11.3.12

خواطر لتذكير المعنيين

*المهندس حميد عواد





في البدء تزرع الكلمة الطيّبة خمائر الخير في النفوس النضرة مبكّراً وترعى نموّها عناية حثيثة وعطوفة تحميها من لوثة المرض والتشوّه واليبياس.



لكنّ بذور الإنحراف والجنون لا تزال تجد تربة خصبة في نفوس ضربها الإنفصام عن السراط المستقيم وأعماها الحقد وأجّجها الجشع والتعطش للسيطرة فتمترست في بؤر نفوذها وإستعبدت العالقين في شباكها وإستعدت المجتمع الإنساني في أرجاء العالم.



الإصلاح المجدي ينطلق من النقد الذاتي البنّاء ويتجاوز تدريجيّاً الإطار الشخصي ليصبّ في ورشة إعمار المجتمع البلدي وصولاً إلى القرية الكونية.



يشعر الإنسان البارّ والفاضل بالإطمئنان والسلام والصفاء والسعادة كلّما إختلى لفحص الضمير أم خشع لمناجاة الله أم هرع لملاقاة الناس.



أمّا مرتكب السوء والفظائع ولو تسلّح بوقاحته وترسانة قوّته للتبجّح والفجور ونكران ذنوبه وردع الإنتقاد وقمع الإعتراض، فإنّه يعجز عن تغطية عوراته أمام الرقابة الذاتيّة الخفيّة الدقيقة والصارمة، وإن نجح في تخديرها موقّتاً يبقى مكشوفاً أمام أبصار وذاكرة ضحاياه ومفضوحاً تحت مجهر رقابة باري الكون ومرصد المجتمع المتمدّن.



لذا يتهرّب المذنب ويتهيّب من الإختلاء بالنفس خوفاً من تأنيب الضمير ومعاناة خيانة القيم الإنسانيّة والوصايا الربّية ويتوجّس من مواجهة العدالة الدنيويّة وحساب الآخرة.



العزّة الإلهيّة حريصة على هناء ونماء خلائقها فتوصي بالتحابب وإحترام الكرامة وصيانة الحقوق وحماية الحياة وتوفير الخدمة وتأمين فرص التطوّر والنجاح والعدالة في المعاملة والإنصاف في توزيع الغلال المستحقّة.



ممارسة الإذلال والظلم والقمع وإغتصاب الحقوق والإعتداء على حرمات النموذج البشري هو عمل وحشي شنيع ينتهك كلّ القيم الإنسانيّة والسماويّة ويشحن نفوس المضطهدين بالغضب والثورة والتوق إلى الإنتقام.



من يرتكب هذه الفظائع هو مسخ تشوّهت فيه الخصال الإنسانية وحوّلته وحشاً خطراً على المجتمع البشري يستوجب مبادرة سريعة لتطويقه وشلّ هيجانه وتجريده من مصادر قوّته وخلعه من موقع نفوذه لإنقاذ مجتمعه من أذاه ومحاولة تأهيله للتعاطي القويم مع الناس.



إنّ البشر التي تتشابه ب% 99 من الجينات وتختلف بالطبائع والقسمات والإمكانات هي متساوية في الجوهر تستحقّ، إضافة إلى تأمين لقمة عيش كريم، مناخاً من الحريّة والتنوّر الفكري يحفّز النضوج والتألّق وإحراز النجاح.



وظائف أعضاء المجتمع كوظائف أعضاء الجسم تعمل بتناغم وتكامل لتأمين دورة الحياة.



وكما الدماغ البشري المذهل يضبط تعقيدات إيقاع إتساق عمل الأعضاء في ظلّ رقابة وعناية الطبّ، كذلك رؤساء وحدات المجتمع والدولة موكلون بتسيير شؤون مواطنيهم متى حازوا على ثقة إنتدابهم لمهامّهم تحت رصد الهيئات الرقابيّة.



المشكلات تقع عندما تغتال الغرائز والعصبيّات العقل والمنطق والحسّ الإنساني لتفرز الناس قبائل متناحرة أو متى يخطئ التقدير والقرار والمبادرة في مجتمع منظّم من يتبوّء المراكز العليا في هرم السلطات إمّا لعدم كفاية المؤهّلات أو لخيانة الأمانة وطغيان المصالح الخاصّة أو لتسلّل هؤلاء إلى مواقع نفوذهم دون تكليف قانوني أو من خلال عمليّة إغتصاب للسلطات.



أكثر المعاناة إيلاماً ومرارة عندما يتسبّب بها قرار مستبد أهوج أو محتكر جشع؛ وأطيب بلسم للجراح هو تحويل ميزانيّة ذخائر الحروب والأرباح غير المشروعة إلى مؤن تطعم الجياع وتعالج المرضى وتثقّف النشء وتحفّزالإزدهار وتنعش الإقتصاد.



التثقيف يتضمّ سرداً اميناً وموضوعيّاً للأحداث التاريخيّة لا إجتزاءً وحشواً متحيّزين ويشتمل نهلاً من مصادر المعرفة المتشعّبة وإنماءً للمنطق والحسّ النقدي ومراعاةً لمشاعر الناس وعدم التعرّض لكراماتهم أو مقدّساتهم علماً أنّ حفظ النصوص يركن في النفوس وما الورق إلاّ وسيط فانٍ.



حماية أرواح الناس وخصائصهم هي الدولة الديمقراطية النظام قلباً وقالباً ولا قيمة لأي حجّة تساق لتبرير إقتناص سلطاتها وقضم الممتلكات العامة والخاصّة وفرض طقوس متزمّتة فهكذا قرصنة خبيثة هي تآمر لتجفيل شركاء الوطن وتشويه للهويّة.



لا تنطلي على اللبنانيين أهداف حيلة إبتكار ثلاثيّة يحلو لمبتدعها شهرها لإختصار مقوّمات الوطن للقفز فوق الدستور والقوانين والتنكّر للإلتزامات وما ذكر الشعب إلاّ إطلاق لحالة جماهيرية (تذكّرنا بمستبدّ أفل نجمه) تغلّف حلم الطغيان الديمغرافي الفئوي.



ممارسات البعض المستقوي بسلاحه الخاصّ ودعم وتمويل "عرّاب" عقيدته الخارجي لتوظيفها في الداخل اللبناني يرسّخ الشروخ بين شرائح الوطن في زمن يحبّذ التقارب والتعاون بين شعوب العالم.



التطوّر التكنولوجي المتسارع إختصر الزمان والمكان في هذا العصر ووثّق التواصل والتفاعل بين الشعوب وأثمر خيراً مشتركاً في معظم العلاقات لكنّه أنجب تشنّجاً وعداءً وأذى في حالات التعاطي مع مجتمعات متخلّفة تتناحر فيما بينها وتناصب العداء وتضمر الشرّ والضغينة والأذيّة للطرف الذي ينبّه أذهان رهائنها ويوقظ إدراكهم لحقيقة تخلّف سجّانيهم وولاتهم ونظم مجتمعهم.



المجتمعات الناجحة هي التي توفّر لأبنائها تربية حضاريّة مفعمة بالمعرفة وإحترام القيم الإنسانيّة والحسّ النقدي وإدراك مسؤوليّة القيام بالواجب وحسن ممارسة الحقوق والتنافس الشريف لخدمة المجتمع فتترسّخ هذه المزايا في النفوس وتتبلور نقاوة شخصيّة نموذجيّة تشذّب الأدران وتسمو لتصبح حافزاً جذّاباً للتفوّق.



أروع موقع للإستقطاب هو مركز المسؤوليّة متى شغله شخصيّة مرموقة لتوقّد مواهبها تقود بإستقامة السلوك وجودة الأداء وضخامة الإنجاز.



صدقيّة المرشد تكمن في تطابق تعاليمه ونصائحه مع سجلّ أعماله.



أمّا تناقض الإرشاد مع نمط السلوك وطبيعة الأعمال فهو ليس فقط مثار سخرية ومبرّر إحتجاج فحسب وإنّما ذريعة لشذّاذ الآفاق لصرف الأنظار عن شناعة إرتكاباتهم.



كما أنّ المبادرات الناقصة التي لا تحقّق الأهداف المشروعة المرسومة لها تنقلب فوائد نتائجها لصالح المارقين المستهدف إجتثّاثهم.



التيقّظ من عبرأخطاء الغيرفضيلة أما الوقوع في الخطأ فخسّارة تُعوّض بتحاشيه مرّة أخرى لكن التعرّض للّدغ من الجحر مرّتين فخطيئة فاضحة وفادحة لا ينفع معها تحسّرقائل:"علّمته رمي السهام فلمّا إشتدّ ساعده رماني" أو "كسحت الألغام لتأمين سلامة عبوره فكان الغدر والعقوق جزائي" .




*أكاديمي وباحث في الشؤون اللبنانيّة

15.11.11

وجها المال والسلطة

المال والسلطة قوّتان تدفعان نحو النهوض والإنماء والتطوّر إذا أدارهما مسؤولون مكتملوالحكمة والخبرة والبراعة متحصّنين بضمير مرهف يصوّب خياراتهم وقراراتهم وتطبيقاتهم. لكنّ طاقة هاتين الذخيرتين، كالطاقة الكامنة في الذرّة، تنقلب إلى زوبعة مدمّرة إذا تلقّفهما وإستأثر بهما "عقل" مختلّ ومضطرب متفلّت من روادع الأخلاق و الضمير تنهشه شهوات العظمة والهيمنة والجشع .

مع إختلال سياسة الإقتصاد العالمي، بل إستباحته للتلاعب بتداول الأسهم وتجارة القروض وتسريب ريع التضليل، لشفطه داخل خزائن قياصرة السلطة وشركائهم من أقطاب المال، هوى الإقتصاد إلى لجّة الفوضى والإفلاس فخسر ملايين البشر جنى أعمارهم وما زال الترنّح من شدّة الصدمة يتفاعل ركوداً ويهدّد أركان الدول وحيوات الشعوب.

ومع تضخّم ديون الدول والشكّ بعجز قدرة الكثير منها على الإيفاء يُخشى غرق مانحي يد المساعدة مع محتاجيها في بؤرة الرمال المتحرّكة فتشفط تدريجيّاً العالم أجمع.

هذه الظروف العصيبة التى لا يطيق وطأتها شعوب الدول الحرّة زادت شحن نفوس الشعوب المقهورة والمأسورة تحت ظلم وتنكيل الطواغيت توقاً إلى الحرّية والفرج من الضّيق وحفّزتهم على تفجير الثورة التى تختمر في وجدانهم.

هكذا نشهد عيّنات من تفجّر الثورات المكبوتة في العديد من الدول العربيّة سلميّاً أو عسكريّاً على النمط الليبي. لكنّ التجربة الليبيّة الضارية لم توقظ نباهة النظام السوري. ولا تمحّص قادته في أمثولة عبور الإنتفاضتين التونسيّة والمصريّة إلى مراحل التأسيس لنظام جديد، نتوخّاه ديمقراطيّاً لصون كرامة الشعبين، دون خسائر بشريّة بالغة، ولو أنّ سقوط شهيد واحد كاف لفجع أمّة بأجمعها.

فقد تورّط النظام السوري في قمع دموي شرس لإنتفاضة شعبه بوتيرة متصاعدة استدرجت عزله عربيّاً ودوليّاً فحتّى الحظوة التي منحته إيّاها روسيا والصين آخذة في التآكل.


إنّ غريزة القمع والإفتراس المتأصّلة في طبيعة النظام تغلّبت على أيّ منحىً متمدّن يليق بكرامة و حقوق ووعي وثقافة المواطن .

لقد إستمدّ أركانه دعماً وفيراً من تحالفهم الوثيق مع النظام الإيراني الغارز أذرعته والباسط أجنحته على "مدى طموحه" و"إستثمروا" رعايتهم للفصائل المسلّحة التي أنشأوها مع النظام الإيراني في لبنان وغزّة لتعزيز موقعهما ونفوذهما.

دأبت القيادة السوريّة على البطش بمن هو أضعف منها وثابرت على المراوغة لتحاشي الصدام مع الأقوى منها. كما إستهلكت كلّ الوسائل المعزّزة لإستمرارها في السلطة وواظبت على "إزالة كلّ العقبات" التي تعترض بسط سلطتها الجامحة التي جنحت ولاكت لبنان.

لكن يبدو أنها إستنفدت كلّ الحيل التي لم تعد تنطلي على المجتمعين العربي والدوليّ اللذين يشدّدان الضغوظ الدبلوماسيّة والسياسيّة والإقتصاديّة عليها ويمهّدان السبل الآيلة للتغيير.

لبنان المميّز بنظامه الديمقراطي ورسالته الحضاريّة وطموح ومرونة وتوقّد ذكاء شعبه تغلّب على فتن وأزمات هائلة عصفت به وخضّت الوئام وعكّرت التفاعل الخلاّق بين أهله. فرغم تنطّح النظامين السوري والإيراني لفرض وصايتهما عليه بالقوّة يثابر غالبيّة اللبنانيّين على رفض هذه الهيمنة المتقمّصة ب"حرّاس نفوذهما" الذين أغدقا عليهم المال والسلاح والتنظيم خارج كنف الدولة لإختراقها وتغليب إمكاناتهم ونفوذهم على المنضوين تحت لوائها.

فتحتَ وطأة ضغوط هذا الإطباق المدجّج بالسلاح لا يمكن إبرام أي إتّفاق عادل ومتوازن وقد شهدنا نكوصاً بكثير من العهود التي سبق وقطعها المستقوون بالسلاح الذي هوّلوا به لكسر خيار الناخبين وفرض حكومة خاضعة لمشيئتهم خلافاً لشعار المشاركة الذي رفعوه سابقاً. فعبرها يحاولون التنصّل من إلتزامات لبنان بالقرارات الدوليّة ومنها تمويل المحكمة الخاصّة به ويعدّون قانوناً إنتخابيّاً يوّسع حصّتهم ويجرون تعيينات تحشد مؤيّديهم ويسنّون مراسيم وقرارات تستميل الناس لتأييدهم.

عبثاً ثني المؤمن بنظام يمحض سلطة مطلقة وحصرية لفقيه يحكم بلداً آخر عن إيمانه فكلّ ما يستطيعه هو "التكرّم" علينا بمهلة "سماح" لممارسة ديمقراطيّتنا ريثما يُنضِج الظروف لفرض عقيدته.
ومن راهن على "لبننة" هذا المؤمن إنزلق و"تأيرن" و"تسورن"!
ومن يلوّح بنصوص إلغاء الطائفيّة كغطاء لإلغاء بقيّة الطوائف هو الممتنع عن غسلها من نفوس امثاله.
ومن يحرص على إكتساب ودّ وثقة شريكه في المواطنيّة لا يحاصره بكثافة الإنجاب وقضم الأراضي ونشر السلاح وإكتساح مناصب الدولة والسيطرة على إداراتها ومؤسساتها وجامعاتها وهزّ الإستقرار. ومن يحترم جاره لا يفرض عليه "طقوسه"ا.
ومن يحرص على صدق التمثيل لا يعمل بشكل حثيث على "تذويب" أصوات "المختلفين" عنه في دوائر إنتخابيّة "يصّممها" بشكل يفيض فيها عديده على عديد الآخرين فتضمحلّ قدرة منافسيه على إنجاح ممثلين فعليّين لهم.
ومن يرغب في توثيق علاقات المغتربين بأهلهم ووطنهم ويرفض التوطين يسهّل سبل عودتهم مع الذين نزحوا قسراً خارج الحدود ويفسح لهم مجال المشاركة في الحياة السياسيّة ولا يعاملهم كمنبوذين أسعده قذفهم خارج الوطن للتخلّص منهم.

تكاتف اللبنانيّين السياديّين يشكّل درعاً واقياً لنظام لبنان ورسالته الإنسانية النبيلة تسيّجه حماية أجهزة الدولة الأمنيّة الرسميّة المفتوحة لإنخراط كلّ ملهوف لهذه الخدمة.
وفي الملمّات الكلّ يهتفون لبّيك لبنان! (وفي يمين الولاء لا بديل للبنان)

المهندس حميد عواد
أكاديمي وباحث في الشؤون اللبنانية

25.7.11

المونسينيور طوق منارة إشعاع ألهبت النفوس الأبيّة

تسلّل "السارق" إلى بكركي خلسةً في غفلة النوم وإنتزع من صدرها قلباً نابضاً بفيض الإيمان وخافقاً بغزارة المحبة وزاخراً بسخاء العطاء وطافحاً بالوفاء للعهود ونشّاباً لصون عزّة النذور وتوّاقاً لأحتضان المخلصين في خدمة الوطن والله.
وقْعُ خبر وفاة المونسينيور يوسف طوق مفجع وصاعق ليس في وجدان عارفيه فحسب بل في ضمائر كلّ المؤمنين برسالة بكركي الكنسيّة والوطنيّة.
هذا الخورأسقف الجليل كان مفعماً بالإنتعاش والحيويّة والنشاط لدرجة يصعب معها تصديق أنّ "أزمةً حادّةً" قادرةٌ على إهماد ضخّات قلبه القويّ رغم المعاناة من جنوح خطير يمارسه أربابُ النِحل المسلّحة لقذف الوطنَ نحو هاوية سحيقة، ورغم إستهجان تلاطم الأمواج في تيّارات منجذبة بمصالح خادعة وخبيثة تصدم وتنفّر المسيحيين لإدّعاء إحتكار تمثيلهم.
عائلة المونسينيور طوق ككثير من العائلات اللبنانية التي هجّرتها أو فرّقتها حالات الإضطراب التي تناوبت على زعزعة الإستقرار في الوطن إذ تحوّلت معظم العائلات اللبنانيّة إلى صورة مصغّرة عن "أمم متّحدة".
لقد ودّع خلال النهار الذي سبق ليلة موته أخاه ميشال العائد إلى أوستراليا حيث يعيش أخوه فؤاد أيضاً وكان سبق أن أمضى قسطاً من صيف 2008 في ضيافتهما. فرحة اللقاء تنغّصها دائماً لوعة الفراق.
نزف الهجرة يجب وقفه وعكسه، لكنّ إستتباب سيادة الدولة على كامل أراضيها يواجه تحدّيات شرسة، والسفر إلى لبنان ينطوي على مجازفات. فهناك وقائع خطف وإعتداء وتجاوزات خطيرة إرتكبتها قوى مسلّحة متمردة على سلطات الدولة وأحكام القانون.
وبما أنّ موقع المطار غائر في غياهب بؤرة أمنيّة تشبه "مثلّث برمودا" أصبح الإنتقال منه و إليه محفوفاً بالمخاطر. لذلك توكّل المونسينيور طوق على العناية الإلهيّة ورافق أخاه.
لقد فتح صدره لمكنونات مشاعر وهواجس المغتربين وشدّهم برباط وثيق إلى معقل بكركي وإلى قلب الوطن.
سكت قارئ فصيح وشريك في تدبيج بيانات المجالس المعقودة في بكركي التي تردّد صداها في أجواء الوطن والعالم، وأطلقت الألسن من عقالها، وحرّرت النفوس من خوفها، ورفعت الهيمنة الخانقة والقيود عن مؤسسات النظام الديمقراطي في لبنان.
لكن للأسف ما أن خفتت هيمنة النظام السوري إثر إنسحاب جيشه من لبنان حتّى نمت هيمنة صنيعة حليفه النظام الإيراني. إذ طوّر هذا الفريق نفوذه بوسائل الترغيب بالمغريات والترهيب بالسلاح، وإكفهرّت أجواء الوطن من جديد ممهّدة لجولات من النضال السلمي في بوتقة إنبعاث ل"ثورة أرز" يرفع كابوس هيمنة السلاح عن صدر الوطن.
صوتك مونسينيور طوق وإن تلاشى في موجات الأثير فقوّة رجعه في وجدان اللبنانيين الأحرار ستثابر على هزّ خواطرهم وإستنهاض هممهم لحماية حريتهم وإستقلالهم وسيادتهم وصيغة لبنان الضامنة للوئام في كنف تنوّع حضاريّ.
ستبقى ملهماً لكلّ الملهوفين على الوطن وسوف نفتقدك مونسينيور طوق إذ "في الليلة الظلماء يُفتقد البدر".
المهندس حميد عواد
أكاديمي وباحث في الشؤون اللبنانيّة

13.7.11

الإفتراء على سيرة الدكتور دريد بشراوي يدحض إدعاء إنحياز المحكمة الدولية

في سياق حملات التشكيك بمصداقية المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وتبريراً لرفضه القرار الاتهامي الصادر عنها في قضية إغتيال الرئيس الراحل "رفيق الحريري" ورفاقه، لجأ الأمين العام لحزب الله السيد "حسن نصرالله" إلى عرض سلسلة مقتطفات تحاول وضع بعض العاملين في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في دوائر القرب من المخابرات الغربية والصداقة لإسرائيل. لكن قياساً إلى إيراد إسم الدكتور المحامي اللبناني الفرنسي "دريد البشرواي" في هذا الإطار يتبيّن مدى الإفتراء على سيرته ويكفي لدحض صلب تلك الإدعاءات. فمن يعرف الدكتور "البشراوي" يعلم مدى تعلّقه بوطنه الأمّ ونزاهته وضلوعه في القانون الجزائي والعلوم الجنائية وإلتزامه المطلق بالعدالة والحقيقة وحقوق الإنسان وسيادة القانون في كنف ديموقراطية ناجزة.

"دريد" إبن بلدة رأس بعلبك البقاعية الشامخة، رجل عصامي شق طريقه بكد من مدارس وجامعات لبنان حيث عمل كمحام متخصص في القضايا الجزائية وكباحث في المعلوماتية القانونية وصولا الى كلية روبير شومان للحقوق التابعة لجامعة ستراسبورغ حيث حاز شهادتي دكتورا في القانون الجزائي العام والقانون الجزائي الخاص وشهادة دراسات عليا في العلوم الجنائية بدرجة ممتاز جدا قبل أن يبلغ عقده الثالث، وهو ما حدا بإدارة الجامعات الفرنسية الى إعتبار مؤهلاته الأكاديمية فوق التصنيف. بعد تدريسه القانون في الجامعة التي تخرج منها وفي جامعات أوروبية متعددة، وبناء على قرار مجلس القضاء الأعلى الفرنسي، عيّنه الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بموجب مرسوم رئاسي محاميا عاما في محكمة أميان ثم في ستراسبورغ في وقت لم تقدم له أي جامعة في لبنان عرض عمل للتدريس في كلياتها، وهو الذي سعى دائما للعودة الى بيروت لإثراء بلده بما نهله من علوم من أرقى جامعات فرنسا، على غرار ما كان يفعل تلامذة المدرسة المارونية في روما. ما بخل البشراوي بوضع خبرته وعلمه في خدمة وطنه فصاغ مشروعا لتعديل قانون الإجراءات الجزائية الأخير بناء على طلب من وزير العدل السابق الدكتور بهيج طبارة وعندما فاجأه الوزير بتحرير شيك له كبدل أتعاب من خزينة وزارة العدل، سارع "البشراوي" الى التبرع به لورشة إعمار لبنان. بدورها لجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان في نقابة محامي بيروت طلبت منه إبداء رأيه القانوني في عدد من مشاريع القوانين المحالة عليها وكان الدكتور بشراوي مواظبا على حضور إجتماعات اللجنة وعلى إتصال دائم برئيسها الدكتور "عبدالسلام شعيب" يقارع الحجة بالحجة والفكرة بالفكرة لتكون قوانين لبنان أكثر تطورا من قوانين أوروبا، كيف لا وبيروت هي "أم الشرائع ومرضعة العلوم". هذا عدا عن المجلدات والمقالات القانونية الغزيرة التي نشرها في اوروبا وفي لبنان في مجلات حقوقية دولية وفي مجلة نقابة المحامين ( مجلة العدل). وللبشراوي أياد بيضاء في جلب الكتب القانونية من البرلمان الأوروبي لنقابة المحامين في عهد النقيب شكيب قرطباوي وزير العدل الحالي وفي تأمين المنح لعدد من الطلاب اللبنانيين لمتابعة دراسات في الجامعات والكليات الفرنسية.

وبالعودة الى كلمة السيد نصرالله والذي ذكر فيها أن د. البشراوي معروف عنه كتاباته المعادية لحركات المقاومة، فإن بحثا بسيطا على موقع غوغل يجعلنا نطالع كتاباته المناصرة للمقاومة اللبنانية في مواجهة إسرائيل ولاسيما منها في حرب العام الفين وستة، حيث نشر د. بشراوي أكثر من دراسة مستفيضة أذكر منها واحدة نشرها على حلقات متعددة في صحيفة المستقبل وفي صحيفة السياسة الكويتية التي نقلتها عن المستقبل يومي الخامس والسادس من أغسطس من العام الفين وستة. وفي الدراسة عدَد "دريد البشراوي" إنتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان وأعلن فيها صراحة أن القوات الإسرائيلية ومن خلال إعتمادها وسائل غير متكافئة ضد المقاومة خرقت قواعد النزاعات المسلحة. وأن ذريعة خطف الجنود الإسرائيليين لا تبرر شراسة العدوان على لبنان وشموليته. كما أتهم إسرائيل بإستدراج دول نافذة لتغطية إرتكاباتها. لقد أعرب عن قناعاته المستندة إلى علمه وتجرده وحرية ضميره بصراحة ودون محاباة.

أما بالنسبة لما ورد عن "البشراوي" حيال بعض كتاباته عن جريمة إغتيال الرئيس الحريري وبأنه نظَر وساق تهما ضد سوريا والمقاومة قبل أن يكون لديه دليل واحد ضدهما، فمن مراجعة دراسات د. بشراوي المنشورة في الصحف نجد أنها لم تتطرق لذكر حزب الله او للمقاومة، وهي كانت مجرد آراء قانونية ومقتصرة على تحليل تقرير لجنة التحقيق الدولية ومعطيات مسربة الى الصحف تمثل وجهة نظر فئة من اللبنانيين كانت تشعر بأن جريمة بحجم إغتيال الرئيس الحريري كان لا يمكن أن تحدث من دون علم سوريا وخصوصا أنه كان لديها وجود عسكري وإستخباراتي قوي على الأرض ولاسيما في بيروت الغربية، وقتها، ومنذ العام 1976 ولغاية العام 2005 ، وهذا ما ورد صراحة وعلنا في تقارير لجنة التحقيق الدولية. في المقابل ثمة فريق آخر يعتبر أن سوريا هي أول المتضررين من جريمة إغتيال الحريري وأن المقاومة بقيادة السيد حسن نصرالله لا يمكن أن تتورط في جريمة إغتيال زعيم سني وصديق للمقاومة وهي العارفة بتداعيات هذه الجريمة وخصوصا أن ما من مستور وإلا سيُكشف ولو بعد حين.

حتى في كلام السيد نصرالله نجد أن د. بشراوي هو مستشار للمدعي العام القاضي" دنيال بلمار" ومعلوم أن المستشار القانوني يبدي رأيا على مسألة تطرح عليه، فلا هو قاضي تحقيق ولا هو مدعي عام إنما مجرد خبير في القانونين اللبناني والدولي وأراءه المطلوبة غير ملزمة، فثمة فريق يجمع الإفادات والأدلة ويوثقها وثمة فريق آخر يحضَر القرار الاتهامي وإن ملفا بهذه الضخامة حيث تربو مستنداته على الإثنتي عشرة الف وثيقة لا يمكن لشخص واحد أن يدرسه ويوثَقه إنما يلزمه فريق من عشرات الأشخاص.

ومنذ تسلمه مسؤولياته في المحكمة إمتنع د. بشراوي عن إبداء رأيه في ملف الحريري علنا أو خفية حفاظا على سرية التحقيقات وامتنع ايضا عن اعطاء اي رأي قانوني وعن الرد على هذه الاتهامات التي سوقتها ضده صحيفة الأخبار التي يديرها حزب الله، وذلك بواسطة قلمي عمر نشابة وابراهيم الأمين.

وليس آخرا وفي ندوة على قناة المنار أعقبت كلمة السيد" نصرالله" قال "إنطوان الخوري حرب" إنه يعرف "البشراوي" جيدا وأن الأخير كان في القوات اللبنانية، وهو لو كان يعرفه بالفعل لعلم أن دريد البشراوي لم ينتسب في يوم من الأيام الى القوات اللبنانية مع التذكير بأنه يعيش في فرنسا منذ ربع قرن وهو غادر لبنان في بداية العشرينات من عمره، وقد يكون. حرب خلط بين د. دريد وغيره من المحامين من عائلة البشراوي ممن لهم إلتزامات حزبية معروفة يجاهرون ويفاخرون بها.

لست في معرض الدفاع عن علاَمة في القانون ولا دريد البشراوي هو في موقع المتهم لندافع عنه، وهو ليس بحاجة لمن يدافع عنه لان ما يقوم به من عمل شريف ومقدس هو علامة فخر واعتزاز يرفعها على جبينه، إنما هي شهادة للتاريخ لا بد من قولها في هذه الظروف الصعبة التي قسمت بلاد الأرز حول محكمة دولية كنا بغنى عنها لو أن اللبنانيين توحدوا حول محكمة لبنانية توصل أهالي كل الشهداء والمفقودين الى الحقيقة المنشودة.

يقولون ان الدكتور دريد بشراوي يقدم المشورة القانونية للمدعي العام، فما ضير ذلك عليهم ما داموا يعتبرون أنفسهم بريئين؟ بدأوا اتهاماتهم في صحيفة الأخبار بواسطة اقلام موظفة بالقول تارة ان الدكتور بشراوي " هو محامي فريق الاتهام السياسي وهو مسؤول قيادي في 14 آذار"، وتارة أخرى أن الدكتور بشراوي " اسرائيلي أكثر من الاسرائليين ومعاد للنظام السوري" ، وها هم اليوم يطلون مجددا بافتراءاتهم وكذبهم وتحريضهم الجرمي لاصقين بالدكتور بشراوي تهمة "الانتماء الى جهاز السي آي آي والعداء لحركات المقاومة والتعاون مع محكمة اسرائلية وأميركية ضد حزب الله".

البارحة وخلال المناقشات النيابية في المجلس النيابي، قال نواف الموسوي نائب حزب الله ما حرفيته " كنا نتعاون مع لجنة التحقيق ومع المحكمة ومدعي عام المحكمة لديه مكتب في الضاحية". والسؤال البديهي الذي يطرح هو التالي: لماذا تعاون حزب الله الى وقت قريب مع محكمة يعتبرها اسرائيلية وأميركية ومسيسة؟ ولماذا يلصق في آن معا تهمة التعاون مع هذه المحكمة بمستشارين قانونيين؟ لماذا لم يهاجم لجنة التحقيق الدولية يوم كانت تؤكّد في تقاريرها ان بعض المسؤولين السوريين ورؤساء الأجهزة الأمنية اللبنانية متورطين في اغتيال الحريري؟ لماذا لم يدافع حزب الله بهذه الشراسة عن قادة الأجهزة الأمنية الذين تم وضعهم قيد التوقيف الاحتياطي لمدة اربع سنوات خلال فترة احتجازهم؟

للتذكير فقط، ان قرار اخلاء سبيل قادة الأجهزة ألأمنية اتخذ بناء على طلب من مكتب المدعي العام الذي يعمل فيه الدكتور دريد بشراوي مستشارا قانونيا وبالتأكيد بناء على استشارات قانونية قدمها هذا الأخير.

هناك بعض من يلقون التهم جزافا في جريدة الأخبار على الدكتور بشراوي من دون التطرق ولو بكلمة واحدة الى من يتعاطى معهم ممن يعملون في مكتب المدعي العام من جماعتهم وممن هم من الطائفة الشيعية وغيرها ومؤيدين لحزب الله وحتى أن السيد حسن نصرالله نفسه تغاضى عن هذا الموضوع لأسباب واهية. والسؤال يطرح هنا لماذا؟ وما هو الهدف؟ الهدف يكمن فقط في مخطط ضرب مصداقية المحكمة الخاصة بلبنان. اضف الى ذلك ان من يهاجم المحكمة في صحيفة الأخبار ويعتبرها مسيسة، ومن يعتبر نفسه متخصصا في العلوم الجنائية زورا ، يقال انه هو نفسه تقدم بطلب توظيف الى المحكمة ليحل مكان الناطقة السابقة باسم المحكمة سوزان خان.



الدكتور ديد بشراوي يقوم بعمل مشرف، مناقبي وموضوعي من دون الالتفات الى أي اعتبارات شخصية او حزبية أو طائفية او عرقية، وذلك على خلفية مهنية وخلفية احقاق الحق ومناصرة العدالة والدفاع عن حقوق الانسان والسلام ومحاربة الجريمة المنظمة والارهاب.

هو ولد في ارض لبنان وترعرع في تلاله وهضابه، وهو عاشق مغرم بأرزه ، ومدافع من الطراز الأول عن الحرية والكرامة والسيادة والاستقلال، ولن يبخل بدمه من أجل هذه الثوابت والمبادئ دفاعا عن الحق والسلام والعدالة في لبنان وفي أي مكان آخر من بقاع الأرض.

التهديدات الخبيثة لا تثنيه عن قناعاته و مناقبيته وهو يعلم علم اليقين ان المجرمين يخشون سطوة العدل ويهاجمون العمالقة والنسور التي تحلّق في سماء الحرية والعدالة.



الدكتور دريد بشراوي الذي عرفته كصديق عزيز جمعتنا روابط قيم حقوق الانسان ومحبة الوطن والدفاع الفكري الحثيث عن الديمقراطية و السلام والحرية والسيادة والاستقلال ، كان يقول في الفترة التي سبقت دخوله الى المحكمة لست أكبر أو اهم من رفيق الحريري أو من جبران التويني أو من بيار الجميل ، ولن أتردد في الدفاع عن العدالة وعن لبنان، بغض النظر عن هوية القاتل وانتماءاته.

دريد نسر من نسور لبنان، حماه الله.



المهندس حميد عواد

أكاديمي وباحث في الشؤون اللبنانية

17.3.11

غبطة عارمة لأنتقال سلس في سدّة البطريركيّة

حميد عواد*

تبوّءُ سُدَدِ المناصب هو إمتحان لتفعيل قدرات ونفاذ تدبير مرتقيها.
كما هو فرصة سانحة لإثبات كفاءاتهم وبراعاتهم وحسن إداراتهم ورجاحة حكمتهم وصواب رؤاهم وتميّز إبداعهم وسمو مناقبهم وشمائلهم وفذاذة شخصيّاتهم.
القاصرون عن تحمّل أعباء المسؤوليات يصبحون عالّة على مناصبهم أمّا المفلحون المرموقون فيزيدونها رونقاً وتألّقاً وتأثيراً.
كما يُفتقد البدر في الليلة الظلماء، متى إكفهرّت الأوضاع وتعقّدت وغدت الظروف فائقة الدقّة تشتدّ الحاجة لقيادة حازمة وخلاّقة ورائعة ومدهشة في أدائها تحشد الطاقات وتستنفر الهمم وتنظّم الجهود لتجاوز المحن.
لمع نجوم بطاركة الكنيسة المارونية لإنطاكيا وسائر المشرق في فضاء لبنان عبر التاريخ حاملين في ذممهم امانة الرعاية الروحية والوطنية للموارنة والمسيحيين عامة مثبّتين الكيان اللبناني في وجدانهم عبر العصور.
إضطروا خلال مراحل إلى التفاوض الحازم مع سلطات الدول النافذة وآخرها سلطة الإنتداب الفرنسيّة لإنجاز الإستقلال وإلتزموا بالتفاهم وتضافر الجهود مع بقيّة الشركاء في الوطن.
تنحى البطريرك صفير عن السدّة البطريركيّة تحسّباً لإعياء قد ينوء به العمر على منكبيه وأفسح المجال لخليفة أوحى بها الروح القدس إلى كلّ المطارنة فأجمعوا على إنتخاب المطران بشارة الراعي بطريركاً جديداً.
الأسى الذي خبره اللبنانيّون لنبأ إعتزال البطريرك صفير طيّبه زفّ نبأ إنتخاب المطران الراعي بطريركاً جديداً.
الدور المجلّي والفعّال الذي لعبه المطران الراعي في نشاطاته ومهامّه الكنسيّة و التثقيفيّة كما في إطلالاته الإعلاميّة الكثيفة، حيث دحض الإفتراءات التى تحامل بها الضالعون في نفث سمومهم بإتّجاه بكركي وصحّح الهرطقات المفتعلة وأكّد ثوابت الكنيسة الروحيّة و الوطنيّة، حتّم إختياره بديهيّاً ومنطقيّاً.
البطريرك صفير كان متّحداً في حلوليّة كيانيّة مع الروح القدس وكان ضميره دائم التخاطر مع خلجات وجدان وإبتهالات قلوب وهواجس عقول اللبنانيين.

والبطريرك الجديد كان يتحسّس بإرهاف وتجاوب نشط هذا التواتر.

وهو على مثال سلفه راسخ العقيدة روحيّاً ووطنيّاً، وأميناً في حمل الرِّسالة وإنعاش الذاكرة لضخّ غنى قيم وبرّ التراث فيها.

وهو كسلفه مجبول بنعم البرّ والمحبّة والعطف والوداعة والحكمة والزهد والتقوى والوقار والمعرفة.
وكلاهما خطيب بليغ ومحاور لبق ومرشد عليم وحكيم ومحامِ دامغ الحجّة وصلب القناعة لا يرضخ للضغوط.
وكلاهما حريص على صيانة الكرامة الإنسانية وعزة النفس وحريّة الرأي والمعتقد في كنف النظام الديمقراطي الضامن لسيادة وإستقلال الوطن.
لمّا إشتدّت وطأة الهيمنة "الأخويّة" على اللبنانيين ولهج زبانيتها بدوامها أطلق البطريرك صفير صرخته المجلجلة مع الأساقفة السامي الإحترام من خلال بيانهم المؤرّخ في بداية أيلول سنة 2000 الذي دعوا فيه "الأشقّاء" إلى سحب جيشهم من لبنان.
وتضافرت عوامل الدعم الداخلي والدولي مخضّبة بدم طليعة شهداء ثورة الأرز وتحقّقت "المعجزة".
لكن ما لبثت أن تقمّصت نزعة الهيمنة في عقيدة وممارسات "حرّاس ثورة" ذات عصب مذهبيّ تغلغلت خلال مراحل ضعف الدولة اللبنانيّة و شرخت شريحة من أهل الوطن.
البطريركان صفير و الراعي يميّزان بوضوح بين مسؤوليّات "سلطة قيصر" وتلك التي لله.
صحيح أنّ كلاً من التربية الروحيّة والتنشئة المدنية تتشاركان وتتكاملان في تهذّيب النفس وتنمية القيم الأخلاقيّة وترهيف الضمير وإبراز الحقوق الإنساسيّة والواجبات والمسؤوليّات، لكن تقف السلطات الروحيّة عند حدود توجيه النصح إلى السلطة السياسيّة إذا إنزلقت إلى شطط أو شذوذ بهدف تصويب السلوك.
الإعتراض السلمي حقّ مباح قانوناً وعرفاً وشرعاً لكن أن تتحوّل سلطة روحيّة إلى قوّة عسكريّة ضاربة فهذا أمر خارج عن نطاق الدين.
روحيّة العصر لا تتقبّل إطلاقاً نظاماً ثيوقراطيّاً للدولة.
المعروف عن اللبنانيين أنّهم كانوا دائماً روّاد النهضة وعشّاق الحريّة المسؤولة ومعتنقي النظام الديمقراطي الذي يتيح التفاعل الإيجابي بين بيئات مجتمعه المتنوّعة في ظلّ رعاية مؤسساته، دون السماح لفريق بإستغلال ظروف الفوضى والوهن القاهرة لفرض طغيان عقائد شموليّة هجينة تخنق الحريّات وتلغي التنوّع وتفكّك النظام.
ألبطريركان صفير و الراعي يدعمان تعزيز مؤسسات الدولة وينددان بنشوء كيانات هجينة مسلّحة تقرض سلطاتها وتهيمن على القرار وتفرض طقوس الحياة اليوميّة على الناس.
وهما يحضّان الدولة للقيام بواجباتها في حماية اللبنانيين من تهديد السلاح وإنتهاكات التعديات وغدر الإغتيالات.
وهما يؤازران مسار العدالة الوطنية و الدوليّة خاصّة المحكمة التي قطعت أشواطاً في التمحيص والتنقيب عن الأدلّة والبراهين الدامغة والقرائن المثبتة في قضيّة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر رفاقه من شهداء ثورة الأرز.
لبكركي موقعها المهم في تاريخ لبنان نظراً للدور الذي إضطلعت به في تأسيس الكيان اللبناني وصيانته وإحباط الهجمات التي إستهدفت تفكيكه.
لذا تحرص الدول الكبرى على الإستماع إلى رأي البطريرك الماروني في القضايا الوطنية وما يتصّل بها من قضايا المنطقة.
البطريرك صفير تلقّى دعوات وإستُقبل من العديد من رؤساء الدول الكبرى فدافع أمامهم بشجاعة وصراحة عن مصالح لبنان وصيغته النموذجيّة التي تحتضن أبناءه بحدب ورعاية وإحترام ودعاهم إلى التعامل بعدالة مع قضايا الشعوب.
البطريرك الجديد مار بشارة بطرس الراعي كان يسير في موازاة البطريرك الجليل مار نصرالله بطرس صفير وهو مدرك لضخامة المسؤوليّات المسندة إليه وهو قادر على ممارستها بجدارة.
اللبنانيّون مطمئنّون وواثقون أنّ المقام البطريركي في عهدة البطريرك الجديد سيستمرّ في تألّقه ووقاره وتأثيره ومحوريّة دوره كما كان في عهدة سلفه، فهنيئاً للبنان!
*مهندس وأكاديمي باحث في الشؤون اللبنانيّة

27.2.11

أطيافهم ذخيرة خلاص محتضنة في وجداننا

حميد عوّاد*

تسكن في البال هموم الوطن ويعيش في وجداننا أطياف شهدائه الأبرار نضمّها بحنان فتذخّر بإستمرار نزعتنا للدفاع عن حريّتنا وسيادتنا وإستقلالنا وعزّتنا.
الوطن ترخص في سبيل حمايته الأرواح دون هدر، لأن النموّ والتطوّر يتغذّيان من منجزات حيوات عزيزة وخصيبة، فبهداية الحكمة والفطنة وحسن التدبير تُفتح دروبٌ لا تقوى جهود عشوائيّة كثيفة على شقّها.
الموت ليس معبراً إلزامياً إلى الحياة إلاّ في حالات إستثنائيّة فلا يسترخصنّ أحد الحياة ويجعلنّ الموت نمط وجود فيستعبد الناس لتثبيت سلطانه.
تماشياً مع التأريخ الزمني نجتمع اليوم لنحيي ذكرى إستثنائيّة حيث الموت شكّل حالة عبور إلى حياة وطنية حرّة.
يوم إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ما ضاهى عصف الإنفجار الآثم إلاّ غضب اللبنانيين الذين إنطلقوا في مسيرة "ثورة الأرز" لرفع نير الظلم عن كاهلهم وقذف جحافله خارج الحدود.
لقد أحبّوه وقدّروه لريع خدماته البارّة تجاه وطنه وشعبه فيما ترصّده وكمن له و لمشروع إنهاض الوطن الحاقدون المستبدّون.
غمر بعطفه وعنايته وسخائه الناس فإستحقّ محبّتهم وثقتهم وكسب حظوة عند ربّه. بذل جهوداً خارقة وحقّق نجاحاً باهراً فشمخ بإنجازاته وتواضع بعلاقاته.
إعتاد على لذّة زرع البذار الطيّبة فكان الإنتاج خصيباً وحصاد غلّال الخير وفيراً. محبّته لوطنه وسعيه الدؤوب لإحلال السلام فيه ولإشباع طموح طلاّب العلم من أبنائه تلاقحت بمتعة إنجاز المشاريع العمرانية فإختلجت في وجدان رفيق الحريري نشوة تحقيق حلم إعادة بناء لبنان بشراً وحجراً ومؤسسات.
كرّس الرئيس الشهيد طاقاته وإمكاناته وعلاقاته لإحياء صيغة ودور لبنان كدولة سيدة حرة مستقلة وحاضرة عمرانية رائعة تليق بعزة وطموح أبنائها فكان فرحه عظيماً بتحقيق مراحل متتابعة من الأحلام واقعاً.
بإغتياله و كوكبة شهداء "ثورة الأرز" معه أراد الطغاة الإنقضاض على عصب الإباء و تثبيط عزائم الأحرار وتفكيك جسرهم البشري المكين.
إستلّ الجلاّدون سيف البطش ليشهد من تسوّل له نفسه التمرد كيف "تُقطف" رؤوس المتمردين والعاصين عليهم.
لكن حمم غضب الحريصين على الوطن ومحبّي الشهيد جمدت الدم في عروق السيّافين.
إذ أنّ التلاصق المتعدّد الأطياف المترامي الأطراف شكّل جسر الخلاص الذي تنكّب الوطن وإنتشله من براثن وأنياب الوحوش ليعيد اليه منابع الحرية والعزة المغتصبة بعد معاناة اختناق، وليطبّق سيادة الدستور والقوانين بعد طول تشويه وليقوّم سياق العدالة الشاملة بعد حرفها عن مسارها.
ذهول وارتباك ألمّا بقطّاع الرؤوس أمام مهابة موكب الإستقلال الوطني الحاشد الذي إنطلق في 14 آذار.
فهو مكمّل لصورة قوافل الشهداء التي افتدتنا في محطّات النضال الوطني عبر تاريخنا الحافل بالإنجازات العظيمة والمنخور بثغرات عدّة كبوات.
مؤسف حدوث إنتكاسات بعد جسامة التضحيات النفيسة المبذولة لبناء الدولة بسبب تألب "حرّاس ثورة" هبطت بكلّ "تجهيزاتها" على لبنان لتقيم دويلة قارضة لسلطات الدولة وليبدأ تضييق الحصارعلى حريّة التفكير والرأي من خلال "جلاميد نظريّات" دفقتها علينا "قرائح خبراء" الثورة "الميمونة" فصادرت وسلبت إرادة أنصارها.
هذا النهج الإستبدادي الجامح نحو التحكّم بكلّ أوجه الحياة الوطنيّة تجاوز نطاق الأتباع ليشمل "حلفاء" سِيقوا بالترهيب والترغيب والكيد وفقدان التوازن و الصواب ليشكّلوا غطاءً يموّه الطابع الفئويّ ثمّ ليستكمل حلقات الهيمنة بمحاولة فرض طقوسه على كلّ أبناء الوطن.
لقد بلغ هذا الإنتهاك حداً خطيراً بات يهدد الكيان ويمهّد للغور بالوطن من جديد في غياهب عهد الطغيان الذي جدّد معه "أركان الثورة" عقد الشراكة العضويّة.
معمودية الشهادة وتشابك مشاعر العنفوان والحرص على نقاوة وتجلّي صيغة لبنان الحضارية يحتّم جدل عزائم وجهود المؤمنين بتميّز وريادة هذا الوطن.
اللبنانيّون المتنوّرون متيقّظون للمكائد التي تحاك لإغتيال وطنهم و للإنقضاض على إنجازات القوى السيادية وإغتصاب ودائع لفيف شهداء الإستقلال المنتشل من براثن الوحوش.
لذا حفاظاً على تراثنا العريق المجبول بإكسير التضحيات والمضمّخ بالعزة و الكرامة والحرية وتحفيزاً لإزدهار مستقبلنا وأمانةً لتطلعاتنا ووفاءً لتوصيات شهدائنا الأبرار، لنشبك السواعد ونقف صفاً واحداً وسدا منيعاً لإسقاط تعديات الردة الرجعية ولنواكب مسار المحكمة الدولية للقبض على رؤوس شبكة الإجرام لننعم بالأمان.
لنستلهم مناقب وخصال الشهداء النبيلة لننقّي ضمائرنا، ولنستمدّ عوامل القوة وأسرار النجاح من مزاياهم ونقتدي بمبادراتهم الناجحة وأعمالهم الخيّرة.
حقق رفيق الحريري إنجازات عظيمة ونجاحاً باهراً في حياته فاستحق التقدير وربح قلوب الناس.
أما في استشهاده فحقق أروع وأثمن الإنجازات وهي إنبعاث الوحدة الوطنية في سبيل خلاص الوطن.
أليس بإنجاز جليل كهذا يدخل العظماء التاريخ ويُخلّدوا؟

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

6.2.11

رياح تغيير يلفّها ضباب التغرير

حميد عواد*

التغيير مرغوب طالما هو سعي شريف للطامحين نحو الأفضل، لكنّه يُستغلّ أحياناً عنواناً جذّاباً من قبل المتعطّشين لسلطة ماحقة، يطرحونه طُعماً ليستدرجوا شعوبهم من مطبّات الضيق والمعاناة إلى حظيرة العبوديّة القاتلة.
ذروة الخبث تنضح من مواقف أنظمة مستبدّة قمعيّة لم تغب ممارسات بطشها الشرسة عن الأذهان لأنّها مستمرّة في كلّ آن لكنّها تتأجّج في الإستحقاقات الإنتخابيّة لتزوّر إرادة صفوة شعبها.
فمن يسمع تصريحات "القيّمين" على شؤون تلك الأنظمة عن دعمها إنتفاضتي الشعبين التونسي و المصري يخيّل إليه أنّهم خرّيجو أعرق و أرقى مدارس الديمقراطيّة.
لكن سرعان ما تتّضح النيّة المبيّتة عندما تُسمع دعوة هؤلاء المتزمّتين والمغرورين إلى توجيه التغيير نحو نمط تخلّف أنظمتهم فيما يتطلّع المتنوّرون إلى إنتقال آمن نحو صيغة حكم توفّر الفرص العادلة للعيش بكرامة وحريّة وهناء.
لا تغفل عيون الدول اليقظة عن تسرّب "خلايا ثوريّة" تنخر أنسجة المجتمعات المحلّيّة لتزعزع الأنظمة العربيّة المعتدلة فتتتبّعها إلى مصدرها المعروف، إذ أنّ التحريض والدعم و التأليب ينطلق من " فوّارة الممانعة والمراوغة والهيمنة" "النافثة للثورات" ومن محور المخابرات الشرسة التي ترتكز عليها أنظمة الإستبداد العسكري والديني.
قوّة هكذا أنظمة تكمن في قمعها العسكري الذي تمارسه على شعبها لتخرس الأصوات المعترضة ولتجهض المحاولات الإصلاحيّة متحصّنة بحرمة السيادة داخل أراضيها، تحتمي بشعارها و تحوّلها قضيّة إستقطاب وطنيّ في وجه أي تدخّل خارجي.
لكنّها لا تجد حرجاً في توسيع هيمنتها خارج أرضها فتقتنص فرص الفوضى والوهن لدى الآخرين لتطوّقهم في عقر دارهم بشبكة "قواعد" مخابراتيّة وعسكريّة تحت غطاء "عقائدي" و"سياسيّ" و"نضالي" تابعة لها، والمثل البارز وليس الوحيد هو الحال الضاغطة في لبنان.
لقد إستنفد المحور السوري-الإيراني قسطاً كبيراً من عافية ومنجزات اللبنانيين عبر أذرعته السياسيّة و المليشياويّة التي أنشأها في لبنان.
لقد أُطلقت عروض الترهيب المليشياويّة في وجه اللبنانيين الرافضين للهيمنة الفئويّة و الخارجيّة والحريصين على النظام الديمقراطي الحاضن للكرامة الإنسانيّة والمخصّب للتنوّع والمحفّز للإبداع والعنفوان، فكانت النتيجة إلتهام لمعظم تضحيات القوى السيادية المبذولة في سبيل ترسيخ الإستقرار ثمّ المطالبة بالمزيد.
إنّ سياق القضم المتدرّج لسيادة ونظام ومقدّرات الوطن من جانب أذرعة الأخطبوط الإيراني-السوري في لبنان بلغ حداً خطراً يقارب مستوى الإستئثار بالحكم ويهدّد ب"هضم" الكيان المتميّز الذي يحرص عليه الوطنيّون المخلصون.
المفجع هو أنّ سطوة تلك الأذرعة المليشياويّة خلخلت وإنتزعت بعض الشرائح من مواقعها السياديّة وسخّرتها عنوة لتغيير موازين القوى في مجلسي النوّاب و الوزراء.
وأسفرت رحلة رئاسة الوزراء للرئيس الخارج من السراي عن سلسلة مكائد و مكامن و أفخاخ خُطّطت مسبقاً للإيقاع به وإبتزازه وجرّ بعض حلفائه إلى التنكّر لمبادئهم وعهودهم وتطلّعات مؤيّديهم والإنقلاب على قناعاتهم الذاتيّة وعلى مسيرة الإستقلال.
لبّ الهدف كان وما زال عزل لبنان عن مدى الدعم الدوليّ الحيويّ له وفصله عن التواصل مع مغتربيه لتدجين أو تهجير أهله ومسخ نظامه والتنصّل من إلتزامات الدولة اللبنانية حيال المحكمة الدولية الخاصّة بلبنان التي يتوخّى اللبنانيّون منها قطع دابر الإجرام السياسي.
وما فرط عقد الوزارة المنصرفة إلاّ محاولة للإلتفاف على القرار الظنّي عبر قرار تصدره تشكيلة وزاريّة جديدة "طيّعة" تعلن فيه إلغاء البرتوكول المعقود مع المحكمة ووقف التمويل بالنصيب اللبناني وسحب القضاة اللبنانيين رغم أنّ ذلك صعب التسويغ قانونيّاً.
بضغط التلويح بالسلاح وشهره و التهديد بإستعماله والتذكير بسرعة تحرّكه و"إكتساحه" الأزقّة والقرى الجبليّة وقصور القيادات السياسيّة تُنتزع مطالب الأخطبوط الإيراني-السوريّ و أذرعته وتُشوّه نتائج الإنتخابات وتُطوّق المقامات الرئاسيّة للتحكّم بها والإستئثار الحصري بكلّ صلاحيّاتها.
خلال ذلك و بهدف التملّق للبنانيين وإستدرار رضاهم، تُغدق وعود خادعة بإصلاح شامل يُنجز بسرعة البرق و تخفيض كلفة المعيشة ب"الرَقَى" و زيادة الأجور بطبعات جديدة من الأوراق النقديّة وتحريك عجلة الأقتصاد بإرتجاجات زعزعة الإستقرار وقوّة القدرة الشرائيّة للمسلّحين و"مذيعي" التهديدات "المحلّفين" و تأمين الوظائف ومختلف الخدمات للأزلام نيابة عن المحرومين وإن لم "يسعف الحال فليسعد النطق" من أفواه الضالعين في الفساد والغارفين من مال الخزينة والمتصرّفين بالملك العامّ والخاصّ كحقّ مطوّب لهم.
بالأمس عندما كانت الأكثرية متماسكة ومصانة أحجمت عن ترجيح كفّة خياراتها الخاصة في إستحقاقات دستوريّة تحاشياً لإقصاء شريحة "ممسوكة القرار" ووازنة في معادلة الحياة الوطنيّة وإشباعاً ل"طموح" المتحكّمين بقرارها إنتُزع الثلث المعطّل وحقّ النقض بمفاعيل قوة السلاح في "ترتيب" الدوحة.
أما اليوم وبعد إقتناص حفنة من النوّاب المتذبذبين بوهج "لايزر بنادق القنص" رجحت كفّة "القنّاصة" ولم يعد لميثاقيّة العيش المشترك والشراكة الوطنيّة حساب يُعتبر منهم بل يصحّ تجاوزه.
مسيرة الإستقلال أصيبت بكبوة لا بد من التغلّب على أذاها بوعي وصمود وعزيمة ونخوة وتضامن ونهوض وإقدام حرّاس السيادة والإستقلال.
لبنان لن يُترك رهينة وغنيمة لقراصنة الأنظمة الثيوقراطية وصيّادي الفرص والجوائز من أركان أنظمة عسكريّة بائدة من أيتام العهد السوفييتي المنقرض.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

14.1.11

إتّزان وخلل، سموّ وإنحطاط

حميد عوّاد*
تطلق صرخة كلّ مولود يطلّ على العالم نبضات "عدّاد ساعته" التي تؤشّر عند إكتمال دورتها السنويّة إلى فجر عام جديد يفتح بصيرته على معارف وتجارب جديدة تكسبه كفاءة و خبرة ومهارة خلال مَخْره عباب يمّ الأحداث وخوضه مغامرات معاركتها.
سرّ النجاح يكمن في تأمين بيئة تنشئة راقية نقيّة من الشوائب ترسّخ القيم السامية والشراكة الإنسانيّة واجباً وحقوقاً ومسؤوليّة ونشاطاً وإلفةً وتوفّر الفرص المتكافئة والعدالة الحكيمة وتؤمّن إعداداً غنيّاً بالمعرفة ينميّ الضمير ويرهف الوجدان ويشحذ المنطق ويصقل الذكاء ، ويثبّت الحقّ ويدحض الباطل.
لكن الإنحرافات الخطيرة التي تنخر بعض البيئات المنغلقة وتصيب أحياناً مواقع السلطة غدت أشرس التحدّيات التي يواجهها العالم اليوم لأنّها تبثّ الخلل والفوضى وتنجب الإجرام.
إنّ التصدّي الجادّ لهذا الإنزلاق يُحتّم معالجة جذريّة تطبّق على مصدر العلّة ألا وهو "مدارس" تُلقّن الكراهية والحقد والخصومة وحصرية "التميّز" مدّعية إستقاءها من "توصيات علويّة" لا "صلاحيّة" للبشر في نقضها.
هكذا يهبّ "خرّيجو" هذه المدارس المضلّلون للقيام ب"واجبهم المقدّس" في "معاقبة" من يتجرّأ على مخالفة معتقداتهم، ويصبح سفك الدماء طقساً إحتفاليّاً وممارسة عبادة ودليل تقوى و"نشاطاً" يستحقّ الثواب.
في هذا السياق تُرتكب المجازر الإرهابية وتُسفك دماء الأبرياء والمتنوّرين في باكستان وأفغانستان والعراق وتستنسخ في مصر ودول أفريقيّة أخرى كما تصيب تموّجاتها بلداناً مضيافة راسخة ومتينة الأنظمة.
في ظلّ الجهل والفوضى والتصلّب الذهني و التعصّب، يتفاقم التناحر المذهبي و يدخل أحياناً طور حلقة الثأر الجهنّميّة ويوسّع إطارها ليزهق أرواح المختلفين دينياً ضيقاً وتبرّماً من ممارستهم الحميمة والحميدة والهادئة والحائدة والمسالمة لطقوس العبادة والصلاة.
يُصدم الناظر إلى بيئات التخلّف حيث يجري "تجويف" وجدان الإنسان من القيم و"تحنيط" العقل البشري فيُحرم من نعمة التطوّر ويغدو عبداً مسيّراً إلى المهاوي فيما يجده زاخراً بالنشاط والإنتاج ومكلّلاً بالإنجازات المدهشة في المجتمعات الراقية التي توفّر له "حراثة بالمعرفة".
مثلما "تُطعّم" أغصان الشجرة البرّية باغصان طيّبة ومنوّعة الثمار يجب "تلقيح" العقول ببذور الخير لتينع وتفيض عطاءً وبِرّاً على مجتمعها.
لبنان لمع بغناه الحضاري و جماله الطبيعي وحزمة أضواء قوس قزح المنبعث من نسيجه البشري الذي تحوّل شلاّلاً من العطاء كلّما تعانقت ألوانه مؤتلفة فيما خبا زهوه ونضب عطاؤه كلّما تشتّتت أضواؤه خلال عصف النزاعات التي إنصبّت عليه.
ليس أمرّ من تجريع العلقم عنوة لمن تعوّد على حلاوة الحياة وليس أخبث من تحطيم كبرياء النفس وتنغيص هناء وعزّ العيش بغصّات القهر وعضّات ألم الجوع و العوز.
قد يتمكن بعض اللبنانيين داخل الوطن أو خارجه من التفلّت موّقتاً من متاعب الحياة و معاناة الأهل في لبنان ليحتفلوا بإستقبال سنة جديدة فرحين متفائلين، لكنّ الكثيرين منهم غير قادرين على طرد هواجسهم وتخدير آلامهم وسدّ رمقهم ليستلقطوا أنفاسهم ويستعيدوا وعيهم.
لا يجوز السكوت على عذابات اللبنانيين وطمس تضحياتهم بعدما تناوب على خطفهم رهائن أفواج من الخاطفين المتنوّعي "المنشأ" أرهبوهم ونكّلوا بهم وحاولوا إذلالهم وإجهاض أنتفاضاتهم و نهضاتهم ضاغطين عليهم لتهجيرهم من "مراقدهم" كما تفنّنوا في إبتزازهم لنكران ولائهم الوطني وتجريدهم من عنفوانهم وهويتهم وأملاكهم.
ليس مستغرباً أن يثبت فعل اليوم قول الأمس عندما عبّر مسؤول في "الكيان الثوري" الذي صاغته "الثورة المصدّرة" إلى لبنان أنّه لو خُيِّر بين أمن الوطن وأمن "الكيان" لإختار الثاني علماً أنّ التناقض لا يحصل إلا في وضع إنفصالي عدائي.
فما نشهده اليوم هو شلّ لمؤسسات الدولة وتجميد لأعمالها ووقف لعجلة الإنتاج وحبس لأنفاس المواطنين وكبح لأنين جوعهم وألمهم كرمى لرفض مسبق غير منطقي لوجهة القرار الإتّهامي للمحكمة الدوليّة الخاصّة بلبنان والتنصّل من الإلتزام المبرم بها لأنّ ظنّ "أهل الثورة" وراعييهم الإقليميين أن الإتّهام سيطالهم.
فمن إرتكب جرائم الإغتيالات في لبنان تعوّد على النفاد دون محاسبة لأنّ القضاء الوطني كان مكبّلاً.
لذا تشكيل المحكمة الدولية المختلطة المخصّصة لكشف قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقافلة رفاقه الشهداء من نجوم "ثورة الأرز" جسّد إرادة لبنانيّة-دولية مشتركة حازمة لتخليص لبنان من براثن "نقابة الإجرام" التي درجت على زهق أرواح من يناهض طغيانها.
لكسر طوق الحصار المزمن والخروج من دوّامة المراوحة لا بد للبنانيين الشرفاء من جمع الشمل ورصف الجهد وصدّ الجور حماية للوطن وتدعيماً لمؤسسات الدولة وترسيخاً لسلطاتها وتوطيداً لسيادتها.
لكن بدل تبديد شبح الهجرة عن المقيمين وإفساح العودة للمغتربين الذين هجرت غالبيّتهم الوطن تحت وطأة الظروف الخانقة يعمد أصحاب النوايا "الطيّبة" إلى "تمديد" الأزمات و يستخدمون كل الوسائل والسبل لإحباط كلّ تشريع يسهّل إستعادة الجنسيّة لمن إفتقدها أو يمكّن المغترب من ممارسة حقوقه السياسيّة والمدنيّة و الإقتصاديّة في وطنه الأمّ.
وهناك مال سياسي مشبوه المقاصد يغدق على فئات معيّنة لتشتري به أملاك اللبنانيين المنهكين نفسيّاً ومادّيّاً فتُقطع جسور التواصل مع حضن الذكريات وخزّان التراث و يتكرّس الإنفصام عن أصالة الذات.
في ظلّ هذا الواقع المأساوي الذي يجري فيه عمليّاً ليس فقط "فرز" جغرافي طائفي وإنّما أيضاً قضم لأملاك المسيحيين ليس مستغرباً أن يطرح الوزير بطرس حرب مشروع قانون يمنع مؤقّتاً بيع العقارات بين الطوائف لإيقاف هذا النزف الخطير.
يفوت الذين يشيرون إلى الدستور أن يدركوا أن ما يحصل هو طعن له لأنّه إبتزاز تحت وطأة ضغوط هائلة (القلق من زعزعة الإستقرار والتمسّك بالسلاح الفئوي والإغراء بالعروض المضخّمة) للتخلّي عن الممتلكات و فرز جغرافي طائفي يخلّ بميثاق العيش المشترك ولا تقرّه الأخلاق ولا التضامن الوطني.
من يهمّه توطيد الشراكة الوطنيّة وترسيخ الإستقرار عليه العمل على رفع الضغوط الجاثمة على صدور اللبنانيين وكفّ عمليات الشراء الخبيثة ومساعدة المحتاجين بتأمين القروض المتهاودة.
إنّ سياسة ترجيح "ثقل" فريق ما بتخصيب الذُرّيّة والذَرّة والتسلّح والتموّل هي خداع وتآمر يستهدفان تقزيم وتهميش بقيّة الشركاء في الوطن وهي غاية سقيمة ومفضوحة ومرفوضة.
كما هي جنوح أهوج يثبت عدم إكتراث بمستقبل الأجيال فيما تتضخّم كلفة المعيشة وتضمر المداخيل وتشحّ المصادر الطبيعيّة وينضب الغذاء وتتقلّص إمكانات توفير العناية الصحّية والتعليمية.
الخروج من شرانق القوقعة وتحرير الذات من الشرور والشره والأنانية والغرور، والتخلّص من شحن وتوتّر و"وشم" كلّ أنماط العصبيّات القبليّة والإنضمام إلى "ورشة" التآخي الإنساني وشبك الجهود لإنتاج ونشر الخير، هي السبل المتآلفة الآيلة إلى العيش بوئام وسلام وهناء.
*مهندس وأكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

27.11.10

الإيمان بالوطن ضمانة لخلوده

حميد عواد*

يشتهي اللبنانيّون توفّر الإمكانات للدولة كي تمسك بزمام الأمور وتبسط نفوذها وإدارتها في كل مرافق الحياة الوطنية دون أن يعيقها متطفّل أو منافس ذو مصلحة خاصة، فيشعروا بالإطمئنان والإستقرار و ينعموا بحياة هانئة.
لقد توّجت "ثورة الأرز" مسيرة طويلة وشاقّة زاخرة بالتضحيات النفيسة لأحرار لبنان لحماية ديمقراطية النظام والهوية المدموغة بالتراث الغني والمزيّنة بوسام و مهام الرسالة المميزة التي إنتدب حاملوها لها.
الولاء للوطن و التفاني في خدمة أهله و مؤسساته هو أسمى تجلّيات المواطنيّة.
الوفاء له لا يحتمل إعتناق ولاء مناقض لقيمه ودستوره و قوانينه ورسالته.
فالولاء لعقائد تناقض أسس كيان الوطن هو قنبلة موقوتة تنفجر في أحشائه متى فرض فقه العقيدة ذلك.
لقد تمسّخ الولاء المذهبي عند بعض الجماعات بشكل خطير جعله حشوة متفجّرة تنكّرت بشعار مواجهة الإحتلال لتلهب صراع نفوذ حاد في الشرق الأوسط وأبعد منه و تطلق المجازر الإرهابيّة.
لا يتورّع منحرف الولاء عن إحراق وطن ليقدّمه أضحية لوليّه واضعاً جمره في مبخرة التبجيل وماحياً آثار آثامه كأولائك المتفحّمي القلب والضمير الذين يحرقون غابات أشجار لبنان النادرة والمعمّرة لهوس تخريبي وإستيلائي أو لمجرّد صنع فحم يجنون منه مالاً حراماً.
تحلّ ذكرى إستقلال لبنان في ظروف ملبّدة بالضغوط ومشحونة بالتهديدات لإنكار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ونفض اليد من القرار الإتهامي الوشيك الصدور لأن الفريق اللبناني اللصيق بالنظام الإيراني والحليف للسوري أستشعر منذ زمن أنّ الإتهام سيطاله.
لذا يمارس، مدعوماً من عرّابيه المتوجّسين، شتّى أنواع الضغوط ويثير قضيّة "شهود زور" وخرق إسرائيلي لقطاع الإتصالات لجعلهما منفذاً للطعن في صدقيّة الإدعاء ولمدّهما جسراً لإعاقة عمل المحكمة.
وبما أنّ هذه المماحكات لا تؤثر على عملها المستقلّ يجري نقاش سعودي-سوري ومواكبة إيرانية وقطريّة وتركيّة لإجتراح صيغة عجائبيّة تكبح بسحرها جماح المهووسين بنزعة الهيمنة والمنتشين ب"تفويض مارس(إله الحرب)" والمفتونين برهبة القوّة و "طرب" قرقعة السلاح علّهم يهدأون ويستقرّ الوضع في لبنان.
الولايات المتحدة الأميركيّة أعلنت بحزم دعم الدولة ومؤسساتها والنظام والأطر الشرعية وأوروبا كذلك وفرنسا عرضت "سان كلو 2" للتأكيد على جدّية الإهتمام بالإستقرار في لبنان وللتحذير من خطورة عواقب السلوك الإنقلابي والإضطراب الفوضوي.
لقد ترسّخت القناعة الدولية -وقساوة الوقائع تشهد- أنّ اللبنانيين حُمّلوا فوق طاقة القدرة البشرية أوزار صراعات المنطقة و جُعلوا أكباش محارق الآخرين.
فقد تناوب تكراراً الحاقدون المجرمون على جعل حياة اللبنانيين جحيماً بإثارة الفتن وإفتعال الصدامات وشنّ الإعتداءات ونسف المساعي الحميدة وزهق الأرواح ونزع عوامل الصمود الماديّة والمعنويّة وإغتيال الأمل وفرص الفرج والفرح والرجاء بالخلاص، تسريباً لليأس إلى النفوس.
وحوّلوا مناسبات الحبور والإعتزاز إلى ذكريات مأساويّة منها الإغتيالان المفجعان اللذان غيّبا الشهيدين الرئيس رينيه معوّض والنائب والوزير بيار الجميّل فإنطبعا في الضمائر الوضّاءة مع ذكرى عيد الإستقلال.
الإستقلال منغرز في عقول ووجدان وتوق وسلوك أبناء الوطن النبلاء الأباة المبدعين الوثّابين إلى الخدمة والعزّة والعُلا.
وهو مكرّس في الدستور و القوانين والمؤسسات وفي أدوار مارسها حكماؤه وفطناؤه داخل الوطن وفي المحافل الدولية.
لكنّ إستهدافه وإختراقه بالمكائد المعقّدة والمتتالية المصمّمة من أنظمة دول وتنظيمات عسكريّة مرتبطة بها عرّض الإستقلال لهزّات عنيفة تجاوزها حرّاسه حافظين الوديعةَ لكن مثخنين بالجراح مضرّجين بالدماء مثكلين بالشهداء.
إستقلال لبنان بذلت في سبيله الأرواح الغالية والثروات الوافرة.
الثروات تُحتسب لكنّ المُهَجَ العزيزة لا تُعوّض و رصيد الجهود الغزيرة المصبوبة لدفعه قدماً لا يُقدّر بثمن.
الذات اللبنانية الأصيلة هي لُبُّ الوطن الدائم الخفقان يضخّ في عروقه ترياق العافية وإكسير الحياة ورحيق المحبّة وعصارة الوفاء ومصل الصلابة والمناعة.
إنّها باعث النهوض وشعلة الحريّة وثورة العنفوان وشبكة الأمان.
أمّا الذات الهجينة التي كرّست ولاءها وإيمانها وعملها ونشاطها لخدمة عقائد شمولية تناقض أسس الوطن إنحرفت عن السراط القويم و إنخلعت عن جذعها و صوابها وتألّبت على أبناء وطنها وسلخت دويلتها لتتقوقع فيها.
لبنان جنّة جحد بروائعها القبليّون من أبنائه وسرّبوا إلى مجتمعه وأرضه جفاف الفكر وعصبيّة القبليّة وقحل الصحراء فيما حافظ على يناعه وخصبه وإبداعه أبناؤه الميامين.
إن أصرّ القبليّون على نمط عيشهم ورفضوا الإنخراط في كنف الدولة فهذا تكريس لإنفصالهم.
أمّا أن ينكبّوا على تجفيف واحة الشرعية وتعقيم مؤسساتها ونحر أهلها أو إكراههم على الإنتحار فهذا كابوس مستحيل ينقلب فيه السحر على الساحر.
لبنان المعاصر المشرق على الكون يحلّق بجناحيه (المقيم والمغترب) ويتوثّب نحو مستقبلٍ زاهر متجذّر في تاريخ مجيد وممهورٍ تراثاً غنيّاً محميّاً من صفوة وأحرص أبنائه فلا خوف على تلاشيه في سراب و قحط الصحراء.
نَسْغ الأرز في عروقنا يتمدّد خلدك لبنان في إيماننا يتجدّد

*مهندس وأكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

11.9.10

الخلاص في الوئام و العدل و السلام و الهلاك في الخصام و الظلم و تحريض اللئام

حميد عواد*
ما أبهى مشهدي مأدبة الإفطار الرئاسية و "عامّية المصالحة" بين أهالي بريح اللتين أُقيمتا في قصر بيت الدين تحت رعاية رئيس الجمهورية، و ما أفظع مشهد "واقعة" برج أبي حيدر و جوارها.
في القصر تجلّت روح الوئام و الشراكة، و في تلك الأحياء من العاصمة (و إسمها يشتقّ من "عصمها" عن الأذى و الضيم إمتداداً إلى أطراف الوطن) برزت قرون فتنة أردت ضحايا و أوقعت خسائر و أرعبت الأهالي و وتّرت الأعصاب.
إقتضى الظرف الحرج تحرّكاً نشيطاً لعقد لقاءات هدفها "تطُويق" ذيول الحادث و الإنكباب على معالجتها و كانت "إستدعاءات" من الجوار (المرتبط بعلاقة "عضوية" مع فريقي الصدام) ل"إستعراض الملابسات"، أمّا القضاء فبدأ بإستنطاق المتورّطين في الحادث ليستجلي ظروف حصوله و حقيقة أبعاده.
لكن تفاجأ "المتوجّسون" من الشرور كما "المتوسّمون" ببوارق الأمل بإطلالة "مكلومة" تحمّل مسؤولية "الطعن بالسكّين المملّح" لحامل "القلم" و "الكتاب" و "أختام" رئاسة الحكومة.
تسارعت الجهود للحدّ من تفاقم السجال و رست التهدئة على "فتوى" "القلم و الكتاب مفيدان و السكّين لإسرائيل فقط".
لقد لفتت الإنتباه حدّة هذه الهبّة و بدت كأنّها تأكيد لنيّة فرط عقد مجلس الوزراء و إيذان بتغيير يروّج له لتسهيل قطع "حبل السرّة" مع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
ليس مستغرباً أن يظنّ من نخر نفوذه حرمات القضاء الوطني أيام عهد "الوصاية الطاغية" أن يعتبر أنّ القضاء الدولي قابل للإختراق و الإلغاء.
لكنّ القضاة الدوليّين ليسوا رهائن حكم مخابراتي يحرف بعضهم عن مسار العدالة، بل نخبة حرّة الضمير من متفوّقي الكفاءات و مرموقي الميّزات يلتزمون أدقّ معايير العلم و الفقه و الحنكة و الفطنة و الموضوعية التي ستتجلّى و تثبت خلال ممارستهم مهامّهم و في حصيلة مطالعاتهم.
و هم ليسوا هواة إلتقاط ترّهات و جمع إشاعات و إصغاء إلى خرافات و لا هم حائكو أساطير، فلا تستوقفهم أو تبدّد إنتباههم أو تشرّد أذهانهم روايات مزوّرة.
بل هم علماء تنقيب عن الحقيقة المنطقيّة، يجمعون و يرصفون أجزاءها المتلائمة ليصبّوها على هيكل متين من الأدلّة الدامغة، لذا ما زال المدّعي العام دانييل بلمار يخصّب و يمتّن و يسند "فاعليّة الدليل".
و هو لم ينتقل من مهمّة رئاسة لجنة التحقيق الدوليّة إلى موقعه الحالي إلاّ بعد تراكم كمّيّة هائلة من الدلائل و الإثباتات و الوثائق، جعله التمحيص بها و فرزها و ربط حلقاتها و التوسع بشعابها واثقاً من القدرة على كشف شبكاتها كما أكّد مراراً.
الفتنة ليست في صلب عمل المحكمة الواضحة الهدف بل هي كامنة في ذهن و غرائز الذين يهددون بإثارتها أو نشوبها و ب"دقّ الأعناق" و إمتشاق السلاح.
الهيجان المحموم لن يغيّر المعطيات و الدلائل و الإثباتات و "البصمات" و "فحوى" المكالمات الهاتفية "السرّية" التي أحاطت بعملية الإغتيال.
بل المقصود منه إثارة إعصار من الترهيب يُتوخّى منه حصار و إكتساح و شفط بقيّة مصادر السلطات و "إجتثاث" المحكمة و قضّ مضاجع اللبنانيين و إستنفاد صبرهم و إستهلاك صمودهم و إستسلامهم لليأس و تهجيرهم من وطنهم.
إنّ تجريد اللبنانيين من حريّة قرارهم و سيادتهم و رفاههم و حقوقهم و ممتلكاتهم و إقتلاعهم من جذورهم لقذفهم في لجّة دوّامة القلق و التشرّد و العوز هو أفظع أساليب القتل الجماعي.
حقّ المواطن البديهي في العيش بأمان موفور الكرامة حرّ الإرادة و سيّد القرار، بات حاجة ملحّة برزت من غمرة الإغفال و وطأة قهر السلاح فارضةً على المهتمّين بأمره إيجاد سبيل لإعتاقه من أسره الطويل رهينة لِعبث و فورات المنقلبين على النظام.
هذه القضيّة الحيويّة ترتبط بهيبة الدولة التي يعوّل عليها غالبية المواطنين لحمايتهم و رعاية مصالحهم و ينخرطون بشغف في خدمتها و توطيد صروحها.
لكنّ الجهود البنّاءة يجهضها معاكسة الإنقلابيّين الذين يعملون على إسقاط كيان الوطن من مرتبة دولة مدنيّة ديمقراطيّة، مكتملة السلطات و المؤسسات و عريقة الحضارة و خلاّقة الدور و متميّزة الحضور و الشراكة إلى جانب بقيّة الدول، لينحطّوا به إلى درك ولاية مسلوبة السيادة يتحكّم بها رعاتهم الإقليميّون.
لذلك نرى هذه الأذرع منكبّةً على خنق مؤسسات الدولة بالقوّة و الفرض و على توسّع "الإنتشار" و إحباط النهوض و إجهاض الإنتعاش الإقتصادي تحت ذرائع متنوّعة محورها التصدّي لإسرائيل و ضعف إمكانات الدولة الدفاعية.
هذا النفوذ المعيق حفره و جهّزه و مدّه بالسلاح و المال و الدعم التنظيمي و اللوجستي المحور الإيراني-السوري ليغتصب السيادة بإغتصاب ولاء معتنقي خليط مذاهبه و عقائده.
إقتناء السلاح خارج كنف و إمرة الدولة ينهش سلطاتها و يغتصب إرادة المتمسكين بمؤسساتها و يفتح الثغرات لرعاة الإنقلاب كي يتدخّلوا و يديروا شؤون الوطن حسب مقتضيات مصالحهم.
و هؤلاء يصرّحون بإعتزاز أنّ "فرسانهم" في لبنان و فلسطين و العراق هم طلائع جبهة الصدم في مواجهة أعدائهم، فيما هم "يخوضون حروبهم المباشرة" بالخطب الناريّة و المحادثات الدبلوماسيّة يحصدون بنتيجتها عقوبات إقتصادية و مالية و حظراً للتكنولوجيا و أحياناً مكاسب، أما "خوضها" عندنا فيكون بالنار و الدمار و الضحايا.
إنّ مزعزعي النظام اللبناني و محركّي جبهة التماس اللبنانيّة عن بعد يقبعون آمنين داخل حدودهم و يسترون عوراتهم و يبتزّون المكاسب على حساب ويلات اللبنانيين.
يسوّقون أنظمتهم الشمولية القمعية كبديل "مستقرّ" للنظام اللبناني الديمقراطي "المهتزّ" ب"شفاعتهم" و يحاولون طمس مسئولية إحتلال أراضي شبعا و كفرشوبا التي كانت خاضعة للسيادة السورية لمّا إحتلّتها إسرائيل مع الجولان (لقد تكرّم مشكوراً وزير الخارجية السوري مرّة بالقول أنّه سيعيدها إلى لبنان بعد إسترجاعها مع الجولان عبر المفاوضات مع إسرائيل).
مشكلة "التوجّس" من مستبطني "التقيّة" تتجسّد في خطورة التحرّكات الميدانية و تقييد حركة ممارسة السلطات الشرعيّة و خنق الدورة الإقتصادية و إعاقة مشاريع التنمية.
الولاء الوطني و العدالة هما مطهر و مصهر أمّا تخطّيهما قهراً فيوصل إلى جحيم.
محكّ الصدق في بناء قدرات الوطن الدفاعيّة هو تجيير كل الإمكانات العسكرية لصالح و لقرار الدولة الجامع.
الدفاع عن الوطن في الملمّات واجب يمليه الضمير الحيّ و يلبّي نداءه كلّ مواطن مخلص، لكنّ الخلاف حول الإستراتيجية الدفاعية هو أرجحيّة المرجعيّة المفروضة من الواقع الميداني، فيما المتفق عليه هو حصرية مرجعية الدولة الواردة في البيان الوزاري و هي المبدأ المعهود في النظام الديمقراطي.
كما انّ المتّفق عليه في إتّفاق الدوحة عدم إستخدام السلاح و العنف لفرض تغييرات سياسيّة.
الشأن الدفاعي ليس المطلب الوحيد المحقّ الذي يُستغلّ لِمَرامٍ خاصة و هي هيمنة فئوية مجيّرة، فهناك شعار دعم القضيّة الفلسطينيّة و رفض التوطين (الحاظي بإجماع عليه و ذكر في متن الدستور، أمّا الجدّية في منعه تبدأ بخطوة تمهيديّة توصل إلى الضفة الغربية و غزة) اللذين يبطّنان إدامة النزاع عبر جهوزيّة جبهتي لبنان و غزّة و "تيقّظ" العين الساهرة على جبهة الجولان و إمداد الترسانة الإيرانيّة.
إشاعة أجواء الإستنفار تبغي إستقطاب الجماهير المشحونة تأييداً لأصحاب و مدّعيّ الخيارات العسكرية و تأليباً على المراهنين على المسارات التفاوضية.
لقد إستفاد أولائك من تعثّر المفاوضات السابقة لتدعيم حجّتهم، و نعوا مسبقاً المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية المباشرة التي أطلقها بالأمس الرئيس الأميركي باراك أوباما.
التحدّي هائل، لكن إذا صفت النيّات و إستُخلصت الدروس و إستُقيت العبر من مداولات جولات التفاوض السابقة لهان تسديد المباحثات الجديدة نحو بلوغ حلول منصفة، فيُسفّه الموتورون و يُدحض تحريض مولّدي الإرهاب السافر و المقنّع، و تُستأصل مصادر تمويل الجزّارين أو تجفّف مؤنها و يسود صوت الحكمة و إحترام القيم الإنسانيّة.
الرئيس أوباما متحمّس لحلّ هذه المشكلة التي إستعصى فكّ عِقدها على مدى عقود إستولدت خلالها حروباً قاسية فادحة الخسائر و تشعّب ضخّ شحنها و إعتصرت أنواؤها شعوباً عديدة. لذا ممنوع الفشل لإنّه كارثة شاملة الأذى يجب تفادي حصولها.
و لا بدّ لفريقي التفاوض من الإعتبار من مرارة المآسي و التبصّر في تفاقم عواقب التعنّت و الجموح و إدراك أهميّة و فوائد السلام فيبنيا صرحه بالتعاون مع الرئيس أوباما و يتكرّس بذلك ذكر إسمه و إيّاهما كصنّاع سلام تاريخي و يكون وفّى قسطه للعلا و وفى رصيد جائزة نوبل للسلام الذي "سُلّف" إليه تيمّناً بتوقه إلى و دأبه على إحلال السلام في العالم.
بورك زارعو الخير و التسامح و الوئام و السلام و نجّى الله البشر من شرور المستبدّين و تضليل المشعوذين و جموح المجنونين و ذلّ المتزلّفين هادياً إيّاهم إلى السراط المستقيم.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

28.7.10

وأد الفتنة لا المحكمة

حميد عواد*
منّى اللبنانيّون و أركان سلطات الدولة النفس بموسم إصطياف عامر تحييه مواكب المغتربين المتوقّدي الشوق للعودة إلى "مهبط الوحي" و "مرقد الروح " و "مهجع الوجدان" و "منتزه النظر" و "حضن الحبّ و الحدب و الحنان" يسابقهم إليه حشد من السّيّاح المدمنين على طيب المأكل و المشرب و لذّة الترفيه و روعة الطبيعة و صخب فرح الحياة.

لكن هذا الإندفاع كبا، إذ كبحته روادع أمنيّة مقلقة تنذر بالأدهى بدأت بإنكشاف جديد لثغرات أمن المطار لتتوّجها تهديدات محترفي الحروب التي خرقت "جدار الصوت" و صفحات الإعلام و صعقت أعصاب اللبنانيين الآمنين مشحونة بالتشنّج الذي أزّم المواقف و وتّر الأجواء.

يتساءل من ينشد السلام للبنان - و هم يعرفون الجواب ضمناً- لماذا يشرئبّ مثيرو القلاقل و مروّجو الفتن عند كلّ إنطلاقة نهوض و تعافٍ و عند كلّ إستحقاق "حسّاس" يتعلّق بالوضعين الداخلي و الإقليمي ليعلنوا أنّ لبنان رهينة بطشهم و ترهيبهم شاهرين (إلى جانب سلاحهم) لائحة مطالب متصاعدة يبتزّون من خلالها إستجابةً محليّة و دوليّة و إذعاناً جديداً لبسط هيمنتهم بالأصالة أو الوكالة؟

لماذا البديل عن وقف حرب القذائف الهابطة و الصاعدة هو دائماً حرب الإنذارات الواضحة و المرمّزة، المنطلقة و الوافدة؟

و الغريب عندما يتلاقى إنذاران متقابلان على مضمون واحد يتأرجح تعليله بين "فتنة" أو "نصيحة" حسب موقع قائله!

و الفتنة تُحبط عندما تُفضح مقاصدها و تُبرز مخاطرها و تُفهم عواقبها، فتُضبط الغرائز و يُحكّم المنطق. أمّا المستهجن أن ينزلق "مكتشفها" إلى مهاويها و "يفعّلها" من "جانب واحد" (مستخدماً تفوّق قدراته!) متجاهلاً رفض "الجانب الآخر" لهذه "الدعوة" .

لقد برزت إرادة التعكير منذ إعتراض "قوّات اليونفيل" في الجنوب و تعاظمت مع الهجوم المركّز على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان و إثارة ملاحقة "شهود زور" ( تذكّر ببعض "المتطوّعين" الذين خُيّبت عروضهم كهسام هسام الذي "بكّر بمعاينة" مسارح التفجير و تاق إلى الظهور في الإعلام قبل أن يؤوب إلى قنّه كالحمامة الزاجلة) و إعتبار تسجيل المكالمات الهاتفية باطلاً لربطه بقضية التجسس على الإتصالات من قبل المعنيين بتسريبات إعلامية مضخّمة تخمّن مضمون القرار الإتهامي للظنينين بإغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري و الجرائم الأخرى المرتبطة به الذي سيصدره المدعي العام دانيال بلمار.

لقد بلغت جسارة التأويلات الصحفية حدّ محاكاة محاكمة علنية تحيد بالتهمة عن جهة لتلصقها
بجهة أخرى ربّما إنطلاقاً من مؤشّرات بعض الإستدعاءات.

إن تداول إستقراءات القرار الظنّي علناً مرفقاً بإدّعاء التسرّب إلى مكمن السرّ المكتوم في فك
ر بلمار هو "طبق" لطعن لاحق و تعليل لإدّعاء عيب في محصلة التمحيص في هذه القضيّة إن صحّت التوقّعات.

طرح القرار الظنّي في بورصة التجاذب السياسي المحلّي و الإقليمي هو إستغلال عقيم فاشل "يسهم" فيه "المضاربون" لإفتعال "إغراق" المحكمة التي ستخسئ رهاناتهم بجلاء الحقيقة الكاملة المدعومة بالأدلة الدامغة و البراهين القاطعة و التعليل القانوني المبرم بمهارة.

الشهداء هم أهمّ الشهود في محاكمة المتورّطين في إغتيالاتهم، شهاداتهم أدلوا بها لمّا كانوا أحياء أمام الناس و أسرّوا بخفاياها لأخصّائهم.

أهل الشهداء لا تأكلهم شهوة الثأر و كي يسامحوا يجب أن يعرفوا دوافع الجرمين و هوية من يصفحون عنهم. لذا يمكن وأد الفتنة دون وأد المحكمة.

إنّ القضم المقسّط و المتدرّج لسلطات و مؤسسات الوطن من جانب فريق تفرّد بتنظيم كيانيّة خاصّة تطمح إلى تهميش الآخرين و الإستئثار بحيّز أوسع من السلطة و القرار، يتلبّس أشكالاً منوّعة و يلج منافذ متعدّدة و يحاول رجاله جرف كل من لا يرفد نهجهم.

دول إقليمية تسعى إلى تحقيق مكاسب و بسط نفوذ لها و حماية و تعزيز "أمنها" على حساب أمن و حرية و سيادة و إستقرار الجمهور الإستقلالي في لبنان.

هذا الجمهور العريض المستهدف من الداخل و المحيط الإقليمي بحاجة إلى تضافر جهود أبنائه و دعم الدول الصديقة لدعم صموده و صدّه للضغوط الداخلية و الخارجيّة.

يجب إحباط مساعي التوتير و إجهاض التدابير الميدانية التي يستشفّ منها شقّ الطريق لعودة الجيش "الشقيق" "للجم شبق حلفائه" (و في طليعتهم من نأى عن هذا التصنيف تمويهاً) فيما تراود قيادته رغبة جامحة لإستدراج العروض من زوّار نافذين آتين إليها.
*
مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

7.7.10

كثرة الإلتهام و "الإنتفاخ" تبْقُرُ البطون

حميد عواد*

ليكون المواطن جديراً بممارسة حقوقه و قديراً على النهوض بمقتضيات مسؤولياته يجب إعداده بحدب و عناية من خلال تربية مدنية راقية تجعله فخوراً بتراث وطنه و مؤمناً بعدالة و شمول خيور نظامه و متفانياً في خدمة مجتمعه و توّاقاً لرفع شأنه و وفيّاً في ولائه، فيتآلف المواطنون بقوة جذب هذه الوشائج المشتركة. لكن متى برز خلل و خلاف جوهري في الشؤون الوطنية و عجز المنطق و الحكمة عن ضبط الأمور و معالجتها حدث نفور و ثبور.
لبنان وقع في المحظور تكراراً فلاكته الصراعات التي أنهتكه و غلّبت الأهواء الهجينة على حساب الولاء الوطني ففكّكت العرى بين شرائحه و شرخت فريقاً تفرّد في شدّ عصب أفراده و لم ينسجم أو يندمج في جهود ترميم روابط المواطنية التي بدأت منذ إتّفاق الطائف و إكتسبت زخماً إضافيّاً و صهراً خلال مآسي الإغتيالات.
و حيال مخطّط ترجيح الثقل بالإفراط في الإنجاب، رغم الإكتظاظ و ضيق الحال و خطر الإختناق و الجوع و المرض، و التمدّد البشري "الناشط في النموّ" على مدى جغرافية الوطن الجارف لمواطنين أنهكتهم الضغوط، و التمسّك بالسلاح تحت راية ثالوث رُكّب لإضفاء شرعيّة عائبة، لم يعد للشراكة الوطنية مجال أو معنى و لم تعد آليّة العمل الديمقراطي مجدية لأنّها أُجهضت في دساكر مكتظّة بالبشر المختلفة بالشكل و المتماثلة بالبرمجة التي طُبعت في الأذهان.
الجهود الحثيثة للملهوفين على الهيمنة الشاملة و على إلصاق أهل الوطن "بشباك عناكبهم" تتوالى تارة بوضوح بالضغط السياسي و العسكري و تارة مستترة بنوايا مبطّنة لإلغاء طوائف في معرض "إلغاء الطائفية" و "ضخّ الدمّ الفتيّ" "الخصيب" في جمهور المقترعين.
و قد أثار تواصلها قلقاً بالغاً لدى الفئات المستهدفة و إعتراضاً حازماً على تفاقمها و رفضاً قاطعاً لنتائجها و عزماً وثّاباً لفضح و إفشال مخطّطها الخبيث.
و كي تتكسّر النصال على النصال "صوّب" "روبن هود العروبة و فلسطين"، التائب على رمياته السابقة، سهامه على هدف يثير مخاوف التوطين المرفوض مبدئيّاً و دستوريّاً، بإسم قوننة حقوق "مدنية" للفلسطينيين المقيمين في لبنان من تملّك و عمل و ضمان صحّي وتعويض نهاية الخدمة.
و القصد من هذا السهم إصابة مزدوجة: أوّلاً، جعله إسفيناً يُدقّ لفصل فريقي الصفّ الذي تركه و ثانياً تسجيل نقاط "حسن سلوك" لحشر و عزل و تأليب الفلسطينيين على الفريق العصيّ على الخضوع لرعاته الجدد.
و الغريب أنّ "روبن الطوباوي والطاهر" المدّعي النسيان و المسامحة بخصوص واقعة أليمة منطبعة في ذاكرته، لا يكفّ عن إجهادها بالغوص في أحداث ماضية للتغنّي "بأمجاد و مآثر" بائدة و إنتقاء فواجع منفّرة تجاوزها الزمن يثيرها ليفتري و يغمز من قناة القوم المحبب إستهدافهم حتّى في سياق تعزية.
و فيما يحضّ أهل الشهداء على التخلّي عن بحثهم عن الجناة عبر محاكم القضاء "يبشّرهم" أنّ الإغتيال قد يُستأنف!
إنّ إغفال معاناة اللبنانيين و القفز على الحبال ( أو الحفافي) و التهالك على إستدرار عواطف الفلسطينيين لجعلها دعامات للمواقع المتداعية هو إستخفاف بعقول الناس.
المعروف أنّ مهمة "غوث الفلسطينيين" منوطة بوكالة الأونروا و بمساعدات الدول العربية الغنية، أما تحميل لبنان فوق طاقته العاجزة عن إطعام بنيه راهناً فهو مبالغة مستحيلة و قصم لظهور اللبنانيين.
العمل المثمر يتجسّد بمساعدة لبنان لتأمين الخدمات الأساسية لأهله و للمقيمين في ربوعه و بمساعدة الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم و كخطوة أولى إنضمامهم إلى أشقّائهم القاطنين في الضفّة و القطاع و إلاّ تأمين إستضافة لائقة لهم في بلد(ان) فسيح(ة) الأرجاء قليل(ة) السكّان وافر(ة) الثروة خارج لبنان.
في إنتظار الفرج يساهم لبنان، قدر إمكاناته المتواضعة، في تسهيل معيشة الفلسطينيين.
ليت الساعين إلى إبتلاع لبنان يستخلصون العبرة من خبر مصوّر عميق المغزى يبيّن أفعى إنفجر بطنها إثر إبتلاعها تمساحاً فتيّاً في محمية في فلوريدا.
لكنّ النهم لا يبشّر بالإنحسار، و التململ بلغ ذروته في صفوف الموضوعين على مائدة الإلتهام فبرزت إنتفاضة "حكماء التيّار" و لو متأخرة و إنسحب اللواء نديم لطيف بمرارة. و هو الأب الروحي العطوف والقائد الميداني الصّلب للتيّار الوطني الحرّ أيّام النضال السلمي في مواجهة الهيمنة الجائرة. عفّته و مناقبيته دمغتا شخصيّته و سلوكه فسما بالواجب و الكفاح الوطني إلى مرتبة الرسولية الطاهرة. خروجه من التيّار هو خسارة رصيد نفيس و دلالة على جنوح خطير عصي على العلاج.
تشويش أذهان الضحايا و تلقفهم مشتّتين في دوّار التفرقة هو التحضير لإصطيادهم بسهولة. كذلك إنشاء منظّمة أو حزب ل"تأطير" الأتباع و خطف قرارهم لتجييره أو تأجيره أو بيعه هو عمل رائج يستفيد منه القوي للسيطرة على الضعيف. و في السياق عينه يجري نصب الكمائن لعزل الخصوم و إستفرادهم و الإيقاع بهم.
إنّ تقطيع أوصال الغرماء لا يقتصر على العلاقات الداخلية بل يشمل علاقات اللبنانيين مع الدول الداعمة لنظامهم الديمقراطي و حريّتهم و سيادتهم و إستقلال وطنهم. علاقاتهم مع قوات الطوارئ الدولية كانت مستهدفة في الجنوب.
لقد إنتُدبت هذه القوات للمهام المنوطة بها حسب قرار مجلس الأمن 1701 و فُوّضت إتّخاذ التدابير الضرورية في مناطق إنتشارها (المادة 12) لمنع أي نشاط عدائي (وُجّهت إليها تهديدات بإستهدافها "مجهولة" المصدر) و لمقاومة أي محاولة قسرية لمنعها من تأدية المهام المكلّفة بها (قطع الطرق عليها و رشقها بالحجارة).
إذن لمصلحة مَن التعرّض المباشر لهذه القوات و إفساد علاقاتها الطيّبة و النافعة مع سكّان الجنوب و خرق بنود القرار المذكور الذي أوقف الحرب و أمّن الهدوء و ضبط التحرّشات و ردود الفعل؟
هل الهياج ألهبه إصابة "عصب حسّاس" دفع إلى التشكيك (زكّاه الإعلام الرسمي السوري!) في نقل هذه القوات حصيلة معلوماتها إلى الجانب الإسرائيلي، "فتشاكل الأمر" (كما ألمح أحدهم) و إشتعل في وجدان المعترضين مزيج من واقعتي "سفينة مرمرة" و إستشهاد الضابط الطيّار سامر حنّا علماً أنّ قوّات اليونفيل كما الشهيد لم تطلق النار؟
هل يُعقل أن يُقرن هذا التعكير بالتنديد بالسياسة الخارجية لفرنسا ( المحفّزة الإتحاد الأوروبي على زيادة العقوبات على إيران لتكتّمها عن أوجه تخصيبها النووي) و بقدر أقل إسبانيا و إيطاليا؟
لقد نشأ عن الحوادث المتراوحة بين "العفوي" و "المنظّم" حرج و إرباك لأركان الدولة اللبنانية و إساءة إلى علاقات لبنان مع دول صديقة و إعلان صريح من مسؤولي الأمم المتحدة أن تكرار التجاوزات و مخالفة أحكام القرار 1701 و نصب الأفخاخ لقوات اليونفيل سيفسح المجال لإستئناف العمليات الحربية في إشارة صريحة و تلويح إلى سحب قوات السلام الأممية (الأنظار تترقّب تقرير الأمين العام بان كي مون المزمع إصداره في 14 تمّوز بهذا الشأن).

في ظلّ التوجّس من حصيلة التمحيص في وثائق المحكمة الدولية و إفادات الشهود و ربط الأحداث في حبكة قرار إتهامي محكم لم يوفّر المذعورون ذريعة للطعن بمصداقيتها إلاّ و ساقوها. موضوع التجسّس على الإتصالات هو اللقيّة الجديدة.
إنّ نشاطات التجسس المقنّعة بوظائف متنوّعة و المنتحلة صفات تمثيليّة بريئة قائمة بين الدول ليست المتعادية فحسب ( إسرائيل و دول عربية إضافة إلى إيران) و إنّما بين المتوافقة أو المتجافية (إنكشاف جواسيس روس في إنكلترا و أميركا، و إيرانيين في دول عربيّة) و المتنافرة ( إيران و الغرب) و حتّى الصديقة و المتحالفة ( تجسّس إسرائيلي في أميركا-جوناثان بولارد).
التجسّس ليس إستطلاعاً فقط فهو غالباً سرقة أسرار ثمينة أو ذنوب مكتومة تفيد الجهة السارقة بقدر ما تكشف و تؤذي الطرف المسلوبة أسراره.
و التجسّس في لبنان لا يقتصر على الإختراق الإسرائيلي بل يتعدّاه ليستبيح خصوصيّات المواطنين بحجّة شرعيّة "الإستعلام" و "التنسيق" تحوّطاً "لحماية" جهة ما تسعى للسيطرة على هذا الوطن و ترسل تقاريرها إلى راعييها الإقليميين لأنهما مرجعيتها العليا التي "تسترشد" بتعليماتها.
لقد وجد أنصار "المحاكم الميدانية"، و مروّجو إشاعات تسييس المحكمة الدولية الخاصة بلبنان و شتّامو و مهدّدو قضاتها، في كشف نشاط تجسّسي، يجري التحقّق منه قام به موظف في شركة إتّصالات تشّغل شبكة الهاتف في لبنان، جرعة منشّطة للقفز إلى تشكيك إستباقي في صحّة إدلّة المحكمة الحائزة على مئات المكالمات الهاتفية التي سبقت و تلت عمليّة إغتيال رئيس الوزراء الأسبق الشهيد رفيق الحريري.
طالما هناك سريّةً مضبوطةً بإحكام تُغلّف عمل المدّعي العام دانيال بلمار و مساعديه و التسريبات الإعلامية هي فقاعات، لماذا يصرّ المتطيّرون على الرفض المسبق للقرار الإتهامي المرجّح صدوره في أيلول المقبل؟
لبنان يحتاج إلى مواكبة ومساندة أصدقائه لتدعيم نهوضه و ترسيخ سلطات دولته و إيقاف نزفه البشري كما أنه بحاجة ماسّة إلى تآزر أبنائه الأباة و تضافر جهودهم لتحصين مواقعهم و حماية حقوقهم و إنعاش حيويّتهم و تزخيم إزدهارهم.
لِيهتدِ كلّ مواطن بمحبة القلب و نصائح العقل و همس الضمير و وصايا الشهداء و حكم الأجداد.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

9.5.10

"ثورة الأرز" لا تُزهق

حميد عواد*

وحده الضغط الجوي هو المعتدل في لبنان أمّا بقية الضغوط فهائلة، تهوي بأثقالها على اللبنانيين من الأجواء الإقليمية المشحونة بلا رحمة، لتنهكهم و تحبط آمالهم و تمنعهم من الإسترخاء و الإستمتاع بالروائع الطبيعية التي حبا الله هذا الوطن بنعمها و لتنتزع من متناولهم فرص النهوض و النمو و الإزدهار.
ضغوط صراعات التناهش الديمغرافي و الجغرافي الإقليمية تلاحقت بلا هوادة مدفوعة بحوافز مترابطة مثل إستتباع شعب أو ضمّ أرض أو رفع غبن أو إسترجاع حقّ أو بسط سلطان، و تضافرت لتطوّق اللبنانيين و تتسرّب بتفجّراتها داخل وطنهم.
فكلّما حَبُل نظام إقليمي بمشكلة أو أزمة لجأ إلى أعوان، تسنّى له تجنيدهم في ظلّ ظروف إنهاك لبنان، لإجهاضها.
و مهما تنمّقت الدوافع بصفاتٍ تعاضد قومي أو دعم حقوقي أو تآزر تاريخي أو تضامن عقائدي، فالثابت هو تمخّض و بروز فرز دينيّ و مذهبي خطير متمادي التموّجات بؤرة فورانه تنطلق من الشرق الأوسط و تنتشر حممه آسيوياً و إفريقياً لتجرف خلال تدفّقها تدريجيّاً أقلّيات مستضعفة.
وُجد لبنان في قلب منطقة غلب على أنظمتها طابع التزمّت و العنف و الإنقلابات الدموية و قمع الحريات العامة و إنتهاك حقوق الإنسان، فجاء نظامه نقيضاً ديمقراطياً، بفضل حيوية أبنائه و توقّد طموحهم و تنوّع مواهبهم و إقبالهم على النهل من صفوة الحضارات، مكرّساً حقّ ممارسة حرية الفكر و الإعتقاد و الرأي.
لكن في خضمّ نشوء و جذب "ثورات" و تيارات مدغدغة لمشاعر و غرائز جماهير المنطقة، و تحت وطأة نشوب و إحتدام الصراع العربي-الإسرائيلي و تداخل الرغبة في الهيمنة و تغيير النظام، أُسِيء إستغلال أجواء الحرية و التسامح في لبنان، فشُلّت المؤسسات و تنوّعت الفتن و الصدامات و تعاقبت "تبدّلات" ميدانية هجينة ما زال لبنان يعاني من آثارها.
بعد معاناة اللبنانيين خسائر فادحة و تعاظم أخطار الأوضاع في لبنان أدركت دول عربية وازنة أهمية إحتوائها و وعت أهمية بقاء لبنان و إفتقدت حاجتها إليه كنموذج فريد خلاّق في الخدمة و الإنتاج و كمنتجع و متنفّس و منتدى ثقلفي و فنّي و كمتحف غنيّ بالروائع، فعُقد مؤتمر الطائف تمهيداً إلى ولوج مرحلة إستقرار مشتهاة.
و بما أن غالبية اللبنانيين متمسّكة بنظامهم الديمقراطي المرن و المحفّز للقرائح و الإبتداع، حافظوا على بنيته و أسسه و بذلوا جهوداً جبّارة لمقاومة و جلاء وطأة الهيمنة الهمجيّة و معالجة إحتقاناتها و جروحها و آثارها. و السعي يتواصل لتأمين ضخّ الحيوية فى مفاصل مؤسسات الدولة تدريجياً و فتح أقنية إنسياب النشاط بلوغاً إلى الإنفراج.
تنوّعت "الثورات" التى إنطلقت من لبنان أو "هبطت" عليه و خدمت مصالح الآخرين على حساب عافيته، لكن وحدها "ثورة الأرز" جمعت معظم شرائحه و وثّقت وشائجهم و صلّبت عودهم و صبّت في صُلب المصلحة الوطنية.
لكن نشوء فصائل عسكرية غير "نظامية" خارج سلطة الدولة في لبنان، "زُرعت" و "طُعّمت" و "لُقّحت" لجعل نظامه هجيهناً ملتصقاً بالنظامين الإيراني و السوري و"مُقَولباً" في "جعبة" حكّامهما، أعاق و ما زال يعيق ترميم مؤسسات الدولة و حركة النهوض و نهدة الإنفراج.
صُلب هذه القوى المسلّحة الهجينة أكتسب قوة و نموّاً و تنظيماً و تجهيزاً جعلته يتحدّى و يتصدّى لمن يعترض على سلوكه داخل الوطن و خارجه، و جعل إسرائيل تتوجّس خطراً مباشراً على أمنها يضاعف قلقها من هاجس التخصيب النووي الإيراني لإرتباط وثيق بينهما، و دفعها لإطلاق تهديدات حازمة نحو لبنان و على حكّام إيران و سوريا أصحاب "براءة إختراع" و "ملك" و "قرار" و "مؤونة" أصل و فروع هذه المنظمات.
و بِحُكم إنطباع الوليد بطبائع الوالد و خصائصه إنتقلت "بالتناسخ" "مزايا" إحتكار السلطة و القرار، و "التطيّر" من الإنتقاد و "الشغف" بخنق الأصوات الحرّة المخالفة للأوامر المُنزلة، فتناسقت الضغوط بكثافة و قوّة، ترغيباً و ترهيباً، لفرط عقد "ثورة الأرز".
نشوة الزهو و الإستقواء بالسلاح بلغ إرتعاشها حدّاً خطيراً سُوّغ معه توسّل العنف في 7 أيار 2008.
وقع هذه "الحملة" صدم "ذاكرة" "زعيم" "ملهوف" على سلامة الرعيّة و التوريث ، فتشوّشت "ذاكرته" و "إنخطف" إلى "لحظة تخلّ" عن "الأهل" و "الرفاق"، و تحوّل، كمن سبقه إلى الإنقلاب على المبادئ، من "قائد" إلى "مذيع" ينطق بمطالب "خاطفيه".
لكنّ "ثورة الأرز" مستمرة و كوهج "الذاكرة" لا تنطفئ شعلتها في وجدان الأحرار الأبرار بِنفخة، طالما هي عابقة بِنفحة صدى وصايا الشهداء و المؤسسين، و بعطر الأرض و بِطِيْب محبّة الوطن.
حماية "ثورة الأرز" هي حماية للصيغة الرسولية و الحضارية للوطن و مظلّة أمان و هناء و حرية و عنفوان لجميع أبنائه و بيئة خصبة لإنخراطهم في مهام النهوض و الإنماء و ضمان لمستقبل باهر.
أمّا مشاريع الذين ينقضّون عليها بلا هوادة فمناقضة لهذه القيم و قاضمة لسيادة سلطات الدولة و آيلة إلى "تحنيط الأدمغة" و تحويل لبنان إلى مقبرة عبودية.
محاربة إسرائيل لا تضفي العصمة و لا الحصانة على من يرفع لواءها، و لا "تؤهّله" لخرق حرمة حقوق اللبنانيين و سلطات دولتهم، و إلاّ "إكتسبت" هكذا "إمتياز" كلّ منظمة إرهابية "إشرأبّت" لتشنّ "حرباً عنقودية" في لبنان. وقد سمعنا مؤخراً تهديدات من مصدرين "يتحرّقان" لدفق "حممهما" فوق "الحواجز" المنتصبة هناك.
خدمة الوطن واجب مشترك يقع على عاتق كلّ المواطنين. عندما تتعاطى بشأن سيادي تتسق و تنساق في مؤسسات الدولة تحت سلطتها و إشرافها. أمّا الهيئات الرديفة حتّى لو كانت ذات منفعة عامة فيقتصر عملها على شؤون غير سيادية و هي غير مخوّلة إنتزاع صلاحيات الدولة المتعلّقة بممارسة السيادة.
كما أنّ حرمة السيادة تقضي برصّ إلتفاف المواطنين لدعم مؤسسات الدولة و تعزيز دفاعاتها و إلتزام المواثيق الدولية و قرارات الأمم المتحدة و مجلس الأمن المنبثق عنها و حصر العلاقات الثنائية بالأقنية الرسمية، لا التسلل المهين والإستفزازي إلى عقر الدار من خلال التغرير بجماعات و تسخيرها لخدمة مصالح الدولة المتسللة.
بهذا الأسلوب تعامل أركان النظامين الإيراني و السوري مع لبنان و رفعوا مستوى تسلّح و تدريب أذرعتهم في لبنان و غزّة لصرف الأنظار عن ملفّ "التخصيب النووي" و إنتهاكات حقوق الإنسان و التنكيل بنخب المفكّرين و السياسيين، و لمحاولة حصر ساحة المواجهة العسكرية مع إسرائيل من جديد بعيداً عن أراضيهما من خلال إشغالها "بتحصينات متقدّمة" و إقامة سباق تسلح و تطوير مستوى التدريب و أنساق القتال أملاً في تحقيق "توازن رعب"، فيما إسرائيل تحرص على ضمان تفوق طاغٍ لا تطيق إضعافه.
"توازن الرعب" بالتكافوء أم بالتفوّق هو عبء ثقيل و عقيم يرهق طرفيه بتفاوت. حالة الترقّب الهادئة، لكن الهشّة، التي يفرضها مؤقتاً ، لا يلبث أن يطيح بها خلل طارئ يعصى على الضبط و الإحتواء فيتفجّر الوضع برمّته.
تحت وطأة جو التوجّس المشحون بالتهديدات ب"تصفية الحسابات" المتراكمة يجري الإستعداد و التحسّب لحرب "إكراهية" قد يفجّرها صاعق "إنزلاق" أو "تَعَثّر" نحو "لغم أمني"، أو ثبوت شبهة عبور صواريخ سكود سورية (أو طراز يفوقها تطوّراً) إلى فصيل مقاتلين صُنّفوا مؤخراً كفيلق مشترك بين الحرس الثوري الإيراني و الجيش السوري أُسند إليه دور محوري في "تفعيل" و "تجويد" إستراتيجية إيرانية-سورية نوقشت خلال إنضمام أمينه العام إلى مداولات الرئيسين الإيراني و السوري في 26 شباط الماضي التى عبّرت عن وثوق و عمق في التحالف بدا معه عصيّاً على التفكيك.
أما توازن السلام فنابع من قناعة صانعيه و هو راسخ و دائم يفتح دروب النمو و النجاح و الإزدهار أمام الشعوب التى تحظى بنعمته.
غالبية اللبنانيين تنشد السلام لأنّه صِنْوَ عزّهم و متجذّر في وجدانهم، و لأنّهم دفعوا و ما زالوا أثماناً باهظة لإستباحة وطنهم ساحة للحروب و الصدامات مع إسرائيل و هدفاً لإشباع نهم سيطرة الأشقّاء و حشد الأتباع على أساس مذهبي و ضمّهم إلى "حرّاس ثورة" دينية إستحوذت على ولائهم و فصلتهم عن مواطنيهم.
بدل السير في موكب الولاء الوطني يستنفر هؤلاء كل عوامل قوتهم للجم و تدجين النزعة السيادية و إستتباع معتنقيها.
قدر اللبنانيين ان يواجهوا بإستمرار ضغوط تفجّر ديموغرافي، مدجّج بالسلاح و مكتنز بالمال و مستقطب بإحكام من "مرشد معصوم"، يتوق بشغفٍ و ثباتٍ إلى الهيمنة على بلاد الأرز و قلب نظامها الديمقراطي لجعله ثيوقراطاً.
على اللبنانيين الأباة، الذين تجاوزوا المحن المريرة و نُكبوا بممتلكاتهم و أعمالهم و بيئتهم، أن يواظبوا بثبات على دعم مؤسسات الدولة و ينخرطوا فيها، و ألاّ يغادروا أرضهم و بيوتهم و ألاّ يبيعوها مهما كانت الإغراءات لئلاّ يسلّموا صكّ بيع الوطن لمن يجيّره للغريب و يهمّشهم و يقذف بهم إلى البحر و ما وراءه.
واجب مسؤولي الدولة الحرصاء على مصلحة اللبنانيين أن يبذلوا بالطرق الشرعيّة كلّ الجهود المخلصة ليحموا أمن مواطنيهم و يحصّنوا سلامة ممارسة السلطات و يؤمّنوا سبل تحصيل العيش بكرامة من خلال إستنهاض الهمم و توفير مصادر التمويل و الإنتاج لإطلاق تنمية شاملة و خلق فرص عمل مجدية و مجزية و تسهيل منال العلم و تطوير مستواه و تحصين مؤسساته من الغزو الميليشياوي و تأمين العناية الصحّية و العقليّة لكل الأجيال من الطفولة إلى الشيخوخة كما لأصحاب الحاجات الخاصّة، و التبشير بتربية وطنية نابعة من تراث لبنان و رسالته الحضارية، و إستيفاء حقوق المواطنين الخاصّة و العامة برفع "اليد الموضوعة" على الأملاك و جباية عائدات دورية عن الإستثمارات القائمة على الأملاك البحرية و تعديل قانون تملّك الأجانب لحصره و الحدّ من لعبة "المونوبولي" (الإحتكار) التي يمارسها لبنانيون يموّلهم رعاتهم ليتوسع ملكهم و سيطرتهم على كامل أرض الوطن. إضافة إلى حماية البيئة من التلوث و حرق الأشجار لصنع الفحم أو قطع النادر و المعمّر منها، مثلما جرى مؤخّراً لغابة أرز في عكّار، و قضم الجبال العشوائي بالمقالع و الكسّارات التي تطحن الصّخر لتقبض ثمنه ذهباً منهوباً.
لتلافي حشر لبنان في قالب شرنقة مظلمة، المطلوب بناء إستراتيجية نهوض شاملة الإنعاش و النفع، مسيّجة بدفاع وطني أصيل، تتيح مشاركة كلّ أبناء الوطن، و توجّهها سلطات الدولة بقوة الدستور و القانون و تحميها من عنوة طغيان و شهر السلاح الفئوي المتفلّت من إمرتها.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

20.3.10

الثبات على المبادئ و الوفاء لوصايا الشهداء

حميد عواد*

التخلّف الفكري و الإجتماعي و الثقافي بمختلف أشكاله هو حشوة متفجرة تجعل المبتلين به ألغاماً سريعة العطب و التفجّر تهلك حاملها و تشظّي مجتمعه و تؤذي احياناً من يسعى إلى تفكيكها.
يزيد تعاظم هذا الخطر متى تسنّى له ذخيرة تلقّم جنوحه و تعزّز إمكاناته.
لكن رغم المخاطر لا يمكن تجاهل واجب الإسهام في إزالة هذا الخطر فوجوده يحطّ من كرامة الإنسان و يخنق مواهبه و يعيق تقدم البشرية.
و ليس مقبولاً ظهور وهن أو تردّد أو عجز عن إجتراح الحلول لدى العملاق الكامن في الفكر الإنساني الخلاّق المشبع بالمعرفة و النافذ بذكاء و فضول إلى أعماق الفضاء و بواطن الأرض و المياه و دقائق الذرة و الخلايا و أسرار الكون و كيمياء التفاعل بين كل العناصر.
لذا يعي اليوم المجتمع الدولي شدّة إلحاح إبتداع حلول مناسبة لنزاعات كأداء تراعي الوقائع الراهنة و الحقوق و العدالة و الإنصاف.
فإعتباراً من صيغة المبادرة العربية و طرح تحويل كيان السلطة الفلسطينية إلى دولة تتعايش بسلام مع إسرائيل، تترافد جهود المجتمع الدولي لتصبّ في حوض تحفيز المفاوضات الضرورية التي يؤمل أن تفضي إلى حلّ ثابت و دائم.
لكن تكمن عقد هذه القضية الشائكة في التفاصيل و الشروط المتضاربة و ذرّ قرون المتطرفين و المتطفّلين.
طوال تفاقم هذا الصراع جُعل لبنان فوّهة البركان و مرجل حممه و إستبيحت أرضه و أمن شعبه ساحة للحروب البديلة مع إسرائيل.
و كان لكل حقبة "أبطالها" يتناوبون علينا و يتنافسون للسيطرة على لبنان و إلحالقه ب"حظيرة" المتطاولين الطامعين.
و كان النظام السوري بمختلف "وجوهه" "حاضراً و متدخلاً" على الدوام و أصبح "متحصّناً" بنظام "الثورة الإيرانية" و "فيلق مقاتلين" "أنشأته"، على غرار "حرّاسها"، بتنسيق معه داخل لبنان.
تحالف "الممانعة" هذا يغدق السلاح و الأموال و "الإرشاد" و وسائط الدعم على "حرّاس" مصالحه تحت راية مواجهة إسرائيل .
يُسلّط "وهج" جاذبية هذا الشعار على البصر و البصيرة توخّياً لإبهارها، فتعمى عن رؤية قضم مؤسسات الدولة اللبنانية و تكبيلها بحبائل "الدويلة الفاضلة"، و بلوغاً إلى الإطباق بضغط متصاعد على الشرائح السيادية لإحباط صمودها و تجفيلها عن أرض وطنها.
حماوة خطاب هذا التحالف تنفث لهبها ناراً بعيدة عن "عروشه" تستعر على ارض لبنان، و ما يخشى التفوّه به يوكل الإفصاح عنه بفظاظة و تناوب إلى "فدائييه" المنتصبين على المنابر اللبنانية و الكامنين في "المتاريس".
لقد إحتدمت مؤخراً نبرة خطاب "الثنائي الممانع" و إحتدّت أصداؤه اللبنانية، لا لمحاكاة الخطاب الإسرائيلي أو "ردعه" فحسب بل ل"تحريم" التعاطي مع امريكا و أوروبا و لتخوين التيارات السيادية و محاولة تجريدها من أي دعم و محاصرتها و عزلها.
أكثر من ذلك، مع "إستشعار" قرب إصدار المذكرة الإتهامية من المدّعي العام للمحكمة الدولية الخاصّة بلبنان توتّرت أعصاب "جهاز الممانعة" و تقمّص هذا التوتر موجاتٍ صوتيةً نافرةً إنطلقت من حناجر "الأبواق" المزروعة في كواليس المسارح السياسية لتلفظ "حكم إعدام ديتلف ميليس في الشارع" و تهدّد الأمم المتحدة من عواقب تطرّق و إشارة القرار الإتهامي إلى "أركان الدويلة الهجينة".
الألسنة و الذمم و العقول المفخّخة بالبارود السوري-الإيراني و المكرّسة لشقّ الطريق أمام الهيمنة الكاملة على لبنان تُحشد و تُلقّن و تُلقّم للمرافعة عن موكّليها و ل"إزالة العقبات" التي تعيق "إختراقها" و "غزوها" لكلّ مؤسسات الدولة اللبنانية التشريعية و التنفيذية و القضائية و الأمنية.
كما تستجمع مصادر قوتها و نفوذها و مكرِها لإضعاف تحالف التيارات السيادية و محاولة النيل من مهابة المرجعيات الدينية دون التورّع عن زعزعة مكانة ضابط إيقاع عمل السلطات في سياق الدستور رئيس الجمهورية.
و مع التلويح بالمبضع نحو الرئاسة يرتسم في الأذهان صخب الأصوات التي ألحّت سابقاً على "إختصار" ولايتها بسنتين في هذه الدورة أملاً بإنتقال سريع إلى "حليف أمين" لل"مؤمنين" ب"ولاية فقه معصوم" سيّد القرار على مدى حياة صاحبه.
و منذ ترميم قوات الأمن الداخلي و "جهاز المعلومات" بإشراف و تدريب و تجهيز أمريكي متطوّر ضمن برنامج هبة شمل وحدات الجيش أيضاً تصاعدت بإطّراد "رياح الغضب" الإقليمي المشترك.
و حملت زوبعة هذا الغضب "غبار" التشكيك في أهداف "مكافحة الإرهاب" التي أُسندت إلى قوى الأمن و جهاز معلوماتها.
لكن الإنجازات التي حققتها دحضت هذا الإدعاء بكشف شبكات التجسس و التخريب والمخدرات و الإجرام و فكّ رموز التخابر الذي أماط اللثام عن "شبكة إغتيال رفيق الحريري" رئيس الوزراء الأسبق الذائع الصيت لتوفير تمويل التحصيل العلمي الجامعي لآلاف الشباب و لمد يد المساعدة للمحتاجين، و لإثبات مواهبه المميزة و طاقاته الغزيرة و براعته في إدارة الأعمال.
كان، رحمه الله، مُطلق نهضة الإعمار في لبنان و باني شبكة علاقات عالمية عززت موقع الوطن و سندت مضطهديه الذين توجّسوا من نزعته الإستقلالية فسفكوا دمه و دماء قافلة من الشهداء فجّرت "ثورة الأرز" و أجلت عنه جيش الهيمنة الخانفة.

برصاص السلاح نُخرت نتائج الإنتخابات النيابية و بقوته إنتزع حاملوه و رعاتهم "حقّ نقض" لكل قرار لا يخدم مخططهم التسلطي و اليوم يُلوّح به لتطبيق النقض مع "مفعول رجعي".
"طموح" هذا الطابور إذابة معالم الدولة في "قالب دويلته".
لذا يثابر على العربدة و الزهو بقدراته العسكرية و يمارس مختلف الضغوط لتجريد القيادات الإستقلالية من عوامل قوتها و فصلها عن معاونيها و حلفائها لتخور قواها فيسهل الإجهاز عليها.
كما ينقضّ بشراسة على النفوس المرهقة لإهلاكها و تدجينها، و يترصّد الأصوات الحرّة لإصطياد فرص خنقها، و يكمن للعقول المتنوّرة للتآمر عليها و خَسْفها و يكيد للنفوس الأبية لإكتشاف منفذ لترويضها.
بالعمل المنهجي الدؤوب يفسح الدرب لإقامة حكم إستبدادي هجين يكبّل النظام الديمقراطي في بلاد الأرز توطئةً لقلبه.
لذلك لا ينكرنّ مسؤوليته في الأذى اللاحق بصفوة اللبنانيين، مقيمين و مهاجرين، كلّ من سوّلت له نفسه التواطؤ بخبث و ضِعة في دعم و تغطية هذا المحو الآثم لصُلب الرسالة و الهوية و هذا الهدر المجنون لجنى الكدّ و النضال و مخزون التراث و التاريخ، و هذا القضم الخطير لهيكل الوطن.
تضامن أهل "ثورة الأرز" الوثيق هو الدرع الحامي لِبُنيان الوطن و السند المتين لدعم النظام و الضمان الأكيد للعبور إلى ضفّة الإستقرار و هناء العيش و إطّراد النمو و شمول الإزدهار.
الظروف الإستثنائية هي محكّ معدن الصلابة و الأصالة و الشهامة و العنفوان و الأمانة للقيم السامية و الوفاء لعزّة أرواح الشهداء و الصدق بوعود تحقيق أمنياتهم التي إنتُزعوا من دروبها و هم يرنون إليها.
فطوبى لمن سطع صفاؤه فإستحقّ الإكرام و خسئاً لمن تفحّم سجلّه فإستجلب لعنة أبدية!
(نظراً لكثرة الشكاوى من الإستغلال و تفاقم المخاطر التي تلفّ درب المطار حان الوقت ل"تسييجه" ب"مظلّة" أمنيّة مُحكمة لا تُخترق و فتح منافذ جديدة للوطن مضمونة بحماية رسمية حصرية بعيداً عن منال قطّاع الطرق.)
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

24.2.10

لنكفل أمن الحمل بمنأى عن الذئب

حميد عواد*

لكل إمرئٍ من دهره ما تعوّدا و عادة سيف "الظلم" الطعن "بالإبا(ء)"
مَنْ يرتجي الحكمة و الإعتدال و الإنصاف و الحِلْم من مستبدّ عتيق و متمرّس في العسف هو واهم. خاصة إذا سنحت الفرص و الظروف لهكذا جائر أن ينكّل بمناهضيه، داخل مدى نفوذه و حيثما تطال يد بطشه، دون إحكام طوق صارم حوله لإخضاعه للمحاسبة.
قد تبدو المهادنة مفيدة أملاً في تمهيد الطريق لتحسين السلوك لكنّه كلّما إنتزع "تنازلاً" أو "مكسباً" كلّما ترسّخ إقتناع لديه بأن نهجه "مُجْدٍ" و "مربح".
لذا يجدر الحذر الحازم في التعاطي مع كل طاغية متغطرس يرى الكون "صغيراً" عبر "عيينة" (منظار) سلاحه و يعتبر النصح إستجداء و يظنّ أنّ "التكشير" "إبتسام".
قد يتظاهر المُتجبّر بقبول ما يُفرض عليه و يستهيب تهديد الأقوى منه لكنّه يثابر على المناورة و المراوغة و المكر و ينكبّ على إستجماع عوامل قوته ليقتنص كل فرصة تعزّز موقعه و تدعم تسلّطه.
رهان المتعسّف "الرقص" في حلقة مفرغة يدوّخ خلال الدوران فيها العيونَ الدولية الراصدةَ تَحرّكَه علّها تصاب بالإعياء و ترفع عنه ضوابطها فينقضّ على رهائنه دون روادع.
تعدّدت الحلقات و كثر الراقصون و منهم من شكّل حلفاً ليمتّن ركائزه و يعصى على الضغوط الآيلة إلى الإنفتاح و إحترام حقوق الإنسان و الإلتزام بقيم الحرية و الديمقراطية و الحداثة.
بين أذرعة أخطبوط و نسيج عنكبوت و شبكة طاغوت تقلّب لبنان في صراعه لإستعادة حرية قراره و سيادة مؤسساته الدستورية و إستقلال نظامه الديمقراطي البرلماني و حيوية نشاط و تجدد سلطاته.
لكن عند كلّ نهوض بطولي في مسيرة جلجلة العذابات ما أن يتخلّص اللبنانيون من مغتصب حتى ينتصب طامع جديد ليجرّب ضخّ نفوذه عبر "بخّاخين" محليين يتآزرون مع "نافخي أنفاس" سلفه.
لقد ضاق صدر اللبنانيين بمضخّات و فوّهات الهيمنة الإقليمية التي يحرّكها و يوجهها أربابها طبقاً لمصالحهم تاركين للبنانيين وحدهم وزر الصدام مع إسرائيل فيما هم "يحاربونها" من منابرهم ليحوّلوا رصيد دماء و تضحيات اللبنانيين لحساب "إنتصارتهم".
في الوقت الذي يتوخّى لبنان تطبيق مطالب سبق أن طرحها على الجار الشقيق "يشهر" تحالف "الممانعة عن بعد" "سلاح" "حقوق أمنية" داخل لبنان أملاً في إنبعاث "أشباح" الماضي الأليم.
لذا يشهد اللبنانيون حالياً فورةً عجيبةً من "المروّجين" المحليين لهذه المطالب وصلت ببعضهم حدّ "إسباغ" حقّ "إدخال الجيش السوري" إلى لبنان "إن لم تمسك الدولة بزمام الأمور"! و المفارقة أنّ الداعي هو من فريق ينافس الدولة و يضعف قدرتها على الإمساك بزمام الأمور.
اللبنانيون يدركون من التجارب الماضية و الحديثة مصادر و مدى الإختراقات الأمنية التي أصابتهم. منها ما كُشف رسمياً و منها ما هو في طور الكشف. و هم إذ يرتاحون لإنحسار موجة إغتيالات وجهاء سياديين، يعرفون تماماً وجهة الضغوط التي أدّت إلى تلك النتيجة.
تحت شعار "التنسيق الأمني" يسحب "البساط" و "المظلّة" من تحت و فوق اللبنانيين لحصره بأذرعة تحالف النظامين السوري و الإيراني.
اللبنانيون حريصون على إستقلالية مؤسساتهم و يرفضون "التسلل" إلى أراضيهم و بيوتهم و خصوصياتهم من أطراف هجينة البنية و الولاء هاجسها كمّ أفواههم و شلّ حركتهم و ترويعهم.
في رعاية نَسَقٍ من التنسيق يقترن تناسق مريب بين ضغوط ميدانية تحاول حصار فئات سيادية و إستفزازها لإستدراجها إلى إحتكاكات تبرر قمعها و بين تحركات سياسية تهدف إلى الإلتفاف على قياداتها و محاولة الإنتقاص من الدور المحوري الذي إضطلعت به مرجعيّة روحيّة مهيبة تجسّد "ضمير الوطن" و وجدان أحراره في إطلاق و تزخيم مسيرة الإستقلال.
لقد بدت كلّ الأساليب مباحة لبلوغ الغاية. فتلك التحركات تتغلّف بالحوار و تتّشح ب"المصالحات الإنتقائية" التي تزعم "تنقية الذاكرة" في مكان ل"تلوّثها" في مكان آخر و "تتبرّج" بالإحتفالات الدينية إضفاءً لمسحة "طهر" و تنتحل "صلاحية" تحريف اللاهوت إستدراراً لرضى حليف.
ثلاثة "نجوم" لم تعِر مار مارون أي إهتمام في لبنان لاحت لها "إيحاءة" في الأفق فحلّت عليها فجأة "النعمة" و "هدتها" "حميّة الإيمان" إلى براد.
هناك تناغم مشبوه بين "طائفيي" الداخل رافعي شعار "إلغاء الطائفية" و الممعنين بتحوير النظام و بين "التشخيص الإقليمي" لعلّة لبنان و حصرها ب"النظام الطائفي" و إستنتاج أن الخلاص كامن ب"تغيير النظام". هؤلاء يحاولون إشاحة الأنظار عن عوراتهم و التركيز على رجم و خلخلة نظام لبنان الديمقراطي المميز و المرموق من كل شعوب المنطقة.
عند التجرّد من نوازع الهيمنة و التخلّي عن خططها و عدّتها و أجهزتها ليصاغ التضافر و التآلف في بوتقة الدولة و يصير الولاء لها أقوى من أي هوىً، عندئذٍ يستتبّ الإستقرار و يصبح الجو مهيئاً للبحث بكل إصلاح.
أما أي طرح يُساق تحت وطأة إمتشاق السلاح الفئوي و في ظلّ خلل توازن النفوذ و الفاعلية بين قوى المجتمع الجانح بالتوافق المزعوم نحو ترجيح كفّة الفريق المدجج بالسلاح، يكون البحث فيه عقيماً طالما قرار هذا الفريق المتحصّن بإدعاء العصمة لا يقبل النقض فيما كسر قرارات الآخرين جائز و جاهز تلقيمه بتلفيق التهم و التهديد و الوعيد.
جلل تضحيات اللبنانيين رفعهم إلى مصاف الصديقين البررة و زاد أرصدة الوطن على كلّ الصُعُد و أغنى صيغته النموذجية الفريدة الواجبة الوجود و الحماية. لذا سيصمد أهل بلد الأرز في ديارهم رغم هول الضغوط و ستنتصر إرادة الخير على كل الشرور المترصّدة.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

29.1.10

لَجْماً لِجنون العظمة و كَبْحاً لجموح الهيمنة

حميد عواد*

الأفكار شرارات يقدحها العقل البشري لتوقد قوةً تسيّر مواكب تطوّره عبر الزمن. تتألّق حتى النبوغ متى تناسخت خلايا الدماغ من "جذع" أو "صُلب" "حَذِق" و قُيّض لها "النفاذ" إلى بيئة مختمرة بالمعرفة تنفح فيها "رحيق" مواهبها.
لكنها قد تهوي إلى دوّامة الجنون إن أصابها خلل بنيوي أو مسّها هوس الهيمنة و الطمع أو إنغرست في بيئة موبوءة ضخّت فيها سموم الجهل و التخلّف و التعصّب و الحقد حتى مسختها وحشاً.
مجنون واحد كافٍ لإشعال حرب تشنّ لردعه.
أما أشرس الحروب و أطولها فتنشب عندما يتعارك مجنونان لا يأبهان للألم و لا يكترثان للموت و الخراب و لا يفقهان كُنْه النصح و لا يدركان معنى الحقّ و أبعاد الواجب و حدود المسؤولية.
يتعطّل عمل العقل عندما تُحجب عنه سبل التنوّر و النموّ و الإنتعاش و فرص الإطّلاع و صقل النضج و الرشد و الحكمة، و عندما يقع رهينة مشعوذين دجّالين يعزلونه و "يشحنونه بسحر طلاسم الغيب" و "يعركونه" على وقع "تعاويذ" التحريض ليغدو طيّعاً محكوماً بحذافير التلقين الهجين و محقوناً جاهزاً للتفجير.
ما ظنناه نتاجاً بائداً محصوراً بالعصور البدائية من حروب العصبية الدينية و نزاعات التوريث و تعليل النصوص يحاول إحياءه في عصر الحداثة الراهن الطائشون عن فحوى الكلام و كنه الإنسانية و جوهر الألوهة ليستعبدوا الناس و يؤلّبوهم على حكامهم إن لم ينجرّ هؤلاء خلفهم.
المثابرة على دغدغة الغرائز تطلق وحشاً مخيفاً من القمقم يعيث خراباً و فوضى بلا ضوابط، كما هو معلوم و مشهود، فحذار المواظبة على التهييج.
المطلوب مبادرة المرجعيات الروحية إلى نشر خطاب تبشيري هادئ و رصين و وئامي و تخريج طراز "معاصر" من المرشدين يسفّه المحرّضين.
و لتعزيز و دعم هذه الجهود البنّاءة تجدر مواكبتها بسعي حثيث و فعّال لحل النزاعات الساخنة.
يشعر صاحب الضمير الحي بالمرارة و الإستنكار إزاء إنفلات غرائز التعصّب الذي يدفع ثمنه المسيحيّون نزفاً حادّاً في الشرق الأدنى و الأقصى و أفريقيا و كذلك المسلمون بسبب التناحر المذهبي. بات من الملحّ تكثيف الجهود و تنسيقها و تفعيلها على الصعيد الإسلامي لمعالجة المنحرفين و الضالين.
فيما يركن اللبنانيون إلى التفاؤل بإنطلاقة نشطة للحكومة و بإنعكاسات إيجابية لتحركات و مبادرات رئيس الجمهورية و رئيس الوزراء، بدأت الأجواء تكفهرّ منذرة بحرب يلوّح بها الإسرائيليون لأركان النظام الإيراني و حلفائهم في لبنان و سوريا، قد يفجّرها "صاعق" عملية "أمنية" يُراد التحذير من إرتكابها.
ذلك أن الهاجس الذي يراود خِلد المسؤولين الإسرائيليين و معهم الدوليين هو الخطر "الوجودي" الناشئ عن تضخّم شراسة العداء، الذي يجعل مساعي السلام سراباً، و تضاعفه بتضاعف و إنتشار السلاح المتطوّر المتدفق من إيران و سوريا والذي يُخشى من تذخيره بالتخصيب النووي الإيراني.
هذا التوتر هو الجو المثالي للإستنفار و إحكام القبضة على الداخل المرتعب في كل الأطراف.
لطالما ثابرت الأنظمة المستبدة و مشتقاتها على إخراس رعاياها بحجة الخطر الداهم من الخارج.
الرهان يبقى معقوداً على حلّ الخلافات بالحوار و لو أن البعض يجده بالإبادة كما أن فورة فائض القوة تجعل المنتشي بها يتوهّم أنه يُقَولب الكون و يؤرّخ لمجده فيتوق لتسجيل بعض نقاط التفوق الحربي و لو عبر صولات ميدانية دامية و مدمرة.
يمكن "إستشعار هزّات" "نوبات العظمة" التي تنتاب النظام الإيراني من إنكبابه المحموم على تطوير أسلحته و تدريباته الحربية، وإستغلال طاقاته النووية و البترولية و البشرية و مرجعيته الدينية، و من خلال قمع معارضيه و إطلاق "زخّات أشعّته" و "موجات جذبه" على الجوار لتحفيز و إستقطاب و حشد و عسكرة شيعة البلدان العربية.
و بما أن الرذاذ تمدّد و تشعّب طيفه ليطال شرائح خارج نطاق المذهب الشيعي، إستثار هذا الإنتشار نقمة حكّام غالبية الدول العربية و غضب أكثرية شعوبها.
وللإسهام في تطويق هذا الإنتشار و أملاً بلجم زخم الحلف الإيراني-السوري إندفعت فرنسا والسعودية إلى محاولة إستمالة النظام السوري برفع العزلة عنه نسبياً مقابل أثمان مثل سحب العقبات التي زُرعت عبر حلفائه في وجه الإستحقاقات الدستورية في لبنان و إقامة علاقات دبلوماسية معه و تعهّد بترسيم الحدود و إحترام سيادته و منع تسرّب الإرهابيين إلى العراق، علّ هذا التقارب يؤدّي إلى تراخي التحالف و "عودة الإبن" السوري إلى سرب الأسرة العربية.
لكن لا حاجة إلى "مجهر" للإستنتاج أن تحالف هذين النظامين متجذّر و وثيق و عميق و ضروري لمصلحة مشتركة، حجر عقدها لبنان و مداميكها تبلغ العراق و غزّة و سائر الدول العربية.
ليس سهلاً على النظام السوري، حتى لو شاء، التنصل من إرتباطاته المعقدة بحليفه المتغلغل في مفاصله، و لا شيء يصرفه عن ممارسة هوايته المفضّلة و هي تحيّن الفرص لتعزيز دوره الإقليمي و تثبيت سلطته و نفوذه بنسج علاقات مُجْزية مع بلدان الجوار، خاصة قطر و تركيا.
لذا حرصاً على إمساك الأزمّة تراه يطبق بمخالب فولاذية على الداخل و على "بؤر" نفوذه الرابضة في "متاريس" مزروعة في "الخواصر" غبّ طلبه دون الخشية من "تبعات" "لسعها" بل عكسها، السعي لجني "العسل" من "نشاطها"، و يلبس قفّازات مخملية عند مدّ يده للخارج لتحقيق المكاسب، كما يناور ب"مرونة" لتحاشي الخضّات و الضربات.
صدق نوايا النظام السوري محكّه تفكيك و رفع القواعد الفلسطينية التابعة له و سحب شاغليها و الإسراع في ترسيم الحدود بدءاً من مزاع شبعا و تلال كفرشوبا لينطبق عليها قرار مجلس الأمن 425 فتسحب من إسرائيل خاصة و أن %90 من الحدود بين لبنان و سوريا ترسيمه منجز إستناداً إلى دراسة معمّقة أشبعها تمحيصاً و توثيقاً الخبير الدكتور عصام خليفة نشر خلاصتها في "النهار" بيار عطالله و نقلتها إلى موقع "قدموس": http://kadmous.org/wp/?p=2840
في الظروف الحرجة التي يحتاج فيها الوطن إلى زعماء أفذاذ مبادئها وطنية ثابتة لا تنزلق كالزئبق و مواقفها صلبة مجبولة بقيم الديمقراطية لا تتفتّت، نجد البعض قد تحوّل إلى طيف في مهبّ الريح و تقلّص حجم البعض الآخر إلى درجة من التقزّم المفجع لا تنفع معه التبريرات المنمّقة للإنتهازية السياسية أو الذعر من شبح الإغتيال و "الإجتياح" أو القلق على مصير الإرث السياسي.
السلم الأهلي هو ذخيرة الحياة لا السلاح و أمانة في أعناق الجميع لصونها، فمن يهدّدها و يجعلها مادة إبتزاز؟ و هل يليق الخضوع و دفع الكرامة فدية.
منْع العبث بحياة المواطنين واجب كل مسؤول يعي خطورته. و كذلك إيقاف ممارسة لعبة القضم الديموغرافي و العسكري التي تحوّلت "جهاداً" سنانه "إلغاء" الطائفية "السياسية" و تخفيض سن الإنتخاب إلى 18 (و قريباً حقّ الرضيع بالإنتخاب! قبل تنفيذ حق المغترب بإستعادة الجنسية و الإنتخاب).
لا قيام للدولة طالما بقيت تنظيمات مسلّحة تقتطع قواعد لها و دويلات من ارض الوطن و عجباً كيف أن السلاح الذي طاب وصفه بمانع للتوطين لم يضُرْه مؤخراً تغطية السلاح الفلسطيني خارج المخيمات و خارج التوافق.
حشد عوامل القوة داخل مؤسسات الدولة هو معيار الصدق في دعمها فهي التي تحتضن كل بنيها و التي لها الحقّ الحصري ببسط سيادتها على كل أراضيها دون إباحة أي بقعة لسيطرة تنظيم مسلّح خارج قواها الشرعية و قوات الأمم المتحدة المنتدبة لدعمها.
تحريك الإدارات الرسمية يتطلب إنجازاً ملحّاً لملء المراكز الشاغرة بالمستحقّين من المناقبيّن الموهوبين الذين تليق بكفاءاتهم و جدارتهم المناصب، لا المتسكّعين على أبواب المتنفّذين المستجْدين الشفاعة و الدعم لتغطية النقص في مؤهلاتهم.
حبّذا لو إعتنق كلّنا بإخلاص و شرف و شغف الولاء الوطني الذي ينبع من حبّ سخي و إيمان وطيد و وفاء حريص و فخر مضطرم في كنف الإنتماء لتراث و حضارة و ارض الوطن. إنه أسمى التجليات للذات الوطنية و هو اللحمة و فيه الإنصهار و الخلاص.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

16.12.09

حماية أحشاء الوطن من نهش الضواري

حميد عواد*

أقلعت حكومة الإئتلاف الوطني الجديدة من المجلس النيابي على متن 122 صوتاً من أعضائه منحوها ثقة عارمة بعد مناقشة البيان الوزاري و تسجيل إعتراضات على إسباغ وظيفة دفاعية على فصيل فئوي مسلّح متمسّك بسيطرته على مواقعه و بحرية حركته بمعزل عن سلطة الدولة و ملتزم بعقيدة و إرتباطات و طموحات لا تحظى بتأييد معظم اللبنانيين و لا تأتلف مع تطلّعاتهم على الصعيد الوطني.
و طالما صِيغت الحكومة على أساس صيانة سلامة العيش المشترك و التوافق من خلال حقّ النقض لمكوّنات المجتمع، فلماذا خرقه في خصوص دور هذا الفريق؟
هل يخدم هناء هذا العيش تحول السلاح منساساً لسوق الناس نحو وجهة لا يختارونها و تصوير مخالفة قرار قادة هذا السلاح إخلالاً بالوئام؟
عوامل القوة يجب رصفها داخل مؤسسات الدولة لا خارجها.
السلم الأهلي ليس رهينة للإبتزاز و لا مكسر عصا لخضّه و "إستدراج عروض وصاية" جائرة تحتقر و تئد مواهب المواطنين و تتقن التنكيل و التكتيم و التحطيم.
إلغاء الطائفية السياسية يطفح بالمغازي عندما يرفع لواءه غلاة الحشد الطائفي و يلوح فيها جرف بقية الطوائف بزخم تكاثر الحشود الآيل إلى "غلبة" و طغيان الفقر و الجوع و المرض و الجهل و البؤس و التناحر.
لا يمكن التوفيق بين التناقضات إلاّ في حال تضافر النيّة و الرأي و العزيمة و العمل على تنقيتها من النتوءات و الأدران لتتسق في بوتقة منطقية خلاّقة.
كل لبناني بارّ يودّ و يأمل أن تتبلور النوايا الحسنة التي شُكّلت بهديها هذه الحكومة التي بذل فيها رئيسها سعد الحريري جهداً إستثنائياً صادقاً و مهارة سياسية شفافة، فتنضج خيراً عميماً و تطلق نموّاً مطّرداً و تحقّق إزدهاراً منعشاً و إستقراراً راسخاً و طمأنينة مريحة.
البيان الوزاري برنامج عمل حافل بالمهمات لكن المطلوب من الحكومة إثبات الجدية في حفظ حقوق و صون كرامة و تأمين حماية كلّ مواطن و مدّه بمقومات العيش الكريم في محيطه.
فإنعدام فرص العمل خانق و مذلّ و لحسٌ للمبرد، و الخوف من تعديات المارقين ماثل يومياً، و القلق من مسخ المفاهيم الوطنية المنطوي على تبعية ماحقة هاجس مقيم، و تهديد حملة السلاح الصريح و المبطّن باعث للتوجس و دافع لبيع الأرض و الهجرة و طوفان يجرف بالتتابع قرية تلو أخرى.
لقد غدا هذا الخطر نزفاً حادّأ و خللاً بنيوي آخذاً في التفاقم كسريان النار في الهشيم.
لذا واجب ملحّ على الحكومة و أرباب السياسة التنبّه له و إحتضان المواطنين و إتخاذ تدابير صارمة و فعّالة لحماية الإنسان و الأرض، و إلاّ فرغ الوطن من خيرة أبنائه و تغيّر صورته و دوره و نظامه.
إنتشار القوى الأمنية النظامية المخوّلة ببسط سيادة الدولة و حماية المواطنين في مختلف بقاع الوطن أمر حيوي. و حيوي أيضاً الإنعاش الإجتماعي و التنمية الريفية و المدنية بإطلاق مشاريع منوعة و مجدية.
كذلك إنشاء صندوق مالي تحت إشراف مرجعيات موثوقة يساهم في تمويله أصحاب الإرادات الطيبة يُكرس لتمويل الملاّكين الواقعين في ضيق مادي مقابل رهن الأرض او شرائها هو عمل سليم يجنّب المواطن خسارة أرضه أو يحفظها في عهدة أيادٍ أمينة.
الوطن بحاجة لتوقّد عقول و ملء عافية سواعد أبنائه الطيّبين لإلتقاط الفرص المجدية و تثميرها للنهوض من ربقات مطبّات الإحباط التي شلّت تقدمه، و لتقديم جردة حساب أمام أرواح الشهداء الذين أفتدوا بأجسادهم عزّته و حريته و سيادته و إستقلاله و أزاحوا عن صدور إخوانهم هيمنة ساحقة تمهيداً للصعود نحو آفاق التنمية و الرفاهية.
و لضخامة الفداء تحول تقويمنا الزمني رزنامة إستشهاد على مدار السنة.
مع حلول 12 كانون الأول تنتصب في ذاكرتنا قامتا عملاقين جبّارين خاضا حروباً شرسة ضدّ الجهل و الجور و الإرهاب.
جبران التويني حمل مشعل حرية الرأي فجعل "النهار" منبراً لأصحاب الفكر الوهّاج الثائر على الظلم و الهادي إلى رحاب الرقي و أجواء القيم الإنسانية السامية و مناهل المعرفة المثقِّفة.
كان قاذفة لهب تطلق فيض حبّه و إيمانه بلبنان الرسالة و رسله شبابه الأفذاذ. كان قائداً محرّكاً في مسيرة ثورة الأرز و سيبقى نبراساً وضّاءً و صوتاً هادراً يلهم الأجيال و يرعب جلاّدي الأحرار.
أما اللواء فرنسوا الحاج فكان بطلاً مغواراً في جيشنا الباسل أثبت كفاءاته و مهاراته العسكرية في مجالات عدة فرفعته إلى المرتبة القيادية التي تبوّأها و بلغ ذروة تألّقه في التخطيط و الإشراف على إسقاط بؤرة الإرهاب في مخيّم نهر البارد.
لقد زار لبنان دانييل بلمار المدعي العام في طاقم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ليعرب عن تقديره العميق لتضحيات الشهداء الموكول إليه كشف المتورطين في تخطيط و إعداد و تنفيذ إغتيالهم و في طليعتهم الرئيس رفيق الحريري و ليؤكد ثبات مسار التحقيقات و طمأنة المسؤولين و أهالي الشهداء إلى إحراز تقدم في عملية التنقيب عن الأدلة و القرائن و تفحّصها و تحليلها، و التعمّق و التوسّع في كشف خيوط شبكة الإجرام التي يحرص على شمول جلائها للتيقّن من متانة حبكة القضية قبل البتّ بها.
و في كل مرة يسلّط الضوء على هذه المحكمة "يصادف" تحرك قضاء إقليمي لإصدار إستنابات عائبة قانونياً و كأن المقصود بها القول: تذكروا أن لقضائي القدرة على النيل من شهودكم.
كما "كشّر" هذا التحرك عن أنياب غريزة الإفتراس المتأصّلة في سلالة نظام "النخبة" القابض على السلطات تعبيراً عن غضبه من إنطلاق رئيس الوزراء اللبناني في أولى جولاته الرسمية من خارج "بيت الطاعة" السوري الذي يثابر على تصويب "فوّهات" ضغوطه نحو "نفض" فريق مستشاري الرئيس سعد الحريري و "فرط عقد" تحالفاته.
أبناء وطني الأغرّ، التجربة علّمتنا ألاّ نؤخذ بالوعود الخلّب و ألاّ ننقاد وراء قيادات
مزيفة تستخفّ بذكائنا و تحاول سوقنا إلى حظيرة العبودية مجدداً.
لنحكّم عقولنا و لنميّز بين الصواب و الخطأ، و لنتبيّن وجهة كل خطوة (و لو وطأت سجّاداً أحمر)، و لنتحسس الأخطار الكامنة في المواقف و المسالك، ولنحذر الغفلة، و لنستجمع الجهود الصادقة لحماية وطن الأرز الدهري قلباً و قالباً، موئلاً للحرية و الديمقراطية و الإزدهار، و قدوةً لذوي الألباب التوّاقة إلى الإرتقاء.
نَسْغُ الأرز يغلي في عروقنا قلقاً هلاّ إنتخينا و قلنا لبّيك يا أرز

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

14.11.09

فحص الضمير للنهوض بالوطن

*حميد عواد

إستحوذ مخاض ولادة الحكومة على إهتمام شغوف من اللبنانيين، ما لبث أن خَفَتَ تدريجياً ليبلغ حدود الإشمئزاز من مماحكات هواة "كسر مزراب العين" ب"سيف" الظهير المستقوي لنفخ رصيد "الملكيين الجدد" بحقنات حقائب وزارية كانوا إستحقوها لو لم يتنكروا لأصالة الهوية الوطنية.
ضاع الوفاء و إختلّ المنطق و سقطت القيم و طُعنت الحرية و خُدع المناضلون يوم إنقلبت قيادات على مبادئها و راحت تغطي نموّ بؤر فئوية مسلحة جُنّدت إلتزاماً ب"هدي" مرجعية أعجمية فإكتسحت الأرض و نهشت مؤسسات الدولة و قيّدت النظام الديمقراطي و عملت على تغيّر معالم الهوية الوطنية.
و تبريراً لتحوّل "الهوى" لم تدّخر "القيادات الفذّة" صنفاً من "ألعاب الخفّة" السياسية إلا و مارسته لتدرأ الناس "شرّ الفتن"(!) و تصوّر شمول الفائدة و "البركة" و متانة المنعة و "نزاهة" القصد. ثم أطنبت في الإشادة ب"مزايا" الحكّام "البطّاشين" و محضتهم "براءات الذمّة" و أحاطتهم "بالإجلال و الإحترام".
فيما إنتخت لإحياء صور "منتقاة" من ذكريات الحروب العبثية الاليمة التي شاركت في إحدى مراحلها "لإلغاء الميليشيات"(!) و "بسط سيادة الدولة و القانون"(!).
و الهدف هو إدانة قوى منعت تحويل الوطن إلى بديل عن فلسطين في زمن الفوضى و كانت الوحيدة التي سلّمت سلاحها إلتزاماً بإتفاق الطائف و زُجّ بقائدها في السجن لاحقاً بعد "تدبيج" للملفات و رفض للمشاركة في وزارة تفتقر إلى مواصفات الوحدة الوطنية المطلوبة لأول حكومة بعد الطائف و رفض لعرض تسهيل الخروج من لبنان منحه رئيس الجمهورية آنذاك.
و إمعاناً في زرع الشقاق ضمن أوساط الفريق الذي إنفصلت عنه القيادات المذكورة، و تزلّفاً لمن خلع عليها الألقاب البرّاقة و عباءات الزعامة، راحت تصوّب سهامها العشوائية نحو مرجعية روحية و وطنية عميقة التقوى، راسخة الإيمان بالله، متجذّرة في إحتضان الوطن الذي لعب أسلافها دوراً محورياً بولادته و حمت مثلهم إستقلاله و حملته في وجدانها كذخيرة ثمينة تحافظ عليها و تمنع التفريط بها. هذه المرجعية تتجاوز "الأذى الشخصي" القاصر عن النيل من مهابتها، لكنها لا تسكت و تتكتف عند بروز أخطار تهدد أركان الوطن.
حريّ بهكذا قيادات إجراء مراجعة ذاتية و التأمل ببعض التساؤلات التالية:
أين صدقية التبشير بالتسامح متى إقتصر على حلقة الحلفاء الجدد فيما إستمر "رجم" الأخوة؟
و أين صراحة مساندة سيادة الدولة و دعم مؤسساتها و أجهزتها و تعزيز صلاحية سلطاتها فيما الخطاب و الممارسة يقبّحانها ليجمّلا منجزات الدويلة المنافسة؟
و أين العفّة في إدّعاء محاربة الفساد فيما السلوك يصوّر تجاوزات "البطانة" فضيلة و التصرف بأملاك الغير حقّاً مكتسباً؟
و أين الشفافية في الدعوة إلى الإحجام عن بيع الأراضي للأغراب و عودة المهجّرين فيما التمدد المنهجي للحلفاء ينوء بثقله على سكان محيطهم و يدفعهم لبيع أراضيهم و هجر الوطن؟
و أين الجدية في الإلحاح على رفع يافطة "منع التوطين" دون طرح حلّ قابل للتطبيق فيما الهدف هو جعله مطية لإستجرار حروب طاحنة مع إسرائيل لا حسم فيها؟
و أين الثبات على إعتناق مبادئ صيانة حقوق الإنسان و توفير الحريات المشروعة و الحفاظ على النظام الديمقراطي فيما التنكر العقوق لهذه القيم بلغ حدّ لعن حضارة الغرب و حكامه للتدثر ب"مآثر" طغاة المشرق؟
أين الحكمة من التنكر لفضل أحكام القرارات الدولية في إخراج الجيش السوري من لبنان فيما كانت النية معقودة على "إستيطانه"؟
أين المروءة من الإستخفاف بدم شهداء "ثورة الأرز" و تسخيف تضحياتهم و تمويه سفاحيهم؟
أين الشجاعة في قول الحق و التعبير عن القناعات بجرأة و راحة الضمير بدل الرضوخ لضغوط الترهيب و الترغيب؟
أين الأمانة في الولاء للوطن عندما تنبهر الأنظار من أضواء "النجومية" المسلّطة على المسرح السياسي و تحجب المناصب الموقتة الرؤية عن خطر الوجهة التي يُدفع إليها؟
إن الإنفتاح على مختلف شرائح الوطن لا يكون مشروطاً بخضوع الجميع لمشيئة المقتدر مادياً و عسكرياً و لا يقوم على حساب محاصرة فريق و محاولة عزله.
حقّ بديهي للبنانيين ألاّ يشعروا بالأمان و الإطمئنان إلاّ في عهدة قوى الأمن الشرعية. أمّا الأمن الفئوي الخاص فهو حافز لدفع كل فريق لإنشاء جهاز أمنه الخاص.
هل من رهان على سذاجة الناس لإيهامهم إن المهارات القتالية "الرشيقة" يستحيل دمجها ضمن صفوف الفرق النظامية المتعددة المهام و الكفاءات و العالية الأداء أو كفرقة دعم خاصة، و مفهوم الخدمة العسكرية يدخل في هذا النطاق؟
أما إطلاق العنان لقوى "المنعة" غير النظامية ككيان متميز عن الآخرين هو كإفلات خلايا مناعة الجسم من عقالها حين تعلّل خطأًً إشارات صادرة عن أنسجة سليمة فتعتبرها دخيلة و تنطلق لمهاجمتها و تصيب الجسم بعطل معيق لا شفاء منه.
عند كلّ إستحقاق دستوري يستنفر حلفاء المحور الإيراني-السوري قدراتهم التعطيلية لإطالة أمد إنجازه إفساحاً في المجال ل"حاضنيهم"، أركان نظامي الثنائي، لقبض أثمان تسهيل متدرّج لسياق الإستحقاق و لإثبات "طول باعهم" داخل لبنان و على الهامش يركزون الأضواء على "تألق نجوم" فرق المواكبة بوضعهم على خشبة المسرح السياسي و الإختباء وراءهم.
هكذا وُضع سيناريو الحكومة على ثلاث مراحل طالت 4 أشهر و 12 يوماً إعتراها إعتذار و إعادة تكليف الرئيس سعد الحريري إثر أولاها:
1-صفقة هيكلية الحكومة 15-10-5
2-صفقة قبول الراسبين في الإنتخابات و تحديد الوزارات في سلّتي الأكثرية و الأقلية
3-تجاوز "ألغام" توزيع الحقائب ضمن السلّة الواحدة و إختيار الوزراء
و الآن مرحلة رابعة دقيقة هي صياغة البيان الوزاري و القطبة المخفية فيها هي ربط الإلتزام بالقرارات الدولية باإشارة إلى حق تحرير الأرض "بكل الوسائل المتاحة".
لا شكّ أنّ درب التكليف المضني شحذ معدن الرئيس الشاب سعد الحريري فأثبت أنه رجل دولة من عيار أبيه الشهيد.
كما يبدو أنّ كافة الوزراء يتمتعون بكفاءات عالية نأمل أن يكرسوها لخدمة المجتمع بتفانٍ و إتقانٍ و مناقبية و عدل دون تمييز و إنحياز.
فرص إقتران النوايا الحسنة بالعمل المجدى و المنسّق متاحة و لو أنّ إجتراح العجائب وحده يعوّض صبر اللبنانيين و جسامة تضحياتهم. فإستعدوا لممارسة المهام بحرفية و سخّروا كامل طاقاتكم للفوز في سباق التنظيم و الإصلاح و الإنماء و الإنتاج لتستحقوا الثقة و التقدير و الشكر.
*مهندس و اكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

Hamid Aouad   Kadmous.org