24.12.14

"ثورة" باباويّة تحت "القبّة" الميلاديّة

المهندس حميد عوّاد* حلول قداسة البابا فرنسيس في سدّة رئاسة الكنيسة الكاثوليكيّة كان حدثاّ "ثوريّاً" في تاريخ البابويّة، فسلوكه ينمّ عن إلتزام عميق بلبّ العقيدة المسيحيّة الأصيلة المرصّعة بمؤمنيها، لا بالجواهر ولا مظاهر الأبّهة المتبجّحة. لقد رفض العزلة في "برج عاجيّ" وشمّر عن ساعديه ونزل إلى معترك حياة رعيّته (بل لم يغادرها منذ خدمته السابقة) واختلط بأفرادها فاتحاً ذراعيه لهم ولكلّ أبناء البشر مثبتاً أنّ الإيمان النقيّ يتمثّل ويتقولب وينسكب بالمحبّة وأعمال البرّ، وأنّ القيادة الملهمة والهادية، أكانت روحيّة أم زمنيّة، تنبثق وتُستحقّ من الصدق والإخلاص والإنصاف والإجتهاد النشط في الخدمة. شخصيّته الودودة تنضح حيويّة طافحة وتتألّق بمبادرات فريدة وجريئة، وتنطبع سيرته بالتواضع والزهد والعطف على الفقراء ونصرة الضعفاء والمهمشّين وكشف الحقائق وفضح الخبث واستئصال الفساد وكسر طوق التستّر والسكوت عن الباطل وخرق جدران المُلك والألقاب. لقد اختار قداسته اجتماعه السنويّ والميلادي مع أعضاء الإدارة المركزيّة للكنيسة في الفاتيكان ليصليهم بانتقادات لاذعة تطال الخبث والانتهازيّة واللهاث في سباق شره لقطف النفوذ مشيراً إلى فراغ روحيّ وانفصام وجوديّ و"خرف" إيماني غيّب الله من الوعي، داعياً الإدارة إلى التغيير والتحسّن لإنقاذ ذاتها ناصحاً بالنقد الذاتيّ والعمل الجاد للتعافي. تترافق حملة التطهير الروحيّ هذه بحملة تدقيق ونفض وتصويب لماليّة الكرسيّ الرسولي في الفاتيكان. إنّ هذه الثورة البابوية البيضاء تستحقّ أن تكون قدوة ونموذجاً لأولياء السلطتين الروحيّة والزمنيّة في كلّ مكان لتنقيتهما من الأدران العالقة بهما والتي تتسبّب بالظلم الجائر والقمع الشرس والإفلاس الأخلاقي والمالي والتنازع الوحشيّ والأذى البليغ والكوارث الرهيبة للرعايا الواقعة تحت وطأة نفوذ كلّ منها. حمى الله الأنفس البريئة من جبروت المستبدّين الظالمين وجعل تدبيره الخلاصيّ "قبّة" ميلاديّة تكون ملجأً آمناً لهم. ميلاد مجيد وعام سعيد! Compassionate empathy, accurate discernment, judicious opinion, support for freedom, justice and Human Rights. http://hamidaouad.blogspot.com/

30.11.14

لفتة تقدير للشحرورة صباح

الشحرورة صباح تبرّجت وتغنّجت وتأنّقت وتألّقت وتسرّبت إلى القلوب بطيبتها وعفويتها وقهقهات ضحكاتها وشنّفت الآذان بمواويلها الصدّاحة والخلّابة وسجّل غناؤها تراثاً فنّياً رائعاً يتردّد صداه في أذهان اللبنانيّين والعرب وبزّت "حاتم طيّ" بجودها وحاكت الأم تيريزا برأفتها وإنسانيتها. لك يا صبّوحة مكانة مميّزة بين الصدّيقين والبررة بجوار شفيعتك سانت تريز دو ليزيو في الأعالي. لقد "سرقت" قلوب الناس على حدّ قول شحرور الوادي لعبد الوهاب "الحرامي". حميد عوّاد

23.11.14

خواطر نابعة من ذكرى عيد الاستقلال

حميد عوّاد* درب الاستقلال شقتّها عزائم أبطال عظماء استُشهد لفيف منهم بدءًا من عهد جمال باشا السفّاح مروراً بعهود سفّاحين جدد متعطّشين للدّم والسلطة والاغتصاب نذروا أنفسهم لإيقاد نار جهنّم. مواكب الشهداء تجلّت خلال محطّات صراع مرير مع أنماط من هؤلاء لصيانة استقلال لبنان والذود عن أرضه وحماية تنوّع ضفائر مجتمعه والدفاع عن كرامة أهله وحريّة قرارهم ورونق وئامهم. قيّض لأشباه "نيرون" ومصّاصي الدماء والسلطة والحرّية والثروة والأمان أن يتلذّذوا بتمزيق أجساد لفيف شهداء "ثورة الأرز" ومعهم كوكبة من ضبّاط ورتباء وجنود جيشنا وقوانا الأمنيّة البواسل، لكن رغم جلل الخسائر الدامغة لكلّ أيّام السنة وخيانة البعض وتخاذل البعض الآخر ما انطفأت شعلة الإيمان بصمود وتعافي وطننا في قلوب أبنائه الأبرار ولا بردت عزائمهم على إنهاضه من الكبوات. وهكذا انطبعت ذكرى عيد الإستقلال بحدثين مأساويّين هما إغتيال الرئيس رينيه معوّض واغتيال الوزير والنائب بيار الجميل اللذان أضفيا على الذكرى مرارة حادّة تضاف إليها مرارة تفريغ سدّة الرئاسة الاولى وهي بمثابة اغتيال معنويّ لكلّ ما يمثّله هذا المقام. رغم الآلام يثير عيد الاستقلال في وجدان اللبنانيّين الأوفياء اعتزازاً بعظمة أجدادنا وفرادة تراثنا وروعة وطننا. فهو انخطافة تأمّل وجردة حساب نستعرض خلالها تاريخاً طويلاً حافلاً ببطولات واكبت نشأة لبنان في فيء أرزه. لقد بذل جدودنا تضحيات عظيمةً وجهوداً جبّارة حتى نهضوا بجنّة صغيرة احتضنت حضارات عريقة واعتصرت ثقافات متنوّعة أسموها لبنان. لقد جعلوا لبنان حصناً عصيّاً على الغزاة ورقعة فسيحة للعمران ومنبراً حرّاً للفكر ومنارة وضّاءة للعلم وموئلاً آمناً للأحرار ومنتدىً مفتوحاً للحوار. إنسان لبنان خلّاق منذ عهد الفينيقيّين الذين اخترعوا السفن لاكتشاف آفاق المتوسّط وحملوا معهم الأبجديّة والأرجوان والنبيذ. كالمارد المنطلق من القمقم تجلّى اللبنانيّون على مدى العالم وبرعوا وما زالوا يتألّقون في شتّى المجالات. كلّ مأثرة من مآثرهم تتفجّر فيضاً من الزخم في وجدان أجيالنا الطالعة فتحفّزهم على بزّ أسلافهم في العطاء الخيّر. جودة الإنسان اقترنت بجودة الطبيعة في لبنان فهي سخيّة العطاء، طيّبة الثمار، خلّابة الجمال تنتصب قممها مكلّلة بالثلوج مزدانة بالأرز الشامخ على مدى العصور الذي ألهمنا الصمود فجعلناه رمز وطننا. وهي متحف غنيّ بآثار حضارات شعوب تفاعلنا معها فاعتصرنا منها خلاصة حضارة خصيبة. عندما ارتضى اللبنانيّون أن لا يرتموا في احضان الشرق والغرب بل ان يسخّروا علاقاتهم مع العالم لخدمة هذا الوطن المتميّز عن محيطه بخليطه البشريّ وانفتاحه وتطابق النزعات الفطريّة والفكريّة لأهله وروّاده الطليعيّين مع القيم العالمية لحقوق الإنسان، لم يتصوّروا أن الخروقات المتكرّرة لمجتمعه خلال فترات الضعف ستفرز جماعات شذّت عن مسار الحداثة وتورّطت بالتناحر بينها داخل وخارج الوطن منها من انخرط ووثّق ارتباطه ببلاد العجم ومنها من حنّ إلى الحياة القبليّة ومبايعة "خلفاء". الوطن وأهلنا عالقون رهائن صراعات مجنونة تغذّيها صراعات عقائديّة دينيّة شرسة تغلّف سباق توسيع مدى النفوذ. هذا الخطر المصيري يحفّزنا على التصدّي له بدعم ركائز الدولة انطلاقاً من الجيش وقوى الأمن، وتطهير السلطات والمؤسّسات واحترام الدستور وتطبيق القوانين واجتثاث الفساد والانتظام ضمن السياق الديمقراطيّ والإلحاح على انتخاب رئيس للجمهوريّة مهيب الخصال، حرّ الضمير، شجاعاً في الدفاع عن الدستور والحقّ، حكيماً في اتخاذ المواقف وحسن التدبير، نافذ الكلمة، حبّه للوطن أربعة وعشرون قيراطاً. كما أنّ هذا الخطر الداهم يزيدنا تمسّكاً بأرضنا ويدفعنا إلى المطالبة باستثمار معجّل لمخزون نفطنا ومياهنا والإصرار على حقّنا بالاقتراع والترشّح للإنتخابات النيابيّة مقيمين ومغتربين من خلال قانون يعطي شرائح المجتمع السياديّة قوّة تمثيليّة بدل تشتيتها شراذم ضعيفة تذوب ضمن دوائر إنتخابيّة يطغى عليها غالبيّة فئويّة. لن نرتهب من قرقعة السلاح ومن انفلاش الطوف الديموغرافيّ على مدى الوطن لاقتلاع جذور اللبنانيّين من معاقلهم بل سنثبت في قرانا ونحافظ على أرضنا ونتمسّك بانتمائنا وولائنا لوطننا وتمتين وتحصين صيغته النموذجيّة. الاستقلال هو حجر العقد في بناء الدولة ومحور الهويّة الوطنيّة وجوهر كرامة المواطن فلنصنه ونحمه من الهجمات المسعورة للإطباق عليه ومحو معالمه الفريدة وتهميش وتجفيل إنسانه. تعلّقنا بوطننا الأم كتعلّق الطفل الرافض للفطام بأمّه، لسان حالنا النشيد الوطني الذي هو من أجمل الأناشيد وأبلغها معانٍ ونشيد الأخطل الصغير (لحّن كلاهما الأخوان فليفل) الذي نقتطف منه مطلعه: هوى وطني فوق كلّ هوى جىرى في عروقي مجرى دمي وفي مهجتي كبرياء الجدود بناة العظائم من آدم ونحن الشباب كبار المنى تشاد الحياة على عهدنا أكاديمي مواظب على تحرّي الشؤون اللبنانيّة*

2.11.14

غربلة في بكركي وحسم في المجلس وانفكاك عن فلك الصراع

حميد عوّاد* بعض الأنظمة الإقليميّة منخرطة في صراع نفوذ محموم استهدف توسيع أو صدّ مدّ نطاق الهيمنة وأدّى إلى استقطاب وتنظيم وحشد أبناء ملّتها في دول الشرق الأوسط "لتحصيل حقوق حرمها الطّغيان السياسيّ منها" أولتغليب سيطرة محاور تحالفها وزجّهم في حروب مذهبيّة خاضها البديل عن الأصيل وتسلّل إلى ميادينها الطفيليّ والانتهازيّ والإرهابيّ لاختطاف القضيّة المحقّة ودسّ مشروعه التخريبيّ. إنّ إجهاض الخطوات الخجولة الواشية بفكّ الطوق عن ممارسة الحقوق السياسيّة التي دشن بها الرئيس السوريّ عهده المثقل بميراث أبيه وتفويت فرصة معالجة انتفاضة الشعب السوري بالحوار الصادق عند قيامها أوديا إلى نشوب نزاع مسلّح مع شعبه انغمس فيه حلفاء له وطارئون منحرفون سخّروا الدين مطيّة لأطماعهم وإرهابهم. إنّ شحن النفوس بمفاهيم دينيّة متزمّتة و"وجبات" تكفيريّة كريهة وفورات دمويّة وحشيّة تشحذ الغرائز وتحلّل الفظائع يتمّ بالضخّ المباشر أو البثّ عبر وسائط الاتصال على الشبكة العنكبوتيّة وقد قيّض له صبّ حمولته وإعلان "ملْكه" شمال سوريا والعراق. وضع يد الإرهاب على بعض مصادر النفط وجذبه لمؤيّدين أجانب بينهم متحوّلون إلى الإسلام أقلق الدول الغربيّة (إثنان من هؤلاء قتلوا رتباء في الجيش الكندي دهساً وبإطلاق النّار خلال حادثين مختلفين في أسبوع واحد) والعربيّة الملتاعة من الإرهاب ودفعها إلى المساهمة في دحره بغارات جوّيّة تساند القوى البرّية البشمركيّة والعراقيّة والثورة السوريّة التي تتصدّى له. المطلوب من تركيّا منع تسرب الإرهابيّين عبر حدودها وضرب طوق يعجّل في نفاد مؤنهم وذخيرتهم. والمطلوب من العالم كشف "الدهاليز" التي "يتخرّج" منها أمراء وخلفاء وفقهاء الإرهاب لفضح ملقّنيهم وإماطة اللثام عن مموّليهم. وبما أنّ عدو العدو ليس بالضرورة صديق فإنّ هذا النشاط الحربيّ لايتمّ بالتنسيق مع النظام السوري أوحليفه الإيراني الحاشد فصائل من حزبه اللبنانيّ لدعم النظام المأزوم. تمثلاً ب"حلول البركة" الإيرانيّة على شاطئنا الجنوبيّ محمولة بحزبها اللبناني طمح "الكيان الداعشيّ" إلى بلوغه شاطئنا الشماليّ من خلال بعض الخلايا المبايعة لملكه. لقد وجد هذا الكيان الهجين ورديفه "جبهة النصرة" مصلحة حيويّة في تأمين منفذ تمويني ولوجستيّ لمحاربيهما المنتشرين في جرود عرسال والقلمون فكان تغلغلهما في عرسال الذي تسبّب بتصدّ من الجيش اللبناني كلّفه شهداء أعزّاء لإخراجهم منها ووقوع عدد من جنوده أسرى في قبضة الإرهابيّين الذين ذبحوا ثلاثة منهم في سياق مساومة وابتزاز ما برحوا يمارسونهما. التغلغل لم يقتصر على عرسال بل تعدّاها إلى الضنّيّه وطرابلس وما بينهما فجدّت قوى الإستخبارات والجيش في اقتفاء أثر الخلايا الإرهابيّة وطاردتها واشتبكت معها واعتقلت رؤوسا ًوافراداً منها لكن مع دفع ضريبة دمّ باهظة إذ استُشهد ثلاثة ضبّاط وعدد من العسكريّين في كمائن غادرة. الجيش اللبنانيّ يحوزعلى دعم وطنيّ شامل وتأييد وثقة ودعم الدول الإقليميّة والغربيّة التي تتناوب على مدّه بالسلاح. فهو ركن صلب يستند عليه بنيان الدولة في ظرف عصيب تحاول فئات متزندقة في حسّها الوطني خلخلة مؤسّسات الدولة لتسهيل تحقيق هدف إلحاقها بكيان أكبر تمحضه الولاء التّام. البطريرك الماروني صاحب النيافة والغبطة مار بشارة بطرس الراعي تحسّس الخطر الكامن لتغيير صيغة الدولة ف"بقّ البحصة" من أوستراليا صارخاً لا للمثالثة إذ هي مرحلة ظرفيّة للأحاديّة وجسر عبور لهيمنة "الإمبراطوريّة". ليستفق بعض السياسيّن من سباتهم ويبادروا إلى انتخاب رئيس من بين شخصيّات يزكّيها مؤتمر يُعقد في بكركي تحت إشراف البطريرك يدعى إليه نخب المسيحيّين من قضاة وأطبّاء ومهندسين وقادة رأي ومفكّرين ومثقّفين وخبراء وسياسيّن للشروع في ملء فراغ المؤسّسات ورأب الصدوع والنهوض بحملة إصلاح واجتثاث فساد و إطلاق مشاريع تنمية شاملة توفّر فرص العمل لأرصدة الأدمغة التي تغني لبنان وتبعث الثقة في تحفيز الإقتصاد وتشجّع المستثمرين وتستقطب المغتربين. تحييد لبنان عن صراعات المنطقة والتيّارات التي تتجاذبها ضرورة قصوى، فحماية تنوّع مجتمعه واستقرار عيشه مفيدة لأبنائه ومحبّيه. *مهندس وأكاديمي مواظب على تحرّي الشؤون اللبنانيّة

21.9.14

وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر

بغياب السيّد هاني فحص المثقّف الثاقب البصيرة والحاضن رسالة لبنان الحواريّة والانفتاحيّة والوئاميّة في وجدانه والناطق بها بوضوح وشجاعة وقناعة بلسانه على منابر منتديات الحوار العابر للطوائف يشعر اللبنانيّون الاقحاح أنّهم مُنيوا بخسارة لا تُعوّض. ّفموقعه الفكريّ والمرجعيّ الروحيّ هو قدوة وقطب قيادي يضعه في مصاف النخبة الموثوقة الجاذبة والموجبة للإصغاء. وهج فكر السيّد فحص دائم التوقّد وبثّ شرر الوعي الوطنيّ وأهميّة التنوّع وحريّة الفكر والمعتقد. لا بدّ أن تشعل شرارات نوره أذهان اللبنانيّين وتوقظ في اعماقهم إدراكاً لأهميّة "جبلة" وطنهم فيمحضوه أولويّة الولاء. رغم غيابك الجسدي أيّها السيّد الملهم فإنّ طيفك الوقور سيظلّ يهدينا سواء السبيل. حميد عوّاد

31.8.14

لبنان موطن الحريّة والاعتدال لا التكفير والذمّية

المهندس حميد عوّاد* فراغ السلطة دوّامة إعصار و"شاروق" دوّار يشفط "حشوات" من الانتهازيّين والطامعين ينهالون لملئه. لبنان في عيون الجزّارين والوحوش الضارية التي تترصّده وتحوم حوله حمل وديع أضاع أهله فتقاطبوا لذبحه أوافتراسه. في مواجهة مخارز الدخلاء والخوارج إشرأبّ اللبنانيّون جاحظي العيون مستشيطين غضباً. ولصدّ انتهاكات وتعدّيات وغزوات قبائل المرتدّين إلى زمن البداوة والجاهليّة شدّوا أواصرهم لتقوى وتعصى شكيمتهم واحتموا بجيشهم وقواهم الأمنيّة البواسل الذين بذلوا من أرواحهم شهداء لإفتداء أهلهم ووطنهم. عانى لبنانا الحبيب من أزمة ولاء: رضع أبناء عقوقون من حليبه ونكروه لصالح إدّعاء أبوّة أو أمومة غرّرت بهم لاجتذابهم من خارج الحدود. فغدت قوّة الجذب كتلك التي "للثقب الاسود" في الفلك، لا فكاك منها حتّى للضوء. الذين أضاعوا البوصلة والهويّة يخضّون ويقلقون وجدان اللبنانيّين الذين يسلسون للرقاد في أحشاء وطنهم دون غيره. الوصف يعجز عن التعبير عن عمق الخيبة والصدمة من هؤلاء الذين ضاق بعيونهم وصدورهم تنوّع لبنان فانصاعوا لطموحات أولياء أمرهم وانساقوا ضمن مخطّطاتهم الآيلة إلى جرف غيرهم لطمس تألّقهم واقتلاعهم من جذورهم لتصحير الوطن وتغييبه في غياهب الزمن الغابر. الإيغال بشحذ العصب المذهبيّ ونزعة الهيمنة الخانقة للحريّة فجّرا حرباً مستعرة في سوريا والعراق لفح لظاها قلب وأطراف الوطن وانخرط فيها الحزب الإيراني الولاء لدعم رئيس النظام الحليف وبعض المتطوّعين في صفوف الثائرين ضدّه وتسبّبت في نزوح وتشريد الملايين ليعانوا كارثة إنسانيّة قاسية لايعرف متى الخلاص منها. وفيما تستهلك الأرواح هناك تهاجر مواكب المواهب لتتفجّر إبداعاتها ما وراء البحار: فاضل أديب وآية بدير نموذجان لمعا مؤخّراً في مجال وسجلّ التفوّق والإبداع. لقد علقت إنتفاضة الشعب السوري بين فكّي النظام المدعّم والمطعّم بقوّة حلفائه و"الجهاديّين" المحلّيّين والوافدين من الخارج. حتّمت شناعات ارتكابات هؤلاء التكفيريّين (اقتلاع وطرد مسيحيّين ويزيديّين من مهد حضارتهم شمالي العراق إضافة إلى إذلالهم وبيع بعض اليزيديّيات ووأد رجالهم وأولادهم) وفظاعة ممارساتهم الإرهابيّة (ذبح الأبرياء والأسرى) إجماعاً على إدانتهم وضرورة ضربهم كما شكّلت غطاءً وتبريراً لضراوة خوض النظام السوري معركة الدفاع عن بقائه وبات ممثّلوه يستحثّون التحالف معه لمحاربة الإرهاب. قد يكون إعلان دولة الخلافة في شمال سوريا (الشرقي) وما يوازيه داخل العراق بمثابة "الشاري" (لاقط كهرباء الصاعقة) الجاذب لشحنة حلم يدغدغ مخيّلة السّاعين إليها والتائقين إلى الجهاد المسلّح وسفك الدماء. لكن لحسن الحظ بدأت المراجع الإسلاميّة من الأزهر إلى السعوديّة تستشعر خطر القيّمين على هذه الدعوة وصنّفتهم خارج الإسلام إضافة إلى استنكار مفكّرين وقادة رأي ورجال دين متنوّرين . طبعاً قطع الطريق على هذا الإنزلاق الخطير في فهم وتعليل وتطبيق شرائع الدين يتطلّب مقاربة انفتاح خلاصيّة بعيدة عن التزمّت والتعصّب ونبذ الغير كي لا يسقط في العزلة والقطيعة. لبنان بحاجة إلى النأي عن فلك هذه الدوّامة الخطيرة لا الإصرار على زجّه في كابوسها وذلك رأفة بأهله بانتظار هدوئها بل الإحتماء تحت قبّة التفاهم والوئام والانفتاح وحريّة الرأي والمعتقد. وبالنسبة للبنان حيث الأمان هو هاجس المواطنين الطاغي تبعث تدابير تسليح الجيش والقوى الأمنيّة (شكراً لعطاءات السعوديّة للإيفاء بهذا الغرض إضافة إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة والدول الصديقة) الثّقة والإطمئنان في قلوبهم وترصّ صفوفهم خلف "العامود الفقري" لدولتهم وتحثّهم على المطالبة بإتّباع أفضل السبل الضامنة لإطلاق سراح العسكريّين المختطفين من جحافل "داعش" و"جبهة النصرة" إثر الاشتباك معهم في عرسال لإخراجهم منها والسعي الجاد لانتخاب رئيس للجمهوريّة وإقرار قانون انتخاب يؤمّن تمثيلاً صحيحاً ومناصفة حقيقيّة بين المسلمين والمسيحيّين تحفظ توازن صيغة لبنان المتميّزة. *أكاديمي مواظب على تقصّي الشؤون اللبنانيّة Compassionate empathy, accurate discernment, judicious opinion, support for freedom, justice and Human Rights http://hamidaouad.blogspot.com/

29.7.14

كنف الدولة مأمن من أشداق الوحوش

حميد عوّاد* تعاني البشريّة من هزّات أرضيّة، تقذف حمم البراكين والأمواج العاتية وتفسّخ طبقات الأرض، ومن أعاصير كاسحة وفيضانات وسيول جارفة وجفاف مُقحط تخلّف كلّها الخراب والجوع والمرض والموت. وفيما تعمل مؤسّسات النجدة مشكورة على إغاثة المنكوبين، يوغل الجشعون في استغلال واحتكار مواقع السلطة ومصادر وأدوات الإنتاج وينقضّ الأقوياء على الضعفاء والطغاة على مُستعبَديهم. ًتحت وطأة القهر والفقر والإحباط واليأس وانسداد الأفق يبتلي المحبطون بآفة المخدّرات أويسلسون لوعود حاقني جرعات "الدين" حقداً وضغينةً بانتشالهم من الواقع المرير و"تصديرهم إلى الجنّة" فيهون زجّهم في الحروب وقوداً لتوسيع نفوذ "واخزيهم" وفرش دروبهم بجماجم محاربيهم وضحاياهم وصولاً إلى غاياتهم. أبى هؤلاء إلّا أن يضفوا، بشعوذاتهم واختلال موازينهم، على مقولة "الدين أفيون الشعوب" معنىً. كما أسبغوا على مقولة "صدام الحضارات" حتميّة قسريّة ومغلوطة. إضافة إلى طبع شعاراتهم و"حروبهم" بقدسيّة معصومة عن النقد بل واجبة الخضوع. وما تأجيج صراعاتهم إلّا إحياء لنزاعات وثنيّي عصور الجاهليّة. فلا العزّة الإلهيّة، التي توصي بالمحبّة والرحمة سبيلاً للحلول، انتدبتهم للتناحر باسمها، ولا هي ميّزت عرقاً أو سبطاً لتمحضه حصرية السلطان على الكون أو ولّجته بحراسة المعابد. إذن لا يدّعيّنّ أحد أنّ "جرف" مجموعة بشريّة خارج موطنها هو عمل مبارك أكان ذلك بالإكراه أو بالإغراء أم بحشر زخم متعمّد في خصوبة الإنجاب يودي إلى المهالك. الدنيا تسع وتوفّر الطعام للجميع شرط الركون إلى التعقّل والحكمة وحسن الإدارة والإحجام عن التكاثر المسرف وعن إهدار مصادر الأرض ومنتجات العبقريّة الإنسانيّة. ابتُلي الشرق الاوسط ومحيطه بنزاعات مسلّحة انتحاريّة ادمت الدين وجعلته مطيّة لمصالح دول ومليشيات. كلّ يحاول إحراز نصر مستحيل على حساب إزهاق أرواح ضحايا وإخراس أهل التعقّل والاعتدال والانفتاح. يحاولون تطويقهم ومحاصرتهم بين فكّي التطرّف والطغيان. وبما أنّ لبنان بصيغته الحضاريّة يشكّل نقيضاً عصيّاً على مطرقة الطغيان وسندان التطرّف، علينا نحن، المهتدون ببوصلة الوطنيّة المشيرة إلى تضحيات الأجداد والشهداء والمندفعون بمحبّته والأوفياء لرسالته، أن نتضامن ونشكّل مظلّة حماية وخميرة توعية لإقصائه عن مرمى هذه الضربات ونحرّره من قبضة الأغلال التي تكبّل مؤسّساته وتكبح تقدّمه وتعيق استحقاقاته الدستوريّة. المصداقيّة والشفافية على المحكّ وإبعاد لبنان عن دائرة الخطر لا يحتمل المراوغة والتقيّة فلنرفع الصوت ونطالب بأن يكون مسموعاً ولنرفع السواعد لتدعيم مؤسّسات الدولة والحضّ الحثيث على انتخاب رئيس للبلاد ومنع اختطاف الجمهوريّة. عناوين غزْل التعصّب والتحريض معروفة وكذلك مصادر تمويل وتجهيز وتسليح المنحرفين والضالّين وعساكر المستبدّين، فليحزم العالم أمره ويسرّع الضغوط على اصحاب الشأن لتصويب الخطاب ولتسفيه الموتورين ولتثبيت الحقوق المشروعة للشعوب المظلومة. *أكاديمي مواظب على الاضطلاع بالشؤون اللبنانيّة

9.7.14

وأد التطرّف لإنعاش لبنان

*المهندس حميد عواد لبنان وحاملو رسالته الجريحة المتبلسمة بترياق مخزونها من المحبّة والسلام والوئام والمكلّلة بعزّة انتماء هؤلاء الأبناء الأوفياء للمحطّات المشرقة من تراث وطنهم يعانون من هجمات شرسة يشنّها متهوّرون ينطلقون من "ثكنة" الدين و"قاعدة" العقيدة المحرّفة. لبنان واحة نضرة متميّزة بنظامه وغنى أبنائه الفكريّ والثقافيّ والعلميّ وتشعّب وعمق تفاعلهم مع صروح المعارف العالميّة لذا لا يحتملون خنق الحرّيات في وطنهم ومسخ معالمه الحضاريّة. لا يمكن أبناء لبنان البررة تقبّل عسكرة وتسييس الدين في سياق أيّة فذلكة لإقتحامه واختطافه في عمليّة إنقلابيّة تفكّك كيانه التعدّديّ المنسوج بألوان قوس قزح والمجدول بسواعد الأجداد والمجبول بعرقهم ودمهم أكان الإنقلاب "ناعماً" متدرّجاً أم"خشناً" تحت ضغط فوّهات البنادق. لبنان ملاذ للمضطهدين في هذا الشرق ومنتدى حوار لرجال الفكر ومنتجع للمرهقين ومتحف آثار وجنّة طبيعة تنتج ألذّ الثمار وتوفّر منتزهاً للنظر، فهل يرضى محبّوه والذين تذوّقوا أطايبه وتنعّموا بضيافته واختبروا أوج عزّه أن يشهدوا مكتوفي الأيدي تخريب الهجمة الرجعيّة التي يتعرّض لها؟ أبناء لبنان ومحبّوه الغيارى يتوقون لعودته كما عهدوه مهبطاً للوحي ومرقداً آمناً للأرواح ومحفلاً للأفراح لا بؤراً لقبائل متناحرة تتناتشه وتقضّ المضاجع وتشدّ العصب خلال إحياء الجنائز. لبنان مأوى مؤقّت، لا مستقَرّاً، للعناية بالنازحين المعذّبين الهاربين من وطنهم تحت وطأة الاضطهاد والاشتباكات الحربيّة وقد تحمّل أعباء تفوق طاقته من أجل نصرة المظلومين على حساب ضيق مساحته وشحّ موارده وخلل ميزان العيش فيه. لبنان لا يرتضيه أهله الأصلاء مصبّاً لدعوات الفرز المذهبيّة الحاقدة ولا منطلقاً لتصديرها وشنّ حروبها. اللبنانيّون ذاقوا الأمرّين من فتن وحروب رُميوا في أتّونها غصباً لأرادتهم ولايريدون تكرار كوارث مشابهة يحفّز حلولها لاعبون جدد وقدامى. الحرص على مصلحة ومحبّة لبنان يقاس بمقدار المساهمة في فضح وإدانة الدعوات المشبوهة وتجفيف تمويلها واقتلاع جذورها ودعم مؤسّسات الدولة وتشجيع صحّة عمل وظائفها وعدم إحباط سلامة انسياب التفاعل بين السلطات أو عرقلة الإستحقاقات الدستوريّة. هناك خلاف جوهريّ بين من يحرص على صيانة وتطوير صيغة لبنان الحضاريّة وبين من يريده "ولاية" خاضعة لسلطة دينيّة متعطّشة لفرض هيمنتها حيثما تجد تربة خصبة وأتباعاً يخرّون ساجدين لطاعتها ويحاربون باسمها كلّ من أفتت أنّه عدوّها أو عقبة تعيق مشروعها. التصدّي لخطر قرض سلطات الدولة والسيطرة على مرافقها لاستباحة حركة الاستيراد والتصدير غير المشروعة والتصرّف بالأملاك الخاصّة والعامّة بلا مسوّغ قانونيّ والإنفلاش الديموغرافيّ والجغرافيّ الجارف لفئات من اللبنانيّين يقتضي التعاضد بين مؤسّسسات المجتمع المدنيّ والروحيّ ومؤسّسات الدولة لتنسيق التدابير وتنفيذ القوانين الآيلة إلى ذلك. الإسلاس لعمليات الإرباك والتعطيل السياسيّ المدارة عن بعد وعن قرب أنهكت الدولة والمواطن اللبنانيّ وبما أنّ هيكل الدولة يجب أن يكون مكتملاً بطواقمه المؤهّلة للقيام بمسئوليّاتها، على النوّاب الكرام الكفّ عن التهرّب من واجبهم الدستوري القاضي بانتخاب رئيس للجمهوريّة التي تقبّلوا قطع رأسها لفرض مرشّح أنصار "الولاية" لا الدولة. صدق التعاطي مع الدولة يرتكز على القنوات والسلطات الرسميّة وليس التسلّل خلفها وبناء كيانات تنافسها تابعة للطامحين إلى تفكيكها وانهيارها للحلول محلّها. كلّنا، أصحاب الكرامة والعنفوان والداعمين لانبعاث أقوى لدولة الحريّة والسيادة والاستقلال، مدعوّون للتضامن و السعي الحثيث إلى تحقيق غايتنا النبيلة. *أكاديمي مواظب على الاضطلاع بالشؤون اللبنانيّة

8.6.14

بوارق من ذكرى غياب اللبنانيّ الكبير غسّان تويني

فراغ غياب الجسد فيّاض بحيويّة نتاج فكره المبدع رجال الفكر الأفذاذ لا يقاس حضورهم بالحيّز الذي يشغله الجسد بل بأهميّة الأدوار التي لعبوها خلال مسيرة حياتهم وعظمة المنجزات التي حقّقوها فتبعثهم مردة عمالقة تضجّ بذخيرتهم العقول والقلوب والوجدان. غسّان تويني أتاح له فكره، المتوقّد والمتوثّب والزاخر بالثقافة والمواهب والكفاءات والمهارات والحكمة والجرأة ودقّة الإستشعار، أن يلعب أدواراً محوريّة ورياديّة في الحياة الوطنيّة الدائمة الإضطرام وكان سفيراً مهيباً تنصت له الآذان صاغرة في المحافل الدوليّة. إنجازاته مدوّنة ومدوّية في محاضر المجالس النيابيّة والوزاريّة والمحافل الأمميّة وفي أروقة جريدة "النهار" منارة الشرق ومنبر الرأي الحرّ المسؤول كما هي مخزونة ذخيرة وضّاءة في وجدان المندهشين بذكائه. تحمّل بصلابة جبّار آلام جراح موت زوجته ناديا وأبنته نايلة وإبنه مكرم وفجيعة إستشهاد فقيد "ثورة الأرز" جبران التي كظمها بحلم الكبار غافراً وراذلاً الثأر. كوكبة أهل القلم التي هبّت لتعبّر عن اعتزازها بمعرفته وعميق تقديرها لمزايا شخصيّته الفذّة وعن حنين إفتقادها لصورته الحيّة هي عيّنة مصغّرة لكن بليغة عن مدى توغّل فكره. هذه المحبّة العارمة وهذا التقدير البليغ هما وسام شرف رفيع يضاف إلى وسام "جوقة الشرف" الذي قلّده إيّاه "كلبناني كبير" الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك قبل يوم من عودة جبران إلى لبنان حيث تنغّصت فرحة التكريم بصدمة إغتيال جبران النجم الذي هوى في الصباح التالي. مثلما كُرّم في حياته كُرّم في مماته إذ منحه فخامة رئيس الجمهوريّة ميشال سليمان ممثّلاً بدولة رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي "وسام الأرز بوشاحه الأكبر" خلال مراسم الجنازة. تكريم أهل الأرض لنبوغ وعطاءات عميد النهضة الفكريّة والصحافيّة والسياسيّة والدبلوماسيّة،غسّان تويني، يُستكمل بتكريم علوّي لدى أبينا السماوي. استذكار العظماء ليس مراسم بروتوكوليّة وإنّما هو حاجة ملحّة للإفراج عن مشاعر المحبّة والإعجاب لتتدفّق بفيض لجوج من العواطف .والحنين حميد عواد LikeLike · · Share

7.6.14

حماية الدولة من شبق الدويلة

المهندس حميد عواد* كم من طاغية تقمّص حرير التحرّر من سلف فاسد وظالم وتحصّن بدرع المقاومة للعدو "قاطفاً" الرؤوس المعترضة سبيل اجتياحه "جنّة الحكم" على صهوة حصان "المخلّص"! انكشف زيف إدّعاء العديد من هؤلاء الطغاة واسقطهم انتفاض شعوبهم مدعوماً بتأييد دول آزرتهم معنويّاً وماديّاً، لوجستيّاً وعسكريّا بعد"استهلاك" القدرة على احتمال وطأة فظائعهم. منهم من "نجا" من تدخّل عسكريّ أمميّ لإسقاطه بتسليمه حمولة ممنوعاته الكيميائيّة وباستناده لدعم عسكري ودبلوماسيّ حليف أعاد الروح إليه كما هو حال النظام السوريّ. لولا مصلحة تمدّد النفوذ الإيرانيّ عبر العراق وسوريا وصولاً إلى لبنان لكان خوض الجيش السوريّ وحيداً لمعارك شرسة ضدّ فصائل ثورة الشعب السوريّ، إضافة إلى إشكاليّة "أبوّة" وهويّة الفصائل "الجهاديّة" المتكنّية بالقاعدة المتسرّبة إلى ساحات القتال، إستنفد قوى وذخائر النظام السوريّ. لذا انخرط النظام الإيرانيّ عسكريّاً بدفع مقاتلين منظّمين من إيران والعراق ولبنان لنصرة حليفه السوريّ لاعتباره تثبيت سلطة حليفه تحت وصايته يخدم هدفين: السيطرة على سوريا والتفرّغ لانتزاع مزيد من السلطة في لبنان عبر صنيعته الحزب المذهبيّ المدجّج بالسلاح وعقيدة الولاء للفقيه الإيرانيّ. لقد اقتطع هذا الحزب بتمويل جزيل من إيران ومحازبيه المنتشرين في الخارج "كانتوناً" استوعب معظم الشيعة في لبنان وكي لا يُتّهم بالفرز المذهبيّ يعمل جاهداً على التوسّع الجغرافيّ والديمغرافيّ والسياسيّ قاضماً الأرض والسلطات والمؤسّسات والمرافق الحيويّة ليصبح الكلّ "موحّداً" تحت .رايته وتهويل سلاحه وتبتلع دويلته الدولة اللبنانيّة وما إطلاق "صغاره" زخّات رصاص "لتحرير" بعبدا والطريق الجديدة إلّا بوح بأسرار وطموحات" كباره". تحت وطأة هذا الفائض في ميزان القوّة وطالما عقيدة هذا الحزب تناقض طبيعة النظام اللبنانيّ .الديمقراطيّ يحتار الفرقاء اللبنانيّون كيف يتعاملون معه هل يطلب المسيحيّون من الفاتيكان إرسال قوّات "صليبيّة" لحماية وجودهم؟ هل يستدعي السنّة قوّات من دول الخليج ومصر وشمالي أفريقيا لدعم وجودهم وضمان ثقلهم السياسيّ؟ أيّ من الفريقين لم يلجأ إلى هكذا قرار لأنّهم مع القوى الشيعيّة المستقلّة التزموا قناعاتهم بأنّ الملاذ الأمين لكلّ لبنانيّ أصيل هو الإنتماء للوطن وتدعيم مؤسّساته وسلطاته واقتصاده وتسخير العلاقات الخارجيّة لهذا الغرض وتفعيل آلية تداول السلطات طبقاً للدستور والقوانين والعمل على سدّ الثغرات .التي تعتريها لمحو الإلتباسات وضمان نقل أمين لتطلّعات المواطنين حماية لبنان من الأطماع والأخطار الخارجيّة والداخليّة هو واجب وطني جامع تقوم به قوّاته العسكريّة الشرعيّة مدعومة بقوى الإحتياط التي تنشئها خدمة العلم وكلّ قوّة عسكريّة خارج إمرة الدولة لا تحظى بدعم غالبيّة المواطنين ولا تُعتبر شرعيّة. كما أنّ توظيف السلاح لقلب موازين القوى وتجميد الإستحقاقات لتطويعها وتهميش من أختاروا اللوذ بكنف الدولة هو انقلاب مرفوض من كلّ مواطن أمين الولاء وحرّ الضمير. إحباط عمليّة انتخاب رئيس الجمهوريّة طالما لا تضمن وصول شخصيّة موالية للحزب المذهبيّ هو احتجاز المنصب وكلّ من يمثّل رهينة حتّى دفع الفدية إستسلاماً. الطائفة المارونيّة غنيّة بشخصيّات مرموقة وكفوءة وموثوقة لضمان عصمة ومنعة وهيبة منصب الرئاسة فلا مبرّر لتخاذل بعض نوّاب الأمّة عن كسر أطواق ارتباطاتهم للقيام بواجبهم القاضي بإنتخاب رئيس بأقرب أجل. أكاديمي مواظب على الغوص في الشؤون اللبنانيّة* div dir="ltr" style="text-align: left;" trbidi="on">

18.5.14

رئيس فذّ لكبح جموح فظّ

<*المهندس حميد عواد للأسف، ما إن فكّت ثورة الأرز الطوق السوري الخانق الذي كاد يبتلع لبنان، حتّى انقضّ النظام الإيراني اللصيق بالنظام السوريّ، عبر الحزب الديني والعسكري الذي أنشأه من أتباع لبنانيّين استقطبهم بجذب العصب المذهبيّ وربطهم بإمرة فقيهه، لتعبئة وتوسيع حيّز النفوذ الذي خلّفه النظام السوري بسحب جيشه من لبنان. النظام الإيراني مصمّم على بسط هيمنة جمهوريّته الإسلاميّة على أوسع نطاق يتواجد فيه شيعة يوالونه لذا يثابر على دعم قدراتهم ويستعين بهم لغرز نفوذه حيث هم وأبعد من ذلك. ثمّ لا ينفكّ عن تطوير أسلحته الجوّية والبرّية والبحريّة والصاروخيّة وتكثيف مناوراته العسكريّة وتخصيب طاقته النوويّة وتصدير عتاده العسكريّ وعقيدة ثورته وخبراته إلى أذرعته وفصائله المنتشرة خارج نطاقه الجغرافيّ. ولا يتوانى عن إقحامهم في معارك عسكريّة شرسة تشتقّ لنفوذه طرقاً وتقطع أخر لمنع وصول أخصام له ولحلفائه كما يحدث في سوريا حيث تحوّلت المعركة معركته والملك ملكه واصبح جيش النظام رديفاً له. ولا عجب أن يتبجّح اللواء يحي رحيم صفوي مستشار الفقيه خامنئي بقوله إنّ حدود جمهوريّته تمتدّ إلى شواطئ لبنان الجنوبية عبر العراق وسوريا. وهو ليس المسؤول الأول الذي يطلق مثل هذه التصريحات الإستفزازيّة إذ صرّح غيره سابقاً قائلين إنّ سوريا والبحرين هما ولايتان إيرانيّتان. في ظلّ هكذا ذهنيّة موقودة بغريزة التسلّط وعقيدة لا تؤمن "بولاية" الدولة المركزيّة ولاتعتبر النظام الديمقراطي اللبنانيّ إلّا محطّة مرحليّة للعبور إلى الجمهوريّة الإسلاميّة المنشودة، ماذا يرتجي الذين يتحالفون مع الحزب الذي يمثّل هذا الخطّ أن يحصدوا سوى "مغانم" مؤقّتة يتلهّون بلوكها فيما "الحليف" يتحضّر لرصفهم قناطر توصله إلى غايته الآيلة إلى تغيير معالم كيان لبنان الحرّ والسيّد والمستقلّ والمتنوّع والرائد والآمن والمزدهر؟ المطلوب موقف شجاع متضامن مع صيغة لبنان الحضاريّة الحافظة لحيويّة مكوّناته البشريّة والثقافيّة والفكريّة والاقتصاديّة، والنابذة والمحبطة للقوى القارضة لهذه الصيغة. والمطلوب رئيس ذو هيبة مقدام وحكيم مؤمن بالثوابت الوطنيّة الحامية للصيغة من الغرق في زوابع المحاور المغزولة حوله ومن الاحتراق بنيران معاركها. كما يحمل برنامجاً واضحاً يحفظ للدولة سلطاتها السياديّة دون منافس ويشتمل على سبل إصلاح المؤسّسات وتنقية وترشيق السلطات والإدارات والمرافق العامّة وتسهيل العمل بمزيد من نشر الشبكة الإلكترونيّة في المؤسّسات. كذلك يتضمّن ما يطمئن المواطن لحاضره ومستقبله ويساعده على الاستفادة من حقوقه وملكيّة أرضه ويحفّزه على ممارسة واجباته. وطالما أنّ السلطات المتروكة لموقع الرئاسة باتت محدودة جدّاً يحتاج الرئيس العتيد لتنفيذ برنامجه وخططه الأمنيّة إلى تعاون صادق من القيّمين على السلطات والمؤسّسات والإدارات لينجح. إنّ التحذلق بالتلطي وراء البحث عن رئيس "وفاقي" ينتجه "فيتو" وهج سلاح الحزب المذهبي والعسكريّ ما هو إلّا فرض لإرادة قيادة حامليه ليأتوا برئيس طيّع لما يملوه عليه. تعطيل هذا "الفيتو" ضروري بالخروج من التحالف مع هذا الحزب لعلّ قيادته تستوعب معنى التوافق وتتخلّى عن النزعات الجامحة وتتّسق مع بقية الأطراف في كنف الدولة ملتزمين أحكام الدستور. تحسّباً لئن تحول المناورات السياسيّة دون انتخاب رئيس جديد خلال جلسة الخميس المقبل حريّ بالنوّاب الوسطيين أن يتعاونوا مع غيرهم ممن يقدّرون مزايا الرئيس الحالي ميشال سليمان ويستمزجوا رأيه الحكيم وصوابيّة مواقفه الوطنيّة ليستقصوا أسماء من يأتمنهم على متابعة مسيرته ويختاروا واحداً منهم. ذلك أنّه رافض لأي تعديل دستوري يمنحه تمديداً لولايته التي استقطب خلالها تأييداً دوليّاً مميّزاً لخططه وتقديراً عالياً لرجاحة منطقه وسمو مناقبه وكثافة جهوده وانجازاته وقدرته على معالجة قضايا معقّدة وصعبة. ليكن الرئيس المنتخب فولاذيّ الإرادة ذهبيّ القلب ماسيّ الذهن دمه من نسغ الأرز. وليحطه فريق من المتخصّصين المنذورين لخدمة الوطن. أكاديمي مواظب على الغوص في الشؤون اللبنانيّة* div dir="ltr" style="text-align: left;" trbidi="on">