15.11.11

وجها المال والسلطة

المال والسلطة قوّتان تدفعان نحو النهوض والإنماء والتطوّر إذا أدارهما مسؤولون مكتملوالحكمة والخبرة والبراعة متحصّنين بضمير مرهف يصوّب خياراتهم وقراراتهم وتطبيقاتهم. لكنّ طاقة هاتين الذخيرتين، كالطاقة الكامنة في الذرّة، تنقلب إلى زوبعة مدمّرة إذا تلقّفهما وإستأثر بهما "عقل" مختلّ ومضطرب متفلّت من روادع الأخلاق و الضمير تنهشه شهوات العظمة والهيمنة والجشع .

مع إختلال سياسة الإقتصاد العالمي، بل إستباحته للتلاعب بتداول الأسهم وتجارة القروض وتسريب ريع التضليل، لشفطه داخل خزائن قياصرة السلطة وشركائهم من أقطاب المال، هوى الإقتصاد إلى لجّة الفوضى والإفلاس فخسر ملايين البشر جنى أعمارهم وما زال الترنّح من شدّة الصدمة يتفاعل ركوداً ويهدّد أركان الدول وحيوات الشعوب.

ومع تضخّم ديون الدول والشكّ بعجز قدرة الكثير منها على الإيفاء يُخشى غرق مانحي يد المساعدة مع محتاجيها في بؤرة الرمال المتحرّكة فتشفط تدريجيّاً العالم أجمع.

هذه الظروف العصيبة التى لا يطيق وطأتها شعوب الدول الحرّة زادت شحن نفوس الشعوب المقهورة والمأسورة تحت ظلم وتنكيل الطواغيت توقاً إلى الحرّية والفرج من الضّيق وحفّزتهم على تفجير الثورة التى تختمر في وجدانهم.

هكذا نشهد عيّنات من تفجّر الثورات المكبوتة في العديد من الدول العربيّة سلميّاً أو عسكريّاً على النمط الليبي. لكنّ التجربة الليبيّة الضارية لم توقظ نباهة النظام السوري. ولا تمحّص قادته في أمثولة عبور الإنتفاضتين التونسيّة والمصريّة إلى مراحل التأسيس لنظام جديد، نتوخّاه ديمقراطيّاً لصون كرامة الشعبين، دون خسائر بشريّة بالغة، ولو أنّ سقوط شهيد واحد كاف لفجع أمّة بأجمعها.

فقد تورّط النظام السوري في قمع دموي شرس لإنتفاضة شعبه بوتيرة متصاعدة استدرجت عزله عربيّاً ودوليّاً فحتّى الحظوة التي منحته إيّاها روسيا والصين آخذة في التآكل.


إنّ غريزة القمع والإفتراس المتأصّلة في طبيعة النظام تغلّبت على أيّ منحىً متمدّن يليق بكرامة و حقوق ووعي وثقافة المواطن .

لقد إستمدّ أركانه دعماً وفيراً من تحالفهم الوثيق مع النظام الإيراني الغارز أذرعته والباسط أجنحته على "مدى طموحه" و"إستثمروا" رعايتهم للفصائل المسلّحة التي أنشأوها مع النظام الإيراني في لبنان وغزّة لتعزيز موقعهما ونفوذهما.

دأبت القيادة السوريّة على البطش بمن هو أضعف منها وثابرت على المراوغة لتحاشي الصدام مع الأقوى منها. كما إستهلكت كلّ الوسائل المعزّزة لإستمرارها في السلطة وواظبت على "إزالة كلّ العقبات" التي تعترض بسط سلطتها الجامحة التي جنحت ولاكت لبنان.

لكن يبدو أنها إستنفدت كلّ الحيل التي لم تعد تنطلي على المجتمعين العربي والدوليّ اللذين يشدّدان الضغوظ الدبلوماسيّة والسياسيّة والإقتصاديّة عليها ويمهّدان السبل الآيلة للتغيير.

لبنان المميّز بنظامه الديمقراطي ورسالته الحضاريّة وطموح ومرونة وتوقّد ذكاء شعبه تغلّب على فتن وأزمات هائلة عصفت به وخضّت الوئام وعكّرت التفاعل الخلاّق بين أهله. فرغم تنطّح النظامين السوري والإيراني لفرض وصايتهما عليه بالقوّة يثابر غالبيّة اللبنانيّين على رفض هذه الهيمنة المتقمّصة ب"حرّاس نفوذهما" الذين أغدقا عليهم المال والسلاح والتنظيم خارج كنف الدولة لإختراقها وتغليب إمكاناتهم ونفوذهم على المنضوين تحت لوائها.

فتحتَ وطأة ضغوط هذا الإطباق المدجّج بالسلاح لا يمكن إبرام أي إتّفاق عادل ومتوازن وقد شهدنا نكوصاً بكثير من العهود التي سبق وقطعها المستقوون بالسلاح الذي هوّلوا به لكسر خيار الناخبين وفرض حكومة خاضعة لمشيئتهم خلافاً لشعار المشاركة الذي رفعوه سابقاً. فعبرها يحاولون التنصّل من إلتزامات لبنان بالقرارات الدوليّة ومنها تمويل المحكمة الخاصّة به ويعدّون قانوناً إنتخابيّاً يوّسع حصّتهم ويجرون تعيينات تحشد مؤيّديهم ويسنّون مراسيم وقرارات تستميل الناس لتأييدهم.

عبثاً ثني المؤمن بنظام يمحض سلطة مطلقة وحصرية لفقيه يحكم بلداً آخر عن إيمانه فكلّ ما يستطيعه هو "التكرّم" علينا بمهلة "سماح" لممارسة ديمقراطيّتنا ريثما يُنضِج الظروف لفرض عقيدته.
ومن راهن على "لبننة" هذا المؤمن إنزلق و"تأيرن" و"تسورن"!
ومن يلوّح بنصوص إلغاء الطائفيّة كغطاء لإلغاء بقيّة الطوائف هو الممتنع عن غسلها من نفوس امثاله.
ومن يحرص على إكتساب ودّ وثقة شريكه في المواطنيّة لا يحاصره بكثافة الإنجاب وقضم الأراضي ونشر السلاح وإكتساح مناصب الدولة والسيطرة على إداراتها ومؤسساتها وجامعاتها وهزّ الإستقرار. ومن يحترم جاره لا يفرض عليه "طقوسه"ا.
ومن يحرص على صدق التمثيل لا يعمل بشكل حثيث على "تذويب" أصوات "المختلفين" عنه في دوائر إنتخابيّة "يصّممها" بشكل يفيض فيها عديده على عديد الآخرين فتضمحلّ قدرة منافسيه على إنجاح ممثلين فعليّين لهم.
ومن يرغب في توثيق علاقات المغتربين بأهلهم ووطنهم ويرفض التوطين يسهّل سبل عودتهم مع الذين نزحوا قسراً خارج الحدود ويفسح لهم مجال المشاركة في الحياة السياسيّة ولا يعاملهم كمنبوذين أسعده قذفهم خارج الوطن للتخلّص منهم.

تكاتف اللبنانيّين السياديّين يشكّل درعاً واقياً لنظام لبنان ورسالته الإنسانية النبيلة تسيّجه حماية أجهزة الدولة الأمنيّة الرسميّة المفتوحة لإنخراط كلّ ملهوف لهذه الخدمة.
وفي الملمّات الكلّ يهتفون لبّيك لبنان! (وفي يمين الولاء لا بديل للبنان)

المهندس حميد عواد
أكاديمي وباحث في الشؤون اللبنانية

25.7.11

المونسينيور طوق منارة إشعاع ألهبت النفوس الأبيّة

تسلّل "السارق" إلى بكركي خلسةً في غفلة النوم وإنتزع من صدرها قلباً نابضاً بفيض الإيمان وخافقاً بغزارة المحبة وزاخراً بسخاء العطاء وطافحاً بالوفاء للعهود ونشّاباً لصون عزّة النذور وتوّاقاً لأحتضان المخلصين في خدمة الوطن والله.
وقْعُ خبر وفاة المونسينيور يوسف طوق مفجع وصاعق ليس في وجدان عارفيه فحسب بل في ضمائر كلّ المؤمنين برسالة بكركي الكنسيّة والوطنيّة.
هذا الخورأسقف الجليل كان مفعماً بالإنتعاش والحيويّة والنشاط لدرجة يصعب معها تصديق أنّ "أزمةً حادّةً" قادرةٌ على إهماد ضخّات قلبه القويّ رغم المعاناة من جنوح خطير يمارسه أربابُ النِحل المسلّحة لقذف الوطنَ نحو هاوية سحيقة، ورغم إستهجان تلاطم الأمواج في تيّارات منجذبة بمصالح خادعة وخبيثة تصدم وتنفّر المسيحيين لإدّعاء إحتكار تمثيلهم.
عائلة المونسينيور طوق ككثير من العائلات اللبنانية التي هجّرتها أو فرّقتها حالات الإضطراب التي تناوبت على زعزعة الإستقرار في الوطن إذ تحوّلت معظم العائلات اللبنانيّة إلى صورة مصغّرة عن "أمم متّحدة".
لقد ودّع خلال النهار الذي سبق ليلة موته أخاه ميشال العائد إلى أوستراليا حيث يعيش أخوه فؤاد أيضاً وكان سبق أن أمضى قسطاً من صيف 2008 في ضيافتهما. فرحة اللقاء تنغّصها دائماً لوعة الفراق.
نزف الهجرة يجب وقفه وعكسه، لكنّ إستتباب سيادة الدولة على كامل أراضيها يواجه تحدّيات شرسة، والسفر إلى لبنان ينطوي على مجازفات. فهناك وقائع خطف وإعتداء وتجاوزات خطيرة إرتكبتها قوى مسلّحة متمردة على سلطات الدولة وأحكام القانون.
وبما أنّ موقع المطار غائر في غياهب بؤرة أمنيّة تشبه "مثلّث برمودا" أصبح الإنتقال منه و إليه محفوفاً بالمخاطر. لذلك توكّل المونسينيور طوق على العناية الإلهيّة ورافق أخاه.
لقد فتح صدره لمكنونات مشاعر وهواجس المغتربين وشدّهم برباط وثيق إلى معقل بكركي وإلى قلب الوطن.
سكت قارئ فصيح وشريك في تدبيج بيانات المجالس المعقودة في بكركي التي تردّد صداها في أجواء الوطن والعالم، وأطلقت الألسن من عقالها، وحرّرت النفوس من خوفها، ورفعت الهيمنة الخانقة والقيود عن مؤسسات النظام الديمقراطي في لبنان.
لكن للأسف ما أن خفتت هيمنة النظام السوري إثر إنسحاب جيشه من لبنان حتّى نمت هيمنة صنيعة حليفه النظام الإيراني. إذ طوّر هذا الفريق نفوذه بوسائل الترغيب بالمغريات والترهيب بالسلاح، وإكفهرّت أجواء الوطن من جديد ممهّدة لجولات من النضال السلمي في بوتقة إنبعاث ل"ثورة أرز" يرفع كابوس هيمنة السلاح عن صدر الوطن.
صوتك مونسينيور طوق وإن تلاشى في موجات الأثير فقوّة رجعه في وجدان اللبنانيين الأحرار ستثابر على هزّ خواطرهم وإستنهاض هممهم لحماية حريتهم وإستقلالهم وسيادتهم وصيغة لبنان الضامنة للوئام في كنف تنوّع حضاريّ.
ستبقى ملهماً لكلّ الملهوفين على الوطن وسوف نفتقدك مونسينيور طوق إذ "في الليلة الظلماء يُفتقد البدر".
المهندس حميد عواد
أكاديمي وباحث في الشؤون اللبنانيّة

13.7.11

الإفتراء على سيرة الدكتور دريد بشراوي يدحض إدعاء إنحياز المحكمة الدولية

في سياق حملات التشكيك بمصداقية المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وتبريراً لرفضه القرار الاتهامي الصادر عنها في قضية إغتيال الرئيس الراحل "رفيق الحريري" ورفاقه، لجأ الأمين العام لحزب الله السيد "حسن نصرالله" إلى عرض سلسلة مقتطفات تحاول وضع بعض العاملين في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في دوائر القرب من المخابرات الغربية والصداقة لإسرائيل. لكن قياساً إلى إيراد إسم الدكتور المحامي اللبناني الفرنسي "دريد البشرواي" في هذا الإطار يتبيّن مدى الإفتراء على سيرته ويكفي لدحض صلب تلك الإدعاءات. فمن يعرف الدكتور "البشراوي" يعلم مدى تعلّقه بوطنه الأمّ ونزاهته وضلوعه في القانون الجزائي والعلوم الجنائية وإلتزامه المطلق بالعدالة والحقيقة وحقوق الإنسان وسيادة القانون في كنف ديموقراطية ناجزة.

"دريد" إبن بلدة رأس بعلبك البقاعية الشامخة، رجل عصامي شق طريقه بكد من مدارس وجامعات لبنان حيث عمل كمحام متخصص في القضايا الجزائية وكباحث في المعلوماتية القانونية وصولا الى كلية روبير شومان للحقوق التابعة لجامعة ستراسبورغ حيث حاز شهادتي دكتورا في القانون الجزائي العام والقانون الجزائي الخاص وشهادة دراسات عليا في العلوم الجنائية بدرجة ممتاز جدا قبل أن يبلغ عقده الثالث، وهو ما حدا بإدارة الجامعات الفرنسية الى إعتبار مؤهلاته الأكاديمية فوق التصنيف. بعد تدريسه القانون في الجامعة التي تخرج منها وفي جامعات أوروبية متعددة، وبناء على قرار مجلس القضاء الأعلى الفرنسي، عيّنه الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بموجب مرسوم رئاسي محاميا عاما في محكمة أميان ثم في ستراسبورغ في وقت لم تقدم له أي جامعة في لبنان عرض عمل للتدريس في كلياتها، وهو الذي سعى دائما للعودة الى بيروت لإثراء بلده بما نهله من علوم من أرقى جامعات فرنسا، على غرار ما كان يفعل تلامذة المدرسة المارونية في روما. ما بخل البشراوي بوضع خبرته وعلمه في خدمة وطنه فصاغ مشروعا لتعديل قانون الإجراءات الجزائية الأخير بناء على طلب من وزير العدل السابق الدكتور بهيج طبارة وعندما فاجأه الوزير بتحرير شيك له كبدل أتعاب من خزينة وزارة العدل، سارع "البشراوي" الى التبرع به لورشة إعمار لبنان. بدورها لجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان في نقابة محامي بيروت طلبت منه إبداء رأيه القانوني في عدد من مشاريع القوانين المحالة عليها وكان الدكتور بشراوي مواظبا على حضور إجتماعات اللجنة وعلى إتصال دائم برئيسها الدكتور "عبدالسلام شعيب" يقارع الحجة بالحجة والفكرة بالفكرة لتكون قوانين لبنان أكثر تطورا من قوانين أوروبا، كيف لا وبيروت هي "أم الشرائع ومرضعة العلوم". هذا عدا عن المجلدات والمقالات القانونية الغزيرة التي نشرها في اوروبا وفي لبنان في مجلات حقوقية دولية وفي مجلة نقابة المحامين ( مجلة العدل). وللبشراوي أياد بيضاء في جلب الكتب القانونية من البرلمان الأوروبي لنقابة المحامين في عهد النقيب شكيب قرطباوي وزير العدل الحالي وفي تأمين المنح لعدد من الطلاب اللبنانيين لمتابعة دراسات في الجامعات والكليات الفرنسية.

وبالعودة الى كلمة السيد نصرالله والذي ذكر فيها أن د. البشراوي معروف عنه كتاباته المعادية لحركات المقاومة، فإن بحثا بسيطا على موقع غوغل يجعلنا نطالع كتاباته المناصرة للمقاومة اللبنانية في مواجهة إسرائيل ولاسيما منها في حرب العام الفين وستة، حيث نشر د. بشراوي أكثر من دراسة مستفيضة أذكر منها واحدة نشرها على حلقات متعددة في صحيفة المستقبل وفي صحيفة السياسة الكويتية التي نقلتها عن المستقبل يومي الخامس والسادس من أغسطس من العام الفين وستة. وفي الدراسة عدَد "دريد البشراوي" إنتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان وأعلن فيها صراحة أن القوات الإسرائيلية ومن خلال إعتمادها وسائل غير متكافئة ضد المقاومة خرقت قواعد النزاعات المسلحة. وأن ذريعة خطف الجنود الإسرائيليين لا تبرر شراسة العدوان على لبنان وشموليته. كما أتهم إسرائيل بإستدراج دول نافذة لتغطية إرتكاباتها. لقد أعرب عن قناعاته المستندة إلى علمه وتجرده وحرية ضميره بصراحة ودون محاباة.

أما بالنسبة لما ورد عن "البشراوي" حيال بعض كتاباته عن جريمة إغتيال الرئيس الحريري وبأنه نظَر وساق تهما ضد سوريا والمقاومة قبل أن يكون لديه دليل واحد ضدهما، فمن مراجعة دراسات د. بشراوي المنشورة في الصحف نجد أنها لم تتطرق لذكر حزب الله او للمقاومة، وهي كانت مجرد آراء قانونية ومقتصرة على تحليل تقرير لجنة التحقيق الدولية ومعطيات مسربة الى الصحف تمثل وجهة نظر فئة من اللبنانيين كانت تشعر بأن جريمة بحجم إغتيال الرئيس الحريري كان لا يمكن أن تحدث من دون علم سوريا وخصوصا أنه كان لديها وجود عسكري وإستخباراتي قوي على الأرض ولاسيما في بيروت الغربية، وقتها، ومنذ العام 1976 ولغاية العام 2005 ، وهذا ما ورد صراحة وعلنا في تقارير لجنة التحقيق الدولية. في المقابل ثمة فريق آخر يعتبر أن سوريا هي أول المتضررين من جريمة إغتيال الحريري وأن المقاومة بقيادة السيد حسن نصرالله لا يمكن أن تتورط في جريمة إغتيال زعيم سني وصديق للمقاومة وهي العارفة بتداعيات هذه الجريمة وخصوصا أن ما من مستور وإلا سيُكشف ولو بعد حين.

حتى في كلام السيد نصرالله نجد أن د. بشراوي هو مستشار للمدعي العام القاضي" دنيال بلمار" ومعلوم أن المستشار القانوني يبدي رأيا على مسألة تطرح عليه، فلا هو قاضي تحقيق ولا هو مدعي عام إنما مجرد خبير في القانونين اللبناني والدولي وأراءه المطلوبة غير ملزمة، فثمة فريق يجمع الإفادات والأدلة ويوثقها وثمة فريق آخر يحضَر القرار الاتهامي وإن ملفا بهذه الضخامة حيث تربو مستنداته على الإثنتي عشرة الف وثيقة لا يمكن لشخص واحد أن يدرسه ويوثَقه إنما يلزمه فريق من عشرات الأشخاص.

ومنذ تسلمه مسؤولياته في المحكمة إمتنع د. بشراوي عن إبداء رأيه في ملف الحريري علنا أو خفية حفاظا على سرية التحقيقات وامتنع ايضا عن اعطاء اي رأي قانوني وعن الرد على هذه الاتهامات التي سوقتها ضده صحيفة الأخبار التي يديرها حزب الله، وذلك بواسطة قلمي عمر نشابة وابراهيم الأمين.

وليس آخرا وفي ندوة على قناة المنار أعقبت كلمة السيد" نصرالله" قال "إنطوان الخوري حرب" إنه يعرف "البشراوي" جيدا وأن الأخير كان في القوات اللبنانية، وهو لو كان يعرفه بالفعل لعلم أن دريد البشراوي لم ينتسب في يوم من الأيام الى القوات اللبنانية مع التذكير بأنه يعيش في فرنسا منذ ربع قرن وهو غادر لبنان في بداية العشرينات من عمره، وقد يكون. حرب خلط بين د. دريد وغيره من المحامين من عائلة البشراوي ممن لهم إلتزامات حزبية معروفة يجاهرون ويفاخرون بها.

لست في معرض الدفاع عن علاَمة في القانون ولا دريد البشراوي هو في موقع المتهم لندافع عنه، وهو ليس بحاجة لمن يدافع عنه لان ما يقوم به من عمل شريف ومقدس هو علامة فخر واعتزاز يرفعها على جبينه، إنما هي شهادة للتاريخ لا بد من قولها في هذه الظروف الصعبة التي قسمت بلاد الأرز حول محكمة دولية كنا بغنى عنها لو أن اللبنانيين توحدوا حول محكمة لبنانية توصل أهالي كل الشهداء والمفقودين الى الحقيقة المنشودة.

يقولون ان الدكتور دريد بشراوي يقدم المشورة القانونية للمدعي العام، فما ضير ذلك عليهم ما داموا يعتبرون أنفسهم بريئين؟ بدأوا اتهاماتهم في صحيفة الأخبار بواسطة اقلام موظفة بالقول تارة ان الدكتور بشراوي " هو محامي فريق الاتهام السياسي وهو مسؤول قيادي في 14 آذار"، وتارة أخرى أن الدكتور بشراوي " اسرائيلي أكثر من الاسرائليين ومعاد للنظام السوري" ، وها هم اليوم يطلون مجددا بافتراءاتهم وكذبهم وتحريضهم الجرمي لاصقين بالدكتور بشراوي تهمة "الانتماء الى جهاز السي آي آي والعداء لحركات المقاومة والتعاون مع محكمة اسرائلية وأميركية ضد حزب الله".

البارحة وخلال المناقشات النيابية في المجلس النيابي، قال نواف الموسوي نائب حزب الله ما حرفيته " كنا نتعاون مع لجنة التحقيق ومع المحكمة ومدعي عام المحكمة لديه مكتب في الضاحية". والسؤال البديهي الذي يطرح هو التالي: لماذا تعاون حزب الله الى وقت قريب مع محكمة يعتبرها اسرائيلية وأميركية ومسيسة؟ ولماذا يلصق في آن معا تهمة التعاون مع هذه المحكمة بمستشارين قانونيين؟ لماذا لم يهاجم لجنة التحقيق الدولية يوم كانت تؤكّد في تقاريرها ان بعض المسؤولين السوريين ورؤساء الأجهزة الأمنية اللبنانية متورطين في اغتيال الحريري؟ لماذا لم يدافع حزب الله بهذه الشراسة عن قادة الأجهزة الأمنية الذين تم وضعهم قيد التوقيف الاحتياطي لمدة اربع سنوات خلال فترة احتجازهم؟

للتذكير فقط، ان قرار اخلاء سبيل قادة الأجهزة ألأمنية اتخذ بناء على طلب من مكتب المدعي العام الذي يعمل فيه الدكتور دريد بشراوي مستشارا قانونيا وبالتأكيد بناء على استشارات قانونية قدمها هذا الأخير.

هناك بعض من يلقون التهم جزافا في جريدة الأخبار على الدكتور بشراوي من دون التطرق ولو بكلمة واحدة الى من يتعاطى معهم ممن يعملون في مكتب المدعي العام من جماعتهم وممن هم من الطائفة الشيعية وغيرها ومؤيدين لحزب الله وحتى أن السيد حسن نصرالله نفسه تغاضى عن هذا الموضوع لأسباب واهية. والسؤال يطرح هنا لماذا؟ وما هو الهدف؟ الهدف يكمن فقط في مخطط ضرب مصداقية المحكمة الخاصة بلبنان. اضف الى ذلك ان من يهاجم المحكمة في صحيفة الأخبار ويعتبرها مسيسة، ومن يعتبر نفسه متخصصا في العلوم الجنائية زورا ، يقال انه هو نفسه تقدم بطلب توظيف الى المحكمة ليحل مكان الناطقة السابقة باسم المحكمة سوزان خان.



الدكتور ديد بشراوي يقوم بعمل مشرف، مناقبي وموضوعي من دون الالتفات الى أي اعتبارات شخصية او حزبية أو طائفية او عرقية، وذلك على خلفية مهنية وخلفية احقاق الحق ومناصرة العدالة والدفاع عن حقوق الانسان والسلام ومحاربة الجريمة المنظمة والارهاب.

هو ولد في ارض لبنان وترعرع في تلاله وهضابه، وهو عاشق مغرم بأرزه ، ومدافع من الطراز الأول عن الحرية والكرامة والسيادة والاستقلال، ولن يبخل بدمه من أجل هذه الثوابت والمبادئ دفاعا عن الحق والسلام والعدالة في لبنان وفي أي مكان آخر من بقاع الأرض.

التهديدات الخبيثة لا تثنيه عن قناعاته و مناقبيته وهو يعلم علم اليقين ان المجرمين يخشون سطوة العدل ويهاجمون العمالقة والنسور التي تحلّق في سماء الحرية والعدالة.



الدكتور دريد بشراوي الذي عرفته كصديق عزيز جمعتنا روابط قيم حقوق الانسان ومحبة الوطن والدفاع الفكري الحثيث عن الديمقراطية و السلام والحرية والسيادة والاستقلال ، كان يقول في الفترة التي سبقت دخوله الى المحكمة لست أكبر أو اهم من رفيق الحريري أو من جبران التويني أو من بيار الجميل ، ولن أتردد في الدفاع عن العدالة وعن لبنان، بغض النظر عن هوية القاتل وانتماءاته.

دريد نسر من نسور لبنان، حماه الله.



المهندس حميد عواد

أكاديمي وباحث في الشؤون اللبنانية

17.3.11

غبطة عارمة لأنتقال سلس في سدّة البطريركيّة

حميد عواد*

تبوّءُ سُدَدِ المناصب هو إمتحان لتفعيل قدرات ونفاذ تدبير مرتقيها.
كما هو فرصة سانحة لإثبات كفاءاتهم وبراعاتهم وحسن إداراتهم ورجاحة حكمتهم وصواب رؤاهم وتميّز إبداعهم وسمو مناقبهم وشمائلهم وفذاذة شخصيّاتهم.
القاصرون عن تحمّل أعباء المسؤوليات يصبحون عالّة على مناصبهم أمّا المفلحون المرموقون فيزيدونها رونقاً وتألّقاً وتأثيراً.
كما يُفتقد البدر في الليلة الظلماء، متى إكفهرّت الأوضاع وتعقّدت وغدت الظروف فائقة الدقّة تشتدّ الحاجة لقيادة حازمة وخلاّقة ورائعة ومدهشة في أدائها تحشد الطاقات وتستنفر الهمم وتنظّم الجهود لتجاوز المحن.
لمع نجوم بطاركة الكنيسة المارونية لإنطاكيا وسائر المشرق في فضاء لبنان عبر التاريخ حاملين في ذممهم امانة الرعاية الروحية والوطنية للموارنة والمسيحيين عامة مثبّتين الكيان اللبناني في وجدانهم عبر العصور.
إضطروا خلال مراحل إلى التفاوض الحازم مع سلطات الدول النافذة وآخرها سلطة الإنتداب الفرنسيّة لإنجاز الإستقلال وإلتزموا بالتفاهم وتضافر الجهود مع بقيّة الشركاء في الوطن.
تنحى البطريرك صفير عن السدّة البطريركيّة تحسّباً لإعياء قد ينوء به العمر على منكبيه وأفسح المجال لخليفة أوحى بها الروح القدس إلى كلّ المطارنة فأجمعوا على إنتخاب المطران بشارة الراعي بطريركاً جديداً.
الأسى الذي خبره اللبنانيّون لنبأ إعتزال البطريرك صفير طيّبه زفّ نبأ إنتخاب المطران الراعي بطريركاً جديداً.
الدور المجلّي والفعّال الذي لعبه المطران الراعي في نشاطاته ومهامّه الكنسيّة و التثقيفيّة كما في إطلالاته الإعلاميّة الكثيفة، حيث دحض الإفتراءات التى تحامل بها الضالعون في نفث سمومهم بإتّجاه بكركي وصحّح الهرطقات المفتعلة وأكّد ثوابت الكنيسة الروحيّة و الوطنيّة، حتّم إختياره بديهيّاً ومنطقيّاً.
البطريرك صفير كان متّحداً في حلوليّة كيانيّة مع الروح القدس وكان ضميره دائم التخاطر مع خلجات وجدان وإبتهالات قلوب وهواجس عقول اللبنانيين.

والبطريرك الجديد كان يتحسّس بإرهاف وتجاوب نشط هذا التواتر.

وهو على مثال سلفه راسخ العقيدة روحيّاً ووطنيّاً، وأميناً في حمل الرِّسالة وإنعاش الذاكرة لضخّ غنى قيم وبرّ التراث فيها.

وهو كسلفه مجبول بنعم البرّ والمحبّة والعطف والوداعة والحكمة والزهد والتقوى والوقار والمعرفة.
وكلاهما خطيب بليغ ومحاور لبق ومرشد عليم وحكيم ومحامِ دامغ الحجّة وصلب القناعة لا يرضخ للضغوط.
وكلاهما حريص على صيانة الكرامة الإنسانية وعزة النفس وحريّة الرأي والمعتقد في كنف النظام الديمقراطي الضامن لسيادة وإستقلال الوطن.
لمّا إشتدّت وطأة الهيمنة "الأخويّة" على اللبنانيين ولهج زبانيتها بدوامها أطلق البطريرك صفير صرخته المجلجلة مع الأساقفة السامي الإحترام من خلال بيانهم المؤرّخ في بداية أيلول سنة 2000 الذي دعوا فيه "الأشقّاء" إلى سحب جيشهم من لبنان.
وتضافرت عوامل الدعم الداخلي والدولي مخضّبة بدم طليعة شهداء ثورة الأرز وتحقّقت "المعجزة".
لكن ما لبثت أن تقمّصت نزعة الهيمنة في عقيدة وممارسات "حرّاس ثورة" ذات عصب مذهبيّ تغلغلت خلال مراحل ضعف الدولة اللبنانيّة و شرخت شريحة من أهل الوطن.
البطريركان صفير و الراعي يميّزان بوضوح بين مسؤوليّات "سلطة قيصر" وتلك التي لله.
صحيح أنّ كلاً من التربية الروحيّة والتنشئة المدنية تتشاركان وتتكاملان في تهذّيب النفس وتنمية القيم الأخلاقيّة وترهيف الضمير وإبراز الحقوق الإنساسيّة والواجبات والمسؤوليّات، لكن تقف السلطات الروحيّة عند حدود توجيه النصح إلى السلطة السياسيّة إذا إنزلقت إلى شطط أو شذوذ بهدف تصويب السلوك.
الإعتراض السلمي حقّ مباح قانوناً وعرفاً وشرعاً لكن أن تتحوّل سلطة روحيّة إلى قوّة عسكريّة ضاربة فهذا أمر خارج عن نطاق الدين.
روحيّة العصر لا تتقبّل إطلاقاً نظاماً ثيوقراطيّاً للدولة.
المعروف عن اللبنانيين أنّهم كانوا دائماً روّاد النهضة وعشّاق الحريّة المسؤولة ومعتنقي النظام الديمقراطي الذي يتيح التفاعل الإيجابي بين بيئات مجتمعه المتنوّعة في ظلّ رعاية مؤسساته، دون السماح لفريق بإستغلال ظروف الفوضى والوهن القاهرة لفرض طغيان عقائد شموليّة هجينة تخنق الحريّات وتلغي التنوّع وتفكّك النظام.
ألبطريركان صفير و الراعي يدعمان تعزيز مؤسسات الدولة وينددان بنشوء كيانات هجينة مسلّحة تقرض سلطاتها وتهيمن على القرار وتفرض طقوس الحياة اليوميّة على الناس.
وهما يحضّان الدولة للقيام بواجباتها في حماية اللبنانيين من تهديد السلاح وإنتهاكات التعديات وغدر الإغتيالات.
وهما يؤازران مسار العدالة الوطنية و الدوليّة خاصّة المحكمة التي قطعت أشواطاً في التمحيص والتنقيب عن الأدلّة والبراهين الدامغة والقرائن المثبتة في قضيّة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر رفاقه من شهداء ثورة الأرز.
لبكركي موقعها المهم في تاريخ لبنان نظراً للدور الذي إضطلعت به في تأسيس الكيان اللبناني وصيانته وإحباط الهجمات التي إستهدفت تفكيكه.
لذا تحرص الدول الكبرى على الإستماع إلى رأي البطريرك الماروني في القضايا الوطنية وما يتصّل بها من قضايا المنطقة.
البطريرك صفير تلقّى دعوات وإستُقبل من العديد من رؤساء الدول الكبرى فدافع أمامهم بشجاعة وصراحة عن مصالح لبنان وصيغته النموذجيّة التي تحتضن أبناءه بحدب ورعاية وإحترام ودعاهم إلى التعامل بعدالة مع قضايا الشعوب.
البطريرك الجديد مار بشارة بطرس الراعي كان يسير في موازاة البطريرك الجليل مار نصرالله بطرس صفير وهو مدرك لضخامة المسؤوليّات المسندة إليه وهو قادر على ممارستها بجدارة.
اللبنانيّون مطمئنّون وواثقون أنّ المقام البطريركي في عهدة البطريرك الجديد سيستمرّ في تألّقه ووقاره وتأثيره ومحوريّة دوره كما كان في عهدة سلفه، فهنيئاً للبنان!
*مهندس وأكاديمي باحث في الشؤون اللبنانيّة

27.2.11

أطيافهم ذخيرة خلاص محتضنة في وجداننا

حميد عوّاد*

تسكن في البال هموم الوطن ويعيش في وجداننا أطياف شهدائه الأبرار نضمّها بحنان فتذخّر بإستمرار نزعتنا للدفاع عن حريّتنا وسيادتنا وإستقلالنا وعزّتنا.
الوطن ترخص في سبيل حمايته الأرواح دون هدر، لأن النموّ والتطوّر يتغذّيان من منجزات حيوات عزيزة وخصيبة، فبهداية الحكمة والفطنة وحسن التدبير تُفتح دروبٌ لا تقوى جهود عشوائيّة كثيفة على شقّها.
الموت ليس معبراً إلزامياً إلى الحياة إلاّ في حالات إستثنائيّة فلا يسترخصنّ أحد الحياة ويجعلنّ الموت نمط وجود فيستعبد الناس لتثبيت سلطانه.
تماشياً مع التأريخ الزمني نجتمع اليوم لنحيي ذكرى إستثنائيّة حيث الموت شكّل حالة عبور إلى حياة وطنية حرّة.
يوم إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ما ضاهى عصف الإنفجار الآثم إلاّ غضب اللبنانيين الذين إنطلقوا في مسيرة "ثورة الأرز" لرفع نير الظلم عن كاهلهم وقذف جحافله خارج الحدود.
لقد أحبّوه وقدّروه لريع خدماته البارّة تجاه وطنه وشعبه فيما ترصّده وكمن له و لمشروع إنهاض الوطن الحاقدون المستبدّون.
غمر بعطفه وعنايته وسخائه الناس فإستحقّ محبّتهم وثقتهم وكسب حظوة عند ربّه. بذل جهوداً خارقة وحقّق نجاحاً باهراً فشمخ بإنجازاته وتواضع بعلاقاته.
إعتاد على لذّة زرع البذار الطيّبة فكان الإنتاج خصيباً وحصاد غلّال الخير وفيراً. محبّته لوطنه وسعيه الدؤوب لإحلال السلام فيه ولإشباع طموح طلاّب العلم من أبنائه تلاقحت بمتعة إنجاز المشاريع العمرانية فإختلجت في وجدان رفيق الحريري نشوة تحقيق حلم إعادة بناء لبنان بشراً وحجراً ومؤسسات.
كرّس الرئيس الشهيد طاقاته وإمكاناته وعلاقاته لإحياء صيغة ودور لبنان كدولة سيدة حرة مستقلة وحاضرة عمرانية رائعة تليق بعزة وطموح أبنائها فكان فرحه عظيماً بتحقيق مراحل متتابعة من الأحلام واقعاً.
بإغتياله و كوكبة شهداء "ثورة الأرز" معه أراد الطغاة الإنقضاض على عصب الإباء و تثبيط عزائم الأحرار وتفكيك جسرهم البشري المكين.
إستلّ الجلاّدون سيف البطش ليشهد من تسوّل له نفسه التمرد كيف "تُقطف" رؤوس المتمردين والعاصين عليهم.
لكن حمم غضب الحريصين على الوطن ومحبّي الشهيد جمدت الدم في عروق السيّافين.
إذ أنّ التلاصق المتعدّد الأطياف المترامي الأطراف شكّل جسر الخلاص الذي تنكّب الوطن وإنتشله من براثن وأنياب الوحوش ليعيد اليه منابع الحرية والعزة المغتصبة بعد معاناة اختناق، وليطبّق سيادة الدستور والقوانين بعد طول تشويه وليقوّم سياق العدالة الشاملة بعد حرفها عن مسارها.
ذهول وارتباك ألمّا بقطّاع الرؤوس أمام مهابة موكب الإستقلال الوطني الحاشد الذي إنطلق في 14 آذار.
فهو مكمّل لصورة قوافل الشهداء التي افتدتنا في محطّات النضال الوطني عبر تاريخنا الحافل بالإنجازات العظيمة والمنخور بثغرات عدّة كبوات.
مؤسف حدوث إنتكاسات بعد جسامة التضحيات النفيسة المبذولة لبناء الدولة بسبب تألب "حرّاس ثورة" هبطت بكلّ "تجهيزاتها" على لبنان لتقيم دويلة قارضة لسلطات الدولة وليبدأ تضييق الحصارعلى حريّة التفكير والرأي من خلال "جلاميد نظريّات" دفقتها علينا "قرائح خبراء" الثورة "الميمونة" فصادرت وسلبت إرادة أنصارها.
هذا النهج الإستبدادي الجامح نحو التحكّم بكلّ أوجه الحياة الوطنيّة تجاوز نطاق الأتباع ليشمل "حلفاء" سِيقوا بالترهيب والترغيب والكيد وفقدان التوازن و الصواب ليشكّلوا غطاءً يموّه الطابع الفئويّ ثمّ ليستكمل حلقات الهيمنة بمحاولة فرض طقوسه على كلّ أبناء الوطن.
لقد بلغ هذا الإنتهاك حداً خطيراً بات يهدد الكيان ويمهّد للغور بالوطن من جديد في غياهب عهد الطغيان الذي جدّد معه "أركان الثورة" عقد الشراكة العضويّة.
معمودية الشهادة وتشابك مشاعر العنفوان والحرص على نقاوة وتجلّي صيغة لبنان الحضارية يحتّم جدل عزائم وجهود المؤمنين بتميّز وريادة هذا الوطن.
اللبنانيّون المتنوّرون متيقّظون للمكائد التي تحاك لإغتيال وطنهم و للإنقضاض على إنجازات القوى السيادية وإغتصاب ودائع لفيف شهداء الإستقلال المنتشل من براثن الوحوش.
لذا حفاظاً على تراثنا العريق المجبول بإكسير التضحيات والمضمّخ بالعزة و الكرامة والحرية وتحفيزاً لإزدهار مستقبلنا وأمانةً لتطلعاتنا ووفاءً لتوصيات شهدائنا الأبرار، لنشبك السواعد ونقف صفاً واحداً وسدا منيعاً لإسقاط تعديات الردة الرجعية ولنواكب مسار المحكمة الدولية للقبض على رؤوس شبكة الإجرام لننعم بالأمان.
لنستلهم مناقب وخصال الشهداء النبيلة لننقّي ضمائرنا، ولنستمدّ عوامل القوة وأسرار النجاح من مزاياهم ونقتدي بمبادراتهم الناجحة وأعمالهم الخيّرة.
حقق رفيق الحريري إنجازات عظيمة ونجاحاً باهراً في حياته فاستحق التقدير وربح قلوب الناس.
أما في استشهاده فحقق أروع وأثمن الإنجازات وهي إنبعاث الوحدة الوطنية في سبيل خلاص الوطن.
أليس بإنجاز جليل كهذا يدخل العظماء التاريخ ويُخلّدوا؟

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

6.2.11

رياح تغيير يلفّها ضباب التغرير

حميد عواد*

التغيير مرغوب طالما هو سعي شريف للطامحين نحو الأفضل، لكنّه يُستغلّ أحياناً عنواناً جذّاباً من قبل المتعطّشين لسلطة ماحقة، يطرحونه طُعماً ليستدرجوا شعوبهم من مطبّات الضيق والمعاناة إلى حظيرة العبوديّة القاتلة.
ذروة الخبث تنضح من مواقف أنظمة مستبدّة قمعيّة لم تغب ممارسات بطشها الشرسة عن الأذهان لأنّها مستمرّة في كلّ آن لكنّها تتأجّج في الإستحقاقات الإنتخابيّة لتزوّر إرادة صفوة شعبها.
فمن يسمع تصريحات "القيّمين" على شؤون تلك الأنظمة عن دعمها إنتفاضتي الشعبين التونسي و المصري يخيّل إليه أنّهم خرّيجو أعرق و أرقى مدارس الديمقراطيّة.
لكن سرعان ما تتّضح النيّة المبيّتة عندما تُسمع دعوة هؤلاء المتزمّتين والمغرورين إلى توجيه التغيير نحو نمط تخلّف أنظمتهم فيما يتطلّع المتنوّرون إلى إنتقال آمن نحو صيغة حكم توفّر الفرص العادلة للعيش بكرامة وحريّة وهناء.
لا تغفل عيون الدول اليقظة عن تسرّب "خلايا ثوريّة" تنخر أنسجة المجتمعات المحلّيّة لتزعزع الأنظمة العربيّة المعتدلة فتتتبّعها إلى مصدرها المعروف، إذ أنّ التحريض والدعم و التأليب ينطلق من " فوّارة الممانعة والمراوغة والهيمنة" "النافثة للثورات" ومن محور المخابرات الشرسة التي ترتكز عليها أنظمة الإستبداد العسكري والديني.
قوّة هكذا أنظمة تكمن في قمعها العسكري الذي تمارسه على شعبها لتخرس الأصوات المعترضة ولتجهض المحاولات الإصلاحيّة متحصّنة بحرمة السيادة داخل أراضيها، تحتمي بشعارها و تحوّلها قضيّة إستقطاب وطنيّ في وجه أي تدخّل خارجي.
لكنّها لا تجد حرجاً في توسيع هيمنتها خارج أرضها فتقتنص فرص الفوضى والوهن لدى الآخرين لتطوّقهم في عقر دارهم بشبكة "قواعد" مخابراتيّة وعسكريّة تحت غطاء "عقائدي" و"سياسيّ" و"نضالي" تابعة لها، والمثل البارز وليس الوحيد هو الحال الضاغطة في لبنان.
لقد إستنفد المحور السوري-الإيراني قسطاً كبيراً من عافية ومنجزات اللبنانيين عبر أذرعته السياسيّة و المليشياويّة التي أنشأها في لبنان.
لقد أُطلقت عروض الترهيب المليشياويّة في وجه اللبنانيين الرافضين للهيمنة الفئويّة و الخارجيّة والحريصين على النظام الديمقراطي الحاضن للكرامة الإنسانيّة والمخصّب للتنوّع والمحفّز للإبداع والعنفوان، فكانت النتيجة إلتهام لمعظم تضحيات القوى السيادية المبذولة في سبيل ترسيخ الإستقرار ثمّ المطالبة بالمزيد.
إنّ سياق القضم المتدرّج لسيادة ونظام ومقدّرات الوطن من جانب أذرعة الأخطبوط الإيراني-السوري في لبنان بلغ حداً خطراً يقارب مستوى الإستئثار بالحكم ويهدّد ب"هضم" الكيان المتميّز الذي يحرص عليه الوطنيّون المخلصون.
المفجع هو أنّ سطوة تلك الأذرعة المليشياويّة خلخلت وإنتزعت بعض الشرائح من مواقعها السياديّة وسخّرتها عنوة لتغيير موازين القوى في مجلسي النوّاب و الوزراء.
وأسفرت رحلة رئاسة الوزراء للرئيس الخارج من السراي عن سلسلة مكائد و مكامن و أفخاخ خُطّطت مسبقاً للإيقاع به وإبتزازه وجرّ بعض حلفائه إلى التنكّر لمبادئهم وعهودهم وتطلّعات مؤيّديهم والإنقلاب على قناعاتهم الذاتيّة وعلى مسيرة الإستقلال.
لبّ الهدف كان وما زال عزل لبنان عن مدى الدعم الدوليّ الحيويّ له وفصله عن التواصل مع مغتربيه لتدجين أو تهجير أهله ومسخ نظامه والتنصّل من إلتزامات الدولة اللبنانية حيال المحكمة الدولية الخاصّة بلبنان التي يتوخّى اللبنانيّون منها قطع دابر الإجرام السياسي.
وما فرط عقد الوزارة المنصرفة إلاّ محاولة للإلتفاف على القرار الظنّي عبر قرار تصدره تشكيلة وزاريّة جديدة "طيّعة" تعلن فيه إلغاء البرتوكول المعقود مع المحكمة ووقف التمويل بالنصيب اللبناني وسحب القضاة اللبنانيين رغم أنّ ذلك صعب التسويغ قانونيّاً.
بضغط التلويح بالسلاح وشهره و التهديد بإستعماله والتذكير بسرعة تحرّكه و"إكتساحه" الأزقّة والقرى الجبليّة وقصور القيادات السياسيّة تُنتزع مطالب الأخطبوط الإيراني-السوريّ و أذرعته وتُشوّه نتائج الإنتخابات وتُطوّق المقامات الرئاسيّة للتحكّم بها والإستئثار الحصري بكلّ صلاحيّاتها.
خلال ذلك و بهدف التملّق للبنانيين وإستدرار رضاهم، تُغدق وعود خادعة بإصلاح شامل يُنجز بسرعة البرق و تخفيض كلفة المعيشة ب"الرَقَى" و زيادة الأجور بطبعات جديدة من الأوراق النقديّة وتحريك عجلة الأقتصاد بإرتجاجات زعزعة الإستقرار وقوّة القدرة الشرائيّة للمسلّحين و"مذيعي" التهديدات "المحلّفين" و تأمين الوظائف ومختلف الخدمات للأزلام نيابة عن المحرومين وإن لم "يسعف الحال فليسعد النطق" من أفواه الضالعين في الفساد والغارفين من مال الخزينة والمتصرّفين بالملك العامّ والخاصّ كحقّ مطوّب لهم.
بالأمس عندما كانت الأكثرية متماسكة ومصانة أحجمت عن ترجيح كفّة خياراتها الخاصة في إستحقاقات دستوريّة تحاشياً لإقصاء شريحة "ممسوكة القرار" ووازنة في معادلة الحياة الوطنيّة وإشباعاً ل"طموح" المتحكّمين بقرارها إنتُزع الثلث المعطّل وحقّ النقض بمفاعيل قوة السلاح في "ترتيب" الدوحة.
أما اليوم وبعد إقتناص حفنة من النوّاب المتذبذبين بوهج "لايزر بنادق القنص" رجحت كفّة "القنّاصة" ولم يعد لميثاقيّة العيش المشترك والشراكة الوطنيّة حساب يُعتبر منهم بل يصحّ تجاوزه.
مسيرة الإستقلال أصيبت بكبوة لا بد من التغلّب على أذاها بوعي وصمود وعزيمة ونخوة وتضامن ونهوض وإقدام حرّاس السيادة والإستقلال.
لبنان لن يُترك رهينة وغنيمة لقراصنة الأنظمة الثيوقراطية وصيّادي الفرص والجوائز من أركان أنظمة عسكريّة بائدة من أيتام العهد السوفييتي المنقرض.
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

14.1.11

إتّزان وخلل، سموّ وإنحطاط

حميد عوّاد*
تطلق صرخة كلّ مولود يطلّ على العالم نبضات "عدّاد ساعته" التي تؤشّر عند إكتمال دورتها السنويّة إلى فجر عام جديد يفتح بصيرته على معارف وتجارب جديدة تكسبه كفاءة و خبرة ومهارة خلال مَخْره عباب يمّ الأحداث وخوضه مغامرات معاركتها.
سرّ النجاح يكمن في تأمين بيئة تنشئة راقية نقيّة من الشوائب ترسّخ القيم السامية والشراكة الإنسانيّة واجباً وحقوقاً ومسؤوليّة ونشاطاً وإلفةً وتوفّر الفرص المتكافئة والعدالة الحكيمة وتؤمّن إعداداً غنيّاً بالمعرفة ينميّ الضمير ويرهف الوجدان ويشحذ المنطق ويصقل الذكاء ، ويثبّت الحقّ ويدحض الباطل.
لكن الإنحرافات الخطيرة التي تنخر بعض البيئات المنغلقة وتصيب أحياناً مواقع السلطة غدت أشرس التحدّيات التي يواجهها العالم اليوم لأنّها تبثّ الخلل والفوضى وتنجب الإجرام.
إنّ التصدّي الجادّ لهذا الإنزلاق يُحتّم معالجة جذريّة تطبّق على مصدر العلّة ألا وهو "مدارس" تُلقّن الكراهية والحقد والخصومة وحصرية "التميّز" مدّعية إستقاءها من "توصيات علويّة" لا "صلاحيّة" للبشر في نقضها.
هكذا يهبّ "خرّيجو" هذه المدارس المضلّلون للقيام ب"واجبهم المقدّس" في "معاقبة" من يتجرّأ على مخالفة معتقداتهم، ويصبح سفك الدماء طقساً إحتفاليّاً وممارسة عبادة ودليل تقوى و"نشاطاً" يستحقّ الثواب.
في هذا السياق تُرتكب المجازر الإرهابية وتُسفك دماء الأبرياء والمتنوّرين في باكستان وأفغانستان والعراق وتستنسخ في مصر ودول أفريقيّة أخرى كما تصيب تموّجاتها بلداناً مضيافة راسخة ومتينة الأنظمة.
في ظلّ الجهل والفوضى والتصلّب الذهني و التعصّب، يتفاقم التناحر المذهبي و يدخل أحياناً طور حلقة الثأر الجهنّميّة ويوسّع إطارها ليزهق أرواح المختلفين دينياً ضيقاً وتبرّماً من ممارستهم الحميمة والحميدة والهادئة والحائدة والمسالمة لطقوس العبادة والصلاة.
يُصدم الناظر إلى بيئات التخلّف حيث يجري "تجويف" وجدان الإنسان من القيم و"تحنيط" العقل البشري فيُحرم من نعمة التطوّر ويغدو عبداً مسيّراً إلى المهاوي فيما يجده زاخراً بالنشاط والإنتاج ومكلّلاً بالإنجازات المدهشة في المجتمعات الراقية التي توفّر له "حراثة بالمعرفة".
مثلما "تُطعّم" أغصان الشجرة البرّية باغصان طيّبة ومنوّعة الثمار يجب "تلقيح" العقول ببذور الخير لتينع وتفيض عطاءً وبِرّاً على مجتمعها.
لبنان لمع بغناه الحضاري و جماله الطبيعي وحزمة أضواء قوس قزح المنبعث من نسيجه البشري الذي تحوّل شلاّلاً من العطاء كلّما تعانقت ألوانه مؤتلفة فيما خبا زهوه ونضب عطاؤه كلّما تشتّتت أضواؤه خلال عصف النزاعات التي إنصبّت عليه.
ليس أمرّ من تجريع العلقم عنوة لمن تعوّد على حلاوة الحياة وليس أخبث من تحطيم كبرياء النفس وتنغيص هناء وعزّ العيش بغصّات القهر وعضّات ألم الجوع و العوز.
قد يتمكن بعض اللبنانيين داخل الوطن أو خارجه من التفلّت موّقتاً من متاعب الحياة و معاناة الأهل في لبنان ليحتفلوا بإستقبال سنة جديدة فرحين متفائلين، لكنّ الكثيرين منهم غير قادرين على طرد هواجسهم وتخدير آلامهم وسدّ رمقهم ليستلقطوا أنفاسهم ويستعيدوا وعيهم.
لا يجوز السكوت على عذابات اللبنانيين وطمس تضحياتهم بعدما تناوب على خطفهم رهائن أفواج من الخاطفين المتنوّعي "المنشأ" أرهبوهم ونكّلوا بهم وحاولوا إذلالهم وإجهاض أنتفاضاتهم و نهضاتهم ضاغطين عليهم لتهجيرهم من "مراقدهم" كما تفنّنوا في إبتزازهم لنكران ولائهم الوطني وتجريدهم من عنفوانهم وهويتهم وأملاكهم.
ليس مستغرباً أن يثبت فعل اليوم قول الأمس عندما عبّر مسؤول في "الكيان الثوري" الذي صاغته "الثورة المصدّرة" إلى لبنان أنّه لو خُيِّر بين أمن الوطن وأمن "الكيان" لإختار الثاني علماً أنّ التناقض لا يحصل إلا في وضع إنفصالي عدائي.
فما نشهده اليوم هو شلّ لمؤسسات الدولة وتجميد لأعمالها ووقف لعجلة الإنتاج وحبس لأنفاس المواطنين وكبح لأنين جوعهم وألمهم كرمى لرفض مسبق غير منطقي لوجهة القرار الإتّهامي للمحكمة الدوليّة الخاصّة بلبنان والتنصّل من الإلتزام المبرم بها لأنّ ظنّ "أهل الثورة" وراعييهم الإقليميين أن الإتّهام سيطالهم.
فمن إرتكب جرائم الإغتيالات في لبنان تعوّد على النفاد دون محاسبة لأنّ القضاء الوطني كان مكبّلاً.
لذا تشكيل المحكمة الدولية المختلطة المخصّصة لكشف قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقافلة رفاقه الشهداء من نجوم "ثورة الأرز" جسّد إرادة لبنانيّة-دولية مشتركة حازمة لتخليص لبنان من براثن "نقابة الإجرام" التي درجت على زهق أرواح من يناهض طغيانها.
لكسر طوق الحصار المزمن والخروج من دوّامة المراوحة لا بد للبنانيين الشرفاء من جمع الشمل ورصف الجهد وصدّ الجور حماية للوطن وتدعيماً لمؤسسات الدولة وترسيخاً لسلطاتها وتوطيداً لسيادتها.
لكن بدل تبديد شبح الهجرة عن المقيمين وإفساح العودة للمغتربين الذين هجرت غالبيّتهم الوطن تحت وطأة الظروف الخانقة يعمد أصحاب النوايا "الطيّبة" إلى "تمديد" الأزمات و يستخدمون كل الوسائل والسبل لإحباط كلّ تشريع يسهّل إستعادة الجنسيّة لمن إفتقدها أو يمكّن المغترب من ممارسة حقوقه السياسيّة والمدنيّة و الإقتصاديّة في وطنه الأمّ.
وهناك مال سياسي مشبوه المقاصد يغدق على فئات معيّنة لتشتري به أملاك اللبنانيين المنهكين نفسيّاً ومادّيّاً فتُقطع جسور التواصل مع حضن الذكريات وخزّان التراث و يتكرّس الإنفصام عن أصالة الذات.
في ظلّ هذا الواقع المأساوي الذي يجري فيه عمليّاً ليس فقط "فرز" جغرافي طائفي وإنّما أيضاً قضم لأملاك المسيحيين ليس مستغرباً أن يطرح الوزير بطرس حرب مشروع قانون يمنع مؤقّتاً بيع العقارات بين الطوائف لإيقاف هذا النزف الخطير.
يفوت الذين يشيرون إلى الدستور أن يدركوا أن ما يحصل هو طعن له لأنّه إبتزاز تحت وطأة ضغوط هائلة (القلق من زعزعة الإستقرار والتمسّك بالسلاح الفئوي والإغراء بالعروض المضخّمة) للتخلّي عن الممتلكات و فرز جغرافي طائفي يخلّ بميثاق العيش المشترك ولا تقرّه الأخلاق ولا التضامن الوطني.
من يهمّه توطيد الشراكة الوطنيّة وترسيخ الإستقرار عليه العمل على رفع الضغوط الجاثمة على صدور اللبنانيين وكفّ عمليات الشراء الخبيثة ومساعدة المحتاجين بتأمين القروض المتهاودة.
إنّ سياسة ترجيح "ثقل" فريق ما بتخصيب الذُرّيّة والذَرّة والتسلّح والتموّل هي خداع وتآمر يستهدفان تقزيم وتهميش بقيّة الشركاء في الوطن وهي غاية سقيمة ومفضوحة ومرفوضة.
كما هي جنوح أهوج يثبت عدم إكتراث بمستقبل الأجيال فيما تتضخّم كلفة المعيشة وتضمر المداخيل وتشحّ المصادر الطبيعيّة وينضب الغذاء وتتقلّص إمكانات توفير العناية الصحّية والتعليمية.
الخروج من شرانق القوقعة وتحرير الذات من الشرور والشره والأنانية والغرور، والتخلّص من شحن وتوتّر و"وشم" كلّ أنماط العصبيّات القبليّة والإنضمام إلى "ورشة" التآخي الإنساني وشبك الجهود لإنتاج ونشر الخير، هي السبل المتآلفة الآيلة إلى العيش بوئام وسلام وهناء.
*مهندس وأكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية