27.5.06

لنتَنبّه ونتّعظ فنرتقي

حميد عواد*


نشكر الدكتورة سلوى الخليل الأمين، رئيسة "ديوان أهل القلم"، على مبادرتها الطيّبة إلى دعوة الدكتور شارل العشّي، مدير مختبر الدفع النفّاث في الNASA، إلى الحضور إلى وطنه الأم لبنان لتكريمه. فأمثاله "ذخر لبنان و عظمته" كما قالت.
و هو بدوره أعلن أنه "ممتنّ للبنان و اللبنانيين" و أضاف: "أنا أفكر بلبنان دائماً"، "لن أنسى أني تركت لبنان بمنحة حصلت عليها عام 1964 من الرئيس شارل حلو، فهذه كانت منحة من الحكومة اللبنانية و أنا أقدّر ذلك." ثم أكمل: "أنا أحب لبنان كثيراً" و "أفخر بأصلي" و " أنا أتحدث دائماً عن لبنان و الصداقة بين لبنان و الولايات المتحدة. و نحن نعمل من أجل السلام في لبنان و الشرق الأوسط."
و قد ذكر زملاء يعملون معه كالعالم مصطفى شاهين و كلاً من البروفسورين جورج حلو و جوزف عون، ليؤكد أنه يتداول و أياهم "سبل مساعدة لبنان عبر إقامة مراكز أبحاث."
كما لم يغفل الإشارة إلى أن كثيرين من أبناء لبنان أثبتوا مواهبهم الفذّة وبرزوا في شتى المجالات و هم "يتولون مناصب مهمة جداً في العالم." "فهذا يعطي انطباعاً ممتازاً عما يمثله لبنان" و يثبت أن "اللبنانيين ناجحون".
ألإحتفال التكريمي سيقام في قصر اليونسكو و من المتوقع أن يلقي الدكتور العشي سلسلة محاضرات في كبريات الجامعات اللبنانية.
تنشّط هذه المقتطفات الذاكرات الخاملة و المتلاشية، علّها تصّحي من ربقة العبودية و الإدمان أولئك المتخدرين بأفيون الإنقياد الفئوي الأعمى، المعطّل للفكر و المجهض للعطاء و المذلّ للكرامة و المحبط للفهم و التواصل.
إذ تبرز نموذجاً ريادياً متألقاً من إنجاب لبنان، منشأ القادة الفرادى.
و تثبت أن هذا الوطن ليس دهليزاً ضيّقاً يأوي حصراً مخلوقات محنّطة، بل هو شلال غزير من الخيرات يغذي مدىً إنسانياً خصباً و رحباً لا حدود له.
و تظهر أن رصيده الأساسي ليس ذخيرة البارود بل مخزونه الفكري و ثروته الثقافية.
لذا يصيبنا الذهول أمام مشهد سياسي مرتبك يشوّش علينا هذه الصورة البهيّة. فهو يتأرجح بين المرونة و التصلّب، يظهر فيه فريق يحاول الإقلاع بقطار الدولة، و فريق آخر يبدي بعض التعاون حيناً و يوفر قسطاً من المؤازرة الأولية، ثم لا يلبث أن ينقلب ليجهض هذا الإقلاع.
و في حمّى المناورات و المناكفات المتشعّبة، تنشلّ حركة التبديل و التداول في مناصب محورية، فيطبق الجمود على المؤسسات الحيوية التابعة لها.
و تتعقّد الحلول و تتعثر مبادرات الإصلاح و البناء، و تتجمّد القروض و المساعدات و تتبخّر المشاريع، فيتصحّر الوطن و يحتضر المواطن.
و بفعل قوى اللؤم الخبثية يجنح "مَنبت الرجال" نحو اليباس، و تُطمس الكفاءات بحُجُب العاجزين، و تُحبس الطاقات رهينة لمشيئة العاقرين، و يُنهش الصمود و يُجهض الإنبعاث و يُنهك المواطن لحساب الطامعين.
إننا نلوم بشدة طاقم الإحباط السياسي على محاولته الإرتدادية لعكس مسيرة التعافي عبر إعادة ربط مسار الحياة الوطنية بمصالح حلفائه الإقليميين.
كما نستهجن إنزلاق التيارات السيادية إلى مهاوي الإنشطار المخيّب للآمال و ندين اشتباكها المعيب في سجالات إعلامية حامية و مؤذية، يعتريها الإفتراء و التضليل و التبرير العقيم.
حرام تبديد قيم الإستشهاد في سبيل الإستقلال و ممنوع التفريط بثمار نضال جيل التحرير الذي استقطب الدعم الدولي و تعملق ففكك بقوة عزيمته معسكرات القمع والإستبداد والإستتباع.
لا يغيبنّ عن البال أنّ هذا التخبّط المستهجن يوفر مناخاً مثالياً لإلهاب شهوة المحور الإيراني-السوري للإطباق من جديد على لبنان.
و هو الذي نسج تحالفات مع فرقاء عراقيين و لبنانيين و فلسطينيين ليرجّح قوتهم على منافسيهم و يؤجج الصراعات فيعزز نفوذه الإقليمي آملاً في إحباط المساعي الدولية لنشر الديمقراطية في دول المنطقة لأنها صيغة تناقض طروحاته و ممارساته.
و هو ينقّب عن مكامن الضعف في مجتمعات هذه الدول ليتسرب منها و يستغلّها لإستكمال إحكام الطوق المنكبّ على نصبه.
و يبدو من تصريحات المسؤولين الأردنيين عن الشبكات المسلحة التي كشفوها داخل الأردن أنها تابعة للمحور المذكور.
و فيما ينشط هذا المكوك في غزل شلّة أعوانه حول طموحاته في لبنان تتردد، على إيقاع "ضربني وبكى ، سبقني و اشتكى"، إدعاءات تجنّ سخيفة "يرتكبها" سياسيون لبنانييون بحق أركان النظام السوري! و "تنصّلا"ً من تنفيذ "الأحكام الميدانية الحادة" و بما أنّ هيمنتهم انحسرت عن القضاء اللبناني، نشطوا في تحريك القضاء العسكري السوري لملاحقة القطبين السياسيين وليد جنبلاط و مروان حمادة إضافة إلى الصحافي فارس خشان. و أول الغيث تسطير استنابة، أُحيلت على الإنتربول، لملاحقة رئيس كتلة التجمع الديمقراطي الأستاذ وليد جنبلاط.
إستفزازات النظام السوري ما توقفت و لو أن "فظائعه" استكانت. و هي ترافقت مع تقريعات يطلقها أسياده و توبيخات ينشرها كتّابه. و خلال نوبات التوتر أُقفلت الحدود من الجانب السوري إقتصاصاً، و تعدتها اليوم إثر قيام جرفاته ب"بروفة" "ترسيم" للحدود بسواتر، مرة ترابية و أخرى صخرية، كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية في منطقة عرسال.
و أخطر من ذلك بدأ اللعب بالنارمجدداً: إذ إنتخت "للجهاد"، منذ أيام،
( و ربما أضاعت بوصلتها و ضلّت طريقها ) عناصر من منظمة فتح-الإنتفاضة ( على مين) حمَلتها إلى منطقة ينطا، عبر حدود "مبهمة المعالم"، رياح "الولاء" لأسياد النظام السوري، فتحرشت بدورية للجيش ( تبيّن أنه لبناني ) و أردت شهيداً باراً إلتحق بقافلة شهداء الإستقلال هو العريف المجنّد مصطفى مثلج.
إننا نشارك قيادة الجيش الأسف لخسارته، و نتضرع إلى الله أن يتغمّده بفيض رحمته و يلهم أهله الصبر و العزاء.
تتعدد البراهين على تحكّم غريزة الإستفراد بلبنان بسلوك أرباب النظام السوري. فهي التي حفّزتهم على الإعتراض على القرار 1680 لمجلس الأمن الدولي الذي قرن فيه القرار 1559 بالقضايا التي أُقرت بالإجماع في جلسات الحوار الوطني.
و ما هذه المبادرة إلا توكيد الإرادة الدولية على ضرورة تنفيذ الحكم السوري المطالب البديهية للحكومة اللبنانية من ترسيم الحدود إلى تبادل التمثيل الدبلوماسي إلى الكف عن التدخل في شؤون لبنان الداخلية و زعزعة أمنه، إضافة إلى الإلتزام بمقتضيات التعاون مع القرارات الدولية و الإحجام عن عرقلة و إعاقة تنفيذ كامل بنود القرار 1559.
إن تبرّم و استياء أركان النظام السوري من المطالب التي أجمع عليها اللبنانيون و دعمها المجتمع الدولي، دفعاهم إلى الإنقضاض على المفكرين السوريين، أمثال ميشال كيلو، أنور البني، كمال اللبواني و صفوان طيفور، و سجنهم لأنهم في عرف أهل النظام " أساؤوا إلى هيبة الدولة و أضعفوا الشعور القومي إلخ..." بتوقّيعهم مع أقرانهم اللبنانيين ميثاق بيروت-دمشق الداعم لمطالب إصلاح العلاقات هذه!
إن مدد السجن التي تنطوي عليها التهم المساقة ضد هؤلاء المفكرين، و منها المؤبد، تصعق كل راشد و تظهر مدى تطَيُّرالنظام السوري من "خطورة" إقامة علاقات طبيعية مع لبنان!
و هكذا يثبت مرة جديدة أنه يعيش خارج عصر التحضّر و أنه غير قادر على إصلاح نفسه و الإقلاع عن الشغب و حصر إهتمامه في رعاية شؤون شعبه.
هل تدوم نِعَمُ المنشّطات الإيرانية لمدّه أبداً بالحياة؟
و متى تعطى الأفضلية لتوظيف ثروة كل شعب في تنمية طاقاته بدل هدرها في تصدير القلاقل و الثورات؟
و متى يكتمل نضج الفكر و الحرية و القيم السامية في وجدان الشعوب المقهورة، فتُفتّتَ الكلس العالق في مفاصلها و ثنايا أدمغتها، و تنفض عنها غبار العبودية و تطلّق عبادة الأصنام و تشفى من الأحقاد، و تشرّع عقولها و قلوبها على مدى آفاق الإنسانية الواسعة، مشيّدة صروحاً للمعرفة و التواصل و العمران؟
لا بد أن يحين هذا الإستحقاق فتنصبّ كل الجهود على بلوغ هدف الخلاص.
و كل من سار على درب الحق وصل!

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية