إطلاق الوعيد "بهزم" أميركا في "لبنان"، لإنها تحاول مع المجتمع الدولي ضبط "النهم" الإيراني لتخصيب اليورانيوم و تتصدى لشبق حكام إيران التائقين إلى بسط هيمنتهم على مدى منطقة الشرق الأوسط، المختزنة %60 من إحتياط النفط العالمي و البالغة الأهمية لضخّها معظم الوقود المحرّك لدورة الإقتصاد العالمي. مع تطور الأحداث و انقشاع المواقف يتعرى مطلب الثلث "الضامن" من قشرة المشاركة ليظهر اللبّ الضامر استئثاراً كاملاً بالسلطة لتجييرها إلى أولياء النعمة و الأمر، الطامعين ب"هضم" لبنان. و لا يجد اللبناني الواعي و المخلص، أي مردود إيجابي أو جدوى من هدر الطاقات و إعاقة النهوض و قطع مدد الدعم الدولي المنعش للوطن. فنهج زعزعة الكيان و تهريب السلاح والذخائر- تحت التبن ( أو جنح الظلام) بإتجاه مريب و لوجهة استعمال مشكوك فيها- و تسخير القدرات و المؤسسات لخوض معارك استنزاف طويلة الأمد ضد المجتمع الدولي و ضد الذات، يسندها المحور الإقليمي "السوراني" لحلفائه في لبنان إشباعاً لأطماعه، يؤدي حتماً إلى زجّ الوطن في غيبوبة الإحتضار. إن مناعة الوطن من مناعة مؤسساته الشرعية لا من تشكيل مؤسسات بديلة تنازع الدولة السلطة و تستقوي عليها. كما تُستمدّ من إشاعة الأمن و الإستقرار و الطمأنينة في ربوعه و تحفيز الإنتاج و النمو و الإزدهار. الوطن يستحق التضحية لأجله، و قد بذلها بنوه بسخاء، فإتقوا الله و تيّقظوا لئلا يضحّي أحدكم به!
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)