16.12.09

حماية أحشاء الوطن من نهش الضواري

حميد عواد*

أقلعت حكومة الإئتلاف الوطني الجديدة من المجلس النيابي على متن 122 صوتاً من أعضائه منحوها ثقة عارمة بعد مناقشة البيان الوزاري و تسجيل إعتراضات على إسباغ وظيفة دفاعية على فصيل فئوي مسلّح متمسّك بسيطرته على مواقعه و بحرية حركته بمعزل عن سلطة الدولة و ملتزم بعقيدة و إرتباطات و طموحات لا تحظى بتأييد معظم اللبنانيين و لا تأتلف مع تطلّعاتهم على الصعيد الوطني.
و طالما صِيغت الحكومة على أساس صيانة سلامة العيش المشترك و التوافق من خلال حقّ النقض لمكوّنات المجتمع، فلماذا خرقه في خصوص دور هذا الفريق؟
هل يخدم هناء هذا العيش تحول السلاح منساساً لسوق الناس نحو وجهة لا يختارونها و تصوير مخالفة قرار قادة هذا السلاح إخلالاً بالوئام؟
عوامل القوة يجب رصفها داخل مؤسسات الدولة لا خارجها.
السلم الأهلي ليس رهينة للإبتزاز و لا مكسر عصا لخضّه و "إستدراج عروض وصاية" جائرة تحتقر و تئد مواهب المواطنين و تتقن التنكيل و التكتيم و التحطيم.
إلغاء الطائفية السياسية يطفح بالمغازي عندما يرفع لواءه غلاة الحشد الطائفي و يلوح فيها جرف بقية الطوائف بزخم تكاثر الحشود الآيل إلى "غلبة" و طغيان الفقر و الجوع و المرض و الجهل و البؤس و التناحر.
لا يمكن التوفيق بين التناقضات إلاّ في حال تضافر النيّة و الرأي و العزيمة و العمل على تنقيتها من النتوءات و الأدران لتتسق في بوتقة منطقية خلاّقة.
كل لبناني بارّ يودّ و يأمل أن تتبلور النوايا الحسنة التي شُكّلت بهديها هذه الحكومة التي بذل فيها رئيسها سعد الحريري جهداً إستثنائياً صادقاً و مهارة سياسية شفافة، فتنضج خيراً عميماً و تطلق نموّاً مطّرداً و تحقّق إزدهاراً منعشاً و إستقراراً راسخاً و طمأنينة مريحة.
البيان الوزاري برنامج عمل حافل بالمهمات لكن المطلوب من الحكومة إثبات الجدية في حفظ حقوق و صون كرامة و تأمين حماية كلّ مواطن و مدّه بمقومات العيش الكريم في محيطه.
فإنعدام فرص العمل خانق و مذلّ و لحسٌ للمبرد، و الخوف من تعديات المارقين ماثل يومياً، و القلق من مسخ المفاهيم الوطنية المنطوي على تبعية ماحقة هاجس مقيم، و تهديد حملة السلاح الصريح و المبطّن باعث للتوجس و دافع لبيع الأرض و الهجرة و طوفان يجرف بالتتابع قرية تلو أخرى.
لقد غدا هذا الخطر نزفاً حادّأ و خللاً بنيوي آخذاً في التفاقم كسريان النار في الهشيم.
لذا واجب ملحّ على الحكومة و أرباب السياسة التنبّه له و إحتضان المواطنين و إتخاذ تدابير صارمة و فعّالة لحماية الإنسان و الأرض، و إلاّ فرغ الوطن من خيرة أبنائه و تغيّر صورته و دوره و نظامه.
إنتشار القوى الأمنية النظامية المخوّلة ببسط سيادة الدولة و حماية المواطنين في مختلف بقاع الوطن أمر حيوي. و حيوي أيضاً الإنعاش الإجتماعي و التنمية الريفية و المدنية بإطلاق مشاريع منوعة و مجدية.
كذلك إنشاء صندوق مالي تحت إشراف مرجعيات موثوقة يساهم في تمويله أصحاب الإرادات الطيبة يُكرس لتمويل الملاّكين الواقعين في ضيق مادي مقابل رهن الأرض او شرائها هو عمل سليم يجنّب المواطن خسارة أرضه أو يحفظها في عهدة أيادٍ أمينة.
الوطن بحاجة لتوقّد عقول و ملء عافية سواعد أبنائه الطيّبين لإلتقاط الفرص المجدية و تثميرها للنهوض من ربقات مطبّات الإحباط التي شلّت تقدمه، و لتقديم جردة حساب أمام أرواح الشهداء الذين أفتدوا بأجسادهم عزّته و حريته و سيادته و إستقلاله و أزاحوا عن صدور إخوانهم هيمنة ساحقة تمهيداً للصعود نحو آفاق التنمية و الرفاهية.
و لضخامة الفداء تحول تقويمنا الزمني رزنامة إستشهاد على مدار السنة.
مع حلول 12 كانون الأول تنتصب في ذاكرتنا قامتا عملاقين جبّارين خاضا حروباً شرسة ضدّ الجهل و الجور و الإرهاب.
جبران التويني حمل مشعل حرية الرأي فجعل "النهار" منبراً لأصحاب الفكر الوهّاج الثائر على الظلم و الهادي إلى رحاب الرقي و أجواء القيم الإنسانية السامية و مناهل المعرفة المثقِّفة.
كان قاذفة لهب تطلق فيض حبّه و إيمانه بلبنان الرسالة و رسله شبابه الأفذاذ. كان قائداً محرّكاً في مسيرة ثورة الأرز و سيبقى نبراساً وضّاءً و صوتاً هادراً يلهم الأجيال و يرعب جلاّدي الأحرار.
أما اللواء فرنسوا الحاج فكان بطلاً مغواراً في جيشنا الباسل أثبت كفاءاته و مهاراته العسكرية في مجالات عدة فرفعته إلى المرتبة القيادية التي تبوّأها و بلغ ذروة تألّقه في التخطيط و الإشراف على إسقاط بؤرة الإرهاب في مخيّم نهر البارد.
لقد زار لبنان دانييل بلمار المدعي العام في طاقم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ليعرب عن تقديره العميق لتضحيات الشهداء الموكول إليه كشف المتورطين في تخطيط و إعداد و تنفيذ إغتيالهم و في طليعتهم الرئيس رفيق الحريري و ليؤكد ثبات مسار التحقيقات و طمأنة المسؤولين و أهالي الشهداء إلى إحراز تقدم في عملية التنقيب عن الأدلة و القرائن و تفحّصها و تحليلها، و التعمّق و التوسّع في كشف خيوط شبكة الإجرام التي يحرص على شمول جلائها للتيقّن من متانة حبكة القضية قبل البتّ بها.
و في كل مرة يسلّط الضوء على هذه المحكمة "يصادف" تحرك قضاء إقليمي لإصدار إستنابات عائبة قانونياً و كأن المقصود بها القول: تذكروا أن لقضائي القدرة على النيل من شهودكم.
كما "كشّر" هذا التحرك عن أنياب غريزة الإفتراس المتأصّلة في سلالة نظام "النخبة" القابض على السلطات تعبيراً عن غضبه من إنطلاق رئيس الوزراء اللبناني في أولى جولاته الرسمية من خارج "بيت الطاعة" السوري الذي يثابر على تصويب "فوّهات" ضغوطه نحو "نفض" فريق مستشاري الرئيس سعد الحريري و "فرط عقد" تحالفاته.
أبناء وطني الأغرّ، التجربة علّمتنا ألاّ نؤخذ بالوعود الخلّب و ألاّ ننقاد وراء قيادات
مزيفة تستخفّ بذكائنا و تحاول سوقنا إلى حظيرة العبودية مجدداً.
لنحكّم عقولنا و لنميّز بين الصواب و الخطأ، و لنتبيّن وجهة كل خطوة (و لو وطأت سجّاداً أحمر)، و لنتحسس الأخطار الكامنة في المواقف و المسالك، ولنحذر الغفلة، و لنستجمع الجهود الصادقة لحماية وطن الأرز الدهري قلباً و قالباً، موئلاً للحرية و الديمقراطية و الإزدهار، و قدوةً لذوي الألباب التوّاقة إلى الإرتقاء.
نَسْغُ الأرز يغلي في عروقنا قلقاً هلاّ إنتخينا و قلنا لبّيك يا أرز

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

14.11.09

فحص الضمير للنهوض بالوطن

*حميد عواد

إستحوذ مخاض ولادة الحكومة على إهتمام شغوف من اللبنانيين، ما لبث أن خَفَتَ تدريجياً ليبلغ حدود الإشمئزاز من مماحكات هواة "كسر مزراب العين" ب"سيف" الظهير المستقوي لنفخ رصيد "الملكيين الجدد" بحقنات حقائب وزارية كانوا إستحقوها لو لم يتنكروا لأصالة الهوية الوطنية.
ضاع الوفاء و إختلّ المنطق و سقطت القيم و طُعنت الحرية و خُدع المناضلون يوم إنقلبت قيادات على مبادئها و راحت تغطي نموّ بؤر فئوية مسلحة جُنّدت إلتزاماً ب"هدي" مرجعية أعجمية فإكتسحت الأرض و نهشت مؤسسات الدولة و قيّدت النظام الديمقراطي و عملت على تغيّر معالم الهوية الوطنية.
و تبريراً لتحوّل "الهوى" لم تدّخر "القيادات الفذّة" صنفاً من "ألعاب الخفّة" السياسية إلا و مارسته لتدرأ الناس "شرّ الفتن"(!) و تصوّر شمول الفائدة و "البركة" و متانة المنعة و "نزاهة" القصد. ثم أطنبت في الإشادة ب"مزايا" الحكّام "البطّاشين" و محضتهم "براءات الذمّة" و أحاطتهم "بالإجلال و الإحترام".
فيما إنتخت لإحياء صور "منتقاة" من ذكريات الحروب العبثية الاليمة التي شاركت في إحدى مراحلها "لإلغاء الميليشيات"(!) و "بسط سيادة الدولة و القانون"(!).
و الهدف هو إدانة قوى منعت تحويل الوطن إلى بديل عن فلسطين في زمن الفوضى و كانت الوحيدة التي سلّمت سلاحها إلتزاماً بإتفاق الطائف و زُجّ بقائدها في السجن لاحقاً بعد "تدبيج" للملفات و رفض للمشاركة في وزارة تفتقر إلى مواصفات الوحدة الوطنية المطلوبة لأول حكومة بعد الطائف و رفض لعرض تسهيل الخروج من لبنان منحه رئيس الجمهورية آنذاك.
و إمعاناً في زرع الشقاق ضمن أوساط الفريق الذي إنفصلت عنه القيادات المذكورة، و تزلّفاً لمن خلع عليها الألقاب البرّاقة و عباءات الزعامة، راحت تصوّب سهامها العشوائية نحو مرجعية روحية و وطنية عميقة التقوى، راسخة الإيمان بالله، متجذّرة في إحتضان الوطن الذي لعب أسلافها دوراً محورياً بولادته و حمت مثلهم إستقلاله و حملته في وجدانها كذخيرة ثمينة تحافظ عليها و تمنع التفريط بها. هذه المرجعية تتجاوز "الأذى الشخصي" القاصر عن النيل من مهابتها، لكنها لا تسكت و تتكتف عند بروز أخطار تهدد أركان الوطن.
حريّ بهكذا قيادات إجراء مراجعة ذاتية و التأمل ببعض التساؤلات التالية:
أين صدقية التبشير بالتسامح متى إقتصر على حلقة الحلفاء الجدد فيما إستمر "رجم" الأخوة؟
و أين صراحة مساندة سيادة الدولة و دعم مؤسساتها و أجهزتها و تعزيز صلاحية سلطاتها فيما الخطاب و الممارسة يقبّحانها ليجمّلا منجزات الدويلة المنافسة؟
و أين العفّة في إدّعاء محاربة الفساد فيما السلوك يصوّر تجاوزات "البطانة" فضيلة و التصرف بأملاك الغير حقّاً مكتسباً؟
و أين الشفافية في الدعوة إلى الإحجام عن بيع الأراضي للأغراب و عودة المهجّرين فيما التمدد المنهجي للحلفاء ينوء بثقله على سكان محيطهم و يدفعهم لبيع أراضيهم و هجر الوطن؟
و أين الجدية في الإلحاح على رفع يافطة "منع التوطين" دون طرح حلّ قابل للتطبيق فيما الهدف هو جعله مطية لإستجرار حروب طاحنة مع إسرائيل لا حسم فيها؟
و أين الثبات على إعتناق مبادئ صيانة حقوق الإنسان و توفير الحريات المشروعة و الحفاظ على النظام الديمقراطي فيما التنكر العقوق لهذه القيم بلغ حدّ لعن حضارة الغرب و حكامه للتدثر ب"مآثر" طغاة المشرق؟
أين الحكمة من التنكر لفضل أحكام القرارات الدولية في إخراج الجيش السوري من لبنان فيما كانت النية معقودة على "إستيطانه"؟
أين المروءة من الإستخفاف بدم شهداء "ثورة الأرز" و تسخيف تضحياتهم و تمويه سفاحيهم؟
أين الشجاعة في قول الحق و التعبير عن القناعات بجرأة و راحة الضمير بدل الرضوخ لضغوط الترهيب و الترغيب؟
أين الأمانة في الولاء للوطن عندما تنبهر الأنظار من أضواء "النجومية" المسلّطة على المسرح السياسي و تحجب المناصب الموقتة الرؤية عن خطر الوجهة التي يُدفع إليها؟
إن الإنفتاح على مختلف شرائح الوطن لا يكون مشروطاً بخضوع الجميع لمشيئة المقتدر مادياً و عسكرياً و لا يقوم على حساب محاصرة فريق و محاولة عزله.
حقّ بديهي للبنانيين ألاّ يشعروا بالأمان و الإطمئنان إلاّ في عهدة قوى الأمن الشرعية. أمّا الأمن الفئوي الخاص فهو حافز لدفع كل فريق لإنشاء جهاز أمنه الخاص.
هل من رهان على سذاجة الناس لإيهامهم إن المهارات القتالية "الرشيقة" يستحيل دمجها ضمن صفوف الفرق النظامية المتعددة المهام و الكفاءات و العالية الأداء أو كفرقة دعم خاصة، و مفهوم الخدمة العسكرية يدخل في هذا النطاق؟
أما إطلاق العنان لقوى "المنعة" غير النظامية ككيان متميز عن الآخرين هو كإفلات خلايا مناعة الجسم من عقالها حين تعلّل خطأًً إشارات صادرة عن أنسجة سليمة فتعتبرها دخيلة و تنطلق لمهاجمتها و تصيب الجسم بعطل معيق لا شفاء منه.
عند كلّ إستحقاق دستوري يستنفر حلفاء المحور الإيراني-السوري قدراتهم التعطيلية لإطالة أمد إنجازه إفساحاً في المجال ل"حاضنيهم"، أركان نظامي الثنائي، لقبض أثمان تسهيل متدرّج لسياق الإستحقاق و لإثبات "طول باعهم" داخل لبنان و على الهامش يركزون الأضواء على "تألق نجوم" فرق المواكبة بوضعهم على خشبة المسرح السياسي و الإختباء وراءهم.
هكذا وُضع سيناريو الحكومة على ثلاث مراحل طالت 4 أشهر و 12 يوماً إعتراها إعتذار و إعادة تكليف الرئيس سعد الحريري إثر أولاها:
1-صفقة هيكلية الحكومة 15-10-5
2-صفقة قبول الراسبين في الإنتخابات و تحديد الوزارات في سلّتي الأكثرية و الأقلية
3-تجاوز "ألغام" توزيع الحقائب ضمن السلّة الواحدة و إختيار الوزراء
و الآن مرحلة رابعة دقيقة هي صياغة البيان الوزاري و القطبة المخفية فيها هي ربط الإلتزام بالقرارات الدولية باإشارة إلى حق تحرير الأرض "بكل الوسائل المتاحة".
لا شكّ أنّ درب التكليف المضني شحذ معدن الرئيس الشاب سعد الحريري فأثبت أنه رجل دولة من عيار أبيه الشهيد.
كما يبدو أنّ كافة الوزراء يتمتعون بكفاءات عالية نأمل أن يكرسوها لخدمة المجتمع بتفانٍ و إتقانٍ و مناقبية و عدل دون تمييز و إنحياز.
فرص إقتران النوايا الحسنة بالعمل المجدى و المنسّق متاحة و لو أنّ إجتراح العجائب وحده يعوّض صبر اللبنانيين و جسامة تضحياتهم. فإستعدوا لممارسة المهام بحرفية و سخّروا كامل طاقاتكم للفوز في سباق التنظيم و الإصلاح و الإنماء و الإنتاج لتستحقوا الثقة و التقدير و الشكر.
*مهندس و اكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

4.10.09

شراكة كونية و شراك موضعية

*حميد عواد

تثبت التحولات و التطورات المتلاحقة الحاصلة على مدار الكرة الأرضية ترابط مصالح المجتمعات و الدول، و خاصة طليعييها، و تبرز حاجتها إلى الشراكة في إستنفار الأدمغة و صهر البحوث و تنسيق المساعي لتهيؤ ملائم لجبه التحديات و تذليل العقبات و تقليص الأخطار و مكافحة الأمراض و تثمير المعرفة و تحفيز النشاط و تكثيف الجهود و تسريع وتيرة التطور.
فالأزمات عبرت الحواجز و القارات و عصفت بالعالم كله فلفّه التلوث البيئي و الإحتباس الحراري و الكوارث الطبيعية و التصحر و المجاعة والعطش و سلالات منيعة من الأوبئة.
كما أستنزفه إستعصاء بعض النزاعات المزمنة و المعقدة على الحلول و تيسر التسلّح و تعثر إجتثاث بعض جيوب الإرهاب و أربكه تشابك الأزمات السياسية و الإقتصادية.
و أستفاق من غفلة الإسراف في إستهلاك مخزون وقود الطاقة و تنبه إلى نضوب المصادر الطبيعية.
في هذا الإطار تنجلي بوضوح صورة المواطن الكوني الذي غدت رعايته و حماية حقوقه و الحفاظ على أمنه و سلامته مسؤولية عالمية النطاق إنسانية الجوهر.
فراحة الفرد لا تريح عائلته و مجتمعه فقط و إنما تنعكس إنفراجاً عميماً على البشرية، و كذلك بؤسه تتسرب مفاعيله كالأعاصير و الزلازل إلى كل بقعة و تهزّ كل وجدان.
تستشعر الدول الكبرى، الرائدة في إلتزام القيم الديمقراطية و الحفاظ على الحريات و توفير العدالة و حماية حقوق الإنسان، الحاجة الملحّة إلى بذل المزيد من الجهود بتيقظ و حذر، لتصويب المسار و صقل المعايير و ترسيخ الإنصاف و تركيز الأهداف و توطيد الثقة.
لكن الأنظمة الهجينة "المنزلة" من "الغيب" أو "الهابطة" ب"مظلات" إنقلابات عسكرية قمعية تحكم قبضتها على شعوبها المقهورة و تحرّم عليها التواصل مع العالم "الخارجي" كي لا "يفسد" أفكارها.
و تعمد هذه الأنظمة "المعصومة" إلى إحباط كل جهد تبذله الدول المتحضرة لمد جسور التواصل مع الشعوب المسحوقة أو "المسحورة" ب"ألوهية" الحاكم و تضرب بضراوة كل إنتفاضة شعبية أو نخبوية تثور على الظلم و تحضّ على الإصلاح.
و كلما نجحت في التعسّف أو شُبّه لها النجاح عمدت إلى الإحتفال ب"النصر" و الإعتداد ببطشها بالضمائر اليقظة "المتآمرة" و سخرت من قصر يد الدول الحرة في دعم ضحايا تنكيلها و فشل محاولة "إختراقها".
لقد دفعت فورة نشوة "نجاح" هذه الأنظمة "الفريدة" إلى مدّ سلطانها خارج حدودها و "تصدير" عقائدها و أنماط حكمها و مدرّبيها و مخبريها و سلاحها إلى أنصارها و حلفائها في دول الجوار تحت شعار "التحرير من الإحتلال".
من الأمثلة الحية لهذا النمط من الممارسات وضع لبنان الذي شكلت البلايا التي ألمّت به فرصاً سانحة لنظامي سوريا و إيران كي ينشئا تنظيمات مسلحة ترتبط عضوياً بهما و تكرّس كل "إنجاز" و "توسّع" و "مكسب" لخدمتهما.
و غدا النظام اللبناني الديمقراطي الحرّ، التعددي و النموذجي هدفاً للخلخلة و الإرباك و الكبح من قبل "الخلايا العسكرية الجذعية" الإيرانية-السورية التنشئة كي تبرز نفوذ هذا المحور في لبنان و تبتزّ من الدول العربية و الغربية "المكاسب" لصالحه عند كل إستحقاق دستوري، فيما تثابر على قضم الأرض و نهش مؤسسات الدولة اللبنانية.
ليس صدفة إدعاء الصحف السورية الرسمية بفظاظة أن النظام اللبناني "يحتضر" لأن هذه هي أمنية مرجعيتها.
و كذلك هي إستراتيجية النظام الإيراني من خلال "تخصيب خلاياه" و تحفيز نفوذها و تمددها داخل لبنان بلوغاً إلى بسط "سلطانه" على وطن الأرز الذي عصي على محاولات شرسة و متكررة لتذويبه.
إن التجاذب السياسي الرازح تحت ضغط السلاح الفئوي في لبنان يشكّل ذروة الصراع بين النظام الديمقراطي و النظام الشمولي التعسفي.
لقد كُتب على حرّاس النظام البرلماني الديمقراطي في الوطن إختبار دائم لإثبات تشبثهم بحرية و سيادة و استقلال لبنان و حرصهم على إحترام أحكام دستوره و صيانة مؤسساته.
لقد بذلوا التضحيات الجليلة قهراً و إستشهاداً لدرء الأخطار عن الوطن فيما إلتحق الإنتهازيون بقاطرة حلفاء الأنظمة الهجينة و أرتضوا أن يكونوا مطيّة لضرب نظامه.
الواجب الوطني يحتّم على التيارات السياديّة حشد الطاقات و شد أواصر التعاون و الوقوف جبهة منيعة في وجه تيار التبعية لإثبات حق اللبنانين بالعيش الحرّ الكريم بعيداً عن أطياف الهيمنة.
لقد إنتدبتهم غالبيّة اللبنانيين لإظهار تصميمهم الصارم على منع إسقاط النظام في لبنان و التمسك بالولاء الوطني و تقديم مصالحه العليا على أي مصلحة تناقضها.
إن مخاض تشكيل الحكومة هو مظهر من مظاهر هذا الصراع المضني و لو كان الوفاء للوطن يهدي جميع القوى السياسية لسهل التأليف.
أما طالما إستمرأ "فرسان" المحور الإيراني-السوري لعبة التمسك بحمل السلاح خارج سلطة الدولة اللبنانية و التهويل به في وجه التيارات السيادية لفرض نفوذهم المجيّر و هيمنتهم على مؤسسات و مرافق في الدولة فإن الوفاق يصبح مستحيلاً لأنه يسقط لصالح مشروع توسيع الدويلة على مدى الدولة و الوطن.
إن إرتباط مجموعات لبنانية بعلاقات خاصة و طيبة مع بعض الدول يكون خيّراً إن جُيّرت هذه العلاقات لمصلحة الوطن.
أما رهن الوطن أرضاً و شعباً كرمى لخدمة مصالح رعاة على حسابهما فهو إستعباد.
إن معيار سلامة العلاقة بين الدول هو التعامل الندّي من خلال المؤسسات الرسمية.
أما قيام دولة بتجنيد مقيمين في بلد آخر و جعلهم "قاعدة" عسكرية غبّ أمرها فهو إنتهاك فاضح لسيادة هذا البلد مهما كانت التبريرات.
"الحرس الثوري" متقمّص و كامن في لبنان بإنتظار "نضج" ظروف بسط مشروعه و بين أذرعة النظام السوري "المخيمة" في لبنان ( الناعمة و حلوة و قوسايا) فصائل فلسطينية الهوية سورية الولاء يصف قائدها المطالبة بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية بالمطلب الإسرائيلي!
لقد أصبح التسيّب حقّاً مكتسباً و مقياساً للمقاومة!
"يتقبّل" حاملو مشروع "الدولة الفاضلة" النظام الحالي ب"تقيّة" و يقولون أن على الآخرين تقبّل نظامهم متى مالت الغلبة العددية لمناصريهم.
فهل "الإجتهاد" لإنتاج هذه الغلبة بلوغاً للغاية النهائية هو هدف نبيل و مقبول من اللبنانيين؟
ما معنى الشراكة و كم تدوم إذا خطط شريك لتهميش و إزاحة بقية الشركاء؟ ما قيمة الشراكة إذا ضاق صدر فريق لبناني بتنوع المجتمع اللبناني و تميّز نظامه الواجب الوجود في موقعه؟
رغم أوزار الصراعات و الأطماع على لبنان تبقى ألوان الأصالة في تنوع لبنان البشري كتنوع جماله الطبيعي و ثماره الطيبة مصدر خير و إشعاع أغنى مجتمعه و محيطه العربي و العالم، فهل من الحكمة جعل هذه النعمة نقمة و هذا النعيم جحيماً؟
شهداء الوطن يترقبون بشغف تبليغهم أن أرواحهم العزيزة سيّجت الوطن واحة وئام و سلام و رجاء و هناء لأهلهم فيطمئنوا. فمتى تُزفّ إليهم البشرى؟

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

14.8.09

تحت وطأة قسر السلاح و كابوس السياسة هل من "عودة" للمهاجرين أم هجرة للمقيمين

*حميد عواد

الإنسان الفاضل و المناقبي و الواثق و النزيه و الحكيم قلما يخطئ و إن إنزلق إلى الخطأ لا يتجاوز حدود الجنحة ليسقط في مهاوي خطيئة الجناية في حق مجتمعه. لذا إن أساء إمرؤ لنفسه و لمجتمعه و عمل على تصحيح خطئه و إصلاح الضرر يُحمد مسعاه، أما أن ينقلب على قيم نبيلة طالما آمن بها و يتنكر لمبادئ سامية إعتنقها و أجمعت على تكريس حقها الأمم المتحضرة و الإنسانية جمعاء فهذا إنحطاط يذكرنا بقول أحمد شوقي:
و إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
في ظلّ الفوضى و التناحر و الهيمنة على الأرض و القرار نما في لبنان فطر سام تغذيه سياسة ملتوية و مرتهنة أسقطت الكثير من القيم. رغم "إبعاد" مصادر أساسية لسموم التفرقة تفرّعت عنها عروق بقيت تعلّ صحة الوطن و تحبط نهوضه. و شُكّلت أحلاف ممسوخة "صهَرها" وهج قوة السلاح لخلق شروخ تسلخ جلد الوطن عن لحمه و تحلل كل الوسائل لبلوغ الهدف. و وصلت "الماكيافلية" حدّ ترويج إستغلال مراكز العبادة و المناسبات الدينية من قبل سياسيين لتسويق الكيد السياسي و الزندقة الدينية المضخوخة في قوالب عظات.
أن عزّة النفس و إحترام الذات تنأيان بصاحبهما عن ممارسة أو مشاهدة طقوس الشعوذة و الدجل. لقد سبق أن إستغلت هكذا أماكن لإبرام إتفاقات عشائرية يخطط لتكرار مثلها، ربما تيمناً ب"عامية إنطلياس" لكن خارج روحيتها و ظروفها، كأن أطرافها يعيشون حقبة جاهلية و يمارسون عادات قبائلها فيما الكنف الطبيعي للتوافق الجدي و المتين بين شرائح المجتمع في عصر التحضر و الحداثة هو مؤسسات الدولة.
لكن ما الحيلة و بعض أشاوسة السياسة يتبجح بقطع "حبل الخلاص" مع دول طليعية، رائدة في النهوض و التطور و التعمق في آفاق العلم والثقافة، ليربط لسانه و "حاشيته" بأنظمة شمولية منقبضة على مواطنيها لإخراسهم و عزلهم عن العالم الخارجي و وأدهم في كهوف التخلّف و أنفاق العبودية.
تماشياً مع هذا النمط المهين عينه يتعامل محتكرو السلطة الشمولية في إيران و سوريا النازعة إلى التفشي في الجوار مع حلفائهم في لبنان بصرامة، فارضين عليهم الطاعة المطلقة و التماهي في خططهم.
لذا مؤسف و معيب أن يندفع أحد السياسيين المنتصبين في وجه هذا التمدد الخطر، بسبب "توعّكه" و "إمتعاضه" من "إجحاف" طال "نصيبه" من مواقع السلطة و "أضعف" رصيده، إلى "قلب الطاولة" على حلفائه، مصعوقاً بذعر "قسر" و "جهوزية سلاح" للإرتداد و التصويب نحو الداخل، و يخطو بإتجاه الإرتماء في أحضان الذئب نكاية و "توقاً للأمان!" علّه يطمئن و يعزز موقعه "الجديد" و حصصه.
لقد كبتت سابقاً "رهبة" السلاح "المنبثق" من الحلف الإيراني-السوري نزعة الحرية و الإستقلال لدى فريق سيادي عبر "إغواء" و تلقف "قطب جذب" في شراك شباك العنكبوت السوري و أفخاذ الأخطبوط الإيراني. أما المخاض الجديد فأكثر حدّة و إستهجاناً لغرابة أطواره. و المشهد يتكرر: كلما علقت ضحية في الشرك بدأت "نشوة" الإحتضار بالإنفضاض من خلال فقدان التوازن و الهلوسة و جلد الذات و طعن الأصدقاء ثم إطلاق "صيحات الندامة على إرتكاب خطيئة عظيمة" و تلاوة شعارات جوفاء بائدة مملاة على مطلقيها، مرفقة بتسابيح الحمد و الشكر و المديح تكال لمرتكبي الشنائع و الفظائع.
فهذه هي عادةً طقوس "التطهير" و نكران الذات المرسومة للتمهيد لزيارة "عرين الشبل".
وسط هذه التقلبات ينذهل و يمتعض كل لبناني أصيل و يزداد تشبّثاً بالحرية و السيادة و الإستقلال بينما يثابر "المنذورون" لخدمة مصالح "عرّابيهم" الإقليميين و المكلّفون بإستجرار الصدامات، على إستنزاف الوطن عبر فرض هيمنتهم على بيئتهم و محيطهم من خلال الإستنفار الدائم و نشر اجواء رعب و قلق متجددة تؤمّن لهم "حرارة كافية" ل"ضرب الحديد حامياً" علّهم يلوون صلابة الصامدين و المتصدّين لهيمنتهم.
اللبنانيون بحاجة إلى إستقرار حُرموا منه عنوةً خلال جلجلة طويلة فيما نعِم به من شارك في إعدادها و حاول جدْل عذاباتهم إكليل مجد له.
حان للبنانيين إستعادة كامل عافيتهم للعب أدوار نهضوية أتقنوها فهم رواد نهضات ثقافية و عمرانية و علاقات مميزة في كل أقطار الدول العربية و أنحاء العالم و في مختلف الحقبات و ليسوا بحاجة إلى وسيط أو وصي على علاقاتهم عربية كانت أم أبعد مدى.
يبدو أن "قايين" مسكون بهاجس المحكمة الدولية قلقاً من المضبطة الإتهامية التي ستصدر عنها. فيما يجري ترويج إشاعات و "تسريبات" القصد منها النيل من مصداقية هذه المحكمة ليصوّروها و كأنها مكتبة عامة مفتوحة تقاريرها للشغوفين بالإطلاع على مذاكراتها القانونية. و الهدف هو إغفال واقع أنها موكولة لخيرة من القضاة المشهودي الكفاءات يتوخون كشف الحقيقة الدامغة و في طليعتهم المدعي العام دانيال بلمار، و يحرصون على حماية الشهود و إبقاء مداولاتها و قراراتها بالغة السرية و الدقة و الإتقان، مستندين إلى القرائن غير متأثرين بأمنيات "المهتمين" بخلاصاتهم و الراغبين بتعديلها غِبَّ طلبهم.
أما الإلحاح في إثارة قضية توطين الفلسطينيين يجب ألا تحجب مشكلة الإفراط في ترجيح مبرمج لثقل ديموغرافي معين لما له من أعباء تتعدى طاقة لبنان على الإستيعاب و الرعاية.
فيما لا تكْتم الحكومات المتعاقبة في إسرائيل رغبتها في "إبعاد كأس" عودة اللاجئين الفلسطينيين إليها لا بل تفتش عن سبيل للتخلص من فلسطينيي "الداخل" و إنتزاع إعتراف بيهوديتها، ثبّت المشترع اللبناني في متن الدستور اللبناني رفضاً للتوطين و هذا موقف يحظى بإجماع اللبنانيين و الفلسطينيين و لا يحتمل المزايدات.
أما الحل الشامل وفي صلبه بلورة الدولة الفلسطينية فتعمل عليها الإدارة الأمريكية بالتعاون مع الدول العربية و السلطة الفلسطينية و إسرائيل لإجتراح حلّ منصف. لكن التبني الذي يظهره المحور الإيراني-السوري و حلفاؤه في لبنان و التشدد الإسرائيلي ينبئان بصراع دائم، ميدانه لبنان و مدخله إسترداد مزارع شبعا و مرتفعات كفرشوبا ( التي وعدنا وزير الخارجية السوري بإعادتها إلى لبنان عندما تستردها سوريا من إسرائيل)، يديره عن بُعد أركان المحور فيما يعمل النظام السوري على إعادة إحياء المفاوضات غير المباشرة معها لإستعادة الجولان.
بين إلتهاب و خمود للصراع ينزف لبنان بشرياً و مادياً و نهوضاً. وفيما يحقق معظم اللبنانيين الذين هاجروا نجاحاً مميزاً حيث يقيمون نظراً لإجتهادهم الدؤوب و يمدّون أهلهم و أقاربهم بالدعم المادي و المعنوي للصمود في ديارهم داخل الوطن ( آلاف من اللبنانيين الشرفاء يتضوّرون بإباء بعد شلل أعمالهم وكساد إنتاجهم لسنوات و نفاد مدّخراتهم و "مؤنهم" و دفع فواتيرهم على حساب طعامهم الشحيح، فمن إلتفت إليهم؟) نرى "محظيي الداخل" يغرفون من "النعم" المباحة لهم من المال العام و الخاص و يستغلون النفوذ و الخدمات العامة و أملاك الغير ليكدسوا الثروات المختلسة و الموهوبة و يوظفوها كما يفعل سماسرة "غيلان المال" في شراء أملاك المصابين بالضيق ممارسين لعبة "المونوبولي" (الإحتكار) عل أرض الواقع. خلال ذلك يستشري الغلاء و يكوي الكثير من المواطنين و يفاقم المشاكل الإجتماعية من فقر و جوع و مرض و سرقة و إدمان.
و هكذا يصيب القلق و الإحباط العديد من المواطنين، فينأوا عن مساقط رؤوسهم و يضطروا لبيع أراضيهم و هجر الوطن مفتشين عن بلد مستقر لا يكون جناهم فيه عرضة لمهب الأعاصير و القلاقل.
في هذا الجو المكفهر يمعن غلاة التعصّب و التقوقع في رذل الطائفية و المذهبية و يردّون العلّة إلى النصوص فيما هم ينشئون أجيالاً على ثقافة خاصة و يعودونها على الطاعة العمياء و يركزون أذهانهم على شد أواصر "عصبية قبلية" يغلّفونها بطفرة دعوات إلى الوئام و الإلفة الوطنية لا تخرق "قشرة الشرنقة" لتتسرب فعلياً إلى أعماق الذات. فهل لبقية أبناء الوطن مكان في حساب هؤلاء؟ بالله عليكم، نقّوا النفوس قبل الإنكباب على النصوص!
مفتاح الخلاص يكمن في الإنخراط الصادق و التآلف و التآزر في مسيرة بناء مؤسسات الدولة و تعزيز سلطة القانون و تنشيط الإعلام الرسمي و الخاص و المؤسسات التربوية لتثقيف الأجيال ثقافة مشبعة بالوفاء و الولاء للوطن.
لا فضل للبناني على آخر ألا بمقدار رصيد علمه و معرفته و خبرته و تفانيه في خدمة الوطن. فعسى أن تشكل الحكومة بهذه الروحية لتنطلق في معالجة مختلف أوجه التحديات الإجتماعية و الإقتصادية و المعيشية، و تحديث و ترشيق الإدارة و تنمية الموارد و إستغلال الطاقات و التنقيب عن المصادر الطبيعية الدفينة و حلّ الإشكالات السياسية.
إضافة إلى توظيف القروض و الهبات في تنشيط النهوض، لا بدّ من طلب مساعدة ملحّة من الدول الضليعة في إنتاج الطاقة الشمسية و المائية و الهوائية لبناء شبكة إنتاج كهرباء من الطاقات الطبيعية الوافرة و النظيفة لئلا تُهدر هباءً.
حقّ للبنانيين أن يهنأوا بعيشهم أعزاء في حمى جيشهم الوطني و قوى الأمن و تحت رعاية حكومة زاخرة بالمواهب عالية الجدارة في الأداء و الإنجاز. و حقّ للمغتربين "العودة" إلى الوطن ليشاركوا أهلهم بهجة العيش و نعم العطاء، فإفسحوا المجال لإحتضانهم بدل دفع المقيمين إلى الهجرة.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

1.7.09

لبنان صنو الحرية و العنفوان لا يخنق

*حميد عواد


إستقامة و نجاعة حرية الرأي و المعتقد تنبعان من وعي حدود المسؤولية حقوقاً و واجبات و ممارسة، كما تبنى من خلال حرية الإضطلاع على مصادر المعرفة و صقل المواهب و تنمية طاقات الإستيعاب و التمييز و الغور في باطن الطروحات لتقصي خباياها و تبيّن مقاصدها و أهدافها.

و هذا يتطلب تنشئة رصينة غنية الروافد، واسعة الآفاق، منشّطة للفكر، شاحذة للمنطق و محفّزة على التحليل النقدي، ضمن بيئة إجتماعية صحية منيعة لا تزعزعها هزات توتر داخلي مفتعل و لا تخرق غلافها إضطرابات وافدة من وراء الحدود.

رغم هول الأحداث و الفتن التي أحاطت و إخترقت لبنان، بقيت شرائح مهمة من المجتمع اللبناني وطيدة الإيمان بوطنها وفية لتراثها و حامية لحصونه الشامخة المنيعة التي يحاول عبثاً "موغول" العصر دكها و محو ذاكرتها الجماعية.

بكركي قلعة وطنية راسخة وصرح روحي حضاري بطاركته من صنّاع تاريخ لبنان و صاحب الغبطة و النيافة مار نصر الله بطرس صفير هو سند صلب لكيان لبنان "الرسالة" عصي على الضغوط و حملات التعدي التي إستهدفت من خلاله عوامل منعة الوطن، فإرتد المعتدون خائبين و مفضوحين: الماس لا تخدشه المخالب.

كم كانت أمنية الحريصين على صيانة جوهر كيان الوطن، المتميّز بنظامه الديمقراطي و تنوعه البشري، ألا تجرف السيول الإقليمية فئة و فتاتاً من نسيجه الإجتماعي لتنقلب على الصيغة النموذجية لهذا الوطن المنارة و القدوة، محاوِلة خنق الحرية و إحتباس النور و إجهاض النهضة بشتى الوسائل الوافدة إليها من الأنظمة الشمولية المحيطة، بما فيها السلاح الذي غدا جزءاً من مهامه حقن للإستفزاز الفئوي و "فورة منشطة" للإستقواء الهمجي و ضغط إستدرار للإبتزاز السياسي و "وسيلة تعبير" لتمجيد الزعامة تمزق الأجساد.

إن القدرة على الترويض حسنة إن خُصصت لإخماد النزعات العدائية وضبط الإنفعالات، أما أن تستغل هذه القدرة عند بعض المشعوذين لإثارة و تأجيج الغرائز البهيمية في أذهان مسلوبة الإدراك كي تؤهبّها و تسوقها للإفتراس فتلك الطامة الكبرى.

رغم صولات الترهيب و تلاوة تعاويذ التضليل و ممارسة طقوس التدجين و ضخّ شعائر التدجيل الديماغوجية إرواءً لظمأ النفوس المدمنة على التبعية، قيّض للديقراطية في لبنان أن تتألق حتى في ظروف دقيقة و صعبة، فتمت الإنتخابات النيابية بنجاح تحت رقابة مؤسسات عالمية مختصة خلال نهار واحد مما عُدّ إنجازاً بارزاً رغم إستباقه بتشكيك جوقة النقيق في نجاحه.

هذه الجوقة لم تكتفِ بحرمان المغتربين حق المشاركة في إنتخاب النواب و ربط مشاركتهم بتعديل للدستور يتيح تخفيض سن التأهيل للإقتراع من الواحدة و العشرين إلى الثامنة عشر ( رغم أن هذا العمر هو بداية لإكتساب الخبرات و نضج الشخصية و إنقشاع الخيارات و التمرس في المسؤولية)، بل ضاقت بمشاركة من تكبّد مشقات السفر للإدلاء بعيّنة من أصوات تفانت في الدفاع عن لبنان، لأنها "إكتشفت" فيها سر خسارتها.

صدمة هذه الخسارة نغّصت رموز النظامين الإقليميين الشموليين الدائمي التحفز للتوسع و السيطرة الذين كانوا يمنّون النفس بفوز كاسح لحلفائهم في لبنان ينشر هالتهم، فشدت عزيمة النظام الإيراني على منع إفلات منصب رئاسة الجمهورية فيه للمعارضة بكل الوسائل، فجاء الرد بالطعن في صحة إحصاء الأصوات و إنطلق تحرك شعبي يدعو لإعادة إجراء عملية الإنتخاب و كشر المحافظون عن أنيابهم فسطعت المفارفة بين نظامي إيران و لبنان:
"ضدان لما "إستحضرا برزا" و الضد يظهر حسنه (و سوءه) الضد"

و في سياق "المحاسن" أوردت وكالات الأنباء ما قاله أحمد خاتمي في خطبة الجمعة(26 حزيران، 2009):" أريد من القضاء أن يعاقب زعماء الإنتهاكات و مثيري الشغب البارزين و الذين دعموا الولايات المتحدة و إسرائيل، بقوة بحزم و دون أي رحمة ليلقن الجميع درساً... إن من يقاتل النظام الإسلامي أو زعيم المجتمع الإسلامي، عليكم بقتاله حتى دماره الكامل. كل من يستخدم السلاح لقتال الشعب، يستحق الإعدام"، مشيراً إلى من عكر السلام و دمر الأملاك العامة هو "في حرب مع الله". (النهار، ي ب أ، أ ب، رويترز، و ص ف)

هذا غيض من فيض غضب و بأس "حراس نظام أحادية حظوة الحلولية و الفقه".
هل يتقبل اللبنانيون تسليط هذا النمط من التفكير و النهج عليهم في لبنان؟

العالم يشهد و يسمع و يميز بين الحرية و الفوضى، بين الظالم و المظلوم، بين الجلاد و الضحية، و يدعم المطالب المحقة كما يعرف ما و من يستحق الإدانة.

لبنان بممارسة الديمقراطية التي تليق بتراثه العريق إستقطب إعجاب و تقدير العالم الذي أغدق التهاني و التمنيات الطيبة على رئيس الجمهورية و رئيس المجلس النيابي و الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة.

اللبنانيون و العالم بأسره يتوسمون خيراً بتكليف رئيس تكتل "لبنان أولاً" سعد الحريري تشكيل الحكومة بالتنسيق مع رئيس الجمهورية و بعد التشاور مع مختلف الكتل النيابية، و يترقبون ترجمة وعود التعاون بتسهيل تشكيل حكومة منسجمة تؤمن مشاركة بناءة بلا مشاكسة هدامة، تعمل بهدي توق غالبية المواطنين لترسيخ الولاء الوطني و تثبيت الإستقرار و تعزيز دور المؤسسات الرسمية في ممارسة مهامها و صلاحياتها الدستورية خدمة للمصالح الوطنية العليا فوق أي إعتبار آخر، و تجيّر كل عوامل القوة لتصليب هيكلية الدولة و تزخيم إندفاعها نحو التنمية و الإزدهار.

قد يمهّد صفاء النيات كثيرأً من العراقيل لكن الإصرار على إنتزاع شرعية تُسبغ على كيان يقرض تدريجياً معالم الدولة سيطرح عقداً على صعيد صيغة الحكومة و صياغة البيان الوزاري.

و المصرّون على إنتزاع "إمتياز" "حرية الإنتشار" و تحويل كل "منزل" لهم قاعدة عسكرية تُجفل أهل الجوار، يتحدون المبدأ البديهي أنّ السيادة تصونها السلطات الرسمية و يحميها جيش الوطن و قواه الأمنية فلا توكل و لا تلزّم إلى "متعهد أمني". كرامة المواطن و أمنه و إطمئنانه لمستقبله هي أمانة تحفظها مؤسسات الدولة لا سلعة يفاوض عليها حملة السلاح لقاء الخضوع لسلطة زعيمهم.
فهل من يقظة ضمير تضع الأمور في نصابها الصحيح و السلاح تحت إمرة الدولة و تزيل الضغينة من النفوس و تمحو البؤر الأمنية عن ارض الوطن و مؤسساته و مرافقه و حتى عن بعض صروحه العلمية؟

إن الوزراء الحاليين الذين أثبتوا جدارتهم في تحمل المسؤوليات بأدائهم المميز يستحقون الترحيب بإعادة تكليفهم، ضمن حكومة توفر دوراً راجحاً لرئيس الجمهورية و تعكس ميزان نتائج الإنتخابات النيابية و الخيار الشعبي بضمّ شخصيات مؤهلة و كفوءة وخبيرة تحظى بالإحترام و التقدير. كما يحلو تطعيم الحكومة العتيدة بوجوه إغترابية مرموقة بمواهبها و إنجازاتها و دعمها لحرية و سيادة و إستقلال لبنان، و إغناء رصيدها بسيدات مشرقات بمهابة إستقامتها و طافحات بتوهج إيمانها الوطني و لامعات بتوقد ذكائها و إشعاع معرفتها و صفاء إخلاصها و هالة سحر إلهامها و بريق القوة الكامنة في داخلها، كماجدة الرومي التي يليق بها وزارة التربية أو الثقافة أو الشؤون الإجتماعية.
يدرك اللبنانيون المتنوّرون فداحة الخسائر التي تكبدوها من جراء الأطماع المحدقة بوطنهم و بسب ضعف في المناعة نتج عن الإخلال بالولاء الوطني.

فهل تحل نعمة الوفاء و الصفاء على قلوب المسحورين بسطوة السلاح فيرون في لبنان جنة يانعة، عامرة وحصينة خافقة بالحياة، لا قاعدة عسكرية قاحلة دائمة التأهب مرهونة لمشيئة الغير تنحبس فيهاالأنفاس تحسباً للأوامر المفاجئة؟

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

13.6.09

مراجعة كتاب "سنابل السنين"

بمناسبة صدور كتاب "سنابل السنين" عن دار ABCfacile للنشر لمؤلفه الأستاذ إلياس كساب رئيس المجلس القاري في أمريكا الشمالية، أقامت الجامعة الثقافية في العالم إحتفالاً تكريمياً لتوقيعه، ألقيت فيها هذه المراجعة ضمّنتها إنطباعاتي و مقتطفات منه

حميد عواد*

يستضيفنا اليوم صديقنا العزيز الأستاذ إلياس كساب على مائدته الأدبية الشهية حول طبق متنوع النكهات اللذيذة، مغذٍ للفكر و ملهمٍ للقريحة و مثير لمشاعر الحنين إلى الوطن، عنوانه "سنابل السنين".
صدّر المؤلف كتابه بإهداءٍ رقيق مليء بالعاطفة و التقدير لزوجته و شريكة حياته حنان كما شمل إبنه كميل و إبنته مريام بهذه الإشارة. ثم ختمه بشكر خاص لمجمل أفراد العائلة منوهاً بعرفان جميل لإلتفاف أخوته و أخواته حوله و لرعايتهم جهوده، متوّجاً الشكر بإلتماس بركة و رضى والديه.
لقد إستودع الأستاذ كساب كتابه هذا حصاداً نثرياً و شعرياً يختزن حكمة من عصارة تجارب عاناها و تأملات خبرها خلال محطات من مسار حياته. صاغها من جوارح قلبه و متنها بتحليلات عقله و صهرها بحدة ذكاء و مهارة جواهر نفيسة و سبائك ذهبية إنسكبت في قوالب أدبية أنيقة و بليغة، فضمن لها "عبوراً مقدساً إلى روح القارئ".
لقد فتح قمقمه السحري فخرج منه مارد حكيم يطيب الإستماع إليه، و كسر قارورة عطره ففاح منها شذىً منعشٌ عبقت به الأنفاس. كما فجّر ينابيع مياهه العليلة، فوافاها العطاش للإرتواء، و أشعل الألوان في أضوائه فإجتذب الفراشات و رسم أقواس قزح.
و لأنه موسيقار مرهف نقرَ على أوتاره ألحاناً شجيّة مطربة غنّت على إيقاعها العصافير و تآلف معها خرير المياه و حفيف أوراق الحور.
خواطره و قصائده تبوح بمكنونات فكره و خلجات أحاسيسه حيال قضايا و مواضيع متفرقة تتراوح بين دفء العاطفة العائلية و اللهفة و الحنين إلى الوطن و عشق الطبيعة، إضافة إلى نظرته حول شؤون إجتماعية و وطنية و معضلات أوسع نطاقاً.
في النصف الأول من "سنابل السنين" نثر كاتبنا العزيز باقات من سنابل خواطره البهية، النضرة و الناضجة وبثّ نبضات أحاسيسه الصادقة، فحدثنا عن الغربة و الهجرة، الحب و المحبة، الماضي و الحاضر، الحرية و العبودية...
بعد لفت إنتباهنا إلى أن القيادة الأصيلة تترسخ بالتجذر في قاعدتها، تطرق إلى إيمانية و عنفوانية الإلتزام الوطني فقال:

"عِشْ عزيزاً لا تمالئ، فالقضية تستقيم
مُت شهيداً للمبادئ لا ضحية للزعيم"

ثم أفادنا عن ثلاثة أقانيم مترابطة: عظمة صنّاع التاريخ المحفورة في التحولات التي إشتقتها و عظمة المؤرخين النابعة من أمانتهم في الإخبار عن الأحداث و عظمة القارئ في تفاعله مع ما يقرأ.
و بأسلوب شيّق صوّر لنا النضال إحتكاكاً و شحذاً مدوزنين بين السيف و القلم، و حذرنا من طامة التلوث الأخطر: تلوث الفكر.
و حثنا على النقاوة في التعاطي مع الأخرين و على تفادي الإنبهار بلمعان الشكل لأنه يعمينا عن كُنْهِ المضمون.
و لأنه ناشط لا يهدأ حفّزنا على المبادرة و الإقدام و عمل الخير.

أما النصف الثاني من "سنابل السنين" فمرصّع بقصائد بديعة أطلق أديبنا العنان لقريحته الشعرية و مخيلته الخلاقة و موسيقاه التصويرية في نظمها.
قصيدة "من أنا" بدأها بتعريف ينمّ عن أصالته:

"في الهوى مشرقي، من جبل عنيد أغلّ في جذوري كقدري الوحيد"

و يختمها بصورة الوطن و التراث المنطبعة في ذهنه أنّى توجّه، إذ يقول:

"في الهجر و البعاد تسكنني بلادي محفورة ببالي مآثر الجدود"

تحت عنوان "زمان الهجر" يعبر عن التوق الدائم إلى المنبع المتأجج بإضطراب الإبن القلق الملهوف للإرتماء في أحضان امه. يقول:

"أزرع الروح وعوداً في نهاري أحصد القلب حطاماً في منامي
يا بلادي في حنانيك إهتدائي و هنائي و هدوئي و سلامي"
من قصيدة "يا بلادي" أقتطف بيتاً بطّنه شاعرنا دعوةً لغسل القلوب، حيث قال:

" يا بلادي طهّري القلب المجافي و إفتحي الأبواب حبّاً بالجمال"

جمال الطبيعة مصدر وحي دائم و مناجاة حنونة لشاعرنا الملهم، و قصائده في هذا النطاق تصحّ للغناء. تحت عنوان "أيّها الطير" أنشد:

"و سهول الخصب تحضنها الورود و حفافي الحي تغمرها الدوالي
و ضفاف النهر ملعبها الوهاد و عيون الماء تزخر باللآلي"

و لأنه فنان يعشق الموسيقى، نظم قصيدة على عزف العود و أطرب، فذكرنا بالموشحات إذ قال:

"إحمل العود و غنّ طرباً داعَبَ الشوقُ حنينَ الوترِ
و غدا الحب أميراً ساحراً سارقَ اللحظات حُلوَ السهر"

و تبلغ سمفونية الطبيعة ذروتها بحلول الربيع الذي يدخل البهجة إلى كل القلوب. لذا أشركنا شاعرنا في إحتفاله بالربيع رمز التجدد فدعانا قائلاً:

" حيّوا الربيع و شرّعوا ابوابكم للشمس، للآمال، للآهات
حيّوا الينابيع التي من صفْوِها تَهِبُ الثرى رمقاً لكل حياة
قدر الفصول السحر أنّى حُزْتَه إنّ التجدد من جنى السنوات"

جودة خمرة الحب في قصائد شاعرنا تُسكر قارئها و سامعها. تحت عنوان "أسقني" نظم قائلاً:

"أسقني من خمرة الحب العتيق كأسَكِ المملوءَ شوقاً و هياماً
إن سقينا العمر ورداً و مُداماً تنتشي اللحظات من رشفٍ رقيقِ"

في قصيدة غزلية بديعة عنوانها "لمّا أضمّك" قال:

"تتبارك الشمس على جبهتك يتنزّل الشِّعر إذا الشَّعر إنسدل
يروي حكايات التشوّق و القبل و العطر ينضح من مفاتن قدّك"

الإيمان بالله منطبع في عدة قصائد بين إبتهال: أنت دربي، أنت حبي، أنت قلبي. و مناجاة للذات: "في ثورة الأيام صلّي لا تملّي". وصولاً إلى قصيدة "يا بحر" حيث قال:

" بل وحده الإيمان يجتاز المدى و يطوّع الإعصار إن يتفاقمِ
و إعمل بهدي الله تُمنح نعمة تُغني الشباك بفائض من مغنمِ"

و في قصيدة "موئل المتعبين" يخبرنا أنه في ليالي الأرق المضنية وحدها الصلاة هدّأت روعه و أعانته على الإغفاء من جديد، ليخلص إلى القول:

"هو موئل المتعبين و ملجأٌ فألقوا عليه بحملكم تتصبّروا"

لقد أعطى الشاعر للنقد السياسي و الإجتماعي الثاقب حيّزاً في شعره. فتحت عنوان "ما بالها الصحراء" عبّر عن قلق من تمدد التصحّر الفكري و العقائدي ثم قال:

"خيولنا لم تَعُدْ أصيلة "الموت للموت" غدا بطولة"

و إستطرد منتقداً جعل الطفولة وقوداً و الفكر طريداً و الوقت جموداً و التدمير عيداً و الدين قيوداً.
في قصيدة "سابح في بحر الظلام" حضٌّ على مغادرة الظلمة و نشدان النور و أطلق دعوة للتسامح:

"أيّها السابح في بحر الظلام خفّفِ الروع و بادر بالسلام
.................................. ...................................
لا تبارح موطن الروح و سامح وحده الله كفيل بالأنام"

قصيدة "جئتك بيت لحم" يفتتحها بالتالي:
"يا سيدي أبحث عن مذودك، لم أجده، فلقد تغيّرت المعالم، فكهوف الأرض ملأى بالجماجم"

لكنه يختمها ببشارة الأمل الناضحة من طهر براءة الطفال و توهّج ذكائهم.

ختاماً لنطلق صرخة غضب مدوّية علّها توقظ الضمائر الخدرة و لنلهب الهمم منشدين هذه الأبيات من قصيدة "ما خفّ الحنين":

"شهداؤنا يصطادهم جلادنا لبنان حفّار المنايا جاره
إنّ التوابع للغريب تنازلوا عن ساحنا و الساح له ثوّاره
يا ثورة الأرز الملاحم دبّجي فوق الربوع، فوعدنا نختاره
نقِّي الأديم،تأجّجي و تدجّجي بالحقّ يصدح للمدى أحراره"

عزيزي إلياس، مباركة باكورة كتبك في الأدب المهجري الجديد.

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

23.5.09

تغطية الشذوذ إثم

حميد عواد*


لكل مرحلة أبالستها تنقضّ على لبنان من مكامنها، عبر حدوده و داخل أرضه عند نهوضه من كل كبوة أو نكبة، لتحبط إنطلاقه و تجعله أسيراً لشهواتها و لأطماع المتقمصين فيها.
"مواجهة إسرائيل" هي الردح الذي يستولدها و يستحضرها لحرفها عن الهدف المعلن و يستدرجها لزعزعة أمن اللبنانيين و تشريخ وئامهم و تهشيم مؤسساتهم و إنتهاك سيادتهم إضافة إلى التنكيل بالفلسطينيين و مصادرة حقوقهم.
لا شك أن التلكؤ المتمادي في حل الصراع المشار إليه شحذ حدّي الحمية الدينية و إستغل لتغطية أعمال إرهابية و أفسح المجال لنظام ديني إقليمي ب"تصدير ثورته" و نشر هيمنته لتزيد الحل تعقيداً.
هذا المنزلق الديني الخطير ينذر بتطاحن جامح هلاك و طويل الأمد يستحيل حسمه. و قد شهدنا إنحرافاً و تفرّعاً له تلبّسا إنقساماً مذهبياً على خلفية التطفل على قضية عربية فيما أججه جنون سفك الدماء في العراق.
لذا فالحكمة تقضي بتجنب الإستنفار و إستثارة العصب المذهبي سبيلاً لمد النفوذ داخل الدول العربية. فالأسلوب السليم للتعاطي مع كل بلد هو التواصل الراقي مع سلطاته و مؤسساته الرسمية، و الطريق القويم للتعامل مع المجتمع الدولي هو الشفافية و الصدق و إحترام المعاهدات و مواثيق الأمم المتحدة و الإلتزام بقرارات مجلس الأمن.
لبنان يطالب سائر الدول بإحترام سيادته و إستقلاله و حرية قراره و التعاطي معه من خلال رئيس الجمهورية الحكيم و القدير، الموجه لدفة الحكم من قمة هرم السلطات، و التدرج منه إلى سائر السلطات و المؤسسات الدستورية المختصة.
فقد عانى طويلاً من خروق نخرت وشائج مجتمعه التعددي و حروق بليغة أفجعته بها، مباشرة و بالواسطة، دول و منظمات إقليمية بغية إنهاكه و تقويض مؤسساته و إستتباعه.
لا يمكن تجميل إنتهاك السيادة فهو عمل عدائي تخريبي أياً كان مرتكبه. فإذا صدر عن "شقيق" لا يعتبر "حبياً" و لا مقبولاً بل أشدّ مرارة و أعنف إستهجاناً.
تصدياً لتكرار هذه التعديات و تحصيناً للسيادة إلتف المخلصون و نسقوا جهودهم لتدعيم مؤسسات الدولة و إلتزام القوانين و تسهيل ممارسة السلطات لمهامها.
لكن عهد الوصاية "الأخوية"، الذي إنغرز في أحشاء الوطن ثلاثة عقود كابتاً إتفاق الطائف و ماسخاً صورة الدولة، ظل يرعى، بالتنسيق مع إيران، تنظيمات مسلحة أمعنت في عرقلة نهوض الدولة، و إستباحت القوانين و الأصول و المؤسسات و نفرت و أقلقت بقية شرائح المجتمع.
إن الفصيل الخاص الذي أعدّ تنشئة و تدريباً و تسليحاً لمقارعة إسرائيل، ضمن إرتباط عضوي مع إيران و تنسيق لوجستي مع النظام السوري، بلغ درجة من الإقتدار و التنظيم و التجذر في مواقعه جعلته، حسب خطة مسبقة، يستقوي على مؤسسات الدولة و يرفض تجيير قدراته لوضعها تحت إمرة السلطة الرسمية، بذريعة إتهامها بالعدائية و بالخضوع لمشيئة الدول الكبرى، فيما هو شريك نافذ فيها.
يبدو بديهياً أن هذا الإدعاء ساقط و هو تهرب من واجب وطني و رهان على الوقت يبيّت نوايا غير سليمة. إن نمو شبه دويلة مستنسخة في لبنان عن النظام الإيراني تحاصر بؤرها الأمنية تدريجياً مختلف بقاع الوطن ضاغطة على سكانها، فيما تصرّ قيادتها على فصل إدارة شؤونها عن كنف الدولة اللبنانية، هو قضم منهجي لسلطاتها و مؤسساتها ينجب عواقب وخيمة.
إن الإستقواء بقرقعة السلاح و حشد الرجال في مواجهة مواطنيهم لحسم ميداني لشأن سياسي هو عمل مسيئ لأهل الوطن الذين أضناهم التهويل و التنكيل. فحرية الرأي و العقيدة لا تجيز إكراه المستقوي لمن يخالف نهجه على الرضوخ لمشيئته.
التزمت مذموم فمساحة الحوار و التلاقي في القيم الروحية المشتركة واسعة تجمع الناس و تهذب النفوس و تنقي الضمائر و تقوّم السلوك. أما الخصوصيات فلا تلائم قيام الدولة المدنية الديمقراطية الحاضنة لكل أهلها و المحفزة لإبداع مواهبهم و إبتكار قرائحهم و الراعية لغنى تنوعهم.
الحرية الرصينة الناضجة تنعش أنفاس اللبنانيين المدمنين على تنشقها مع رحيق الورود الفيحاء في ربوع لبنان. كما أن المصل المحيي للعيش فيه، يضخه في عروقهم الإنفتاح الفطن و العلاقات البناءة و الندّية الصائنة للكيان، و النشاط الدائم الخيّر و المجدي و النهل من منابع المعرفة الصافية و السخاء في الحب و العطاء.
إنه تراث اجيال فريد تبلور عبر مجرى تاريخ وطن الأرز الذي إمتزجت فيه روافد من أعرق التيارات الحضارية. فمن ذا الذي يرضى بوقف ضخّ هذا الإكسير المنعش لنبض الحياة.
لقد أنهك لبنان على مدى ما يقارب أربعة عقود لم نبرأ من بلاياها بعد. قوافل من الشهداء إفتدت، خلال صولات نضال متلاحقة، و حمت حرية و سيادة و إستقلال هذا الوطن.
فلنتذكر جلل هذه التضحيات و لنفِ بعهودنا للوطن و لكوكبة الشهداء بصونه و تطييب جراحه و إنهاضه. و لا يغيبنّ عن البال أن الدعم الدولي الحثيث البارز الحضور و الموثق بقرارات متتالية صدرت عن مجلس الأمن، ساهم في الإستجابة لتوق اللبنانيين إلى الحرية و أطلق المحكمة الدولية الخاصة بلبنان و حقق جلاءً شبه مكتمل للجيوش الإقليمية عن لبنان محبطاً أطماع قادتها.
أما أنصار إعادة لبنان إلى حظيرة الوصاية الإقليمية، الضالعون والممعنون في إجهاض الكيان، فيحذرون من "إنفكاك" لبنان عن محيطه، و المقصود إلحاقه بإمرة النظامين السوري و الإيراني، و يظنون أنهم إبتكروا فذلكة حذقة لتجريده من الحضانة الدولية للإستفراد به.
لقد نصّب هؤلاء أنفسهم قيّمين على "تشخيص مصلحة النظام" فقد ورثوا "صلاحيات" أسلافهم و حلفائهم، "ضابطي" إيقاع التحكم برقاب اللبنانيين، و إبتدعوا "حق النقض" و إمتحان كل مرشح لمنصب ما ليقرروا مدى "أهليته" و "إنسجامه" مع أفكارهم و "تطابق" كفاءاته مع معاييرهم.
و لأن هذه المعايير "دقيقة" و "أمينة" نراهم يسفهون السلطات و يطلقون الأحكام و يفتون الإجتهادات لتبرز، كحصيلة، إرادتهم بوصلة لتحديد وجهة المسار و إبرةً لميزان العدالة. تبعاً لذلك تبدو المشاركة في الحكم محصورة في البصم على إجتراحاتهم.
لقد إكتشفوا أن شعارمحاربة الفساد و الوعد بالإصلاح، وطول باعهم "مشهود" في هذا المجال، يخلب الأنظار، فإعتمدوه لهواً يشيح الإنتباه عن إقلاع القطار نحو مشروع جمهوريتهم "الفاضلة". فسار في موكب واحد حلفاء النظامين المتضامنين و المتكافلين السوري و الإيراني، عتاقهم مع جديدهم، حيث إمحى فجأة التناقض الحاد في المبادئ و إمتص العامل المذهبي لفريق الطابع المدني و العلماني للآخرين.
فكفى لنجوم الذمية من بين هؤلاء فرصة التمتع بفسحة المشوار ليحلموا بسراب الجمهورية الثالثة قبل أن تتبدد الأوهام و يستيقظوا على معالم "الجمهورية الفاضلة".
قبل الإقتراع في السابع من حزيران يجب التأكد من وجهة القطار الذي يستقله المقترع كيلا يُخطف إلى سوق النخاسة.
حذار التفريط بمنجزات النضال السيادي و الإنصياع لأمر "إلى الوراء در و سر".

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤو اللبنانية

20.3.09

لنتبع الضوء لا الضوضاء

*حميد عواد


لبنان جنّة طبيعية مناخاً و جمالاً و ثماراً، و تحفة تاريخية إحتضنت روائع حضارات صبت عصاراتها فيه فتفاعلت و تلاقحت و أينعت و توهّجت و غذت و هدت، فنشّطت شعباً طامحاً يعشق الحياة و يمجّد الخالق و يتنفس الحرية و ينهل المعرفة و يتوق للإكتشاف و ينتشي بالإبداع و ينتعش بالعطاء.

لأنه إزدهر حُسِد و لأنه أوى المضطهدين إضطهد و لأنه حفّز النقاش الحر رجم و لأنه فتح قلبه للضيافة طعن و لأنه تألق بديمقراطيته و حيويته إستهدف.
إستقطب "إقبالا"ً دولياً و "تهافتاً" إقليمياً عليه و "إخترقته" المصالح المتناقضة و الأطماع الخبيثة فتلاطمت فيه و أنهكته. و أصبح بؤرة زلازل صراع دائم مع إسرائيل يوقده جموح "إفناء" متبادل ينسف جهود سعاة السلام.

وسط هذا التجاذب الهائل و في لجج النار و خارجها دفع اللبنانيون أثماناً باهظة، لكنهم تغلبوا على المحن و عصوا على الطغيان. فقوة شكيمة النفوس الأبية و صلابة عزمها على إكمال دورة تعافي حياة الوطن جسّدتا أسطورة طائر الفينيق و أدهشتا العالم.
تراث لبنان غني فلنزده ثراء و نكفّ عن تهميشه.
شعب لبنان متنوع فلنرسّخ الوئام و الإتزان بين شرائحه و لا نزرع بذور الخلاف و نغلّب ب"التخصيب" و السلاح قوماً فنصبح قبائل متناحرة.
هوية لبنان متأصلة في التاريخ و مجدولة بسواعد بنيه و محبوكة بقرائحهم و أحلامهم و مزهوة بالحرية و معمّدة بالشهادة و مزدانة بالمواهب كألوان قوس قزح، فلماذا تغيير معالمها؟
أرض لبنان منتبت خير يطعم كل بنيه و مسكن أمان يأويهم، فلماذا "فرزها" لعزل أهلها عن بعضهم البعض و "إقتطاعها" و فرض الضغوط على الجار خارج سرب "الرعية" ليهجرها و يبيعها؟
نظام لبنان برلماني مدني حر يراعي ميثاقاً و طنياً يحفظ توازناً بين طوائفه و يضمن حرية الرأي و المعتقد و يضمن التجدد في مواقع الحكم و يتيح للشعب ممارسة الحكم من خلال المؤسسات الدستورية، لا خارجها، و يوفر فرص المشاركة في مختلف وجوه الحياة الوطنية لكل اللبنانيين و يفتح أمامهم سبل التقدم و الإصلاح، فلماذا السعي إلى نسف أسسه و محاولة إستبداله بنظام شمولي مقنّع؟
لبنان بأرصدته الغنية و صيغته الفريدة الوادعة هو قدوة تحتذى لا "ورم خبيث" يستوجب إستئصاله.
غالبية الدول العربية قدّرت قيمة وجوده و ضرورة صونه و إختبرت طيبة أهله و جودة اعمالهم.
كذلك الدول الكبرى تعاهدت على صيانة هذا النموذج المميز من الديمقراطية و صاغت عهودها قرارات في مجلس الأمن تضع حداً لإنتهاك سيادة لبنان، و أنشأت محكمة خاصة لكشف المجرمين و الضالعين في إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري و قافلة شهداء "ثورة الأرز" (و من سبقهم مضموراً) لقطع دابر الترويع و رصف طرق الإستبداد بجثث الأحرار و العربدة بالدوس على جماجمهم.
بتضافر ضغوط كل هذه العوامل مع صلابة العصب السيادي تبلورت إرادة لبنانية-دولية مشتركة و قناعة راسخة بضرورة إنخراط كل مكونات الشعب اللبناني في مؤسسات الدولة و تعزيز سلطاتها و صيانة سيادتها و إستقلالها و حرية القرار الديمقراطي فيها.
فالسلطات و المؤسسات البديلة "راجت" في حقبات تفكك الدولة، و غالبية اللبنانيين مجّت أطيافها إن إمتثلت في الأذهان فكيف إذا إنتصبت على أرض الواقع؟
نربأ بأي طيف من أطياف شعب لبنان أن يقف عائقاً في وجه مسيرة نهوض الوطن و ننصح غلاة دعاة إلغاء الطائفية أن يبدأوا بتنقية النفوس في صفوفهم و ندعو "رسل" "البرّ" إلى الإنطلاق بمحاربة الفساد و التنصت من محيطهم و إلى الكف عن الإفتراء على مرجع ديني و وطني سامي التقوى و مهيب الوقار و راسخ الإيمان بالله و الوطن، و راجح الحكمة و بالغ التأثيربرأيه، كان له كما لأسلافه دور أساسي في صون حرية و سيادة و استقلال الوطن. "فالرشق بالحجر الكبير" لن "يكبّر" راميه. و الضرب ب"سيف السلطان" لن "يطوّب" الضارب به "سلطاناً". و الأحرى بمن فقد التوازن ألا يتوهم أنه "قاضي القضاة" فيطلق الأحكام عشوائياً و يُصدر "براءات الذمة" للمشبوهين و "يُدين" الضحايا.
لقد إشمأزّ اللبنانييون المتنوّرون من الزندقة في الولاء الوطني و من "نوبات جنون" أصحاب الشخصيات "المنفصمة". فالإدعاء الكاذب تدحضه الممارسات المناقضة له.
و الشخصية الضائعة بين الإنسلاخ عن طهر نضال إستعادة السيادة، "تكفيراً" عن "الذنوب"، و الإلتصاق بعهر مضطهديها هي آيلة إلى الإنشراخ.
كذلك الشخصية المجذوبة بين شرعية المسؤولية الرسمية و لا شرعية الإلتزام الميليشياوي نهايتها الإنفلاق.
طوبى لمن استحقوا التقدير و الإحترام و التأثير فكرّسوا طاقاتهم و علاقاتهم لخدمة الوطن.
أما الذين تنكروا لأفضاله و عملوا على "توضيبه" هدية لأسيادهم فسيلقون لوماً قاسياً و سيواجهون بإعتراض عارم من أحرار لبنان.
إنتخابات نيابية مهمة تقبل على اللبنانيين و المغتربون يشعرون بالمرارة و الخيبة و الغضب لعدم إتاحة فرصة الإقتراع عبر السفارات و القنصليات في بلدان إنتشارهم ليشاركوا برسم مسار الوطن الساكن في وجدانهم و الحاضر أبداً في بالهم.
وصيتهم لأخوانهم المقيمين فيه أن يدركوا أهمية إختيارهم و يُحكّموا ضمائرهم فلا يتحولوا بيادق يُنتخب بها دمى، بل يركزوا بصرهم و بصيرتهم على كفاءة المرشح و إستقامته و نزاهته و عمق التزامه الوطني و مدى تعلقه بالنظام الديمقراطي و حرصه على الحريات و السيادة و الإستقلال.
ليس أسهل من التمييز بين درب العبودية المنحدر نحو الهاوية و درب الحرية و الكرامة الصاعد نحو القمة، فذاك مظلم و هذا مضيء.

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

8.2.09

المال يُعوّض أمّا الوطن فلا

حميد عواد*

السلطة و الثروة و القدرة و المعرفة و التلقين الجذاب هي أرصدة مزدوجة النتائج:
إذا إمتلكها الأخيار و وظفوها في خدمة الإنسانية، رفعوا المجتمعات إلى أعلى المراتب.
أما إذا إقتنصها الأشرار و المهووسون، في غفلة من القيّمين على تأمين سلامة توجهها، و سخّروها لإستعباد البشر و إستغلال طاقاتهم و إعاقة نموّهم و تشويه طباعهم، لأورثوهم تحجّراً في العقل و تقلّصاً في الوعي و بروزاً للغرائز البهيمية التي يثير إضطرابها "جزراً" تقهقرياً تلاطم أمواجه دفق "مدّ" تيارات التطور.
لسنوات عدة تركت الاسواق المالية العالمية شبه مستباحة لنهش الصقور الشرهة.
إذ غضّ طرف الرقيب عن العمليات المشبوهة و التقارير المضللة و البيانات المغشوشة و التوقعات المضخمة و الإختلاسات المموهة و التوظيفات الخطرة والقروض العشوائية الهائلة التي قصمت ظهور المستدينين العاجزين عن إيفائها.
فأتانا زرع الريح بحصاد العاصفة و تفجرت الأوهام زلازل أطاحت بصروح مالية عريقة و شركات عملاقة تساقطت معها مؤسسات لا تحصى معممة البطالة و الإفلاس.
و الطامة الكبرى هي أن الحكومات وعت ضرورة التدخل متأخرة فرتبت على كاهل المكلفين، ضحايا الكارثة الذين تبخرت مدخراتهم، مزيداً من الديون لتقرض المصارف و المؤسسات التي تعتبرها عصب الإقتصاد و توظف في مجالات تحفز، حسب تقديرها، النشاط الإقتصادي، لإنقاذ العالم من الركود.
رغم ضخّ الدول الكبرى مبالغ طائلة من الأموال لكبح التدهور و إنعاش مقومات الحياة، يسود التوجس و الهلع من إتساع مدى إكتساح هذا الإعصار الذي هو في طور بدايته.
أما السؤال المحيّر الذي يرتسم في الأذهان فهو: أية خزائن تسرب إليها كل هذا المال؟
في الجو الحالك و المدلهمّ الذي ينذر بالفاقة و العوز و الجوع، يستذكر المرء التهور و الإسراف و التبذير الذين طبعوا سلوك العديد من "أباطرة" المال، أفراداً و جماعات و حكاماً، حيث هدروا الأموال الخاصة و العامة دون حساب.
و إذا كان شنيعاً إستغلال مال الغير لإشباع نهم "الغيلان"، فأشنع منه هو حرقه لإشعال حروب و إيقاد نزاعات تلهبها دون هوادة حميّة العقائد المتصلّبة المشرئبّة لإنتزاع حقوق من حيّز النقاش السلمي و زجّها في أتون النزاعات المسلحة.
لإدراك مدى أذية وهول و عبثية الحروب، تكفي الإشارة إلى فداحة حروب الشرق الأوسط التي زهقت نيرانها مئات الآلاف من الأرواح و نشرت الدمار و البؤس و التخلّف مستهلكة إثنا عشرة تريليون دولاراً.
فلو إعتمدت الحلول السلمية لسلمت نفوس الضحايا و صرفت الأموال على تحسين أوضاع الشعوب، و إجتثّ الجوع و مُحيت الأمية و إستؤصل المرض و نشر الأمان و الطمانينة و السلام و الرفاهية في أرجاء العالم.
رغم المعاكسة الشرسة لأنظمة التأله و الإستبداد المستقوية بالسلاح و البطش و المنتصبة على جثث رعاياها و جثامين حلفائها، لا بدّ من المثابرة على تضافر جهود كل الدول الحرة المؤمنة بالحوار و التفاهم و الوئام و السلام، ضمن إطار تحرك شامل منسّق و حثيث، يكبح جماح عشاق سفك الدماء، و يجمع و يؤازر قوى الإعتدال.
فيواكبها خلال إستكشاف آفاق معالجة سلمية عادلة و حاسمة و حازمة لجذور الصراعات القائمة، حتى تتكلل المساعي بإبرام إتفاقات حلول دائمة، تدعم التدابير المتخذة لتخفيف أعباء الأزمة الإقتصادية و تسهّل الإرتقاء إلى الإنعاش تحفزاً لبلوغ البحبوحة.
إن "الفروع" المنبثقة من الأنظمة "المصدّرة للثورات" و القلاقل، على صورة "أصولها"، تحسب مواطنيها و "المتخرجين" من دورات تدريبها بيادق تحشدها في معاركها و تسدّ "فراغات" ما تستهلكه الحرب بمخزون متجدد لا ينضب، و تستدرّ بكثافة الضحايا عطف الرأي العام في المجتمعات الحرة و تصوّر كل "موقعة" خاضتها إنتصاراً لها.
لا تكفّ هذه الأنظمة المشاكسة و المتمردة عن تعزيز قدراتها العسكرية و اللوجستية و المادية و البشرية المحدودة بالحصار و الحظر العالمين اللذين يطوّقان "طموحاتها".
و كلما حاول المجتمع العالمي فتح سبل لحوار مشروط معها لإقناعها بالتخلي عن شبق التطاول و الهيمنة على دول جوارها و ب"ترويض" نشاطات التخصيب النووي و الإقلاع عن عرقلة الحلول السلمية، كلما سجّلت إنتصاراً لتعنتها.
ثم تنطلق من بعض الكبوات و النكسات التي تصيب الدول الديمقراطية لتعلن سقوط الحضارات و نجاح أنماط الحكم المتخلفة و القمعية و الهجينة التي تمارسها.
إن أنظمة التقهقر هذه تثابر على "تصدير" خلاياها المبرمجة لغزو تدريجي للمجتمعات المنفتحة مستغلة بيئتها المضيافة لتكثير أعدادها و ترجيح كفة قلب المعايير لملاء مة عقائدها.
إن مراحل التغلغل العقائدي و التمدد البشري في لبنان بلغت مراحل حرجة تحتم تراص أبنائه الحريصين على صيانة طابعه الديمقراطي الحضاري ليشكلوا سداً منيعاً في وجه خطة الهيمنة المنهجية التوسعية التي تستهدفه. تحت شعار الممانعة و التصدي بويع الولاء للخارج و ضيّقت على اللبنانيين سبل العيش و زعزع إستقرارهم و إنتزعت الإمتيازات لحملة راية "ولاية الفقيه" حصصاً في الأرض و في مواقع السلطات و القرار تجاوزت نطاق الشراكة إلى إلزامية الفرض.
هذا الإستقطاب للنفوذ المدعوم بقوة السلاح سبب إنشطاراً حاداً ضمن صفوف الشعب اللبناني: شطر حريص على ولاية الجمهورية اللبنانية بدستورها وقوانينها ومؤسساتها و شطر يفذلك ولاية الفقيه ليغزلها و يحبكها في نسيج الدولة ليجعلها "جماهيرية" ثيوقراطية منجذبة و هائمة في فلك إيران و قمرها السوري.
مهما تفاقم ذرّ الرماد في العيون لتعييب مشروع ترسيخ سيادة الدولة و "تظهير" "فضائل" ركوب البساط الأعجمي السحري، لا بد أن يكتشف اللبنانيون حيل إشاحة الأنظار عن خطورة المشروع المموه و أن يثبتوا إعتراضهم على محاولات تمسيخ وطنهم فيحشدوا تأييدهم لحرية و سيادة و إستقلال و فرادة لبنان. فحذار في الإنتخابات المقبلة سلوك طريق المقصلة.
مستعيناً و معدلاً ببيت من شعر المتنبي أقول:
"الرأي" أصدق إنباءً من "الخطب" في حدّه الحدّ بين "العزّ" و "الجدب"

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية