٥.١.٠٤

رياح التغيير : الديمقراطية

كتب حميد عوّاد*

حقيقة كامنة , غُضّ الطرف عنها لزمن, قيّض لها أن تسطع من جديد في الفلك الدولي المكفهرّ وهي ضرورة تحديث ُبنى الأنظمة المتخلفة لجعلها ديمقراطية و إطلاق الذهنيات المنغلقة من قمقمها لتتعرف على الفضاء الإنساني الرحب. فالأنظمة الإستبدادية و القمعية , عسكرقراطية كانت أم ثيوقراطية، ما لقّنت إلا الكراهية وما أنتجت إلا المصائب وما أنجبت إلا الإرهاب.

أن الأنظمة الديمقراطية , وإن شابتها عيوب ولو اختلس من خيراتها انتهازيون جشعون, تبقى البيئة الملائمة لنمو المجتمعات وازدهارها . كما أن الفرص فيها لإصلاح أعطالها وطواعيتها للتأقلم مع المستجدات تسمح لمعتنقيها بالإرتقاء نحو الأفضل.

هذا الأمل يحدونا لتطييب الجراح التي أثخنت شعبنا في لينان و يحفزّنا لفكّ الأغلال التي كبّلت المؤسسات و ينشّطنا في فتحنا المسارات المسدودة تأميناً لآنسياب الحياة الديمقراطية التي جمّدها "حلول" الصقيع الأخوي.

لقد خيّل إلينا أن حرارة الحداثة عند الأشقاء قد دبّت وساعة الإصلاح الموعود والتزام الحدود والعهود قد دقّت عند قراءتنا تصريح الرئيس السوري بشار الأسد لصحيفة "التايمز" اللندنية حيث قال:"أعتقد أن المشكلة الكبرى هي أن يتدخل أي بلد في شؤون بلد آخر. الشعب العراقي هو من يقرر شؤون بلاده. ونحن في سوريا بلد قريب منهم جار لهم ولنا تاريخ واحد وقومية واحدة ومع ذلك لا نعطي لأنفسنا الحق في التدخل في شؤونهم الداخلية".

وهنا يتساءل اللينانيون: "أليس حريّاً أن يطبّق هذا الموقف المبدئي على لبنان قبل الكلام عن العراق خاصة وأن نظامه ليس توأماً لنظام سوريا المنبثق ونظام العراق من رحم حزب البعث؟" و سرعان ما يعصى عليهم فهم مضمون بقاء الجيش السوري في لبنان "مؤقتاً وضمن مهمات محددة" طالما أصبح المؤقت, لطول مداه, مرادفاً ل"أجل غير مسمى". أما "المهمات المحددة" فقد اكتسحت عشوائياً كل السلطات ومحت معالم الحرية والديمقراطية والهوية المميزة متخطية كل حدود. و في ظل هذه الهيمنة "ترعرع" "جيل" من المتنفذين تسلل إلى السلطة محمولاً فوق مقتضيات الشرعية والجدارة مستمداً سطوته من ولائه ل"المتصرف" بأرصدة الوطن المصادرة. وإمعاناً في السيطرة، استُصدرت قوانين تناقض الدستور فيما لُجمت الهيئات الرقابية وأُسيئت ممارسة السلطة. فنُكّل بالسياديين لأن خطابهم الوطني "فئوي" واعتصامهم السلمي "يزعزع الإستقرار" فيما كوفىء الموالون و أُغفل المتوارون لأن خطابهم "يعزز" الوئام وقرقعة سلاحهم "توطّد" الأمن!!!

يدرك اللبنانبون أن الإستفاضة في استباحة حقوقهم ونهب ثرواتهم وهدر ديون باهظة تلقى على عاتقهم وخنق وسائل ومصادر إنتاجهم ترمي إلى تهجيرهم وتجفيل المستثمرين والحؤول دون عودة المهاجرين والمنفيين. كما يعرفون أن لا جدوى من الخصخصة في ظل " الأمن المخصخص" فهي بمثابة تصفية لأملاكهم العامة لتجريدهم منها بلا مقابل. رغم وطأة هذه المصائب والمصاعب يعمل اللبنانيون , مقيمين و مغتربين, بعزيمة و إيمان على تنقية الوطن من الأدران التى ألمّت به و على إعادة مدّه بأنفاس الحرية ونفحه بروح العدالة والمحبة والديمقراطية علّ القيادة السورية تقتبس المثال اللبناني وتكفّ عن الإقلاع عكس الزمن فتسحب جيشها لتنطلق بورشة تحديث سوريا.

* المهندس حميد عواد يرسل مقالته الاولى لنا عبر البريد الالكتروني، وقدموس تنشرها بالكامل.

٥.٣.٠٣

مناعة الشباب حصانة الوطن

بقلم حميد عوّاد*

يحمل اللبنانيون الأصلاء, أينما حلّوا, محبة وطنهم الأم في قلوبهم و هموم أهلهم في ضمائرهم. لذا يعزّ عليهم و يقلقهم تحويل الجنّة الغنّاء التي أسعدت كل بنيها أيام العزّ إلى سجن رهيب, عالي البنيان, يُنكّل برهائنه فتستباح حقوقهم و يُذوّقوا أمرّ تجارب القهر و يُخضعوا لأدهى أنواع الإبتزاز. شباب لبنان الأبيّ ينتفض لأنه يرفض مسخ صرح الحضارات و فرزه أقبية للإعتقالات و يثور لأنه يستنكر التجنّي على الرأي الحرّ و الفكر النيّر و يستهجن إقفال كل منصّة يطلاّن منها. شباب لبنان يشرئبّ غضباً لأنه ضنين بكرامة أهله و حريص على عزّة و تميّز كيانه الإنساني و الثقافي و السياسي و الحضاري. شباب لبنان يتصدى لكل ظالم و مستبدّ سوّلت له أطماعه و وفرة سلاحه اكتساح لبنان. شباب لبنان يستشيط استياءً من ذهنيّة متخلّفة توسّلت السيطرة على الوطن بقوة ذراعها العسكرية و اقتحمته (و لما الإستئذان؟). شباب لبنان يكابد العذاب في عقر داره لأنه يتشبّث بحقوقه البديهيّة في العيش بكرامة و ممارسة سيادته و التمتّع بحريّة قراره و لأنه يتوق إلى مستقبل أفضل. شباب لبنان يشمئزّ من تزلّف مدّاحي البلاط سعياً وراء حظوة تُفتطع لهم من حساب الديون المتضخّمة التي ينوء تحت عبئها اللبنانيّون.

شباب لبنان يمجّ جحود الناكرين أفضال وطنهم و الغادرين بعهود التعاضد و الوئام. شباب لبنان يستهول موجة الإستخفاف بعقول الناس و محاولة قلب المقاييس, فهذا متزمّت يعيّر المنفتحين بالتقوقع و ذاك مرتزق يخوّن أبناء الوطن الأوفياء و تيك القوى العسكرية التي "غنمت" الوطن تحاكم و تجرّم مناوئي انتهاكها للقيم الإنسانية و للأسس الديمقراطيّة التي قام عليها لبنان. شباب لبنان يفضح الزندقة السياسية و يشهّر "بابتداع" قوانين تحصّن "المتصرّف" و تستبيح حقوق المواطن. شباب لبنان يهبّ لإنتشال الجمهورية من حال "الجماهيرية" الهجينة الجاهدة إلى اختطافنا من موكب الحداثة المتحفّزة لتغيّبنا في غياهب الجاهلية المتقهقرة. شباب لبنان يرذل عشوائية الإنجاب لأنه نفح روح و إعداد إنسان قبل أن يكون لفظ جسد. شباب لبنان يقاوم العبودية و لا يطيقها حتى و لو تموّهت بصداقة أو أخوّة.

شباب لبنان يكنّ الود لكل محبّ و يبادل الإحترام بالإحترام. شباب لبنان يرنو في وطنه إلى موئل آمن لإبداعه لا إلى جهنم تأكل نارها كل أماله و ترميه تائهاً أو تقتلعه لاجئاً يدقّ أبواب السفارات. شباب لبنان يطمح إلى الإضطلاع بدوره الريادي المنتج الخلاّق و يربأ بنفسه العمل مخبراً ليوشي بأخيه كذباً. شباب لبنان هو ضمير الوطن النقي من عيوب الإنتهازيين, كل اعتداء عليه هو طعنة غاشمة في صميم كل لبناني و هو تبديد لأحلام واعدة و طاقات خيّرة و هو إدانة لوحشية الجاني. شبابنا أنتم قلبنا النابض بالعافية و العنفوان و وجداننا الزاخر بالرجاء , نعاهدكم على المثابرة في نصرة الحقّ في كل مجلس و محفل حتى ينهض الوطن شامخاً حراً فاتحاً قلبه و ذراعيه فنهرع كلنا إلى أحضانه فرحين.


*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية