١٩.٦.٠٦

عقم الإرهاب و خصب الوئام

حميد عواد*


رغم تواصل حقبات التنكيل الفظيع الذي نكب اللبنانيين، المحبّين و المخلصين لوطنهم، عقوداً من الزمن، حافظ هؤلاء على رسوخ إيمانهم بحقوقهم و منعة كيانهم و توقهم إلى الخلاص، فأبقوا جذوة الحرية و العزة و العنفوان و الرجاء متّقدة في وجدانهم.
مواكب الأحرار هبّت لصون السيادة و الإستقلال من الإنتهاكات، و لم تسكت على الضيم فبذلت خلال نضالها أجَلَّ التضحيات.
صمود اللبنانيين أذهل العالم و حضّه على الأخذ بيدهم و رفع عبء الهيمنة العسكرية السورية عنهم، فصدر قرار مجلس الأمن 1559 و اقترن بالسعي الدؤوب لتنفيذ بنوده.
و على وقع سقوط شهداء عمالقة في اغتيالات غادرة، نُفّذ جزء مهمّ من القرار المذكور بانسحاب الجيش السوري و طواقم من مخابراته من وطن الأرز إلى سوريا يوم 26 نيسان 2005.
و أصبح ممكناً التلاقي و الحوار بين شرائح الوطن و إحياء مؤسسات الدولة الديمقراطية و انتشالها من غيبوبة احتضارها، لتمسك بناصية قرارها االحرّ سيّدة مستقلّة.
لكنّ النظامين الوثيقي التحالف السوري و الإيراني ما زالا يستنفران "محبّذي" نفوذهما في لبنان و يرعيان رصّ صفوفهم لإقتطاع حصّة مهمة من القرار اللبناني أو للجمه و إرباكه.
لبنان دخل مرحلة الإنعتاق من الجلادين و واجب كل لبناني مخلص المساهمة في تنقية الإرادة السياسية و الحياة الوطنية من قيوح و قيود و ذيول مرحلة تحوّل فيهاالوطن إلى سوق نخاسة و مسلخ لنحر الأحرار.
و حيث أنّ معظم اللبنانيين لم يصابوا بالخَرَف فإنّ "الضمانات" بإرتداع الذئاب عن مراودة كرومهم، التي "يتبرّع" بمنحها إليهم "رسل" "المعلّمين" الإقليميين لا "تثلج" قلوبهم.
الأجدر، إثباتاً لصدق النوايا، البدء بغسل نفوس "الرعايا" من رواسب الإنقياد الغريزي وراء "الزعامة المؤلّهة"، و الشروع بتنشئة وطنية سليمة تجمع المواطنين في بوتقة الأخوّة في الولاء الوطني و التعاضد في سبل خدمة الوطن.
و لتوسيع المدارك لا بدّ من إغنائها بالمعرفة و التمحيص الدقيق في التفاصيل و الأبعاد و تنمية الحس النقدي لإكتساب القدرة على بناء الأحكام و إعطاء كل شأن استحقاقه.
للأسف الشديد تطالعنا "جماهير" "مرهفة" الإحساس بردود فعل عشوائية و غوغائية على شؤون "تخدش" مشاعرها، فتثبت أنّها بحاجة إلى تأهيل و إكتساب ثقافة وطنية صافية.
بين الحرية المسؤولة و التعبير الحرّ عن الرأي، ليس معصوماً عن متناول البحث أي موضوع أو إنسان شرط أن يكون الكلام موضوعياً و متّزناً و لائقاً. و في مطلق الأحوال، لِيقارع النقد ردّ بقول الحق، يفنّد الأخطاء و يدحض الإدعاءات و يسفّه الإفتراءات بدل لغة الغوغاء و قذف الحجارة و التخريب. لأنّ وقع كلمة هيمنة على مسامع اللبنانيين يثير في خواطرهم ذكريات مريرة، يحاول البعض استعارة هذا التعبير لإلصاقه بالمساعي الدولية الجادة و الحثيثة الآيلة إلى نقاهة و تعافي لبنان.
و ما هذه التورية إلاّ ذرّ للرماد في العيون و ضرب من ضروب الشعوذة. فاللبنانيون يدركون حق المعرفة أنّه لولا تبنّي المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة و فرنسا، لكفاحه من أجل استعادة حريته و سيادته و استقلاله و تقديره لتضحياته و إجلاله لشهدائه ، لطال استرهانهم و معاناتهم إلى أمد غير معروف.
و الدول الحرة لا توفر جهداً لمساعدة لبنان على إحياء مؤسساته و إنعاش التواصل الديمقراطي بينها لتحسين الأداء و تزخيم حركة التوثب نحو مستقبل أفضل.
و إلى جانب إعادة بناء أجهزته الأمنية لتشكل الدرع الحامي للوطن لا بدّ من توسيع المجتمع الدولي لإطار شبكة الأمان التي يسيّج بها لبنان لتردع أي مصدر لإختراق أمنه و زعزعة استقراره خارجياً كان أم داخلياً.
لا يرضى اللبنانيون و معهم العالم الحر بوجود قوى خارجة على القانون تستبيح أرضه و سيادته لإرهاب أهله أو جعله منصّة لإطلاق صواريخ هدفها استدراج إعتداء عليه.
كما يرفضون تحويله حقل كمائن ملغّمة تُنصب لإرتكاب الإغتيالات و تصفية الحسابات.
حذار الإغراق في استنفاد صبر و صمود اللبنانيين.
كفاهم الصدمات المروّعة التي تحملوها بشجاعة فائقة.
أما جراحهم الطرّية فتحتاج إلى بلسمة لا نكء.
و كي تتبدد هواجس قلقهم و تترسخ الطمأنينة في خواطرهم يجب إزالة مصادر التهديد و الخطر و الإجرام، و تسييد و تحصين العدالة الأصيلة.
و ما قرارات مجلس الأمن 1595 (الخاص بتشكيل لجنة التحقيق في الإغتيال الآثم الذي غيّب الرئيس رفيق الحريري و الوزير باسل فليحان و عشرين آخرين من مرافقيهما إضافة إلى شخص مجهول) و 1644 ( الإيعاز بإنشاء محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة من يشتبه بضلوعهم في الجريمة المذكورة) و 1686( تمديد مهمة لجنة التحقيق سنة و توسيع صلاحياتها لمدّ السلطات اللبنانية بالمساعدة التقنية في التحقيقات المختصة بالتعديات الإرهابية المرتكبة منذ 1 تشرين الأول 2004)، إلاّ وجه بارز من وجوه الدعم الدولي لتزويد القضاء اللبناني بحصيلة تسخير أحدث الوسائل و الإمكانات و الخبرات العالمية المتوفرة في العلم الجنائي لتحليل مكونات الجريمة.
فيما يكمل القاضي سرج براميرتس تنقيبه في أدقّ أدلتها و يتقصّى بصمت أبعادها و يربط بحنكة عناصرها، يُطمئن الجميع، و إن متكتّماً، بأن تحريّاته تسير بثبات نحو كشف شبكة المتورطين في الجريمة الإرهابية الفظيعة.
مقابل الإرتياح العام لنهج براميرتس و الثناء الشامل على كفاءاته و مهاراته، يرتفع بإنتظام منسوب التوتر و التوجّس و الأرق في نفوس المتآمرين خلال ترقّب موعد إصدار مذكرات الظنّ و الإحالة على المحاكمة.
إنها لمفارقة صارخة أن يجعل العالم الحر لبنان موضع عناية فائقة لإنعاشه، أهله بأمس الحاجة إليها لإستعادة أنفاسهم و الإنطلاق في استثمار خيراتهم، فيما يعاكس البعض المصلحة الوطنية بوضع العوائق الكابحة لإنسياب دورة الحياة حتى الشلل و الإختناق.
و مفارقة أيضاً أن تعلن الأمم المتحدة و حتى إسرائيل ( خلال زيارة رئيس وزرائها إلى فرنسا) أنّ استرجاع مزارع شبعا ممكن متى أثبت لبنانيتها ترسيم للحدود بين لبنان و سوريا، فيما تقف المراوغة حائلاً دون تحقيق هذا الهدف.
صحيح أنّ إغتصاب الحقوق هو انتزاع بالقوة أما استرجاعها سلمياً فممكن بحشد تأييد ضاغت من العالم ثمّ استنهاضه لإحقاق العدل.
و كي يسود السلام و يتخصّب الوئام لا مناص من تثقيف العقل و ترويض الغريزة و تهذيب السلوك و تنقية الضمير و صقل المشاعر، فلا يجد عندها العنف و الإرهاب إلى النفس سبيلاً.
هناك مبادىء منطقية و قواعد ضابطة تعتمدها الأمم الحرة لرعاية العيش الهانىء بين كل الجماعات البشرية و شعوب الأرض، قوامها الإحترام المتبادل و التعاون المخلص و التعامل بإنصاف.
و من جنح عن هذه الأصول و هدد الإستقرار و السلام، و انتهك حقوق الآخرين عُوقب و نُبذ.
فمرحباً بمن انخرط في موكب التآخي الحضاري، و اعتنق الإنفتاح و الأمان و السلام، و الويل لمن انحرف و تقوقع، وانزلق نحو مهاوي الإرهاب و العنف و الإجرام!

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

٢٧.٥.٠٦

لنتَنبّه ونتّعظ فنرتقي

حميد عواد*


نشكر الدكتورة سلوى الخليل الأمين، رئيسة "ديوان أهل القلم"، على مبادرتها الطيّبة إلى دعوة الدكتور شارل العشّي، مدير مختبر الدفع النفّاث في الNASA، إلى الحضور إلى وطنه الأم لبنان لتكريمه. فأمثاله "ذخر لبنان و عظمته" كما قالت.
و هو بدوره أعلن أنه "ممتنّ للبنان و اللبنانيين" و أضاف: "أنا أفكر بلبنان دائماً"، "لن أنسى أني تركت لبنان بمنحة حصلت عليها عام 1964 من الرئيس شارل حلو، فهذه كانت منحة من الحكومة اللبنانية و أنا أقدّر ذلك." ثم أكمل: "أنا أحب لبنان كثيراً" و "أفخر بأصلي" و " أنا أتحدث دائماً عن لبنان و الصداقة بين لبنان و الولايات المتحدة. و نحن نعمل من أجل السلام في لبنان و الشرق الأوسط."
و قد ذكر زملاء يعملون معه كالعالم مصطفى شاهين و كلاً من البروفسورين جورج حلو و جوزف عون، ليؤكد أنه يتداول و أياهم "سبل مساعدة لبنان عبر إقامة مراكز أبحاث."
كما لم يغفل الإشارة إلى أن كثيرين من أبناء لبنان أثبتوا مواهبهم الفذّة وبرزوا في شتى المجالات و هم "يتولون مناصب مهمة جداً في العالم." "فهذا يعطي انطباعاً ممتازاً عما يمثله لبنان" و يثبت أن "اللبنانيين ناجحون".
ألإحتفال التكريمي سيقام في قصر اليونسكو و من المتوقع أن يلقي الدكتور العشي سلسلة محاضرات في كبريات الجامعات اللبنانية.
تنشّط هذه المقتطفات الذاكرات الخاملة و المتلاشية، علّها تصّحي من ربقة العبودية و الإدمان أولئك المتخدرين بأفيون الإنقياد الفئوي الأعمى، المعطّل للفكر و المجهض للعطاء و المذلّ للكرامة و المحبط للفهم و التواصل.
إذ تبرز نموذجاً ريادياً متألقاً من إنجاب لبنان، منشأ القادة الفرادى.
و تثبت أن هذا الوطن ليس دهليزاً ضيّقاً يأوي حصراً مخلوقات محنّطة، بل هو شلال غزير من الخيرات يغذي مدىً إنسانياً خصباً و رحباً لا حدود له.
و تظهر أن رصيده الأساسي ليس ذخيرة البارود بل مخزونه الفكري و ثروته الثقافية.
لذا يصيبنا الذهول أمام مشهد سياسي مرتبك يشوّش علينا هذه الصورة البهيّة. فهو يتأرجح بين المرونة و التصلّب، يظهر فيه فريق يحاول الإقلاع بقطار الدولة، و فريق آخر يبدي بعض التعاون حيناً و يوفر قسطاً من المؤازرة الأولية، ثم لا يلبث أن ينقلب ليجهض هذا الإقلاع.
و في حمّى المناورات و المناكفات المتشعّبة، تنشلّ حركة التبديل و التداول في مناصب محورية، فيطبق الجمود على المؤسسات الحيوية التابعة لها.
و تتعقّد الحلول و تتعثر مبادرات الإصلاح و البناء، و تتجمّد القروض و المساعدات و تتبخّر المشاريع، فيتصحّر الوطن و يحتضر المواطن.
و بفعل قوى اللؤم الخبثية يجنح "مَنبت الرجال" نحو اليباس، و تُطمس الكفاءات بحُجُب العاجزين، و تُحبس الطاقات رهينة لمشيئة العاقرين، و يُنهش الصمود و يُجهض الإنبعاث و يُنهك المواطن لحساب الطامعين.
إننا نلوم بشدة طاقم الإحباط السياسي على محاولته الإرتدادية لعكس مسيرة التعافي عبر إعادة ربط مسار الحياة الوطنية بمصالح حلفائه الإقليميين.
كما نستهجن إنزلاق التيارات السيادية إلى مهاوي الإنشطار المخيّب للآمال و ندين اشتباكها المعيب في سجالات إعلامية حامية و مؤذية، يعتريها الإفتراء و التضليل و التبرير العقيم.
حرام تبديد قيم الإستشهاد في سبيل الإستقلال و ممنوع التفريط بثمار نضال جيل التحرير الذي استقطب الدعم الدولي و تعملق ففكك بقوة عزيمته معسكرات القمع والإستبداد والإستتباع.
لا يغيبنّ عن البال أنّ هذا التخبّط المستهجن يوفر مناخاً مثالياً لإلهاب شهوة المحور الإيراني-السوري للإطباق من جديد على لبنان.
و هو الذي نسج تحالفات مع فرقاء عراقيين و لبنانيين و فلسطينيين ليرجّح قوتهم على منافسيهم و يؤجج الصراعات فيعزز نفوذه الإقليمي آملاً في إحباط المساعي الدولية لنشر الديمقراطية في دول المنطقة لأنها صيغة تناقض طروحاته و ممارساته.
و هو ينقّب عن مكامن الضعف في مجتمعات هذه الدول ليتسرب منها و يستغلّها لإستكمال إحكام الطوق المنكبّ على نصبه.
و يبدو من تصريحات المسؤولين الأردنيين عن الشبكات المسلحة التي كشفوها داخل الأردن أنها تابعة للمحور المذكور.
و فيما ينشط هذا المكوك في غزل شلّة أعوانه حول طموحاته في لبنان تتردد، على إيقاع "ضربني وبكى ، سبقني و اشتكى"، إدعاءات تجنّ سخيفة "يرتكبها" سياسيون لبنانييون بحق أركان النظام السوري! و "تنصّلا"ً من تنفيذ "الأحكام الميدانية الحادة" و بما أنّ هيمنتهم انحسرت عن القضاء اللبناني، نشطوا في تحريك القضاء العسكري السوري لملاحقة القطبين السياسيين وليد جنبلاط و مروان حمادة إضافة إلى الصحافي فارس خشان. و أول الغيث تسطير استنابة، أُحيلت على الإنتربول، لملاحقة رئيس كتلة التجمع الديمقراطي الأستاذ وليد جنبلاط.
إستفزازات النظام السوري ما توقفت و لو أن "فظائعه" استكانت. و هي ترافقت مع تقريعات يطلقها أسياده و توبيخات ينشرها كتّابه. و خلال نوبات التوتر أُقفلت الحدود من الجانب السوري إقتصاصاً، و تعدتها اليوم إثر قيام جرفاته ب"بروفة" "ترسيم" للحدود بسواتر، مرة ترابية و أخرى صخرية، كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية في منطقة عرسال.
و أخطر من ذلك بدأ اللعب بالنارمجدداً: إذ إنتخت "للجهاد"، منذ أيام،
( و ربما أضاعت بوصلتها و ضلّت طريقها ) عناصر من منظمة فتح-الإنتفاضة ( على مين) حمَلتها إلى منطقة ينطا، عبر حدود "مبهمة المعالم"، رياح "الولاء" لأسياد النظام السوري، فتحرشت بدورية للجيش ( تبيّن أنه لبناني ) و أردت شهيداً باراً إلتحق بقافلة شهداء الإستقلال هو العريف المجنّد مصطفى مثلج.
إننا نشارك قيادة الجيش الأسف لخسارته، و نتضرع إلى الله أن يتغمّده بفيض رحمته و يلهم أهله الصبر و العزاء.
تتعدد البراهين على تحكّم غريزة الإستفراد بلبنان بسلوك أرباب النظام السوري. فهي التي حفّزتهم على الإعتراض على القرار 1680 لمجلس الأمن الدولي الذي قرن فيه القرار 1559 بالقضايا التي أُقرت بالإجماع في جلسات الحوار الوطني.
و ما هذه المبادرة إلا توكيد الإرادة الدولية على ضرورة تنفيذ الحكم السوري المطالب البديهية للحكومة اللبنانية من ترسيم الحدود إلى تبادل التمثيل الدبلوماسي إلى الكف عن التدخل في شؤون لبنان الداخلية و زعزعة أمنه، إضافة إلى الإلتزام بمقتضيات التعاون مع القرارات الدولية و الإحجام عن عرقلة و إعاقة تنفيذ كامل بنود القرار 1559.
إن تبرّم و استياء أركان النظام السوري من المطالب التي أجمع عليها اللبنانيون و دعمها المجتمع الدولي، دفعاهم إلى الإنقضاض على المفكرين السوريين، أمثال ميشال كيلو، أنور البني، كمال اللبواني و صفوان طيفور، و سجنهم لأنهم في عرف أهل النظام " أساؤوا إلى هيبة الدولة و أضعفوا الشعور القومي إلخ..." بتوقّيعهم مع أقرانهم اللبنانيين ميثاق بيروت-دمشق الداعم لمطالب إصلاح العلاقات هذه!
إن مدد السجن التي تنطوي عليها التهم المساقة ضد هؤلاء المفكرين، و منها المؤبد، تصعق كل راشد و تظهر مدى تطَيُّرالنظام السوري من "خطورة" إقامة علاقات طبيعية مع لبنان!
و هكذا يثبت مرة جديدة أنه يعيش خارج عصر التحضّر و أنه غير قادر على إصلاح نفسه و الإقلاع عن الشغب و حصر إهتمامه في رعاية شؤون شعبه.
هل تدوم نِعَمُ المنشّطات الإيرانية لمدّه أبداً بالحياة؟
و متى تعطى الأفضلية لتوظيف ثروة كل شعب في تنمية طاقاته بدل هدرها في تصدير القلاقل و الثورات؟
و متى يكتمل نضج الفكر و الحرية و القيم السامية في وجدان الشعوب المقهورة، فتُفتّتَ الكلس العالق في مفاصلها و ثنايا أدمغتها، و تنفض عنها غبار العبودية و تطلّق عبادة الأصنام و تشفى من الأحقاد، و تشرّع عقولها و قلوبها على مدى آفاق الإنسانية الواسعة، مشيّدة صروحاً للمعرفة و التواصل و العمران؟
لا بد أن يحين هذا الإستحقاق فتنصبّ كل الجهود على بلوغ هدف الخلاص.
و كل من سار على درب الحق وصل!

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

٢٤.٤.٠٦

لا تضيّعوا الفرص!

*حميد عواد

سئم اللبنانيون مرارة الصراعات التي جُرّعوها لأكثر من جيل، و قالوا كفى لمن يحاول استدراج المزيد.
فقد أنهكتهم ضراوة الحروب البديلة و المعارك الموكولة و استنزفتهم و استنفدت طاقاتهم.
قاوموا الإعتداءات بالسلاح يوم عجزت الدولة المتفككة عن حمايتهم و تخلى عنه معظمهم يوم أبرم اتفاق الطائف التزاماً بقيام الدولة المرجوة و إطلاقاً لجهود الترميم و النهوض و التنمية.
لكن حساب "حقل" الطائف ما انطبق على حساب "بيدر" النظام السوري الذي اجتهد أربابه بلا هوادة للإيقاع بلبنان فريسة بين أشداقهم.
فتصدّى سلمياً، لكن بصلابة و عناد خارقين، لأطماع هيمنتهم الكلّية على لبنان، الحراس الأشاوس لوطن الأرز، معقل العزة و الحرية و الكرامة و محضن المعرفة و الثقافة و الفرادة، إحباطاً لخنقه و منعاً لإبتلاعه.
و في ذروة مجون النظام السوري الثمل من امتصاص رحيق عافية اللبنانيين و المتلذذ برشف دماء شهدائهم، استفاق العالم الحرّ من غفلته و أدرك خطورة هذا الجموح.
و زاده تيقظاً مرافعات عميقة و شاملة تحثّ على تخليص لبنان، دبّجها لبنانيون مغتربون نافذون لدى إدارات دول القرار في المهاجر.
فتوافقت فرنسا و الولايات المتحدة على ضرورة إغاثة لبنان و إلحاح مؤازرة كفاح أبنائه المتوثّب لإستعادة حريته و سيادته و استقلاله.
و صِيْغَ قرار مجلس الأمن الدولي 1559 (2 أيلول 2004) الذي قضى بخروج الجيش السوري من لبنان.
لكن غداة اتخاذ القرار طُبّقت "رغبة" الرئيس السوري بتعديل الدستور اللبناني و التمديد للرئيس لحود ثلاث سنوات (تجنباً ل "تكسير لبنان على بعض الرؤوس") بتمهيد و تنسيق من جانب "ضابط" إيقاع الأمن في لبنان آنذاك اللواء رستم غزالة (غزالة أكّد "ترتيب" مشروع التمديد في حديث لجريدة "الرأي العام" منذ بضعة أسابيع).
و في دلالة على الأهمية "الستراتيجية" التي تكمن في هذه "الرغبة" شبّه الرئيس السوري إقصاء الرئيس لحود عن سدة الرئاسة بمثابة "فصل لبنان عن سوريا".
رغم تمرير التمديد لم يهدأ غضب القيادة السورية من إصدار القرار 1559 و لم يُشفَ غليلها.
و علا التهديد و الوعيد و ما لبثت أن انطلقت مكائد اغتيال بدأت بالنائب و الوزير مروان حمادة (و قد نجا من الموت بأعجوبة) و انتقلت إلى استهداف موكب الرئيس رفيق الحريري بتفجير هائل قضي عليه و على اثنين و عشرين من مرافقيه.
ثمّ كرّت السبحة على تقّطع لتطال شخصيات إعلامية و سياسية بارزة مناهضة لسلوك النظام السوري كان آخرها النائب جبران التويني شهيد الحرية و شفيع الأحرار.
إذ كان متجذراً في كل محافل الدفاع عن الكرامة الوطنية و القيم الديمقراطية و حقوق الإنسان و منغرساً في شرفة معقل نضاله، صحيفة "النهار"، يقارع الحصار و يحفّز الهمم و يحصّن منبراً للراي الحرّ المضطهد في زمن القمع و التنكيل.
مقتل الرئيس الحريري (14 شباط 2005)، الذي بنى أرصدة ثمينة تحظى بالتقدير و الإعجاب محلياً و عالمياً، فجّر بركاناً من الغضب الشعبي و أطلق إنتفاضة الأرز.
و زخم تدفق حمم هذه الثورة، المتأججة في مرجل من الإتهامات، سرّع خروج الجيش السوري في 26 نيسان 2005.
لا مفرّ من استعراض هذه المراحل لأنها تبرز في واجهة الذاكرة كلما خطر الوطن في البال.
و ما هذا الحضور الدائم لمحطات من مسيرة الإستقلال إلا برهان دامغ على أهميتها و على جلالة التضحيات المبذولة خلال شقّ دربها و على ضرورة اعتقال الرؤوس المدبرة و الأيادي الآثمة المتورطة في سفك دماء الشهداء. يلازم هذا الإنطباع الراسخ في الأذهان هاجس التوجس من إعادة تحريك أوكار الإجرام و التخريب و تحذير من عواقب إعاقة خلع ذيول الحقبة الآفلة و تفكيك شبكاتها.
و مثلما سبق إغتيال الشهيد جبران التويني محاولة إغتيال مزعومة بدت و كأنها تمهيد لإرتكاب الجريمة، نتخوّف اليوم من أن يكون الطرح المشابه نذيراً لإرتكاب إغتيال يحتمل الكثير من التأويل!
رغم ارتياحنا لإنحسار "غارات" أوكار الإجرام نتساءل عن سرّ ركونها فيما يشير حدسنا إلى الإنذارات و المداخلات الصادرة عن مسؤولي دول صديقة للبنان وُجّهت إلى عنوان واحد.
إذن في غمرة غبطة الإنفتاح لا يغيبنّ عن البال أنّ النبيه من الإشارة يفهم فلا يُلدغ من الجحر مرتين.
و يحضرنا في هذا المقام بيت شعر للمتنبي قال فيه:

إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظننّ أن الليث يبتسم (يُؤتمن)

لقد أجمع الفرقاء اللبنانيين خلال مداولاتهم حول طاولة الحوار في المجلس النيابي على ضرورة ترسيم الحدود مع سوريا الذي يشمل شبعا ضمناً، و جعل العلاقات معها كعلاقاتها مع بقية الدول تمر عرفاً و قانوناً عبر سفارتين بمنأى عن ضباب "التمييز" الذي يطوي تحت حجبه نهم ابتلاع لبنان.
إضافة إلى إقرار المبادرة إلى تأمين سحب السلاح الفلسطيني من خارج المخيمات (السوري الولاء) إلى داخلها، توطئة إلى إناطة حمايتها لاحقاً بالدولة.
رغم ذلك يتهرّب مسؤولو النظام السوري من الإستجابة للمطالب اللبنانية فيتذرعون بإستحالة رسم حدود شبعا طالما هي محتلة و يردفون قائلين إنها جزء من الأراضي العربية المحتلة فلا يجوز التحرير الجزئي و إنما الكلي!
و في معرض التملص من التمثيل الدبلوماسي بتبادل السفراء يقولون أن هذا الشأن غير مهم مقارنة مع الإتفاقات المعقودة مع لبنان!
و يبدو واضحاً أن الطرف السوري يربط شبعا بالجولان لتبقى منفذاً "وحيداً" مفتوحاً لمناوشات مع إسرائيل ينتدب المحور الإيراني-السوري حلفاء محليين للقيام بها.
كما أنه لا يريد التقيد بضوابط التمثيل الدبلوماسي لنكرانه إستقلال لبنان (طوبى لحلفائه) رغم أنّ ضرورة التمثيل ليست ضمانة مطلقة لإقامة علاقات سوية.
فإيران مثلاً أسهمت بالمال و السلاح و التدريب على القتال و التوجيه الديني في فرز شريحة من المجتمع اللبناني منفصلة عن الدولة و منفصمة عن بقية الشرائح الوطنية.
و هي جادة في تسليط الأنظار إليها و "تخصيب" نفوذها بتخصيب ترسانة السلاح و تخصيب العقيدة الجهادية و تخصيب التحالفات و تخصيب الموارد و تخصيب الإنجاب إضافة إلى تخصيب اليورانيوم.
و بإقتطاعها نصيباً مهماً من النفوذ لدى الفصائل الفلسطينية عبر مختلف وسائط الدعم أكملت جزءاً مهماً من فسيفساء تبعث في الذاكرة صورة الأمبراطورية الفارسية (فكرة أوردتها في مقالة كتبتها تحت عنوان "بين المطرقة و السندان" و ترجمتها إلى الإنكليزية في بداية سنة 2005).
ما يهمنا في الحقيقة حل كل الخلافات بالوسائل السلمية و تحييد لبنان عن مجرى الصراعات الدامية.
لن نكون جائزة ترضية بعد الآن لأحد و لا نريد أن نكون قاذفة لهب في يد مختلّ يبهجه إشعال الحرائق.
ننشد الوئام و التماسك في "كيانيّة" وطنية فريدة و منيعة لا يفتّتها التزمّت الديني ولا يشتّتها الولاء الهجين لرافعي الشعارات الفضفاضة.
إنّ التفنّن في عرقلة قيام الدولة الديمقراطية الحديثة مهما أُتقن يعجز عن ستر سوء النوايا المضمرة.
وحدهما التعاون الصادق و الإجتهاد في العمل البنّاء مزوّدين بالولاء الوطني هما معيار صفاء النوايا و نقاء الضمائر.
فرنسا و الولايات المتحدة الأمريكية، رغم إنهماكهما في شؤون بالغة الأهمية، يتصدّران طليعة المجتمع الدولي ليثابرا على احتضان لبنان و رعاية مسيرة نهوضه، يقيانها العثرات و يحميانها من الإنتهاكات.
و هما يوجّهان إلى سوريا و إيران رسائل متتابعة للتعاون في تطبيق القرار الدولي 1559 و يحذّرانهما من مغبة محاولات إحباطه ممهلين اللبنانيين فرصة لإيجاد الصيغة الفضلى لتنفيذه.
لذا لم يغفل لارسن في تقريره إلى الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة ذكر سوريا و إيران لتحميلهما مسؤولية أي محاولة إجهاض لهذا القرار.
إن ربط لبنان بتحرير الجولان و حلّ مشاكل القضية الفلسطينية هو مشروع نزاع و خطة منهجية لتفريغ الوطن من غالبية أهله.
و اللبنانيون مدركون لمرامي هذه الخطة و يعرفون أنّ توقيعاً سورياً على محاضر خرائط ترسيم الحدود مع لبنان كفيل بإثبات لبنانية شبعا و استعادتها بأحكام القرار الدولي 425، كما يعون أنّ حقً الفلسطينيين بالعودة هو أضمن متى انتقلوا من لبنان إلى كنف السلطة الفلسطينية.
شكراً لمؤازرة أمريكا و فرنسا و الدول العربية الصديقة.
و حبّذا لو يترفع الفرقاء اللبنانييون عن المهاترات و يوحّدوا الجهود المخلصة لإنجاز مراحل تثبيت الإستقلال و دوزنة التوازن و تأهيل المؤسسات و تصحيح القوانين و إنعاش الإقتصاد.
لآ تضيّعوا الفرص السانحة!
و حذار الإنقلاب على الدعم الدولي و تبديد رصيد المناضلين و تهميش تضحيات الشهداء!

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

١٨.٣.٠٦

تفاؤل حذر

حميد عواد*

فيما كان الإعتصام ب"فضائل" الخرس و الطرش و العمى السبيل "الآمن" للعيش بسلام في ظلّ الأنظمة المستبدّة، كانت الألسن طليقة و الأصوات صدّاحة والآذان مشنّفة و العيون شاخصة خلال "ثورة ثقافية" صاخبة و جذابة، ازدهرت في لبنان حتى بداية زجّه و انزلاقه في مهاوي المكائد و الفتن.
لكن، بمثابرة أحراره على النضال والصمود و بذل التضحيات، و بنهوض المجتمع الدولي لمؤازرة اللبنانيين بشكل جاد و حثيث، أمكن انتشال لبنان من حقبة الترويع و القتل و التنكيل و التشويه و الخنق.
بدأ اللبنانيون الأباة يستعيدون أنفاس الحرية مع خروجهم إلى الضوء بعد محاولة وأدهم أحياء.
استجمعوا شتاتاً من قواهم و صهروا تطلعاتهم في بوتقة العزة الوطنية على وهج نيران المآسي التي أحالت أجساد شهداء جبابرة، مشاعل نور.
و هكذا بدأ انبعاث لبنان السيد الحر المستقل من رحم ثورة الأرز بعد مرحلة إنهاك و استنزاف و تهشيم طالت ثلاثة عقود.
المرارة و الأسى يعتصراننا كلما لاحت في البال أطيافنا يوم وقعنا فرائس أطماع حامت حولنا و صراعات التفّت علينا، فضيّعت علينا جيلاً من التقدم سجّل إختراقاً في كل برهة.
و كأنّ الزمن المهدور، خلال دفع الوطن قهقرى، ليس بكافٍ في حساب فرقاء لبنانيين ارتضوا و أيّدوا استرهان لبنان لمشيئة النظامين السوري و الإيراني نظراً لإرتباطهم الوثيق بهما، و استقووا بالدعم والسلاح على قوم ملّتهم و سائر أبناء وطنهم .
فها هم، إلحاقاً بتعديل للدستور تمّ عبره تمديد ولاية رئيس الجمهورية ثلاث سنوات في ظلّ الهيمنة السورية القاهرة، قبل أفولها ( أو ربما خسوفها أو خفوتها)، يسعون إلى عكس دورة الزمن و تعديل مفهوم سيادة الجمهورية، بتشريع استقلالية فصائلهم المسلّحة عن سلطة الدولة.
و لا تُفسّر هذه النزعة إلا إستئثاراً بالتحكم بميزان أوضاع الحدود الجنوبية و جذبها إلى مدار حلفائهم.
لا يخفى على أحد ما يبيّت هذا "الخيار" من تهميش و استهانة بدور مؤسسات الدولة و قواها الأمنية أولا، ثم بشركاء أصلاء لا يتبنونه، خاصة و أنّه ينطوي على محاذير يدفع ثمنها كل أبناء الوطن.
مزارع شبعا أمانة في عهدة الحكومة اللبنانية تعالجها بحكمة و دقة و مسؤولية، ملتزمة القوانين و المواثيق الدولية.
و بموازاة ذلك تتخاطر مع ضمير كل لبناني أصيل حريص على حفظ ذرى الوطن و حقوق أبنائه في كنف السيادة الوطنية الناجزة.
لذا لما نغّص تحريرالجنوب "احتواء" الجيش "الشقيق" لكامل الوطن و استباحته، ليُسخّر معتقلاً و سوق نخاسة، ثابر ربيبو الحرية و العزّة و السيادة و الإستقلال و العنفوان على كفاحهم السلمي حتى تحققت معجزة الجلاء بعد تجذّر الإحتلال و استفحاله و استشرائه ردحاً من الزمن.
و أصبح تلاقي مختلف الفرقاء اللبنانيين ممكناً بعد أن حال دونه من فرّق و ساد.
و غدت محرّمات الأمس قابلة للنقاش اليوم.
فبعد هبوب إعصارات و زلازل حملة إجرامية إرهابية زهقت أرواحاً وضّاءة هدت مسيرة الإستقلال، احتدمت السجالات بين الغازلين في فلك المحور السوري-الإيراني و الناهضين بالمدّ السيادي الإستقلالي لتضع أوزارها على طاولة حوار في المجلس النيابي.
هدأ روع اللبنانيين لما علّقوه من آمال على نتائج الحوار و حظي المتحاورون بتشجيع و تأييد الدول الصديقة و مسؤولي الأمم المتحدة، إذ وُصف اجتماعهم بمبادرة ذاتية ب"اليوم التاريخي".
أعطى فرقاء الحوار أهمية اللقاءات استحقاقها فناقشوا بصراحة و جدية و عمق و شمول القضايا المطروحة.
إثر اثنتي عشر مداولة خلص الملتئمون إلى نتائج مُرضية شملت قسطاً وافياً من الشؤون المعالجة، علماً أن معظمها في ظروف طبيعية، يُعتبر من البديهيات. لكن العنكبوت السوري ما زال يمسك بخيوط سبق أن نسجها في أوكاره اللبنانية، و كلما جذبها سبّب تعثّراً في مسيرة التعافي. خلاصة نتائج جولات الحوار هذه نوردها كما يلي:
1) الموافقة على إنشاء محكمة لبنانية-دولية مختلطة، هي قيد الإعداد، لإحالة المتهمين في جريمة اغتيال الرئيس الحريري عليها. و توسيع مهام لجنة التحقيق الدولية المولجة سبر و استقصاء أغوار هذه الفاجعة لتشمل مسلسل الإجرام الفظيع الذي بدأ باستهداف النائب مروان حمادة (04|10|01) و زرع كمائن الرعب و القتل على مدى العام 2005 بلوغاً إلى الغدر ب"ديك" "النهار" المقدام، الذي تحدى خطر الترويع السائد و قاوم المخرز بعينه و لسانه و قلبه و دافع عن القيم الديمقراطية حتى الإستشهاد، النائب جبران تويني (05|12|12).

2) الإجماع على تكليف الحكومة مهمة سحب السلاح الفلسطيني ( المُسَورَن ) من خارج المخيمات خلال ستة أشهر، تعمل فيها أيضاً على تحسين أوضاع الفلسطينيين الإقتصادية و المعيشية و الإجتماعية و تمهّد للأخذ على عاتقها حماية أمن المخيمات.

3) التوافق على وجوب معالجة أزمة مفهوم العلاقات و نسقها بين النظام السوري و لبنان، و قد استوجب جنوحها الخطر أطلاق تحذيرات متواترة وجّهها المجتمع الدولي للجانب السوري منبّهاً من مغبّة الإغتيال و التحريض و التسليح. و بالتالي انتداب الحكومة للقيام بمساع لتقويمها و تنقيتها و "ضبط مسارها" ضمن الأصول و الحقوق القانونية و "ترسيم" الحدود "المبهمة" ميثاقياً و جغرافياً. إضافة إلى إستقصاء حاسم يبدّد الغموض الكثيف المنصوب حول مصائر اللبنانيين المغيّبين في غياهب السجون السورية. عندها يمكن الإرتقاء بالعلاقات إلى مصاف تلك السويّة و الطيّبة السائدة بين الدول الصديقة التي تتمثل ببعثات دبلوماسية (و ليس (بحملات) عسكرية) ترعى المصالح و حرمة السيادة من خلال السفارات (وليس "أبراج" و "أقبية" أجهزة المخابرات) دون إضمار نوايا خبيثة أو تحيّن الفرص من المستقوي للإنقضاض على المستضعف.

4) ترسيخ قناعة مشتركة بلبنانية مزارع شبعا كمنطقة مورست عليها السيادة اللبنانية حتى منتصف الستينات ( حين طرد جيش السلطة السورية قوى الأمن اللبنانية من مخافرها هناك ليسيطر عليها حتى إحتلال إسرائيل للجولان عام 1967 ) و كملكية عقارية لسكان لبنانيين ( استحصلوا على سنداتهم من أمانة السجل العقاري على مدى العهد العثماني حتى قيام لبنان الكبير) احتكموا إلى القضاء اللبناني ( بروز أحكام صادرة عامي 1927 و 1936) و دفعوا الضرائب في الدوائر اللبنانية سنة 1933 إضافة إلى توفر خرائط (فرنسية 1932 و 1943 و ألمانية) مشفوعة بقرار (318) للجنرال غورو أعتبرها بموجبه جزءاً من قضاء حاصبيا. ناهيك بتفنيد و تعليل مستندات ومواثيق أخرى أثارها في دراسة مشتركة، قُدّمت لرئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة، الدكتور عصام خليفة و الدكتور شفيق المصري و المحامي في القانون الدولي ميشال تويني، الذين خلصوا إلى توصيات و تدابير و سندات قانونية تؤول، في رأيهم، إلى إثبات الهوية اللبنانية للمزارع لدى الأمم المتحدة فتستعاد سلمياً إرتكازاً على الحق و القانون دون المساس بإتفاق الهدنة الساري المفعول منذ عقده مع إسرائيل سنة 1949.

5) استكمال البحث في شأن تناقض سلاح "حزب الله" مع القرار الدولي 1559 و اتفاق الطائف، و النقاش حول جدواه و تلاؤمه و ائتلافه مع سيادة الدولة و توطيد الأمن و ترسيخ الإستقرار و كسر الطوق عن الفئات العلمانية المكبوتة، لإعتماد الحلول الناجعة التي تضمن حرية التعبير و المبادرة و تكفل الإنصاف و التكافؤ و تنعش الإطمئنان إلى الغد. و متى استتبّ النجاح، يتنشّط الإستثمار و يحيا الإقتصاد و ينحسر شبح الفقر و يتبدّد هاجس الهجرة.

6) متابعة درس الخيارات الفضلى لحل أزمة تداول الحكم الناشئة عن الضغوط الهائلة التي مارسها النظام السوري على أعضاء المجلس النيابي السابق لتعديل الدستور ( تكراراً لسابقة مشؤومة) و تمديد ولاية رئيس الجمهورية ثلاث سنوات، غداة إصدار قرار مجلس الأمن الدولي 1559 الذي نصّ على التقيّد بأحكام الدستور صوناً لسياق التغيير الديمقراطي و حفظاً لمقام الرئاسة.
و فيما كان الإنتباه مسلّطاً على أقطاب الحوار إلتمع تأزّم مصدره مجلس نقاش الهيئة الوطنية الخاصة بقانون الإنتخابات النيابية. إذ انسحب المحاميان ميشال ثابت و زياد بارود للتعبير عن إحباطهما و رفضهما المراوحة بين صيغ للقانون متناقضة، فصرّحا بما يلي:
"منعا لأي تأويل، وبعد انقضاء المهلة – الممددة – التي حددها مجلس الوزراء للهيئة الوطنية الخاصة بقانون الانتخابات النيابية.
ولما كنا قد قبلنا المهمة الموكولة الينا، اعتقادا منا بأن هذه اللجنة برئيسها واعضائها مؤهلة لتحقيق المهمة على دقتها وصعوبتها وتعقيداتها.
ولما كنــــــا قد شـــاركنا مدى ستة اشهر ونصف شهر في مداولات الهيئة، وقــــدمنا ما امكن من مساهمات في النظام الانتخابي وتطوير آليات الاقتراع، وانشاء هيئة مستـــــقلة للانتخابات، واشراك اللبنانيين غير المقيمين في التصويت وتفعيل تمثيل المرأة والشباب، وتنظيم الاعلام الانتخابي وضبط النفقات الانتخابية.
وبما ان الهيئة الوطنية رغم النيات الحسنة لرئيسها واعضائها كافة، لم تتمكن من التوصل الى رؤية مشتركة جامعة لتقسيم الدوائر الانتخابية بما يضمن فاعلية التمثيل وصحته لمختلف فئات الشعب اللبناني.
وبما ان التحفظ والمخالفة والاعتراض لم تعد تجدي، في ظل تعدد المشاريع المتناقضة موضوع التداول، ورغبة منا في عدم عرقلة عمل الهيئة، نعلن انسحابنا من عضوية هذه الهيئة، متمنين لها التوفيق في مهمتها وعدم الاكتفاء بتسويات لا تلبي طموحات المواطنين، ولا تفضي الى الغاية التي من اجلها انشئت هذه الهيئة".

و تسرًبت معلومات عن صيغة اعتمد فيها مبدأ نسبية احتساب عدد الأصوات و تأهيل المرشح على مستوى القضاء في ظل تقسيم لبنان إلى 9 دوائر إنتخابية، تزمع اللجنة على عرضه على الحكومة كخيار مفضّل على مثيل لا يختلف في المضمون عنه إلا من ناحية عدد الدوائر و هو 13 دون الحاجة إلى تعقيدات التأهيل على مستوى القضاء.
و يظهر جلياً أن القانون الذي يصغّر الدوائر يحسّن دقّة و أمانة التمثيل. و من يشرئبّ لمعاكسة هذا المنحى يسعى بوقاحة إلى اختزال تمثيل جماعات أصيلة هي من صلب تكوين الوطن.
أما طلب اللجنة من الحكومة تعيين بديلين فلا يليق بموقع رئيسها و أعضائها لأنه ينمّ عن إهمال وعدم اكتراث لرأي خبير و حكيم و منزّه حظي بتأييد شامل من فرقاء لا يستهان بدورهم.
تترافد عوامل التشنّج و التأزّم لتلقي بأحمالها على الهمّ المعيشي الذي يسحق كافة المواطنين. إنّه و إن تُشكر الحكومة على إعداد الكثير من المشاريع الإصلاحية تمهيداً لعرضها على الدول الداعمة للبنان لترصد المبالغ الكافية لتمويلها خلال مؤتمر بيروت-1 الموعود، لا يغفل المراقب بطءأ و تقصيراً في تأهيل و ترشيد مؤسساتها لجعلها مربحة. هل يا ترى تكرّس الحكومة جهداً كافياً "للتنقيّب" عن مصادر دخل مجزية تغني المواطن عن لحس مبرد الضرائب، فتضخّه في عروق الدورة الإقتصادية مشاريع منتجة تؤمن لكل فرد عملاً مناسباً و عيشاً كريماً؟ لا شكّ أنّ باستطاعتها بذل المزيد. واجب عليها إيلاء التربية و الصحة عناية فائقة. فالعقل السليم في الجسم السليم و الغذاء السليم و الإعداد السليم. ألمطلوب تحصيل معرفة و ثقافة و مهارات منفتحة الآفاق تلبّي طموحات طلابها و حاجات سوق العمل. أما صمّام الأمان لتفعيل هذه الطاقات بشكل منتج و بنّاء، فهو التربية الوطنية الصافية التي تطهّر العائلات و العشائر و الملل و الأحزاب من أدرانها و تذيب فواصلها لصالح حزب واحد هو حزب الوطن. و لأجل تأمين الغذاء يجدر بالحكومة دعم قطاعات الزراعة و الصناعة و الخدمات على صعيد استحضار الخبرات و توفير المهارات و الوسائل اللازمة لتجويد الإنتاج و تخفيض الكلفة، و على صعيد تأمين اسواق لتصريف الإنتاج. كذلك يقع على عاتقها إتاحة الفرصة لصغار المدخرين كي يشتروا بمبالغهم المتواضعة سندات الخزينة و أسهماً في المؤسسات الرسمية الحيوية المنْوي بيعها. و لا يغيب عن البال أن السياحة هي بترول لبنان بانتظار تدفّق السائل الأسود المخزون تحت قعر مياهه الإقليمية. و في أي حال، لا يجوز أن يُترك اللبناني فريسة ينهشها العوز، فيضطر إلى بيع أملاكه بأبخث الأثمان و ييأس ثم يهجر وطنه. فيما لو ساد الإستقرار و توطّد الأمان توافدت الإستثمارات متزاحمة و تنشّط الإقتصاد و غزر الإنتاج و لفاض مدخول السياحة وحدها عن متطلبات حياة باذخة ينعم بها كل اللبنانيين.
يأنس اللبنانيون متى تلاقوا في محافل الأفراح و الأتراح كما في مجالس الحوار الشيّقة و المفيدة. لكن كي نجدّد استحقاقنا ميدالية النموذج الفذّ للتواصل الإنساني و الحضاري، يجب أن نخصّص الوطن بحيّز كبيرفي وجداننا و ضميرنا. بالصحوة الوطنية نستفيق من خدر التقوقع في الشرانق و نخلع أغلفتها لننضم إلى موكب الخدمة الوطنية. فلِيسْعَ كل منا في إعلاء شأن الوطن و ِليسْهم في زيادة رصيده، و لنُخْسِئ من يحطّ من قدْره و نكفّ يد من يغرف و يبذّر من حسابه. دعونا نتفاءل بالخير و نعمل له، و على درب كفاحنا لا بدّ أن نجده.

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

١٤.٢.٠٦

لِنَحْمِ الوطن من الأنواء

حميد عواد*


صحيح أن حركة التطور البشري قد تقسو على الإنسانية إذا ما كَبَتْ خلال إندفاعها الآلي المجرد من الإحساس و العاطفة.

لكن هذا لا يبرر النأي عنها و الإعتكاف في عزلة متوحشة تُحقن فيها العقول، حتى الجنون، بمشاعرالعداء و الكره و التشفي الجامحة ضد من لم يلتحق بسرب الإرتداد الرجعي إلى عصور البداوة الجاهلية.

في عصر الإنفتاح على كل الآفاق و التواصل الدائم، يُصدم المرء ل" اكتشاف" جماعات تخلّفت عن الركب الحضاري لتنحجر في كهوف تمارس فيها طقوساً هجينة، تغادرها بهدف "الإغارة" على "العالم الخارجي" لتعود بعد "إتمام المهمة" فتنكفئ إلى مغاورها.

نموذج جديد عن هكذا "غارة" تمّ على القنصلية الدانماركية الواقعة في منطقة الأشرفية، استكمالاً لما جرى في دمشق اليوم السابق حيث حُرقت سفارتا الدانمارك و النروج والسفارة التشيلية الواقعة بينهما.

لكن حلفاء النظام السوري و "رسله"، من "المعتزلة" "المفخخي العقول" الذين "خاضوا غمار" تظاهرة الأشرفية، تمادوا في لبنان و وسّعوا نطاق تخريبهم و استفزازهم.

فشملوا رجال الأمن و مركباتهم و أهل المحلة و أملاكهم إضافة إلى دور للعبادة.

بلغ هذا الإنحراف حداً معيباً و محرجاً دفع معه فرقاء أساسيين للتنصل من مسؤولية تحول مجرى التظاهرة.

تحمّل أبناء الأشرفية الأبرار الأذية بصبر و أبوا الإنجرار إلى مواجهة مع الرعاع ففوّتوا عليهم فرصة افتعال فتنة و استحقوا إعجاب الجميع بحكمتهم و تقديرهم لترفعهم.

و لوضع بعض النقاط على الحروف نشير إلى أن عدم استساغة تعدي حرية التعبير ضوابط الموضوعية و الإتزان و اللياقة و التهذيب و حصر الذنب بمرتكبه دون تعميمه، لا تجيز الرد على الرأي، مهما كان خبيثاً، بالغوغاء و التخريب و الإعتداء.

إلا إذا شاء الفوضويون تبرير التهم الموصوم بها قوم ظلموا بجريرتهم.

فالرأي العائب يسيئ إلى صاحبه أدبياً قبل النيل من غيره حتى و لو لم يطله القانون، أما العمل المؤذي فيدين فاعله معنوياً و مادياً بقوة القانون.

تبدو هذه الجولة من التعكير الأمني و خضّ المزاج العام و استدراج الصدامات كحلقة جديدة مرتبطة بسلسلة التعديات و الإغتيالات الشنيعة السابقة.

فالهدف واحد و هو الإنتقام من طلائع المدّ الإستقلالي و بثّ الذعر و الفوضى وترويع المواطنين و زعزعة استقرار لبنان لإظهاره هشاً و ضعيفاً بنأيه عن هيمنة محور التحالف السوري – الإيراني و توابعه.

في غمرة تصدي هذا المحور للعزلة الدولية ينتصر له حلفاؤه في لبنان و في المنطقة.

لذلك يطالب المؤمنون بلبنان وطناً حراً، سيداً، عزيزاً، مستقلاً و مستقراً، بصوت واحد مع المجتمع الدولي، أقطاب المحور و أطرافه بالكفّ عن تكرار محاولاتهم إغتصاب إرادتهم و إحباط عزيمتهم و العبث بأمنهم.

و يحذرونهم من مغبة الإصرار على اختراق لبنان لإبقائه ميداناً لصراع مستديم مع إسرائيل و منطلقاً لممارسة الضغوط لإبتزاز مآرب غريبة و لو غُلّفت أحياناً بمطلب وطني.

إن التجاذب الذي يتنازع لبنان يحتّم على أحراره، الناشطين في حماية سيادته و صون استقلاله و الحريصين على تقدم مسيرته و نمو قدراته، أن يعوا ضرر و عقم المعارك الإنتخابية في الظرف الحالي.

وأن ينصرفوا إلى توحيد جهودهم و تنسيق أدوارهم و حماية منجزاتهم أولاً.

ثم يتوجهوا بعدها ككتلة متراصة إلى مشتتي الولاءات ليقنعوهم بالتزام صريح و صادق النية بأحقية المصلحة الوطنية العليا الواضحة المعالم و المجردة من الأغراض المبطنة التي تغشوا نصاعتها بالإلتباسات.

لم يعد الوطن قادراً على تحمل الإستنزاف المادي و البشري.

و إذا كان فريق ما قادراً على الصمود لتزوّده بمؤن تمدّه بها دولة ما تحبّذ إطالة أمد الصراع مع إسرائيل، فالمواطنية الصالحة لا ترتضي إغفال معاناة الآخرين من أبناء الوطن.

لا يغيبنّ عن بال اللبنانيين أن المجتمع الدولي التفّ موحداً حول سبل إنهاض لبنان من كبوته، و اتخذ القرارات التي شقّت درب استعادة قراره و سيادته و استقلاله، و شكلت لجنة تحقيق دولية بذلت جهوداً جبارة لكشف خيوط حبكة جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري.

و قد أفصح المحقق برامرتس الذي خلف ميليس عن دنو موعد إصدار مضبطة الإتهام بحق من يشتبه بضلوعهم فيها تمهيداً لإحالتهم على المحاكمة.

لذلك فإن أي إنقلاب على القرارات الدولية هو انقلاب على الوطن و طعنة في صميم الذين ناضلوا من أجل حريته و هو تحقير لذكرى شهداء استقلاله و في طليعتهم من نحيي ذكرى استشهاده بعد يومين، الرئيس رفيق الحريري.

الحكمة تملي علينا التحسب للمستجدات و إقفال الأبواب و النوافذ في وجه الرياح العاتية.

فإذا غرق النظام السوري في لجج الرمال المتحركة لتورطه في إرتكاب الجريمة الشنعاء، لا يجوز لأحد قطع الطريق لإعاقة سريان العدالة.

و إذا تأزمت علاقة إيران مع المجتمع الدولي عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية و مجلس الأمن بسبب قضية تخصيب اليورانيوم، لا يجوز زجّ لبنان في خضمّ هذا الصراع.

المطلوب السعي الدؤوب و المخلص لترسيخ مقومات الدولة الديمقراطية السيّدة و العادلة و الأمينة و الموثوقة و القوية و القادرة و الفاعلة و المنتجة.

و المطلوب تخصيب وشائج المحبة و الإنسجام و التعاضد بين اللبنانيين بتنشئتهم على اعتناق قيم المواطنية الصالحة و تمتين الولاء للوطن بعرى أوثق و أقوى من اي ارتباط.

و المطلوب إدراك إهمية الحفاظ على فرادة لبنان كحاضن للحضارات و الأديان و مستوعب لتفاعلها و محوّل لطاقاتها و مصدّر لخيراتها.

فأمانة للتاريخ و شهادة لإستحقاقنا دعونا نحفظ تراث وطن الأرز الشامخ لنا و لبنينا بعدنا.

* مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

٦.١.٠٦

لبنان بين استقرار مُدوّل و زعزعة إقليمية

* حميد عواد

سنة 2005 مضرّجة بدماء شهداء الحرية، لكنها مكلّلة بتاج الكرامة و السيادة و الإستقلال المستعاد.
صفحاتها مجبولة بعرق و دموع الأبطال الجارية بغزارة من روافد نضال السنين الماضية:
بعيونهم قاوموا المخرز، بثباتهم و قوة شكيمتهم اسقطوا الأصنام، و بتوقّد إيمانهم الوطني أزاحوا جبلاً من الهيمنة الهمجية عن صدر الوطن.
تغيّر الترقيم الزمني، لكن أنظار اللبنانيين ما زالت شاخصة تترقّب اكتمال مراحل مسيرة الخلاص الوطني المنطبعة في وجدانهم كروزنامة الرجاء المأمول.
هذه الروزنامة صاغتها تضحيات اللبنانيين و رقّمتها قرارات ( 1559، 1595، 1636، 1644....) مجلس أمن المجتمع الدولي الجادّ في مساعدة لبنان على التعافي دون كلل أو ملل.
النهوض بلبنان ورشة تنكّبها أبناؤه الأبرار و إلتزام تَوافقَ على إلحاحه أوروبا و أميركا فإنكبّتا على توفير سبل الدعم و إزالة العوائق من دربها و الإجتهاد في بلورة تنفيذها.
إحدى أعتى العبقات التي تقلق المجتمع الدولي و تنغّص عيش اللبنانيين الشرفاء و تثير سخطهم أكثر مما ترعبهم هي موجة التفجيرات الإرهابية التي استهدفت إغتيال أعلام رائدة في الحياة الوطنية و ابتغت زعزعة استقرار الآمنين، فغيّبت أرواح عزيزة و خلّفت الدمار.
و فيما شهدت لجنة التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ركوداً ملحوظاً في فترة الأعياد الإنتقالية من ميليس إلى براميرتس، حرّك نشاطها بزخم نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام عندما أفصح للإعلام عن"مقتطفات" من شهادة مفصّلة يزمع على الإدلاء بها لها. و في الأفق يصطفّ العديد من المسؤولين السوريين السابقين، ممن نجوا من "هاجس مراودة" تجربة "الإنتحار"، ينتظرون دورهم.
و هكذا صدّق ركن سابق من أركان النظام السوري صحّة معلومات التحقيق و أكّد أنّ رأس الهرم هو سيّد كل قرار.
و سرعان ما طلبت اللجنة الإستماع إلى خدام و الوزير فاروق الشرع و الرئيس بشّار الأسد.
بشهادة خدام، التي تكتسب أهمية قصوى لأنه كان في سدة المسؤولية ما يزيد عن ثلث قرن وما تركها إلا منذ أقل من سنة، تتطابق معلومات أربعة مصادر:
1) النتائج الموثقة في التحقيق، 2) خدام، 3) أسرة الحريري و المؤتمنون على اسرارها، 4) معرفة الناس للظروف الميدانية، حيث كانت "عيون" المخبرين راصدة مواكب المستهدفين و "آذانهم" متنصّتة إلى أحاديثهم على مدار الساعة.
و هاك عيّنة من صورالمخبر هسام هسام تضبطه يظهر في موقع إنفجار إغتيل فيه شخصية مرموقة. فعسى أن توصي لجنة التحقيق الدولية القضاء اللبناني بإصدار مذكرة جلب لإستحضاره قبل اختفائه و "تواريه" إلى "ملاذ" رنا السحري.
في غمرة هذه الحيثيات يهبّ حلفاء النظام السوري في لبنان لنقض الإشتباه الإجماعي به بطرح قرينة براءته، و لتخوين المكتوين بنار الإجرام و المشيرين إليه بأصابع الإتّهام، و ذلك في معرض ردّ معروف "الأفضال" التي "مَنَّ" بها عليهم.
و الممثلون في الحكم منهم سحبوا وزراءهم إعتراضاً على طلب مجلس الوزراء من مجلس الأمن توسيع مهام التحقيق، لتشمل الجرائم الإرهابية المرتكبة في لبنان بدءاً من محاولة اغتيال الوزير مروان حماده، و تشكيل محكمة ذات طابع دولي للنظر في هذه الجرائم.
مطلبهم الأساسي، التعجيزي و المستحيل، هو "دفن" الشق الثاني من قرار مجلس الأمن 1559، يطرحونه شرطاً لرفع العراقيل من درب العمل الحكومي و جواز تأييد لعبور أي طامح لتبوؤ مهام الرئاسة. و "حدسهم" ينبئهم أنّ مكائد الإغتيال لن تتوقف إلا إذا استجيبت مطالبهم المتداخلة مع مطالب مرجعيّتهم الإقليميّتين!!!
تندرج تدابيرهم و مواقفهم، المنسّقة إقليمياً بإحكام، في سياق إحباط الجهود الدولية لتمتين منعة لبنان و الرهان على هدر الوقت هباءً أملاً في قلب المعادلة الحالية وصولاً إلى إنكفاء العزيمة الدولية وعدولها عن تزكية و دعم التغييرات الديمقراطية في الشرق الأوسط.
كما ينبع أيضاً من الخوف من فضح ترابط شبكات التخريب و الإرهاب و تحدّرها من أنظمة إقليمية و كشف شبكة أنفاقها التي تستودع فيها الإسلحة و المتفجرات و السيارات المسروقة و جوازات السفر المسروقة من الأمن العام.
و لتنشيط حركة خطوط التنسيق "اللوجستي" بين أطراف هذه الشبكات، خُرقت من جديد الحدود اللبنانية-السورية فأُعيد فتح الطريق العسكرية (لا يخضع عابروها لأي تفتيش) و أُحدثت ثغرات في نقاط حدودية، بينها دير العشائر و حتى المصنع.
و "تكذيبا"ً للوقائع، ينكر منزّهو النظام السوري على اللبنانيين قلقهم من الإحتفاظ بالسلاح خارج سلطة الدولة، التي نزعوا عنها مهمة حماية الوطن لإلقائها على عاتقهم و احتكارها.
و من يحرص على حماية الوطن بنيّة صادقة و ولاء كامل ينأى بنفسه و بلبنان عن مرمى و مجاري تيارات التعصّب و التصلّب و الإنغلاق السلفية المتزمتة، أياً كان انتماؤها المذهبي و منبعها، و يدعم الجيش اللبناني الذي هو الدرع الواقي لكامل الوطن.
المشكلة لدى هؤلاء الفرقاء أنهم لا يتقبّلون النظام الديمقراطي البرلماني الحر في قرارتهم لذلك يسعون إلى "تشذيبه" و "تطعيمه" بكيانات- مقتبسة من الأنظمة الهجينة التي ترعاهم- تعطّل عمله و تمتصّ فاعليته و تستهلك عافيته.
و من هذه البدع قضية حمل السلاح خارج الإطار الشرعي من قبل فصائل لبنانية و فلسطينية و زنديقية، متنوعة الولاءات، تتحصن في معاقل موّزعة على مدى مساحة الوطن.
و "إثباتا"ً لجدوى الإنفلاش هذا شنّ، منذ أيام، أحد "ضيوف" هذه المعاقل "حربه" مطلقاً الصواريخ جنوباً، و من "المنصّة اللبنانية" خارج شبعا، في "غفلة" من راصدي الحدود.
ولولا الجهود الدولية لإحتواء مفاعيل الحادث لَتفاقم الوضع إلى عواقب وخيمة.
و بالمناسبة و قطعاً لطريق التوطين يتساءل اللبنانيون: أليس بالإمكان تعاون الدول العربية مع السلطة الفلسطينية لتأمين نقل الفلسطينيين من لبنان؟
و عطفاً على دلائل تدفق السلاح لفت نظري خبر مقتل رجل في منطقة البيّاض تبيّن من التحقيق أن الرشاش، أداة الجريمة، اُعطي للجاني من مسؤول تنظيم مسلًح لبناني في تلك المنطقة منذ أشهر.
السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: ألا يشكّل هذا الإقرار إخباراً كافياً لإعتقال "المسؤول" التنظيمي و فتح تحقيق لمعرفة على أي نطاق جرى توزيع السلاح و لأي هدف؟
الحريصون على استقرار لبنان و أمنه هم صفوة أبنائه، رصيدهم الفكر و ذخيرتهم المعرفة و محرّكهم الإخلاص للوطن.
يحاورون بالكلمة الصادقة و الصريحة و يقارعون بالحجّة المنطقية و ليس بقرقعة السلاح و عصف الإنفجارات و قذف مصير الوطن بحشوة صاروخ أو مدفع.
يدركون فداحة الخسارة و يقدّرون قيمة الوقت و يحسّون بإلحاح الحاجة إلى السلام و يتوقون إلى تعويض الفرص الضائعة.
ينخرطون بشغف في مشاريع التنمية و يدعمون تنقية مؤسسات و أجهزة الدولة من رواسب حقبة الهيمنة الإستبدادية المروّعة المنحسرة – التي ما تزال تجرّ ذيولها-، و يضخّون انعاشاً شاملاً للحياة الديمقراطية في أوردة الوطن و إعادة اعتبار كاملة لحقوق أهله، و إلتزاماً صادقاً بالولاء له.
يشجّعون التعاون الوثيق بين حكومتهم و المجتمع الدولي ، لأنه السبيل السليم و المجدي إلى حل المشاكل الشائكة، و يسعون إلى إبرام ضمانات تقي لبنان شرّ الإعتداءات عليه أو الإنتهاكات لسيادته.
و هم يزخّمون هذه الجهود المشتركة لتوطيد سلطات الدولة و ترسيخ أهمية موقع لبنان، و دفعه قدماً نحو الرقي و الإزدهار.
إن قوس قزح الأطياف اللبنانية جميل بتنوّع و تناسق ألوانه - و لو اعترته بعض العيوب-، و كلما إلتمع في صلب النسيج الوطني، لا يلبث أن يستحيل حزمة ضوء** نقية و كاشفة لدرب المستقبل الواعد، متى تآلفت موجاته على إيقاع خدمة المصالح الوطنية العليا و فخر الإنتماء و الولاء لوطن الأرز.

**علمياً قوس قزح هو فرز لموجات ضوء الشمس ( خطر لي هذا التشبيه خلال كتابة مقالة سابقة عنوانها "شتّان بين التغريد الأصيل...." فأوردته فيها)

*مهندس وأكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

١٩.١٢.٠٥

"صيد" آثِم بعد "إنذار" لاغِم:الجسد أشلاء أما الفكر فضياء

حميد عواد*


قرار مجلس الأمن 1559هو إعلان بليغ لإحياء قيم الديمقراطية و حقوق الإنسان في لبنان، و هو فاتحة خير و أمل لنهوض الوطن على مناكب أحراره الذين بذلوا و ما أحجموا عن نفيس العطاء و جليل التضحيات.

كما هو باكورة اهتمام دولي جدّي و حثيث بإقصاء يد التخريب لتمكين تضافر الإرادات الخيرة و تعاون أصحابها على إرساء أسس الرسالة التي نُذر لها لبنان.

و تصديقاً لنيّة المجتمع الدولي وتأكيداً لعزمه و تنفيذاً لقراره، بدا مجلس الأمن و كأنه في حالة انعقاد دائم ليبتكر الحلول و يدعم انعاش دورة الحياة الديمقراطية و يواكب انسيابها عن كثب و يراقب تطور الأوضاع في لبنان و يصدر القرارات المناسبة بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية.

فأصدر تباعاً قرارات تتناسب مع ضخامة الأحداث: 1595 و 1636 و 1644.
راهن النظام السوري على احتشاد "رعاياه" و"اللصيقين" به في مسيرة 8 آذار للإلتفاف على أو الطعن ب"شعبية" القرار 1559.

لكن سيلاً بشرياً هادراً تدفق في 14 آذار من منابع العزة و العنفوان المنتشرة في رحاب الوطن و كسف، بتوهج مهابته و نقائه و أصالته و تشعبه، طفرة 8 آذار و أثبت أن شعب لبنان في صميمه متعطش للحقيقة و تائق أبداً إلى الحرية و السيادة و الإستقلال.

هذا الزخم الوطني المشبع بنضالات جيل التيار السيادي و المشفوع بالقرار الدولي 1559 و المتضخم المنسوب منذ اغتيال الرئيس الحريري أجبر النظام السوري على إجلاء جيشه و "واجهة" مخابراته عن لبنان، لكن على مضض.

فسلوكه و تلكؤه في تنفيذ القرارات الدولية ينبئ عن تحيّنه لفرص يعزز فيها "مواطئ أقدامه" في لبنان تمهيداً لتكرار محاولة ابتلاعه.

و لهذه الغاية يحرّك فيه "مواقع مفخخة"، ساهم في إنشائها، لتبديد الضغوط كلما اشتدت عليه و لتوظيف "خدماتها" في النيل ممن أحبط مخططات هيمنته و هيمنة حلفائه و أعوانه على لبنان.

يجمع هذا التكتل على تحويل لبنان ميداناً، مجرّداً من مقومات الدولة، مباحاً للمغامرات العسكرية، و مشرّعاً لأطماع و نفوذ الأنظمة الهجينة المتخلفة، لتختطفه رهينة لإبتزاز المكاسب ، و تجعله سجناًً لأسر الأحرار و مقبرة جماعية لوأد الفكر الحر.

لذلك نراهم يشرئبّون معترضن الدعم الدولي و يشككون بمقاصده و "يجتهدون" في تصنيفه ليصوروه هيمنة بغيضة لا "ترقى" إلى "نبل " مرتبة هيمنة مرجعياتهم.

و الذعر المشترك من "الخرق" الحضاري يدفع بجوقة الأنظمة البائدة إلى شدّ أزر بعضها البعض و إلى إطلاق التهديدات العشوائية من المنابر و إلى سفك دماء "الخصوم" بتفجير الرزم و المركبات المفخخة.

لذا نسمع "مكبّرات الصوت" تردد التهديدات و نشهد "دوزنة لإيقاع" التفجيرات، "تتناغم" مع وتيرة ارتعادات الغضب و الذعر.

و بلغت عبقرية الإبتكار حداً، أصطُنع معه محاولة اغتيال مزعومة تشير تلقائياً إلى جهة معينة أملاً في إبراز "نشاط" مشبوه "آخر"، يشيح النظر عن المشبوه الأساسي في سلسلة الإغتيالات التي عصفت بلبنان. توقيت هذا الحدث كان كنذير يمهّد لإرتكاب جريمة إغتيال النائب جبران تويني، المدير العام ل"النهار" و أحد الأقطاب الإعلامية البارزة بين طلائع المناضلين في سبيل حرية و ديقراطية و سيادة و استقلال لبنان.

حمل الشهيد حب لبنان في قلبه و وجدانه و حاكه مقالات بليغة في صفحات "النهار"، المنبر المرموق من القراء و الجذاب لنخب رجال الفكر، و صاغه جوهرة في المنتديات العالمية و بشّر بقيم الحرية و الإنفتاح و العدالة و الديمقراطية، و شنّ بجرأة لا تضاهى حملات شعواء على هيمنة النظام السوري على لبنان طالت مباشرة اركانه، و انتقد بصرامة بيادقه الذين تواطؤوا معه في ترويع المواطنين و تورطوا في التنكيل بالعاصين عليه، ليتكافؤوا حصصاً مختلسة من الموجودات والمداخيل و الديون.

شاء جبران أن يكون قائداً قدوة لشباب وطنه، فانطلق بنشاط لا يستكين يحفّزهم على الإنخراط الفاعل في الحياة الوطنية ليشكلوا "حكومة ظل"، و لاقاهم في المنتديات و خصّهم ب"ملحق الشباب" في "النهار" و ساهم في دفع مسيرة نضالهم في زمن القمع حتى نضج "ثورة الأرز".

"حتى الصوت يوّدّي" أبعد، أطلقه جبران عالياً بصريح العبارات الدالّة و قوّى "بثّ" "النهار" باستضافة كتاب سوريين و عرب متنورين.

أبرز هؤلاء، بين المعارضين لنظامهم، أطلّوا من منبر "النهار" و عبروا عن آرائهم في الإصلاح المرتجى في سوريا و عن تصحيح العلاقات مع لبنان، فاعتبر النظام السوري المدير العام ل"النهار" مناوئاً لدوداً، و كان نصيب بعض هؤلاء الكتاب السجن، أمّا نصيب نصيرالحق و راعي الرأي الحر جبران ابن غسّان تويني، فكان الإستشهاد على مثال جدّه المؤسس جبران.

إثر تبلغه خبر الفاجعة، اضطر الأب- المفكر الفذّ و العريق، و الركن السياسي الحكيم والخبير، وعميد الصحافة الحرة، و الديبلوماسي المحنّك و المتفوق- إلى الهرع من فرنسا بعد مراسم تكريمه (وسام جوقة الشرف برتبة ضابط) إلى مراسم دفن آخر أبنائه العائد لتوّه من هناك!

"شُطب" اسم الشهيد جبران تويني من لائحة "المرشحين" للإغتيال ليكتب بأحرف من ذهب في قائمة شرف أسمى التضحيات المبذولة في سبيل عزة لبنان، المدوّنة في سجلّ تاريخه و المحفوظة في ذاكرة الأجيال تخليداً لعطائه و تفانيه.

لا يتّسع عقل المجرمين للغة الحوار و لا يتقنون سوى القتل. عجزوا عن مقارعة جبران بالحجج فمزقوا جسده أشلاء ليشفوا غليلهم، لكنهم ما محوا كلماته و لا ألغوا فكره و لا طمسوا منجزاته.

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

٥.١٢.٠٥

شتّان بين التغريد الأصيل و ترديد الهديل الناشز

حميد عواد*


عادت "الحمامة الزاجلة" هسام هسام إلى "قنّها"، بعد "تسكّعها" على "نوافذ" إعلاميين و تطفّلها على بعض المراجع و "تحرّشها" بلجنة التحقيق الدولية، المولجة كشف حقيقة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، و تبليغها الرسائل "العنقودية" المفخخة التي لُقِّنتها في "عشّها"، لتحاول تفجيرها عن بعد، عبر موجات الأثير، للطعن بمصداقية تقرير ديتلف ميليس.

و كأنّ هذا التقرير بصلبه و رمّته مبني على ادعاءات هسام، فيما هو حصيلة جهود جبّارة بذلها طاقم من النخب العالمية (100 من الإخصائيين مدعومين بأحدث التجهيزات و 40 من القضاة) المشهودي الخبرة و المعرفة الذين تمحّصوا في معلومات مئات (500) من الشهود و آلاف (60000) من الوثائق و الأدلة.

و التوسع في التحقيق ما زال جارياً و سيبلغ ذروته قريباً في جنيف، خلال "الإستماع" إلى أجوبة 5 ممن كانوا من "صنّاع الأحداث" في لبنان.

إن مجرّد عودة هسام إلى بلده سوريا مطمئنّاً و "ظافراً" من مهمّة "عرض بضاعته" "الفوّارة" هو دليل قاطع على أنه لم يكن "منشقّاً" و أن ما قام به هو مسرحية معدّة سلفاً.

إنها محاولة طريفة للتشويش على مجرى التحقيق تُساق مع جملة مناورات يعمد إليها النظام السوري للتنصّل من أحكام القرار 1636 و لتجنّب "شرب كأس" إجراء تحقيق عميق و دقيق، طليق من "الضوابط"، مع أركان مخابراته.

الحقيقة لا يمكن تجاهلها أو طمسها أو تشويهها، و التعاون من أجل كشفها يصبّ في مصلحة كل بريء اتُّهم خطأً أو افتراءً.

و طالما لا يعقل أن يشكك النظام السوري في التحقيق الدولي ظناً منه أنه على صورة و مثال التحقيقات التي يجريها محققوه، فلماذا إذن الخوف و التطيّر من تحقيق جدّي و نزيه متعدد الجنسيات و المهارات؟

و لماذا التسويف و المراوغة؟

و لماذا الخروج عن طور الإتزان و القول إن من لم يكن "عبداً" لنا فهو "عبد" لغيرنا؟

و لماذا استنفار "مكبرات الصوت" داخل لبنان و "استيلاد" "مواكبة نارية" "ضخمة" على الحدود كادت تشعل حرباً نزع فتيلها و طوّقها مسعى دولي؟

و لماذا تعليق هوية مزارع شبعا ضائعة بين حلاوة الكلام و حجب وثائق ترسيم الحدود؟

هل هو شغف بهوس "نيرون"؟ أم هي رقصة الطائر المذبوح؟

المجتمع الدولي مع غالبية اللبنانيين و السوريين يتمنون لو يتمكن النظام السوري من فكّ قيوده و خلع ذهنية الإستبداد و نهج الترويع و إنقاذ نفسه بالإنفتاح على شعبه و الإنطلاق به نحو رحاب الحرية و الإبداع و الإزدهار.

و نظراً للمنحى الخطر الذي يسلكه هذا النظام حالياً لا بدّ من تحذيره من مغبة العبث بأمن لبنان و توجيه النصح لحلفائه عندنا بتقديم المصلحة الوطنية على أي هوى آخر.

فاللبنانيون بأمس الحاجة إلى الأمن و الإستقرار و تركيز الجهود البناءة و منع إحباطها كما الإستفادة من الفرص الملائمة و الإقلاع عن هدرها.

و معيار التوافق الوطني لن يكون بالتنكّر لحقوق اللبنانيين في معرض خدمة أهداف الآخرين المسيئة إلى الوطن.

الإحتفاظ بالسلاح خارج سلطة مؤسسات الدولة هو نذير بتقويضها مهما كانت المبررات و هو استضعاف للعُزًل و وسيلة ضغط تمارس عليهم لترجيح كفة حامله، بصرف النظر عن وجهة تسديد فوّهته.

و لتعزيز الطمأنينة و رفع "وزر" حمل السلاح عن كاهل المتمسكين به، ندعو المجتمع الدولي إلى تعزيز قدرات لبنان الدفاعية و تشكيل مظلة أمنية واقية تحظّر و تردع أي نوع من الإعتداءات عليه.

لا مناص من الإلتزام بما لم ينفذ بعد من القرار الدولي 1559، فقد برِم روّاد الإستقلال اللبنانيون من الإعاقة التي يسببها لهم وكلاء التبعية الذين يحملون سلاحهم ليكونوا ذراعاً ل"حلفائهم" الإقليميين، غير آبهين برغبة شركائهم في المواطنية التائقين إلى الإنعتاق و الإنطلاق والسلام.

إننا نتساءل: حتى متى يستمر " الهديل الناشز خارج السرب" بدل ال"التغريد" في فضاء الولاء للوطن؟ و متى تكتمل الصحوة الوطنية؟

نأمل أن تتّسق الوان الأطياف اللبنانية و أن تتناغم ذبذباتها كأمواج الضوء الشمسي و ألا تُفرز، و أن "تتدوزن" اصوات كل المنشدين في جوقة الإلفة الوطنية على إيقاع النبض الوطني الأصيل!

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

٢٢.١١.٠٥

الإستقلال: وثبة من الديجور إلى النور

حميد عواد*

أراد روّاد النهضة و التحضّر، من اللبنانيين الطامحين، أن يشيّدوا صرحا للثقافة الخلاّقة و مختبراً للديمقراطية في واحة خصبة، و منبراً للفكر المجلّي و معقلاً للحرية الرشيدة و محضناً لنضج و تكريم الإنسان، و موئلاً للوئام النموذجي و محراباً للعدالة النزيهة، فتأنّوا في بناء لبنان.

رسالة المحبة و التنور و الإنفتاح و التسامح هذه، بدل أن تلقى التجاوب الطيب من المحيط القاحل المتعطش للإرتواء، استهدفت بسهام طغاته و فاتحيه على مر العصور.

لقد برهن صفوة اللبنانيين و قدوتهم، عبر تاريخهم الحافل بمحطات التحدي الخطرة في مواجهة العدوان و مقاومة الإحتلال و رأب التصدعات، أنهم متشبثون باستقلال وطنهم و جديرون به.

فقد بذلوا تضحيات جسام بلا حساب، بشجاعة و تفانٍ و صبر وعزّة و إباء، و برعوا في حشد طاقات التصدي للإحتلال و تغلبوا على المكائد و الكبوات بتيقظ الضمير، مزودين بذخيرة التفاهم و التضامن، و مستنيرين بوهج العنفوان و الوفاء المتوقدين في وجدانهم الوطني.

كلما تضافرت الجهود و اتسع نطاق الوفاق، كلما تزخّمت القوة الضاغطة لأبناء الوطن.

المثال الحي على ذلك محطة الأمس الإستقلالية التي أدت إلى الإنعتاق من نير الإحتلال السوري إذ تمّ جلاء الجيش السوري عن أرض لبنان في 26 آذار المنصرم.

تمّ التمهيد لهذه الخطوة المجيدة بمسيرات نضالية شبه دائمة نظمها أبناء التيار السيادي على مدى 15 عاماً حتى أبرمتها الإرادة الدولية في قرار مجلس الأمن 1559.

و ما سرّع بلوغ الهدف هو اتساع المدّ السيادي في خضمّ الغضب الشعبي الذي فجّره وأجّجه إغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، فتدفق السيل البشري في 14 آذار هدّاراً.

لقد بلغنا مرحلة إعادة تثبيت ركائز الإستقلال، فلنحرص على تنقيتها من رواسب التبعية و الإنتهازية التي علقت ببعض النفوس، و لنطهرها من نوايا الرهان على خصب "الخمائر" البشرية النشطة بهدف "طمس" أقانيم التنوع اللبناني المميز الإبداع، و لنميط عنها عمى التقوقع في عزلة بعيداً عن التناغم مع الشركاء و التفاعل مع حركة التطور، و لنجنبها الإنزلاق في زندقة مريبة تنحطّ إلى مستوى خيانة الوطن.

الإستقلال الراسخ هو ضمان لحياة حرة و كريمة و هانئة و زاهرة. و هو يستمدّ قوته من صلابة إيمان المواطن بعظمة وطنه و من قدر الجهد المبذول و العطاء الموفور لتدعيم مناعته.

و لبنان مدعاة فخر و اعتزاز لكل لبناني أصيل و وفيّ. فهو متحف تاريخي و حضاري و جنّة طبيعية غنّاء و تراث فكري و ثقافي غنيّ و مهد لإنسان متوقد و متوثب ضاقت بطموحه الأرض فإنتشر في أقطار الكون حاملاً قيم الشهامة و شغفاً بالمعرفة و ولعاً بالإكتشاف و تعطشاً للعمل المنتج و الخيّر و المجدي. لبنان المتواضع عظيم بمنزلته في سجل التاريخ و بعلو المراتب التي تبوأها أبناؤه.

و الوطن الصغير بمساحته كبير بمقلبيه، قوي بجناحيه المقيم والمغترب. فتناسق حركة الجناحين مكّنه من التحليق مجدداً في أجواء الحرية و الإستقلال.

نحتفل اليوم بذكرى الإستقلال بفرح و حبور و فخر بعد انقطاع لسنوات انقلبت فيها معانيها من عرس إلى مأساة.
فَتَحية إجلال لشهداء الإستقلال الأبطال الذين ما استهابوا الموت كُرمى لإنبعاث الحياة.

و تحية تقدير لكل قائد كرّس نضاله لإستعادة الإستقلال فاضُطهد و ضحّى في سبيله.

والشكر الجزيل لمجموعات الضغط الإغترابية التي صبّت جهوداً حثيثة و مثمرة لنصرة لبنان في المحافل الدولية.

و بورك المناضلون الأباة من أبناء وطني، الذين تحدّوا القمع و التنكيل بجرأة و شجاعة مدهشتين في ساحات المواجهة داخل الوطن، ليحيوا الأمل بالحرية و يدعموا الحق بالإستقلال.

و بعد، إدراكاً منا لأهمية الإستقلال في منعة و استقرار الوطن، و تقديراً للتضحيات التي بُذلت من أجله، لِنقطعْ على انفسنا عهداً و ميثاق شرف بألاّ نفرّط أبداً بهذه الأمانة الغاليةّ!

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

١٣.١١.٠٥

1636: زاد جديد للغوص إلى "قعر" الحقيقة

حميد عواد*


لم يدرك "أسياد" الإستبداد، الذين أطبقوا على الوطن ردحاً من الزمن، استباحوا فيه حقوق أهله بِنَهَم و شراسة و شره، أن المجتمع الدولي سيستفيق، بعد سبات مديد، ليستجيب لإنتفاضة ضحاياهم الأباة و يحزم أمر زجرهم و جلائهم عن موائد عربدتهم.

بدأ الحساب بقرار الكونغرس الأمريكي ( SALSRA ) و أنتقل إلى أروقة الأمم المتحدة، فأصدر مجلس الأمن بِتبنٍ أمريكي-فرنسي-أوروبي قراره المبرم 1559 الذي استوجب سحب الجيش السوري و مخابراته من لبنان و نزع أسلحة المليشيات فأذن ب"قطع أرزاق" – و مصدر قوة و نفوذ- المستأثرين بلبنان و شعبه، فقرروا "قطع عنق" شخصية مرموقة محلياً و دولياً اعتبروها ضالعة في صنع القرار.

ف"استلّوا سيوفهم" و أمروا بإشعال صواعق متفجراتهم ( المحشوّة في هيكل مركبة الميتسوبيشي كانتر المسروقة من اليابان و "المهرّبة" – بتواطؤ من؟- إلى الزبداني فحمّانا ل"تجهيزها") بموكب رئيس الوزراء رفيق الحريري في 14 شباط الماضي "عشقاً" بالتشفي و شبقاً بالإرهاب.

قضى الرفيق و باسل فليحان و 21 آخرون شهداء للوطن على مذبح الحرية و السيادة و الإستقلال. و تقديراً لجسامة الخسارة و دلالة على خطورة مرامي هذه الجريمة الإرهابية التي تتخطى الإطار المحلي لتهدد الإستقرار و الأمن العالميين، أصدر مجلس الأمن قراره 1595، القاضي بتشكيل لجنة تحقيق دولية لكشف شبكة المتورطين فيها، استناداً إلى المعلومات التي وفرتها لجنة استقصاء ترأسها بيتر فيتزجرالد، رئيس الشرطة الإيرلندية.

انتُدب لهذه المهمة الشاقة و المعقدة المحقق البارع ديتليف ميليس رئيساً لفريق من 30 محققاً و ما يقارب 70 خبيراً في مختلف حقول العلم الجنائي، فباشر مهامه في 16 حزيران.

و بعد تنقيب متأنّ و كشف شامل في مسرح الجريمة و فحص دقيق للعينات المأخوذة و إستماع إلى ما يقارب 400 شاهد و تمحيص في عشرات الآلاف (بين 60 و 70 ألفاً) من الوثائق و الأدلة المكتوبة و الصوتية المسجلة و المصورة التي جمعت من أماكن دُهمت، سكنها أو ارتادها مشبوهون و بعد تحليل عميق و ربط منطقي للمعلومات و الوقائع و الأدوار، رست الشبهات على رؤساء الأجهزة الأمنية في لبنان و شركاء لهم من المدنيين عقب جلسات استنطاق طويلة و متكررة، فاعتُقلوا.

و لأنه كان للأمن في لبنان "توأمه" السوري "المتفشّي" ب "العيون" و"الآذان" في كل مكان و مقام، يمسك الأزمّة و يوزع الأدوار و الحصص و يضبط إيقاع حياة الناس على جرْس نزواته حتى آخر لحظة سبقت انسحابه مع جيشه في 26 نيسان الماضين قبيل انقضاء المهلة المحددة في القرار 1559، توجه ميليس إلى سوريا بحثاً عن "الخبر اليقين".

لكن "إشراف" "خبراء" في القانون من الجانب السوري على جلسات "الإستماع إلى الشهود" أحبط الإستقاء المجدي للمعلومات.

صاغ ميليس خلاصة أبحاث فريقه و استنتاجاته، ظاناً بضلوع قوّاد الجهازين الأمنيين "التوأمين" اللبناني و السوري في التخطيط و التنفيذ لعملية إغتيال الرئيس الحريري. و رفع تقريره في 21 تشرين الأول إلى الأمين العام للأمم المتحدة الذي سلم بدوره نسخاً منه إلى ممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن.

و بعد مداولات مكثفة و إستبدال الإشارة الصريحة إلى عقوبات إقتصادية و سياسية بتدابير لاحقة تتخذ في حق سوريا (نزولاً عند رغبة ممثلي روسيا و الصين و الجزائر) في حال عدم استجابتها لمطالب لجنة التحقيق، التي تصر على الإختلاء بالشهود منفردين خارج سوريا، توصلوا إلى صياغة للقرار 1636، مشفوعاً بالبند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، حظيت بالإجماع خلال جلسة الإثنين التالي التي حضرها وزراء خارجية هذه الدول. و هذا ما شكل جرعة قوية للغوص نحو كبد الحقيقة.

أشاد هؤلاء في مداخلاتهم بجهود ميليس و فريقه و ببطولة و إباء و شجاعة الشعب اللبناني و أعربوا عن تعاطفهم لما كابده من عذاب و أكدوا إلتزامهم بدعمه و تصميمهم على مواكبة مسيرة تعافيه ليهنأ بمستقبل زاهر. كما حذروا سوريا من التدخل في شؤون لبنان أو العبث بأمنه و استقراره مباشرة أو بالواسطة و حضّوها على الإستجابة لمتطلبات التحقيق لا الإكتفاء بالتعاون الشكلي أو الإدلاء بمعلومات مضللة.

ضمّن ميليس تقريره الكثير من المعلومات التي ألقت الضوء على مراحل التحضير للجريمة و وجد أن إحداثيات مواقع مكالمات الهواتف الخليوية، المتبادلة بين المترصدين بالموكب المستهدف، ترسم طرق العودة إلى قصر قريطم المحتمل سلوكها. و كشف أن هذه الهواتف استعملت حصراً للإتصال فيما بينها و تم إلغاء خطوطها حال إرتكاب الجريمة.

كما حصل على كثير من التسجيلات لمكالمات هاتفية بين مسؤولي الجهازين "التوأمين" و بينهم وبين سياسين مرتبطين بهم (و كم من "القناديل" نحتاج للتفتيش عنهم!) إرتباطاُ وثيقاً.

و يمكن القول أن "البصمات" الصوتية أضافت مزيداً من الدلائل الدامغة إلى ما جمعه ديتليف ميليس و هو لم يكشفها كلها حرصاً على استكمال التحقيق باستنطاق "حميم" و عميق و شامل يتوق إلى إجرائه مع "أباطرة" شبكات التجسس السوريين المشتبه بهم في إعداد المكيدة الإرهابية الشنيعة.

هاجس إخفاء معالم الجريمة و "مصادر" معلوماتها راود بلا شك الكثير من الخواطر، و كنت واحداً ممن توجّسوا حصول انتحار أو استنحار أو سيناريو إخفاء أو اختفاء على أمل "التقمص" في بؤرة أو معقل للإرهاب.

لاحقاً سقط أحد الجنرالات انتحاراً فتخوفنا من تجدد سريان "وباء غامض" حصد سابقاً ، و خلال أسبوعين، العديد من الجنرالات في جيش الإتحاد السوفياتي أيام البطش و "التطهير".

التمرد على الإرادة الدولية الجامعة صعب لأن عواقبه وخيمة فالأسلم أن يسلّم المشتبهون ( دون انقلاب أو عصيان) بشكل سرّي إلى لجنة التحقيق في موقها في المونتيفردي لإكمال حبكة الحقيقة.

لقد آل النظام السوري الآن إلى وضع checkmate فكيفما تحرّك سينفرط عقد اركانه و الخلاص يكمن في "تطعيمه" بشخصيات سورية متنورة و منفتحة تضمر رؤية للإصلاح و تعقد العزيمة على الإنطلاق به، و ما أغنى سوريا بكفاءات من هذا الطراز.

ختاماً أود أن أتوجه إلى من جعل موضوع الرئاسة في لبنان وجباته اليومية، لأقول أن السجالات الإعلامية الحامية لن ترفع قدر مطلقيها و لن ترجّح كفّة انتخابهم لهذا الموقع أو تزيد حظوظ مرشحيهم و لن تعزّز مواقعهم في الكتل التي يُهمّشون فيها.

فاحترام الأصول الديمقراطية التي بذلت في سبيل استعادتها التضحيات النفيسة يقضي بالإحتكام إلى القوانين و الدستور عند استحقاق ما. فبالروية و التأني و التبصر و التوافق و التنافس الشريف تتحرك مسيرة الحياة دون عثرات.

و عذراً، لا يتهافتنّ "الخيّاطون" لتحديد "جوخة" الرئاسة و تصميم زيّها و تفصيل بزّتها. فتوقد الذكاء و سعة المعرفة و غنى التجربة و القدرة على استخلاص العبر و موهبة استنباط الحلول و نظافة الكف و نقاء الضمير و صفاء النية و الوفاء بنذر الولاء للوطن، هي الأساس.

لبنان زاخر بالشخصيات الفذة و عند الإقتضاء يطرح كل مؤهل مشروعه و يبرز إنجازاته و يلقي الضوء على سيرته و تاريخه و يبرهن مدى مساهمته في مسيرة الخلاص الوطني.

و أخيراً نرى من واجبنا تبليغ من أربكوا مناصريهم و محازبيهم بتصريحاتهم الإنفعالية أو الإستفزازية أن يحجموا عن البلبلة و أن يعمدوا إلى لملة الصفوف و ترسيخ الوئام و تنسيق الجهود، و إلا سيجدون أنفسهم بعد حين يصيحون و لا يسمعون سوى صدى صيحاتهم لأن الناس تكون آنذاك قد سئمتهم و هجرتهم!

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

١٤.١٠.٠٥

حان وقت الفرج

حميد عواد*


ليس كثيراً أن يتململ و يئنّ شعب لبنان الصابر والصامد بعد أن طوى ثلاثة عقود قياسية من العذاب، عانى و قاوم خلالها كل أنواع الإرهاب و العنف والقهر والتنكيل و الظلم و النزف.

فكم من مرة ضُرّج بالدماء و تهاوى و تلاشت قواه حتى خُيّل للبعض أشباح الزوال، وسرعان ما تفاجأوا بانتفاضة شعبه من بين الأنقاض كالمارد الجبّار المنتصر على الموت.

لقد حُمّل أهوالاً تفوق طاقة البشر فبذل جهوداً خارقة للتغلّب عليها و التخلّص من أعبائها و تجاوزها حتى استعاد أنفاس الحرية و السيادة و الإستقلال.

من حق هذا الشعب أن يقول كفى امتحاناً لجَلَده و صبره و صلابته! و أن يلج ّ على القيّمين على شؤونه في كافة مؤسسات الدولة كي يسرّعوا وتيرة إنعاش دورة الحياة الطبيعية ليستكين القلق و يتنشط الذهن و يتوهّج الأمل و تتحفّز الهمّة و تتشابك السواعد و تتكامل المنجزات.

و من الواجب الملحّ على الحكومة أن تستنهض النخوات و تحفّز المواهب و تستنفر القدرات، و أن تتزوّد بكل الطاقات و الإمكانات الضرورية و الإمدادات المتوفرة لترعى مواطنيها بعناية فائقة هم بأمسّ الحاجة إليها.

لم يبخل المجتمع الدولي، وفي طليعته الولايات المتحدة و فرنسا، بالدعم الفعّال لنضال شعب لبنان، فمكّنه من الإنعتاق من قبضة النظام السوري مسترجعاً، بحكم قرار مجلس الأمن الدولي 1559، حرية القرار و مقدرات السيادة و الإستقلال.

وتقديراً لوضعه الحرج الناتج عن إنهاك و استنفاد منهجي لطاقاته المادية و البشرية خلال حقبة الطغيان الآنفة الذكر، عرض المجتمع الدولي كل أشكال المساعدات مقابل مسح لحاجات لبنان و خطط مجدية لمعالجتها و لإصلاح و تأهيل مؤسسات و إدارات الدولة، و مشاريع تنموية تحرّك العجلة الإقتصادية و تولّد أجواء الإزدهار.

فمن حق اللبنانيين أن ينعموا بالأمن و الإستقرار.
و من واجب الحكومة تأهيل أجهزة و كوادر القوى الأمنية للقيام بهذه المهمة على أكمل وجه، مما يستلزم إزالة كل تنظيم عسكري خارج نطاقها، تطابقاً مع أحكام القانون الدولي المذكور أعلاه.

و من حق اللبنانيين أن يحتكموا إلى قضاء نزيه وعادل.
و من واجب الحكومة أن تزوّد سلك القضاء بمستلزمات الإستقلال و المناعة بعد تنقيته من طفيليين، فرضهم عليه النفوذ الشاذ، يوم سطا على الحكم، ليحرف مسار العدالة.

و من حق اللبنانيين أن يحصلوا بإنصاف على فرص العمل التي تلائم كفاءاتهم فلا يضطرون إلى الهجرة، و أن تتوفر لهم و لعائلاتهم العناية الصحية مجاناً أو بكلفة زهيدة، و أن يتأمن لأبنائهم العلم و المعرفة و الإختصاص، وهي ذخر النجاح مستقبلاً، بأقساط متهاودة.
و من واجب الحكومة أن توفر متطلبات هذه الحاجات و تطورها.

و من حق اللبنانيين أن يسترجعوا الأصول الخاصة و العامة التي أغتصبت، مالاً و أملاكاً.
و من واجب الدولة أن تحصل للمواطن و لها الحقوق المسلوبة من سارقيها.

و من حق اللبنانيين، مزارعين و صناعيين، أن يتمكّنوا من تصريف إنتاجهم.
و من واجب الحكومة أن تقدم لهم الإرشاد و تفسح سبل القدرة على المنافسة و أن تفتح لهم الأسواق لبيع بضائعهم.

و من حق اللبنانيين أن يمارسوا مقومات مواطنيتهم السياسية و المدنية.
و من واجب الحكومة أن تمنحهم وسائل الإنخراط الفعلي في النشاط السياسي و سواه و أن تعد لهم قانون انتخاب ملائم لأمانة التمثيل.

و للمغتربين حق المشاركة النافذة في الحياة الوطنية على تنوع روافدها و منها المشاركة في الأنتخابات النيابية ترشحاً و اقتراعاً.
و من واجب الحكومة أن تكتنز بهذا المخزون الخيّر فتصفّق بجناحين و تحلّق.

و كي تحوز الحكومة ثقة المواطنين و احترام الدول يتحتّم عليها الحرص على اجتثاث الفساد و تطبيق مبدأ الثواب والعقاب و اعتماد معايير الكفاءة بتجرّد و عدل و تقديم الخدمات بتفانٍ و شفافية.

عندها يغدو تقصير أي مواطن في تسديد واجباته تجاه عائلته الكبرى،الوطن، خطيئة لا تغتفر.

فلا يجوز التهرب من دفع الضرائب و أيفاء الرسوم، و لا التلكؤ عن العمل المجدي، و لا الإحجام عن ممارسة الإلتزامات الوطنية بصدق و نزاهة و إخلاص، و لا النكوص بالتضامن في سبيل الوئام و الكمال، و لا الجحود بصفاء الولاء للوطن.

و هذا ليس إلا نذر وفاء يصبّ خيره في صلب الكيان الوطني الكلي ليُضخّ من جديد في خلاياه الأساسية الأصلية المتمثلة بأبنائه المواطنين.

كل الآمال معقودة على النجاح.

أما النجاح المرجو، في هذه المرحلة الإنتقالية الحرجة، فلا يجترحه إلا الفرسان الأطهار. فهلاّ تقاطبوا !

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

٣.١٠.٠٥

قريباً تزول الألغام يا مي

حميد عواد*


من خارج "جدول" الإغتيالات "المتداول"، "انتخب" مهووسو الإجرام مي الشدياق لخطفها من الواجهة الإعلامية و لإنتزاعها من قلوب المعجبين بشخصيتها الذكية و الجذابة.

ذلك أن لبنان، محضن التاريخ المتوّج بالأرز الخالد، و وطن العزة و الكرامة و العنفوان، و محفّز الطموح الجامح و التنقيب الشغوف عن المعرفة، و موئل الإنسان الخيّر و الخلاّق، و منتدى الثقافة الصاخب، و منبت الثمار الطيبة، و منتجع الضيافة الكريمة، و معقل الحرية الصامد، شُرّع قسراً لغزوات قبائل متخلفة شرسة، صُدّت معظم أصولها عنه، لكن بعد أن أمعنت في نهش أحشائه، ثم "توارت" مخلّفة وراءها فروعاً تيتّمت دون أن تتخلى عن إرث ممارسة الإجرام الذي دربها عليه أهلها.

لا يضاهي تصميم اللبنانيين على التخلص من بؤر التخريب و الإرهاب و التفجير و القتل، و على الإنطلاق بورشة الإصلاح و التأهيل، إلا حمّية و همّة المجتمع الدولي الهارع إلى المساعدة لأنه أصبح "أم الصبي".

لقد دفعت نجمة الإعلام المتألقة مي الشدياق ضريبة باهظة الكلفة، ثمن الرأي الصادق و الجريء و الحر الذي لقي صدىً طيباً في مسامع مشاهديها.

استهدفها الجزّارون، عبدة رموز العنف و السحق والسحل، لأنها تمثل قبساً نيّراً من شمس 14 آذار الوضّاءة.

تعطشوا إلى جرعة جديدة من دم طيّب لأنهم أدمنوا على هدر الدماء الزكية لينتشوا بها.

أرادوا افتعال صدمة جديدة ليهزّوا بها وجدان محبّي لبنان الحر و الديمقراطي الفذ. فاختاروا مي العصامية المناضلة التي رافقت الناس عبر شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال منذ تأسيسها، فتبوأت، عن استحقاق، موقعاً مميزاً في المؤسسة و في قلوب الناس.

شاء لقطاء أسياد الإرهاب أن يغطّوا فظائع من تبنّاهم فامتثلوا لأوامرهم و استمروا في التورط في حلقة الإغتيالات الجهنمية، فكمنوا للنمرة مي و فجّروا عبوتهم تحت سيارتها، فاقتطعوا نصف أطرافها.

هذا التفجير الآثم فجّر جام غضب عموم الناس و الشخصيات التي برز بينها مسؤولون في الإدارة الأمريكية و في جمعية الأمم المتحدة، إضافة إلى الرئيس الفرنسي الذي خصّ مي برسالة تعاطف معها عبّر فيها عن "حزنه" لإصابتها البالغة و عن أدانته "لوحشية" الجناة و عن تمنياته لها "بالسلامة".

ظنّ عملاء أساطين "القبضة الحديدية" أن الإرهاب الجوال يشيح الإنتباه عن ذنوب و معاصي آلهتهم "فيُظننّ أن "الإثم" حيث يُنظر".

لكنً ثلاثة آلاف صفحة من التحقيقات في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حصيلة استقصاءات و تنقيبات المدعي العام ديتليف ميليس و فريقه الدولي، يضاف إليها فصول جديدة عن "عجائب ممالك الخليوي" و "صندوقها الأسود" ستكشف ليس فقط حبكة "أُمّ جرائم الإغتيال" و إنما سلسة أسرار عن مسلسل الجرائم التي سبقتها و لحقتها.

رغم اتخاذ الحكومة اللبنانية بعض التدابير النافعة كتكثيف الدوريات، لوقف تسلل المارقين عبر الحدود مع سوريا، و حشد عناصر من الجيش على مداخل بعض البؤر "المحيّدة" عن سلطة القانون و التوسع في مداهمات مواقع الشبهات، فإن متطلبات التصدي للوضع الأمني المعقّد تفوق قدراتها.

و لتعويض هذا التقصير طلب رئيس الحكومة فؤاد السنيورة مزيداً من الدعم الدولي الجاهز غبّ طلب الحكومة. حتى أن الرئيس الدوري لمجلس الأمن عرض عليها توسيع صلاحيات فريق التحقيق الدولي لتشمل سلسلة التفجيرات المتلاحقة إن طلبت ذلك رسمياً.

شغف المجتمع الدولي لإنتشال لبنان من كبوته و لإنعاش ديمقراطيته و تزخيم رسالته الحضارية، بزّ اهتمام حكومته و لم يهدأ رغم انشغال كل من دوله بمشاكلها الداخلية ( يكفي التذكير بأضرار و ضحايا الإعصارات في الولايات المتحدة ليزيد تقديرنا و امتناننا لإدارة الرئيس بوش ).

و ما تشكيل اللجنة الدولية التأسيسية لمساعدة لبنان خلال اجتماعات نيويورك و عزمها على الإنعقاد لاحقاً في بيروت خلال شهر تشرين الثاني إلا دليل على جدية المثابرة.

و بما أن السعودية و مصر هما شريكان أصيلان في هذه اللجنة نتساءل عن جدية و جدوى وصف البعض هذا المنحى "بالتغريب". و كأنه جرّد هاتين الدولتين العريقتين من عروبتهما ( جعلهما "ممنوعتين من الإعراب") ليحتكر لنفسه امتياز "التعريب".

هؤلاء ارتضوا و تمسكوا بوصاية النخّاسين حتى إخراجهم بقرار دولي من لبنان (1559) و ما زالوا يحنّون إليها، فيما هم يدأبون على التشكيك و التريّب بنزاهة النخوة الدولية لمؤازرة قيامة لبنان السيد الديمقراطي الحر المستقل، و لحفظ كرامة و حقوق الإنسان فيه.

كأن الإصرار على إبقاء لبنان ساحة مباحة لسفاكي الدماء هو ذروة الوفاء لأفضال الوطن عليهم.

سألت مي أمها على وقع الصدمة: لماذا أنا؟

لكنها متى استعادت وعيها كاملاً تعرف أن استهدافها هو حلقة في سياق استدراج فاشل لبثّ مشاعر التفرقة،
و محاولة خائبة لزعزعة الإستقرار،
و تجربة عبثية لإحباط الحضانة الدولية،
و تحريض سافر على مناهضة و استعداء المجتمع الدولي،
و تهديد دائم لإرعاب المواطنين و إرهاب السياسيين و إبعاد أو حجر القياديين، كما هو دعوة لإستقدام و إستقطاب مزيد من الموتورين،
و هو قبل كل شيء ابتزاز دموي لتعديل نتائج التحقيق الدولي.

الثمن الباهظ الذي قدًه المجرمون من قدّك يا مي زاد "مهر" خلاص و تعافي الوطن قيمةً و جمع اللبنانيين، في بوتقة محبتك، بعروة الولاء له.

درب الإنقاذ و البناء شاقّ لكننا مشيناه مصممين على النجاح بمواكبة و مساعدة الأصدقاء. سنزيل الألغام خطوة بعد خطوة و لن نخاف.

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

١٠.٩.٠٥

كل الشعاب تفضي إلى عنجر فدمشق

حميد عواد*

قلّما إنصبّ الإهتمام الدولي على قضيّة و انكبّ على معالجتها بوتيرة حثيثة، مثل إنهماكه الشغوف في انتشال لبنان من خاطفيه، و مثل انخراطه الجدّي في التنقيب عن الأدلة و كشف المتورطين في مؤامرة إغتيال الرئيس رفيق الحريري العالمي الرصيد.

إن الإهتمام الذي تستأثر به تحريات المحقق الألماني ديتليف ميليس و فريقه المتعدد الجنسيات المولجين بفكّ ألغاز هذه الجريمة الإرهابية، فاق بأشواط الإستقطاب الذي حظيت به قصص من مخيلة أغاتا كريستي و إيان فليمنغ و أخرى من الواقع كقصة "الثعلب" و عمليات "كارلوس" الإرهابي و الذين "طوروا" أساليبه من السلفيين.

اليوم، غداة إنحسار إعصار "كاترينا" الكاسح عن "نيو أورليانز"، يتحسب النظام السوري لهبوب إعصار "ديتلف" المقبل عليه بدفع دولي قوي الزخم.

إذ يتوجس من تحقيقاته و يتخوّف من معلوماته لئلا تطيح بأركان حزب البعث و تجرف معها كل معالمه من مواقع الحكم في سوريا.

"قطاف" ديتلف ميليس أرسى شبهات في لبنان على رؤساء سابقين لأجهزة أمنية، "متورطين إلى حدّ ما" (حسب ميليس) في المؤامرة، و حثه على الذهاب إلى دمشق "لإكمال الصورة".

فهذا الإستقصاء هو"شيء أساسي في إرساء الحقيقة"، من خلال استنطاق مديري الشبكات الأمنية التي كانت مطبقة على لبنان، و التي انكفأت عنه "رسمياً" في 26 نيسان المنصرم، بناءً على مقتضيات قرار مجلس الأمن 1559.

اللبنانيون مرتاحون إلى تطابق مكتشفات ميليس مع ما خبروه في معاناتهم من تعسف "منظومة" " جهاز الأمن و الإستطلاع".

فهم يتذكرون موقف الرئيس الحريري الرافض بإصرار التجديد للرئيس لحود.

و يعرفون أن الإذعان لهذا المطلب السوري لم يكن مجرد استجابة "لتمنٍ" أخوي.

فقد رشح أنّ وقائعه مسجلة بالصوت في "قلم حبر" أهداه الرئيس شيراك إلى صديقه ليستخدمه في آخر لقاء "خاطف" عقده مع الرئيس بشار الأسد و فيما تلاه خلال "استضافة" اللواء رستم غزالي له في عنجر.

و المضمون كان أسرّ به الفقيد إلى المقربين منه و تسرب إلى وسائل الإعلام، كما ذكره بيتر فيتزجيرالد في تقريره الأولي.

و اللبنانيون يعلمون أن الرابطة الوثقى بين رؤساء الأجهزة الأمنية "اللبنانية" و لواء عنجر لا تسمح لهم بالمبادرة المنفردة.

سبق أن روى الشهيد الواقعة "الطريفة" التي كشف فيها كيف كان "المسؤول" عن أمنه الشخصي "يبلّغ" أدق التفاصيل عن أخباره إلى "مرجعيته" في عنجر.

و بعدما بدد اليقين الشك "أعفى" الفقيد رئيس حرسه من مهمته.

و هو الآن موقوف للإشتباه بتورطه في ارتكاب الجريمة.

اللبنانيون يدركون أنّ انسحاب عسكر النظام السوري من لبنان يشكل بداية أفول القيادة السورية لأن لبنان كان مصدراً حيوياً لإمدادها بمقومات البقاء.

لذلك كان صدور قرار مجلس الأمن الدولي 1559 بمثابة صدمة عنيفة هزّت فرائص أركان هذا النظام.

و بالتالي فإنّ إغتيال الرئيس الحريري يمكن إدراجه في سياق الإنتقام منه بعد أتهامه بالإضطلاع في بلورة هذا القرار من قبل "أنصار" النظام السوري.

و هذا ما وصفه فيتزجيرالد باجواء التحريض على ارتكاب الجريمة.

لقد خرجت إلى دائرة الضوء و قبل الإغتيال الآثم مسألة "اختفاء" طن من المتفجرات من أحد مخازن الجيش السوري من البقاع و عادت لتبرز من جديد بعد هذه المجزرة الشنيعة.

و كشفت تقارير عن صفقة شراء مواد شديدة الإنفجار من شركة سلوفاكية فتحركت مخابرات هذا البلد للتدقيق في صحة الخبر و عُلم أن هكذا صفقات لا تعقد إلا مع دول.

كما نشرت صحيفة "النهار" منذ أيام خبراً مفاده أنّ رئيس شركة نفطية خلال نزوله إلى مطار بيروت ( قبيل ارتكاب الجريمة النكراء ) استُوقِف في المطار ليُسأل عن محتويات كيمائية كان
ينقلها في قنان داخل حقائبه.

فسارع إلى الإتصال بقريب له ( مسؤول أمني) و خلال دقائق حضر هذا المسؤول برفقة مسؤول أمني سوري مزّق المحضر المتعلق بإحضار هذه المواد و غادر الثلاثة المطار مع الحقائب دون أفساح المجال لأحد بالتدخل.

ما يطفو أمام الناظرين و ما يستخلصه المتبصرون هو غيض من فيض ما يعرفه المحقق ديتليف ميليس.

لكن الخبر اليقين عن دقائق هذه المؤامرة الشائكة سيبقى في عهدته حتى يحين موعد الجهر به.

فبفضل التفويض المطلق الذي محضه إياه مجلس الأمن في نص القرار 1595 تمكّن من الإستماع إلى مئات الشهود و استنطاق المشبوهين و الحصول على وثائق و تسجيلات صوتية من مصادر و دول مختلفة.

و بفضل حنكته و حذاقته و احتراف طاقمه و تطور التقنيات الموضوعة في تصرفهم جمع و حلل و ربط مكونات اللغز.

لعل أهم المصادر هي من الضباط السوريين الذين شغلوا مناصب حساسة في اجهزة المخابرات السورية ثم "اعتزلوا" و غادروا سوريا.

رغم أن جعبة ميليس مليئة بالوثائق الدامغة التى قد تكفي لبناء مقتضيات الإدعاء فمن الطبيعي أن يصرّ على مقابلة أركان المخابرات السورية.

لسان حاله قول أبي النوّاس ( مع استبدال "خمر" ب "خبر") :

أسقني خمراً و قل لي هي الخمر
و لا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهر


لقد سرّع استشهاد الرئيس الحريري في جلاء الجيش السوري عن لبنان، أما نتائج التحقيق فيبدو أنها آيلة إلى إنهاء عهد حكم حزب البعث في سوريا!

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

٢٨.٨.٠٥

مخاض العبور نحو الأمان

*حميد عواد


أيّ انتكاسة، أمنية كانت أم سياسية أم اقتصادية، و إنْ توقظ فظائع شتى في ذاكرة اللبنانيين، الفائقة الحساسية و المثقلة بالهموم و الآلام، تبقى عاجزة عن النيل من قوة تمرّسهم في تذليل الصعاب.

رغم كلفة عالية جداً في الأرواح و الممتلكات دفعها اللبنانيون خلال ثلاثة عقود، حافظ سليلو الإباء و العنفوان على رباطة جأشهم و صلابة صمودهم و تصميمهم على تجاوز المحن.

و كثفوا وتيرة نضالهم حتى قُيّض لتضحياتهم أن تثمر بدعم دولي تفكيكاً لآخر طوق من أطواق الهيمنة و الإحتلال بسحب أفواج الجيش السوري و طوابير "من" مخابراته إلى مواقعهم الطبيعية داخل بلدهم "طبقاً" لقرار مجلس الأمن الدولي 1559.

لقد خُيّل لأركان النظام السوري و قوّاد جيشه أن لبنان سيبقى أسيرهم و ان "امتياز" التصرف المطلق بشؤونه سيُطوّب لملكهم إلى الأبد.

فمارسوا نفوذهم على "رهائنهم" اللبنانيين بقساوة "غريزية" لا رادع لها، و غدا كل انتهاك مباح.

و انتقلت عدوى التنكيل و العبث بكرامة و أرواح اللبنانيين من رأس الهرم إلى أسفله و إلى المقربين و الأقربين.

الكل يذكر "خطبة" "الحجّاج" "المحرجة" خلال حفل خطوبة ابن الرئيس عمر كرامي عشية التجديد للرئيس الهراوي.

و الكل يذكر كيف "تصرّف" إبن "الحجّاج" و حرّاسه بإبني أخت الشيخ بهجت غيث عندما انزعج من ضحكهما خلال وجودهما إلى طاولة مجاورة لطاولته في أحد مطاعم منطقة الروشه.

و الكل يذكر كيف أصبح انتحال صفة "مخبر"، جواز عبور يومي للسارقين و غطاء ارتكاب متكرر للمجرمين.

"المآثر" المشهودة و السرّية لكل "حجّاج" تولّج "الأمن و الإستطلاع" في لبنان كَوَت السياديين و "غسلت" بحممها السياسيين و اخترق سيلها كل الميادين و تركت بصمات لا تمحى و لا تموّه، أما لسان حال صاحبها فقول المتنبي:

إي مكان أرتقي أي عظيم أتّقي
و كل ما قد خلق الله و ما لم يخلق
محتقر في همّتي كشعرة في مفرقي

لكن يبدو أن طيف الشهيد الرئيس رفيق الحريري يراود بإلحاح مهاجع "الحجّاجين" الذين اغتيل في كنف رعايتهم الأمنية اغتيالاً مدوّياً، لأنهم يتطيرون لتبلغهم استدعاء من المحقق الدولي ديتليف ميليس فيجفلون من المثول أمامه لإستجوابهم.

و كي لا يبقى لبنان "متنفساً" لإحتقاناتهم على الحدود أم في الداخل من الملائم أن يبادر الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة كوفي أنان إلى الطلب من مجلس الأمن، إما إحالة القضية إلى محكمة الجنايات الدولية، أو إنشاء محكمة دولية خاصة تقاضي من يثبت ضلوعه في هذه الجريمة الإرهابية الخطيرة.

و يرجّح أستاذ القانون الدولي في جامعة ستراسبورغ، الدكتور دريد بشراوي الإحتمال الأول محللاً:

"وهناك فرضية ثانية، هي الاكثر ترجيحاً، تقول بأن يعتبر مجلس الامن الدولي اغتيال الرئيس الحريري جريمة ضد الانسانية، لأنها كانت في اطار خطة منهجية للقضاء على مجموعة معينة وضرب الوحدة الوطنية واثارة الفتن والحروب الاهلية التي بدأت مع محاولة قتل الوزير مروان حماده واستمرت مع اغتيال الصحافي سمير قصير والامين العام السابق للحزب الشيوعي والتفجيرات الاخرى. فتحال الجريمة برمتها ذلك على المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي."

عندها يسهل فك ألغاز عمليات اغتيال أخرى طالت حياة شخصيات مرموقة عديدة و تُرفع تدابير الحماية الإستثنائية التى أقيمت حول شخصيات سياسية مُستهدَفة، أقعدت بعضها في مساكنها و أبعدت بعضها الآخر خارج حدود الوطن لتنأى بها عن مرمى الخطر.

لقد حاز تعاون لبنان مع لجنة التحقيق الدولية على تنويه تقديري في التقرير الإجرائي الذي أعده ديتليف ميليس و قدّمه إلى الأمين العام كوفي أنان.

و نحن إذ نثني على إقدام الأجهزة الأمنية على كشف ثلاثة مخازن للأسلحة و المتفجرات بدا أنها "خارج الإستعمال" نحضها على المثابرة و مداهمة "الأوكار" الناشطة في تعكير الأمن، و نرى أن نقصاً في اتخاذ تدابير الرقابة و الحماية الإحتياطية من غدر المجرمين، ما زال يعرّض أرواح و ممتلكات المواطنين و المقيمين للخطر و يخرّب موسم السياحة و يقوّض الإقتصاد و ينفّر المستثمرين.

و هذا الخلل يؤكد ضرورة إنتقاءٍ متأنٍ لرؤساء أكفياء أوفياء للوطن يضطلعون بمهام رئاسة الأجهزة الأمنية بعين ثاقبة يقظة و ضمير حي.

و التفكير في الضرر الإقتصادي الفادح، الناتج عن زعزعة الأمن، يقودنا إلى شكر سمو ملك السعودية عبد الله بن عبد العزيز على "تطميننا" بدوام الدعم لمسيرة تعافي لبنان، و يحفزنا على تقدير وزير الطاقة القطري عبد الله بن حمد العطية على لهفته الصادقة، التي أبداها خلال لقاءاته المتتالية مع مراجع سياسية و روحية في لبنان، حيث دعا إلى الإحجام عن المهاترات الإستفزازية ( خاصة و أن البعض استغلّ زيارة "شعلة الحرية" لينفش ريشه و يطلق سهامه ) والإقدام على مبادرات ترسّخ الوفاق.

كما حثّ الحكومة على الإفادة من فائض السيولة في الدول النفطية، الناتج عن ارتفاع أسعار البترول، فتسهّل سبيل المستثمرين بتبسيط المعاملات الإدارية و سن قوانين ثابتة و واضحة تحوز ثقتهم و تضمن توظيفاتهم في ظل وضع أمني مستقر.

و كي يستقر الأمن لا بد من إعادة تأهيل وتنظيم الأجهزة الأمنية لتتمكّن الحكومة من الإمساك بناصية الأمن دون منافس أو شريك فتبسط سلطتها على كامل أراضي الجمهورية اللبنانية، مدعومة بالضمانات الدولية التي تحصّن و تصون لبنان بعد الإنخراط الفاعل في تحريره.

إذن من يحرص على بناء دولة القانون و المؤسسات لا ينازع الدولة على الأمن "بجيشه" الخاص.

و من يسعى إلى تعزيز الوحدة و الإستقرار لا "يخطف" الأجيال الناشئة و يحجرها في عزلة عن أصوانها ليلقنها عقائد إنفصالية.

و من يريد ترسيخ الثقة و الوئام و يتطلع إلى مستقبل مشرق، لا يشجع الإنجاب العشوائي الكارثي العواقب، لينتشي بالإقتراب من "النصر" الآيل إلى السقوط في هاوية الفقر و الجوع والمرض و الجهل و التناحر.

يُبنى الوطن على أساس صفاء النوايا و الوئام والولاء النزيه للكيان، والإجتهاد في تأمين كل مقومات النهوض و التنمية، بشرياً و مادياً و حضارياً، التي لا تزدهر إلا في بيئة السلام.

و لا يقوم على قاعدة إعداد مشاريع حروب ضروس تستنفر العصبيات و تستهلك الإنسان و العمران.

لبنان بجناحيه المقيم و المغترب يملك الرغبة في والقدرة على المساهمة في إحلال العدل و السلام، فإذا تعذّر على حامي الوطيس، المتعطشين إلى خوض معارك في ساحات الوغى، تبريد هممهم، ليفتشوا عن ميادين خارج هذا الوطن لأنه أعيد تكريسه موئل حرية و سلام و إزدهار.

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون البنانية

١٠.٨.٠٥

و 9 آب 2001: ذروة العذاب في تسلق قمم الحرية 7

حميد عواد*


في 7 آب 2001 تمخّض الغضب، المحتدم في سريرة السلطان الأمني المهيمن على الوطن حينذاك، عن حملة انقضاض شرسة على مكاتب "التيار الوطني الحر" و تيار "القوات اللبنانية" في انطلياس و جلّ الديب، خلال اجتماعين متزامنين لمسؤولين فيهما.

فكان "الصيد" وفيراً إذ صودرت "الوثائق الثبوتية" المكتوبة والمطبوعة و المخزونة في ذاكرة الحواسيب (الكومبيوترات) و سيق قسراً و تعسفاً رئيس هيئة التنسيق في التيار الوطني الحر اللواء نديم لطيف مع الحاضرين من معاونيه إلى " التحقيق" في عقر حصن "الدفاع" عن الوطن، المحاذي "للمدرسة" التي تخرج منها.

و كم كان حرياً "بالساهرين" على أمن الدولة و القيّمين على رمز حماية الوطن و صون عزة المواطن، بدل الإفتراء و نسب التهم الباطلة جزافاً، تكريم اللواء لطيف و تكريم نظرائه، أكانوا ضمن أركان التيار الوطني الحر أو خارجه، ممن يجسدون القدوة المثلى في التزام رسالة "الشرف و التضحية و الوفاء".

و أسوة برفاق النضال السابقي الذكر، اقتيد المحامي إيلي كيروز و سلمان سماحة من مسؤولي تيار "القوات اللبنانية"، مع صحبهم من المجتمعين معهم، إلى "القلعة" عينها التي "استضافت" لسنين عديدة قائدهم الدكتور سمير جعجع أسيراً متزهداً.

و من هناك بدأت رحلة "الإستنطاق" القهري و نسج وهم "التآمر" على "أمن الدولة" و "تأليف جمعيات سرية" و "تعكير (صفاء؟!) العلاقات مع دولة شقيقة" كَتُهم دبّجها خيال الخبث الخصب ليزج بالأحرار الشرفاء الأبرياء في غياهب السجون.

و لما هبّ أبناء و أنصار التيارين في 9 آب استنكاراً للظلم المرتكب بحق رعيل إخوانهم المحتجزين خلافاً للقانون و اعتصموا سلمياً أمام قصر العدل، محراب العدالة و الإنصاف، و المظلة الواقية لحقوق المظلومين و الضابطة للإنتظام العام وفقاً للقوانين، استحضرت "عناصر أمنية" بحلل مدنية تغلغلت في صفوف المعتصمين.

و تحت أنظار وزير العدل المرتبك و المدعي العام التمييزي ( الذي يصعب تمييزه عمن يرافقه في زيارات المجاملة) الحليف القضائي المميز للنظام الأمني، و على مرأى المحامين ( و بينهم من نال نصيباً من الضرب كالمحامي زياد أسود) و نقيبهم، انهالت سواعد الجلادين و أقدامهم على المعتصمين لكماً و ركلاً مبرحين كوحوش ضارية تنهش طرائدها، لتختتم مأثرتها المشهودة و الموثقة بالنص و الصوت والصورة، بعد إشباع غليلها، باعتقال الضحايا ثم اتهامهم لاحقاً "بالإعتداء على رجال الأمن".

هذه الهجمات الهمجية التي هزّت الضمائر الحية، و ما تلاها من اعتقالات عشوائية جائرة، صُممت خصيصاً للإقتصاص من الأحرار، بإدانتهم بأحكام ظالمة صادرة عن محاكم عسكرية تجاوزت اختصاصها، و عاقبتهم سجناً مريراً و كفالات باهظة الكلفة.

والهدف الأساسي المنشود كان اجتثاث جذور المناعة في وجه الإذلال والتدجين، و الإجهاز على خميرة الإنتفاضة الوطنية لإستعادة القرار الحر و استرجاع الإنسياب الديمقراطي لعمل المؤسسات و انتشال السيادة الوطنية المسلوبة و استرداد الإستقلال المغتصب من براثن الهيمنة العسكرية السورية.

عزاء هؤلاء الأحرار الأباة هو أن تضحياتهم لم تذهب سدى بل ساهمت في استنهاض و تمدد الصحوة الوطنية و في اختراق حواجز الخوف و "حقول الألغام"، و قد كلف عبورها حياة شهداء أعزاء مرموقين نفتقدهم و نتمنى أن يكشف فداؤهم من خلال نتائج التحقيقات الجارية هوية الضالعين في الجرائم المرتكبة فينالوا عقابهم و يسلم الناس من شرورهم.

لقد نضجت ثمار بذلهم في خضم هذه التضحيات المحفورة في الذاكرة فتآزرت الجهود الآيلة إلى شق درب الإنعتاق من طوق النظام السوري الذي فكّ في 26 نيسان 2005، و أزيلت بذلك عقبة هائلة من وجه إقامة علاقات ندية لتعاون و تنسيق بنائين يغلان خيراً عميماً على شعبي سوريا و لبنان.

كل الشهماء الأبرار الذين تفانوا و استبسلوا في سبيل إنقاذ حرية و ديمقراطية و سيادة لبنان جديرون بالتكريم.

و ما مبادرة قائد النضال والرائد في بذل التضحيات العماد ميشال عون إلى تكريم كوكبة من هؤلاء في ذكرى بارزة من محطات نضالهم، إلا عربون حدب صادق يبلسم الجراح و وسام تقدير يشهد لتوقد عنفوانهم الوطني.

أما و قد اقتصر إحياء الذكرى، أمس، على "التيار الوطني الحر" فنتمنى لو تُهيأ الظروف لإنضمام "القوات اللبنانية" في إحياء ذكرى النضال المشترك المرة المقبلة.

فيما تنتعش الذاكرة و تضطرم العواطف في تطواف حنايا الأهوال التي لفّت كفاح الأبطال، تتألق تضحياتهم السخية كأمثولة بليغة في التربية الوطنية و كإرث نفيس تحفظه الأجيال في أعماق الوجدان.

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

٢٩.٧.٠٥

قوة الجامعة و ضعف المسخ

حميد عواد*

في زمن تطييب الجراح ما زلنا نجد من يتلذذ بنكئها. مما يجعلنا نتساءل: هل يصحّ إحياء مآسي الإستبداد المتلاشي و المنحسر حديثاً عن وجدان اللبنانيين الذي يتردد فيه صدى أنين آلام يودون نسيانها؟

من ذا الذي يتطوع اليوم، في ذروة موسم الإنعتاق، لإرواء غليل أركان النظام السوري، المتعطش إلى إخماد جذوة "انتفاضة الإستقلال" و إحباط مفاعيل القرار الدولي الملزم 1559، سعياً لإسترداد "الإمتيازات" الجوهرية التى انتزعها في ذروة سطوته العسكرية على لبنان؟

بين إحكام الحصار على الحدود و تحريك البيادق في الداخل و "استيراد" و "استنفار" سذج ومتطفلين على التمثيل الإغترابي من الخارج، يستميت النظام السوري المترنح "للإنبعاث" من جديد و اكتساح الوطن "بلباس مدني" توثباً لإحكام الطوق حول اعناق اللبنانيين لسوقهم إلى حظيرة الطاعة.

لم ينس اللبنانييون بعد، مرارة غزو مخابرات هذا النظام لمؤسساتهم و وسائل إعلامهم و نقاباتهم و أحزابهم و أنديتهم الإجتماعية و منتدياتهم السياسية، التي هيمنت عليها و استغلتها و جيرتها لترسيخ نفوذها.

هذا الجموح الجارف لتوسيع "فتوحات" القيادة السورية لم يعرف حدوداً زمن استباحة الوطن، بل إشرأبّ و تناسخ في سفارات سوريا و "رديفاتها" اللبنانيات و في أوساط "ملحقيها"، مستهدفاً هبوب أبناء بلاد الأرز في المغتربات حيث نهضوا للدفاع عن كرامة و حرية و حقوق أهلهم و للذود عن سيادة و استقلال و ديمقراطية وطنهم الأم لبنان.

لقد خاض المغتربون نضالاً حثيثاً و متنامياً لإحباط تسلل نفوذ النظام السوري إلى أوساطهم و كرّسوا جهوداً جبارة في محافل دول إقامتهم لإسقاط الصفة التمثيلية عن مأموريه المتحصنين بالصفة الدبلوماسية.

لكن خدر المجتمع الدولي أجّل استحقاق المردود الإيجابي لهذا الكفاح حتى اكتملت الصحوة على وقع تفجيرات إرهابية غادرة داخل البلدان الحرة، الحاظية بالدعم و الأرجحية في اتخاذ القرارات الدولية. عندها نضجت العزيمة الدولية على التصدي الإستباقي للإرهاب و لداعميه، إثر استيعاب مدى خطورته.

في هذا الظرف تعاظم تآزر كوكبة من الشخصيات المرموقة، سياسيين و اختصاصيين و مهنيين و مفكرين،ممثلي أندية و منظمات إغترابية، في حشد الدعم لتحرير لبنان من القبضة السورية.

لقد تنكب المسؤولية في انتشال الجامعة الثقافية في العالم من الضعف و التفتيت اللذين أغرقها فيهما تطاول النفوذ السوري، نخبة من المثقفين المتنوعي الإختصاص المحترمين و المسموعي الكلمة من جالياتنا و في دوائر الحكومات في الولايات المتحدة الأمريكية و فرنسا و أوروبا و أستراليا و المكسيك و الأرجنتين وفنزويلا و البرازيل. فبدأوا بتأهيلها و تنظيمها و تفعيلها بدءاً من تاريخ انتخاب مجلس عالمي في المكسيك عام 2001 وصولاً إلى انتخاب المجلس العالمي الجديد خلال المؤتمر الذي عقد في سيدني أوستراليا أواخر شهر أيار المنصرم.

تمرس طاقم مسؤولي الجامعة في لعب دور محوري في استقطاب الدعم للبنان، كما ساهم مساهمة واسعة النطاق في حشد تأييد جالياتنا لإعادة انتخاب الرئيس بوش، الذي لبى دعوات لحضور مهرجانات إنتخابية نظمها أعضاء من قيادي الجامعة و شكرهم و خصّ أصدقاءه الشخصيين بينهم بكلمات امتنان صادقة.

نسّق هذا الفريق المميز الجهود مع الإدارة الأمريكية و ساهم في رسم الخطوات الآيلة إلى فك طوق الإحتلال السوري عن لبنان. فانطلق الردع الديبلوماسي من الكونغرس الأمريكي بقانون "محاسبة سوريا و استعادة سيادة لبنان" وصولاً إلى أروقة الأمم المتحدة و إصدار قرار مجلس الأمن 1559 الذي لفظ الحكم المبرم بسحب جيش سوريا و مخابراتها من لبنان دون إبطاء و بحل المليشيات اللبنانية و غير اللبنانية و ببسط سيادة الدولة اللبنانية على كل أراضيها بقواها الأمنية الذاتية دون منازع.

لم يهدأ نشاط مندوبي الجامعة الثقافية في العالم خلال هذه الفترة، الحاسمة في تقرير مستقبل لبنان، فكان لهم اجتماعات شبه متواصلة مع مسؤولي الإدارة الأمريكية و سفراء الدول النافذة في جمعية الأمم المتحدة.

لقد اغتنموا الفرصة المتاحة ليعبروا عن مدى تعلق المغتربين بوطنهم الأم و عن توق اللبنانيين إلى الحرية و تشبثهم بالسيادة و الإستقلال و تمسكهم بالديموقراطية و احترام حقوق الإنسان، و قدموا الإقتراحات المدروسة و المجدية و الشورى المفيدة التي كان لها الأثر الإيجابي في صياغة القرارين التاريخيين المذكورين أعلاه.


بعدما بلور أركان الجامعة الثقافية في العالم شخصية مميزة و فذة للإغتراب اللبناني حظيت بإعجاب و تقدير واعتراف المراجع الدولية و تبوأت مرتبة عالية في حساب عواصم القرار تنطح المدير العام لوزارة المغتربين الموروث من حقبة الهيمنة السورية المتحكمة بسلوكه و وجه دعوة خارجة عن صلاحياته إلى رموز إغترابية راكدة و مغمورة، نفض الغبار عنها لإنتحال صفة التمثيل الإغترابي أملاً بأن يعلق بعض من ذراته في العيون و الأذهان المشوّشة.

أما منقشعو الرؤية و صافيو الأذهان فيدركون أنّ القيادة الحالية للجامعة الثقافية في العالم اكتسبت شرعيتها من تواصلها الدائم مع المرجعيات الدولية التي اعتمدتها ممثلاً كفوءاً للإغتراب اللبناني، كما استمدت أصالة تمثيلها من التأييد العارم الذي عبر عنه المغتربون اللبنانيون في الإستجابة لدعواتها لتكثيف النضال في سبيل تحرير لبنان و من الإلتفاف حول تحركاتها و الإنخراط في مؤتمراتها و من الإفتخار بضلوعها في إننتزاع الإستقلال المسلوب و الإرتياح لإلتزامها بمطالبهم العادلة، كحق المشاركة في انتخاب أعضاء المجلس النيابي و حق استرجاع الجنسية لمن فقدها و حق اكتسابها لمن تحدر من أصول لبنانية.
إذن رصيد قيادة الجامعة الثقافية في العالم، المنبثقة من مؤتمر سيدني، كبير في ضمائر و قلوب اللبنانين و عال بمقاييس الدوليين، علماً و معرفة و خبرة و صدقاً و تفانياً. و بالتالي فإن ما ستتمخض عنه خواطر السيد جمعة "المسكونة" و "المرصودة" بهواجس "التمنيات" "الأخوية" لا يتعدى انتاج "جنين" غير شرعي في "مختبره" (مؤتمره) غير مكتمل الأعضاء و الأوصاف، لا قدرة له على التمثيل و لا طاقة له على التأثير.

لقد نصح وفد من الجامعة الشرعية سافر إلى لبنان بتحاشي المهزلة لكن يبدو أنّ طنين "الوشوشات" الشامية قد صم الآذان.
قضية إيجابية واحدة يمكن أن تسهم فيها هيئة (الجنين الناقص)"التشبه" بالجامعة الثقافية في العالم ألا و هي فتح المعابر السورية أمام البضائع اللبنانية، ذلك لأنّ العاصمة الوحيدة المفتوحة في وجه أعضائها هي دمشق!

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

٢٠.٧.٠٥

الحصار

حميد عواد*


الرجوع ( و لو متأخراً ) عن الخطأ فضيلة.

خاصة إذا أنتج هذا الخطأ ظلماً ناجماً عن حكم قضائي، أُستثتي من مفاعيل العفو العام، ثم بُنِيَ على استنباط الأدلة أو التلاعب بها، و ارتكز على اختلاق الحيثيات، و استند ألى "استقراء" شهادات شهود أُخضعوا للقهر و الإبتزاز، و أدلوا "باعترفاتهم" تحت وطأة الضيق ( Duress ).

مما يكفي لإعتبارها باطلة إن "تنبّه" القضاء إلى عنصر الجبر هذا.

للأسف "سها" القضاء عن هذه العيوب في محاكمة الدكتور سمير جعجع فوقع خطأ جسيم و أُرتكب ظلم في حقه توخّى مدبروه أن يُسحق المظلوم تحت ثقله.

لكن خسئ الظالمون الخبثاء و سقط رهانهم على انهيار الدكتور جعجع داخل السجن الذي زُجَّ فيه تعسفاً.

فقد صمد بعزيمة صلبة عصيت على قساوة ظروف أسره الطويل.

و ها هو، بقلب طافح بالحبور و عيون متألقة بالأمل، يتأهب لمغادرة السجن "الحصين" ليتنشق نسائم الحرية معانقاً زوجته ستريدا الهارعة إليه من مجلس الأمة "لخطفه" إلى منتجع خارج الحدود، لقضاء فترة نقاهة ضرورية للتعافي قبل العودة لملاقاة الرفاق و المؤيدين و للترحيب بالمهنئين.

لقد خاضت ستريدا جعجع نضالاً حثيثاً و مضنياً لإطلاق زوجها من السجن، إلى أن تكللت جهودها بالنجاح، بعدما تهيأت الظروف المؤاتية لتحريره، إثر انسحاب الجيش السوري من لبنان طبقاً لقرار مجلس الأمن 1559.

مما أتاح استعادة حرية القرار و التحفّز للبدء بورشة الإصلاح و تأهيل السيادة و الإستقلال بعد إجراء انتخابات نيابية حرة على قدر ما أتاحه قانون ال 2000 العائب.

و مع زخم التغيير المستجد في صلب المجلس الجديد المنبثق من صياغة تحالفات فريدة، أمكن استصدار قانون عفو عن الدكتور جعجع مقروناً بآخر يشمل المتهمين بأحداث الضنيه و مجدل عنجر.

فهنيئاً لمن يستحق الحرية متى جيّرها لخير مجتمعه و مبروك للدكتور جعجع عودته الميمونة إلى المسرح السياسي.

كلما ارتسم في الأفق إرتياح للتطورات الإيجابية لا تلبث أن تكمده حوادث مفتعلة بخبث و لؤم أو تعصف به تفجيرات إرهابية مجرمة.

إن "الإشتباك" الذي وقع على تخوم منطقتي عين الرمانه و الشياح ( 18 تموز) لا يمكن أن يكون عفوياً و لا بدّ أن يكون معدّوه و المحرضون على افتعاله ينتسبون إلى الوكر ذاته الذي دبّر و حرّض على ارتكاب حادث "ضهر العين" ( 2 تموز) المؤسف.

بديهي و محتقر مقصد مثيري الإحتكاكات المتكررة هذه، فهم يهدفون ألى أشعال نيران خلافات من شراراتها، علّها تصيب هشيماً يسعّرها و يوسّع رقعتها.

"يرفد" شرّ هؤلاء أذى الغوغائيين المتهورين الذين "يمتشقون" سلاحهم و يضغطون على الزناد لإطلاق ( رشق ) "زلغوطة" "ابتهاجهم" التي تحصد برصاصها أرواح ضحايا مساكين.

و من وحي "شرّ البليّة ما يضحك" تحضر ألى ذهننا طرفة ذكية المدلول عن لسان صحافيين كانا يغطيان أخبار مشاورات الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة فؤاد السنيورة مع الكتل النيابية، عندما وجّه أحدهما ملاحظة إلى المسؤول الإعلامي في المجلس النيابي ( إحزروا إنتماءه) قائلاً: "ليش بتضلّك معصّب؟" فإستبق الصحافي الآخر ردة الفعل قائلاً: " إذا معصّب هيّنة، بس كل شي و لا "يبتهج"! "

بعد الإبتسامة نعود إلى العبوس و نسأل: من يحتفظ بالسلاح ( و المتفجرات و السيارات المسروقة! فتّشوا عن مخازنها و مرائبها! ) و لأي هدف؟

ثم حتى متى تستمر مهزلة تبوؤ زعماء مليشيات مناصب رسمية دون تفكيك مليشياتهم و تسليم سلاحهم للسلطة التى هم شركاء فيها؟

بفضل "نشر" أمثال هؤلاء أزلامهم تحولت بعض مؤسسات الدولة و بعض كليات الجامعة اللبنانية إلى "ثكنات" خاصة يحظّر دخولها على "الآخرين".

قرارات الدولة و أمن المواطنين لا يجوز "تلزيمها" أو تجييرها "لمنظمات" ( ذات مآرب) خاصة.

هذه بدع اختزال تحبط استراتيجية الدولة و تعطل عملها و تنقض سيادتها و تقامر بمستقبل أبنائها و تضرّ بالمصلحة الوطنية العليا.

هناك تشابك بالغ التعقيد بين هذه المنظمات "المخضرمة" و البؤر الأمنية "المستضافة" و تلك "المنسية" "سهواً" وراء المنجلين عنا و تيك المتسللة إلينا عبر الحدود مع سورية المشرعة للمهرّبين ( فيماأرتال شاحنات نقل البضائع و المؤن مشلولة على الأبواب الرسمية للعبور تنتظر "الفحص الأمني" الدقيق!).

من خلف ستر هذا الخليط الأمني العجيب، يترصد زارعو العبوات الناسفة و السيارات المفخخة تحركات الناس و الشخصيات السياسية لينصبوا الكمائن و يزهقوا الأرواح، ناشرين الرعب و الخراب، متحدّين الرعاية الدولية لنهوض لبنان، ، مستقطبين مزيداً من نخب المحققين الدوليين ليضطلعوا بحل ألغاز
الجرائم المرتكبة.


آخر حلقة من سلسلة الجرائم الإرهابية هذه كانت محاولة اغتيال وزير الدفاع في الحكومة المستقيلة و نائب رئيسها الياس المر بتفجير سيارة مفخخة في منطقة النقاش بتاريخ 12 تموز.

لحسن الحظ اقتصر الضرر على إصابات غير مميتة ألمّت بالمر و مرافقيه، فيما قتل للأسف البالغ عابر سبيل بسيارته هو المربّي خالد مورا.

لقد أثارت هذه الجريمة النكراء غضبنا و استهجاننا كما حركت في وجداننا مشاعر التضامن مع ذوي الفقيد مؤاساة لهم في محنتهم الأليمة.

فالعزاء و الصبر لعائلة مورا و التهاني للوزير المر و كافة الجرحى بالنجاة مع التمنيات بالشفاء العاجل.

إنّ الإسراع في جلاء خيوط هذه الجرائم تباعاً و كشف شبكة الضالعين فيها و إحالتهم إلى القضاء هو الوسيلة الرادعة و الحاسمة لقطع دابر الإجرام كما هو صمام الأمان و مبعث الطمأنينة للمواطنين القلقين.

فحبذا الإنباء عن كشف مبين!

ليس الهاجس الأمني هو الكابوس الوحيد الذي يحاصر المواطنين فالخناق الإقتصادي يشتد حول اعناقهم و المبادرة "الودية" لأركان النظام السوري "بتقنين" عبور الشاحنات المكدسة بالبضائع و المتوجهة إلى دول الخليج زاد الوضع تأزماً.

هذا الإستغصاص المتعمد هو شبه إغلاق للحدود القصد منه الإقتصاص و الأذية.

أما التذرع بإجراءات أمنية فهراء يكذبه حركة التهريب النشطة بالإتجاهين التي يستوفى منها "رسوم" ( جعالات ) مخفضة عبر مئات المعابر غير الشرعية.

و إذا كان من خطر فهو تسرب الأسلحة و المتفجرات باتجاه لبنان و ليس العكس.

و غريب أن ترتسم حدود المياه الإقليمية السورية بوضوح في أعين المسؤولين السوريين فتعتقل قواتهم البحرية صيادي سمك لبنانيين زعمت أنهم اصطادوا في مياهها، فيما "يعصى" عليها تبيان الحدود البرية و لا تبذل أي جهد لتوثيق ترسيمها رسمياً.

اللبنانيون يتوقون ألى جلاء الغموض عن الحدود الجغرافية و إزالة الإشكالات عن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

و المراقبون يتساءلون إذا كان التقدم الذي أحرزه ديتليف ميليس في استقصاءاته و تحرياته هو الصاعق الذي كهرب "عرّابي" أمن النظام السوري و المحفّز لإتخاذ تدابير "الحصار" الإقتصادي للبنان .

أما الحصار الأدهى فهو "إعادة تمركز" قوى " الإعاقة و الفساد" و"الجرف السياسي" للخزائن و القرار، في مواقع جديدة و بحلّة جديدة.

فلا عجب ألا يحصل "الإنسجام" في التشكيلة الوزارية الجديدة إلا بإقصاء شريحة أساسية من التمثيل الشعبي، عريقة في إلتزامها الوطني، متجذرة في النضال الذي أفضى إلى استعادة الحرية و السيادة و الإستقلال، متشبثة بصدق و تصميم و تخطيط ( برنامج ) بإستئصال الفساد و الإصلاح و التغيير.

الكفاءات ضرورية للقيام بأعباء الحكم، لكن سيطرة الذهنيات العقيمة و الجشعة عليها تحبط الجهود البناءة و تطيح بالإنجازات.

أما بعد، فيصعب التصديق أن الحكم الصالح "يُدشن" بإقصاء طلائع الإصلاحيين! لذا عمره كعمر الكذب، قصير!

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

٢٦.٦.٠٥

مذكرة دولية:مطلوب أنقياء

حميد عواد*

يبهت الكلام، حتى بليغه، في صخب الأحداث الجسام. إغتيالان آثمان زنّرا فترة إجراء الإنتخابات النيابية في لبنان و هزّا من جديد وجدان اللبنانيين:

أولهما، في 2 حزيران، أودى بحياة الأستاذ الملهم و الكاتب المحلل و المفكر المميز سمير قصير الذي حرم غيابه انتفاضة الإستقلال قوة دفع عالية المنسوب.

ثانيهما،في 21 حزيران، صرع المناضل جورج حاوي الذي نشط في السنين الماضية على درب ترسيخ الوئام في الحياة الوطنية عارضاً صيغ حوار على مختلف مراجع شرائح المجتمع اللبناني و الذي حضّ سوريا على ضرورة رفع هيمنتها عن لبنان.
تغمّد الله الشهيدين بفيض رحمته و ألهم محبّيهما الكثر الصبر و السلوان!

يندرج هذان العملان الإرهابيان في سياق سلسلة كمائن غدر و تشفٍ إجرامية تقتصّ من شخصيات لبنانية فذّة انتصرت للحرية و السيادة و الكرامة الوطنية.

كما يُبتغى منها بثّ القلق في نفوس النخب الحرة و زعزعة الإستقرار و تبديد الثقة مثلما تشكّل تحدياً سافراً للمساعي الدولية التي ترعى إعادة تأهيل لبنان على الصعد كافة.

لذلك لا نستغربنّ إذا حدث تدوير (recycling) للإرهابيين اللذين سخرا لهاتين المهمتين وعُثر على أشلائهما في العراق إثر تفجيرين إنتحاريين يخفيان أثرهما.

فيما كان اللبنانيون الأباة يترقبون تبلوراً بارزاً و محكماً لمغازي حوافزهم و تطلعاتهم يوم ساروا مواكب عزّ في 14 آذار، أدار الإستاذ وليد جنبلاط أشرعة سفينته يمّ هبوب الرياح الدولية واعتلى منبر الخطابة و استأثر بأضواء الإعلام و بدأ بتحوير المسار و تضليل المشاهدين و الإلتفاف على طليعة الممانعة و التصدي: التيار السيادي.

الأستاذ وليد جنبلاط كطائر الكوكو يبيض في عشّ بناه غيره.

و الطامة الكبرى ليس فقط نكرانه حق غيره و إنما محاولته انتزاع الموقع من صاحبه.

لا أحد يغفل ثمن التحول ( التكتيكي؟) الذي حمل جنبلاط ألى مقلب معارضة حكم الأجهزة المنبثقة من حامل أختام الشقيقة الذي كان متسلطناً على لبنان من بلاط عنجر.

فقد عاش فترات قضّ مضاجعه فيها كابوس الإغتيال و قد طال أولاً النائب و
الوزير السابق مروان حماده الذي كاد يقضي في أنفجار استهدف حياته لكنه نجا بأعجوبة.

أما هول الكارثة الإرهابية اللاحقة التي زهقت أرواح الرئيس الشهيد رفيق الحريري و الشهيد الخبير الإقتصادي الوزير باسل فليحان و 20 شهيداً آخر فكان هزّة مروّعة ميدانياً و نفسياً.

و لا شكّ أن هاجس التصفية المهيمن على خواطر جنبلاط هو الذي حدا به إلى إرسال ابنه تيمور إلى فرنسا طلباً للأمان.

لكن هذا الإضطراب لا يبرر محاولات جنبلاط السعي الدؤوب لشرذمة الفريق الأساسي من المعارضة سعياً لإتنزاع ولاء شتاته لزعامته.

لقد نجح في إجهاض التحالف مع التيار الوطني الحر آملاً أن يبقى بلا حليف في الدوائرالتي يقتضي فيها عقد تحالفات.

لكن الجنرال عون و أركان التيار اضطروا إلى اتخاذ قرارات صعبة وتجاوزوا عقبات كأداء و أزالوا حواجز شائكة و تخطوا العزلة التي رسمتها مخيلة جنبلاط و حظوا بتأييد كثيف من الناخبين في المتن و كسروان و جبيل و زحلة.

فبلوروا قوة شعبية حرة القرار يشدها التوق إلى العزة و الحرية و السيادة و لا يقوى على شراء ولائها المال و لا تغريها و لا تسترهنها عروض الخدمات.

لقد شاء جنبلاط غداة اغتيال شهيد لبنان الرئيس رفيق الحريري الإستئثار بقيادة إنتفاضة الإستقلال داخل الوطن دون منازع و انكب على تجيير ما أمكن من رصيد المغدور به لصالحه لذا جفل من عودة الجنرال عون و أجّل البتّ بإطلاق الدكتور جعجع من السجن و انتغص من بروز الحريري الإبن كوريث لأبيه.

ركب جنبلاط صهوة القرار 1559 لفترة وجيزة. ثم ما لبث أن طعن به وانقلب عليه "حماية للمقاومة" و روّج لبقاء القوات السورية في البقاع سعياً لإستدرار عفو عن "هجره" الكنف السوري.

و هكذا حوّر مغزى المعارضة و صورها معارضة لهذا القرار التاريخي، ثمرة تضافر جهود أميركا و فرنسا، الذي فرض سحب فصائل الجيش السوري و طواقم مخابراته ( المشكوك بصحة انسحابها حتى الآن) انسجاماً مع مطالب و نضال التيار السيادي بكافة شرائحه في لبنان و في بلاد الإغتراب.

لقد تلمّس الأستاذ وليد جنبلاط رضا حزب الله دعماً لزعامته و قبض الثمن تحالفاً معه في لائحة قضاء بعبدا-عاليه و أمن نجاحها بأصوات أبناء الحزب المذكور.


و هو يطمح اليوم، بعد نجاح 72 نائباً من لوائح تحالفه مع الحريري و كتلة "قرنة شهوان"، إلى "اختيار" من يراه مناسباً لموقعي الرئاستين الثانية و الثالثة قريباً و لموقع الرئاسة الأولى لاحقاً.

و يندرج في هذا السياق مبادرة جنبلاط ألى تأييد "تجديد" إنتخاب الأستاذ نبيه بري رئيساً للمجلس النيابي لولاية رابعة علماً بأنه "نجم ساطع" من نجوم الحقبة السورية في لبنان يتحمل تبعات السلبيات الناشئة عنها!!

و قد أعلن ذلك قبل التشاور مع حليفه سعد الدين الحريري و خلافاً لمشيئة النواب الأعضاء في كتلة "قرنة شهوان" و كأنه يريد فرض قراره على من يفترض أنهم حلفاؤه.

أليس مستغرباً ممن "يطمح" إلى التغيير و الإصلاح و من يتصدى بشراسة للتمديد "نصف" مرة في موقع الرئاسة الأولى أن يكون متحمساً "لتجديد" رابع في موقع الرئلسة الثانية؟ ( حتى و لو أخذنا بعين الإعتبار نصوص الدستور.)

إنّ باع بري، "إبن سوريا" المدلل و "التلميذ" الفخور و الكلي الطاعة للرئيس الراحل حافظ الإسد ( طبقاً لبنود الدستور اللبناني!!!)، طويل جداً.

فثروته و أملاكه يصعب تقصّي مصادرها، و نفوذه طال العديد من المؤسسات العامة و إرادته السنية ملأت ما لا يحصى من المراكز.
لذا من الصعب "فصله" عن السلطة!

و هو بترئيسه على المجلس النيابي "أنعم" عليه دستور الطائف بصلاحيات واسعة فسيطر على اللجان و مهد الدرب لتمرير القوانين التي تخدم "خطه" و جمد أو أحبط تلك التي تتعارض مع مصالحه و مصالح حلفائه.

جنبلاط و بري يلتقيان كديماغوجيين و كقناصي فرص فليس غريباً أن يستقوي واحدهما بالآخر.

كل منهما اشتهر "بأريحيته" كرجل "برّ و إحسان" أغدق الوظائف، و منها الصوري، على مناصريه و "جاد" على حاشيته بمال "الخيّرين"، مال أبناء الوطن المنكوبين المحصل من جنى إرهاقهم و المستدان على حسابهم بأبهظ الفوائد، و ذلك من خلال "الصناديق" و "المجالس" و المؤسسات العامة و الوزارات.
مسيرة الإصلاح و التغيير تقتضي اليوم قطيعة مع اساليب الماضي الملتوية و تفرض إقصاء الفاسدين لصالح المستقيمين المتفانين في خدمة الوطن.

محك صدق النوايا هو تقاطب الخيّرين من نواب مختلف اللوائح فينسقوا طبقاً لقناعاتهم (و لو خالفت الرئيس أو الزملاء في كتلتهم) و يبدأوا باختيار علاّمة تشريع نظيف السجل رئيساً لمجلسهم و شخصية عفيفة غنيّة بالعلم و المعرفة و الخبرة رئيساً لمجلس الوزراء.

عندها يمكن الشروع بورشة إصلاح بنية الدولة و تنقية و فرز السلطات و الصلاحيات و توظيف الطاقة البشرية المختصة و المؤهلة للإقلاع و الإطراد في النمو نحو الإزدهار.

المجهر الدولي يتابع بدقّة مراحل التجديد في لبنان و المجتمع الدولي يتأهب للمساعدة في كل مجال شرط تشكيل حكومة مؤلفة من وزراء مشهود لهم بالنزاهة و الصدق و الشفافية يعدون برامج إنماء ناجحة لإنعاش حركة مؤسسات الدولة و لرفع مستوى حياة المواطنين.

حذار الوقوع في الخطأ لأنه إن حصل سيغرق المركب في رمال الديون المتحركة و سيحرم اللبنانيين فرصة العيش حياة كريمة!

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية