15.12.12

لبنان محميّة تراث عالمي

المهندس حميد عواد* سرّ المعرفة يكمن في توق متأجّج ومتنبّه إلى التجواب في آفاق العالم للتواصل مع بشره وإكتشاف خزائنه والتنقيب عن كنوزه. وسكّة التطور تحرث حقول المعرفة والإختبار وتستغلّها وتُجوِّد البذار والشتول لإعادة زرعها وإنتاج جيل يتفوّق على ما سبقه ويمهّد السبيل للإرتقاء نحو الأفضل. لكنّ نجاح هذه الجهود المطّردة يتطلّب تنشيطاً وتحفيزاً وصقلاً متواصلاً لطاقات الدماغ البشري. فالبلادة الذهنيّة والعقم الفكري والتقلّص الثقافي والتكلّس العقلي يُميت خلايا الدماغ ويُغوِّرها في سبات موت سريري. أمّا التحريض الغرائزي فيحاصر الفكر ويسدّ مجاري اليقين ويعطّل العقل ويهشّم الفهم ويلهب النزعة البهيميّة. الإنسياق الغرّار وراء مشعوذين "يضربون المندل" ويحقنون سمّ الحقد في دسم القداسة المزيّفة، يورّط في التخلّف والتناحر وإرتكاب جرائم فظيعة. السيول المتدفّقة من حمولة الربيع العربي تسرّب إليها وركبها بعض المشعوذين الذين يفسدون وعودها. العالم المتحضّر يترصّد هذه الأخطار فيما يدعم بحذر الإنتفاضات الشعبيّة على أنظمة الطغيان والفساد للتأكّد من عدم إنحرافها نحو طغيان خطير يدّعي الإنصياع للإرادة الإلهيّة وتنفيذ أوامرها وبسط ملكها على الأرض معتبراً معترضيه كفّاراً يحلّل سحلهم. المتبصّر يدرك أنّ التصميم الإلهي يحتضن كلّ البشر ويهدف إلى تهذيب السلوك الإنساني وإشاعة الإنسجام والوئام والتحابب والتعاضد بين الأفراد والجماعات على إختلاف أعراقهم وثقافاتهم وعاداتهم ولم يقصد أن تعطيه كلّ جماعة وصفاً وتفسيراً حصريين يجعلها "خاصّته" ويرذل ما عداها. الصدامات ناشئة من تناقض تيارات الحداثة الحضاريّة وتلك "المدفونة" في "مقابر" البداوة المحفورة بكلمات ملتبسة التفسير أو خاطئة التعليل يُفرَض الإلتزام بها دون نقاش. "فرسان الجاهليّة يمتطون صهوات جيادهم" مُستنفَرين لشنّ هجماتهم على مناوئيهم من "قبائل" أخرى ومن المعاصرين مقترضين من صناعة العصر سلاحها وبعض تقنيّاتها لا فكرها وروحها. بدل التمثّل بعظماء التاريخ مفكّرين وفلاسفة وعلماء والمشاركة الإيجابيّة في النهضة الكونيّة إغناءً وتطويراً تتحنّط عقول المتخلّفين كمومياءات راقدة في دهاليز التاريخ تشرئبّ منها لمقاومة التغيير وتجميد زخم التقدّم. الأنظمة العسكريّة الإستبداديّة المتدثّرة بالشعارات القوميّة والعقائديّة رغم محاربتها لأصحاب النزعات التكفيريّة أسهمت بجورها وفسادها بتمهيد فرص إستغلال هؤلاء سيّئاتها لترويج "بضاعتهم" مدّعين أنّهم المنقذون. لكنّ أنظمة أخرى ثيوقراطيّة وسلاليّة تتنافس فيما بينها بشراسة وتحاول حماية بناها بإبعاد كأس التحوّل الديمقراطي وتداول السلطة إمّا بإستعداء الدول الكبرى او إستجدائها و"تنفيعها" ومنحها إمتيازات من ناحية وتبنّي الإنتفاضات الشعبيّة من ناحية أخرى مؤمّنة، عن تصميم مسبق أو سوء تقدير، التغطية لعُصب متزمّتة إرتدّت عليها أوسترتدّ لاحقاً للإطاحة بها وإستبدالها بما هو أسوأ. الحكمة تقتضي تفادي أخطاء بالغة السوء أرتكبت سابقاً والمبادرة إلى إلتزام وحماية مبادئ حقوق الإنسان نصّاً وروحاً وثقافة وتنفيذاً وعدم التهاون مع منتهكيها ومنع هؤلاء من التسرّب إلى الصروح الحضاريّة لتخريبها ومنها صيغة لبنان الإنسانية السامية التي جعلته قبلة الأنظار وموئل حرّية لاحرار الشرق لكن وللأسف هدفاً لمتطرّفيه الذين لا يطيقون سعة الفكر والإنفتاح والأراء الحرّة. مطلوب من أحرار لبنان وعشّاق صيغته بذل كل جهد وتضحية مهما غلت للتشبّث بأرضه وحماية نظامه ونسق عيشه المثالي. يكفي الإصغاء إلى نداءات الشهداء الأبرار الدائمة التردّد في وجداننا والمحفورة على مدى تقويمنا الزمني لنعي ضخامة التضحيات المبذولة لصيانته. إذا قُيّض للجهل أن ينجح في إفساد الحياة في لبنان فليدرك العالم أن مجتمعاتهم تتعرّض لهجمات مماثلة. لذا سلامة لبنان من سلامة مجتعات كلّ الدول بل المجتمع البشري الشامل. حريّ بلبنان أن يُعلن محميّة تراث عالمي وليتقاطب أحرار الدنيا لصدّ التعدّيات عليه! *أكاديمي مواظب الإضطلاع وتفحّص الشؤون اللبنانيّة

Compassion, accurate discernment, judicious opinion, support for freedom, justice and Human Rights.

21.10.12

رصيد الوطن: فداء الشهداء ووفاء الأحياء

المهندس حميد عواد* عندما تعقد قوى شرّيرة متقنة التنظيم والتدريب والتجهيز عزمها الشرس على الهيمنة عبر الترهيب والتخريب وبخّ السموم في الأجواء وزهق الأرواح، يعصى عليها إختراق مجتمع وثيق التضامن فيما يسهل عليها الفتك بالمفكّك أوالضعيف المناعة والمحدود الإمكانات . ظروف قاهرة وتعجيزيّة ومأساويّة طوّقت لبنان وأنتهكت حرماته ونكبت أهله وشتّتتهم وإختلست ولاء فصائل منه جُعلت مطيّة لسيطرة الطامعين فيه ومعيقاً لجهود أحراره المبذولة لإنهاض مؤسّسات الدولة وتمتين سلطاتها، فهان إستهداف قياداته السياديّة بسلسلة إغتيالات شنيعة. بعد "إنبثاق" "تعليق" موّقت للنشاط الإجرامي إثر عقد إتّفاق الدوحة (21 أيّار 2008) دام حتّى تفاقم العقوبات الدوليّة وإحتدام الأزّمات الداخليّة على أُقنومي (أو إقليمي وسط وطرف) الهلال المذهبي الموشّح، إلتهب مجدّداً الشبق لتصفية الأُباة العاصين على طغيانهما داخل بلديهما وفي لبنان. في إيران حصار للمعارضة لإخراسها وفي سوريا تخبّط في قمع دموي لثورة الشعب، أمّا في لبنان فأستهداف متجدّد لأركان ثورة الأرز وقادة بارزين من مؤسّسات الدولة. تمهيداً للقتل تواتر التهديد والوعيد وشاعت في وسائل الإعلام أسماء المرشّحين للإغتيال من شخصيّات أمنيّة (ريفي والحسن) وسياسيّة(الحريري، السنيورة، جعجع، زهرا، سامي الجميّل،حرب) ممّا دفعهم لإتخاذ تدابير إحترازيّة فآثر رئيس الوزراء السابق سعد الحريري البقاء خارج لبنان. وإستُهدفت هذه الشخصيّات بوابل من خطابات التهجّم والتخوين الصادرة عن أقطاب المحور الإيراني-السوري والأجرام التي تدور في فلكه. تمخّضت هذه التهديدات عن محاولتي إغتيال للدكتور سمير جعجع والنائب بطرس حرب باءتا بالفشل. لكن فشل هاتين المحاولتين لم يلجم زخم الهجمة الهمجيّة. بل إنّ إعتقال فرع المعلومات لمستشار الرئاسة السوريّة ميشال سماحة، متلبّساً بنقله "حمولة" أُفيد أنّها متفجّرات "تسلّمها" في دمشق، زادها إتّقاداً وإحتداماً لتتفجّر في سيّارة مفخّخة قضت على رئيس هذا الجهاز العميد وسام الحسن ومرافقه وسبعة أشخاص وأوقعت مئة جريح وخلّفت الكثير من الدمار. إزاء هذا الإعتداء الأثيم، الذي أزهق نفوساً عزيزة وسبّب خسارة وطنيّة كبرى، نشارك أهالي الشهداء والمصابين مشاعر الأسى والمرارة والغضب آملين أن يبلسم تعاطف اللبنانيّين الجراح ويسكب العزاء في القلوب الثكلى كما نتمنّى للجرحى الشفاء العاجل. كلّ من عرف الشهيد العميد وسام الحسن يشيد بمناقبيّته ودماثة أخلاقه وحدّة ذكائه وتفانيه في تأدية واجباته كرئيس لفرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي. كما أنّ الإنجازات التي حقّقها تشهد له بكفاءاته وحنكته وبراعته. إنّ إكتشاف المجرمين موعد عودته من السفر المفترض إحاطتها بالسريّة وتقصّيهم تنقّلاته، تثبت أنّ عيونهم حاضرة في خبايا المطار وفي ذاكرة حواسيب الرحلات إذا إفترضنا أنّه عاد عبره كما أنّها متخفّية في ثنايا تحرّكاته ومسترقة السمع على أثير إتّصلاته. وهذه عمليّة مخابراتيّة متطوّرة تتطلّب الكثير من التخطيط والتجهيز والتنسيق بين عدّة أطراف متغلغلة في مرافق الوطن ومعروف من يملك هذه الإمكانيّات والنفوذ الضروري لتطبيقها. هذا الواقع الشاذ ينكأ جراحنا ويذكّرنا أنّ المطار مطوّق بمعقل فريق مسلّح "ذاتيّ النفوذ" ومتخفٍّ في داخله يحتلّه غبّ مشيئة قيادته وينفّذ أوامرها. منشآته وتجهيزاته وطائراته وطواقمه ومسافريه رهائن دائمين لديه. لقد أستعرض في السابق "مناورة" مرئيّة (تنبئنا عن الخفيّة منها) أحضر خلالها شخصيّة أمنيّة سابقة من الطائرة إلى صالون الشرف وواكبه إلى منزله مؤمّناً له الحصانة من إستدعاء قضائيّ. لذا ضمانة لأمن المسافرين لا بدّ من تشغيل مطار القليعات وإعادة إطلاق الخطوط البحريّة بين لبنان وقبرص وحتّى داخل لبنان بين مدنه الساحليّة لتسهيل تنقّل أهله وحلّ مشاكل إزدحام السير. لقد أنهك اللبنانيين توالد المصاعب والمخاطر وتناسخ أشباح الإجرام، فإضطرّوا ودُفعوا للخروج من ديارهم بحثاً عن ملاذ آمن ولقمة عيش. وطفح كيلهم من تعصّب وشذوذ وتهوّر أصحاب الدعوات والعقائد العدائيّة المتطرّفة، ومن إستئثار فريق بالقرار الوطني بقوّة وتهويل سلاحه رافضاً الإنضواء في كنف سلطة الدولة الجامعة والحاضنة كلّ أبنائها. فيما ثابر على السعي بكلّ طاقاته لإحكام قبضته على كلّ السلطات وتوسيع رقعة إنتشاره وطغيانه على غيره لتهميشه وصولاً إلى بسط السلطان المطلق لمرشد بايعه الطاعة العمياء. السعي الصادق للشراكة المنصفة في الحقوق والواجبات ينتج عن إنتماء أصيل ووفيّ وراسخ إلى وطن يصون تنوعّه ويسوس ابناءه بحدب وعدل إستناداً إلى دستور وأحكام نظام ديمقراطي يحفّز طاقاتهم وينشّط مبادراتهم وينظّم علاقاتهم. المواطن الصالح يجيّر فوائد علاقاته الخارجيّة لخدمة وطنه ولا يقيّده بإرتباطاته الخاصّة ويسخّره لمصالح هجينة على حساب حريّة وكرامة وسلامة وعافية بقيّة مواطنيه. حماية الوطن تتطلّب تضافر جهود المؤمنين به وتعزيز قواه الأمنيّة والعسكريّة الرسميّة المولجة بهذه المهمّة من تكليف شعبه. وكلّ من يرغب في التمرّس بهذه الحماية عليه الإنخراط أو التدرّب في مؤسّساته العسكرية ويكون الجميع جاهزاً للدفاع عنه وقت الملمّات وعندما يستدعيه واجب الدفاع عن وطنه. إنتزاع العميد وسام الحسن إغتيالاً يخلع حجراً أساسيّاً من عقد البنيان الأمني الحامي للوطن ويذكّرنا بخسائر وضربات سُدّدت سابقاً إلى هذا البنيان العريق فقدنا خلالها الشهداء العقيد فرنسوا الحاج والرائد وسام عيد والنقيب سامر حنّا دون أن ننسى محاولة إغتيال الرائد سمير شحاده. نوجّه تحيّة إجلال وتقدير وإكبار لكلّ شهداء الوطن، عسكريين ومدنيين، قياداتٍ وأفراداً، ونعاهدهم على مواصلة الجهود لحماية الوطن والحفاظ على صيغته الحضاريّة وإحباط خطط تشويهها. أكاديمي مواظب الإضطلاع على الشؤون اللبنانيّة* Discernment, percipience, compassion, support for freedom, justice and Human Rights. http://hamidaouad.blogspot.com/

17.9.12

An uplifting inspiration in every Apostolic Exhortation

Lebanon is designed as a safe haven to nurture a dynamic, resourceful, creative and faithful people. Its biblical land of enduring, tenacious and imperishable cedars became a cradle for a bliss nascent from the "cross-pollination" of myriad civilizations. The harmony and coherence of peaceful and collaborative coexistence in this earthly heaven survived many clashes stemming from the influence of atrocious intrusions of conflicting political, dogmatic and confessional bigotry and "exorcism". Regrettably, the vicious crimes committed by mobs of maniacs whose brains were loaded and saturated with hatred and aggressive beliefs are terrorizing the targeted groups and pushing the survivors to reluctantly leave their homeland and seek safe refuge abroad. Among those Christians were the most vulnerable victims who under constant duress and despair were displaced or moved out of their land. The Christians in Lebanon, whose demography and geography are shrinking, are regarded as the backbone of those living in the middle-East. Christians of Lebanon are a pillar of its foundation and an active and indispensable component of its social fabric. Without Christians Lebanon loses its "raison d'être" (reason of existence), its luster, role and humanistic vocation. That is why Pope John Paul II and his successor Pope Benedict XVI summoned the bishops of the oriental churches to convene in two synods to discuss how to cope with hardships and challenges the Christians and their churches are facing in the Middle-East. The outcome of each synod was redacted and issued in a Post-Synodal Apostolic Exhortation of the Special Assembly for the Middle East ( "New hope for Lebanon" by Pope John Paul II and "Ecclesia in Medio Oriente" by Pope Benedict XVI) signed during a ceremony in the Basilica of St Paul, Harissa, by each Pope during a visit to Lebanon ( Pope John Paul II on May 10-11, 1997; Pope Benedict XVI on 14-16 Sep. 2012), to give righteous counsel about strengthening faith, adhering to the church teaching, supporting justice, respecting human dignity and fostering brotherly relationship with fellow citizens. His Holiness Pope Benedict XVI framed the Exhortation with "the light of this Feast of the Exaltation of the Cross" which raises the specter of the Paschal Mystery and transforms "our sufferings into a declaration of love for God and mercy for our neighbour". He also urged the faithfuls to "stand firm in truth and in purity of faith", cling to hope, dwell in their homeland and maintain the role of peace makers and earnest advocates of mutual concord. His meeting with religious leaders from other denominations highlights the call for a communion of tolerance, respect, reciprocal entente and collaboration. "The Exhortation shows openness to authentic interreligious dialogue based on faith in the one God, the Creator." Each Exhortation propagates an encouraging and soothing message that transcend local population to become universally welcomed, pondered, observed and cherished not only by Lebanese and middle eastern people but by every human being. Every country is moving, at varied pace, on the same path that Lebanon evolves on. Therefore the success of the Lebanese life journey is in the interest of every country because its own is eventually destined to the same fate. HAMID AOUAD Discernment, percipience, compassion, support for freedom, justice and Human Rights. http://hamidaouad.blogspot.com/

22.8.12

الجور ساقط في الهاوية فلِنَحْتَم ِ من إرتجاجات إرتطامه بالقعر

المهندس حميد عوّاد* كثير من الناس، بدافع الترف وكسراً للرتابة أو خرقاً للمألوف وخروجاً من الواقع توثّباً إلى مراتب الشعور بالتفوّق وضخّاً لحيويّة منعشة تنشّط المشاعر، ينشدون الإثارة حتّى عبر خوض مغامرات خطرة تشحن أحاسيسهم بزخّات من الفوران. مارس لبنانيّون طوعاً وإستمتاعاً هذه الهواية في حقبات الإسترخاء والبحبوحة والسلام، لكن ما إن كرّت حملات دكّ أسس الكيان الوطني لمحوه وشرخ "أعضائه الحيويّة" وتفريغه من "ذخائره المميّزة" حتّى تلاشى الرغد وتعطّلت مقوّمات الحياة وتشنّجت الأعصاب وساد الرعب وعمّ الدمار. رغم لمّ الشتات وعقد العزم على النهوض بخطط توافق معظم اللبنانيّين على إنجازها وإنجاحها ضمن ورشة ترميم وتحديث الدولة وإعمار المدن والأرياف وإنعاش وتحفيز الإقتصاد، ثابر "قياصرة" النظامين السوري والإيراني، طبقاً لمخطّط الهيمنة الكلّية على لبنان، على إعاقة جهود التعافي وإختطاف السلطات بالسطو المباشر - يوم حوّل النظام السوري لبنان ثكنةً وغنيمة لعسكره - وبالواسطة - بعد سحب جيشه مكرهاً بضغط قرار دوليّ وعصف نقمة ضاهت دوي إغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي تلبّس إرتكابه - عبر التحكّم بأذرع ومنظومة عسكريّة مكتملة الأجهزة مرتبطة عضوياً به وبحليفه النظام الإيراني شقّت سبل هيمنتها على العديد من مؤسّسات الدولة. بعد طول إعتداد برسوخه إهتزّ النظام السوري ووقع في الحفرة التي حفرها لوأد أخصامه وحصد عواصف أحقادهم بعد زرعه زئير إحتقارهم. إذ إستعدى شرائح من شعبه لشدّة بطشه وظلمه وإنتهاكه للحقوق الإنسانيّة ولم يأبه لمطالب الإصلاح وموجبات الشراكة ظانّاً أنّ التنكيل كفيل بالتطويع وأنّ قوتّه العسكريّة ومتانة تحالفه مع إيران والإتّكاء على الدعم الروسي تضمن ديمومته وتناسله إلى ما لا نهاية. لكنّ الشعب السوري ثار على جور حكّامه وكانت ثورته تظاهرات سلميّة في البداية وتدرّجت في مواجهة القمع الدموي نحو صدامات مسلّحة عمّقت الجراح وبلغت مستوى مأساوياً تضاءلت معه فرص الحلول السلميّة. غاب عن بال حكّام سوريا أن مهمّة عسكرهم المركزيّة هي حماية الشعب وليس ركوبه مطيّة وإستخدامه أداةً لإذلال وتطويع أهله. كما فاتهم انّ القوى العسكرية تتضاعف فعاليّتها في التصدّي لعدوان خارجي متى سُندت بدعم جبهة داخليّة متآلفة ومتراصّة يجمع بين مكوّنات شعبها عقيدة وطنيّة راسخة نابعة من قناعة وحدة الحال والمصلحة والمصير التي تجعل الإنتماء للوطن أسمى مراتب الإنتماء والإفتخار. الواضح أنّهم لم يتوبوا عن ممارسة العنف فالمجازر ما زالت جارية دماؤها في قلب سوريا ويطمحون إلى إستجرارها لداخل لبنان بإفتعال صدامات وأعمال خطف وتفجيرات تدفع سرايا حليفهم الثوريّة في لبنان إلى تعويض خسارة سوريا بإجتياح لبنان! وما "الهدايا" التي حمّلوها لمستشار الرئاسة السوريّة، المُثقل الضمير، لتفجّر "محبّتهم" "شمالاً" في مناطق لجوء النازحين السوريّين إلاّ مثالٌ جديد يضاف إلى سابقاته على "تأصّل" غريزة القتل في طباعهم التي تطيح بجدوى كلّ "إتفاق" عُقد معهم وتثبت عقم التعاطي معهم وبهتان "الودّ" الذي يكنّونه لشعبي لبنان وسوريا. إنّ الأعمال الإجراميّة مدانة وتستوجب إحالتها إلى القضاء المختصّ الوطني أو الدوليّ. إرتكاب جرم من فريق لا يبرّر الردّ بإرتكاب جرم شنيع من الغريم مع إصدار شهادة براءة ذمّة. وتيرة الإنشقاقات تتسارع لتزيد في تآكل النظام، وقوّته العسكريّة الضاربة تنخرها أسلحة متطورة يحصل عليها "الجيش السوري الحرّ" ويقرضها توسيع رقعة المواجهات وتصعيد حدّة الإشتباكات. لكنّ طغيان الصدامات العسكرية على مشهد الصراع في سوريا يغيّب للأسف ممثّلي التيّارات الليبراليّة والعلمانيّة مستقلّة أويساريّة ويفسح المجال لتسرّب عناصرتكفيريّة إرهابيّة تسيء إلى مصداقيّة ومسار الثورة. من هنا تمارس الدول الداعمة لإنتفاضة الشعب السوري مواكبة حذرة للحضّ على تفادي الشطط والتأكيد على الرسوّ على صيغة حكم ديمقراطي يؤمّن مشاركةً فعّالة ومنصفة لكلّ شرائح المجتمع السوري المتنوّع. لقد برم العالم من أوكار الإرهاب ومن البيئات الخصبة المحفّزة لنشوئه على أساس من التعصّب ل"مدرسة" أو مذهب يلقّن كلّ منها "طلاّبه" أو أتباعه نصوصاً يُحرّف تفسيرها بتصلّب ويشحنهم بالحقد والكراهية وتكفير الخارجين عن نهجهم لدرجة جواز زهق أرواحهم. وهذه الوصمة يدمغ بها خطأً وظلماً ويحمل وزرها كلّ من أشار نسبه إلى مسمّى مشترك مع هذه الفئة الضالّة. وبفعل "تعثّر هضم" الجاحدين بحسن إستضافتهم وإحتضانهم في المجتمعات الغربيّة وتحت تأثير إرتكاب الأعمال الإرهابيّة في أفغانستان و باكستان و نيجيريا وغيرها بدأت تبرز ظواهر إجراميّة مقلقة تستهدف أقلّيات متحدّرة من المهاجرين في أوروبا (أندرس برافيك في النروج) وأميركا (وِيد مايكل-مطلق النار على المصلّين في معبد السيخ قرب ميلووكي). إنّ الشحن المذهبي والطائفي عواقبه خطيرة وضحاياه كثيرة. على المرجعيّات الدينيّة الموثّرة إتّخاذ التدابير الآيلة إلى تبريد الغليان وتنفيس الإحتقانات وإحتواء التفجّرات وإجتراح الحلول الشافية من هكذا لوثات وإعادة تأهيل المضلّلين وإعداد مرشدين حكماء يدينون التطرّف ويبشّرون بالتسامح والتآلف والإنفتاح والمحبّة. الفرز المذهبي يتفشّى في الشرق الأوسط وآسيا منسلّا من تفاقم الصراع على السلطة الدينيّة والسياسيّة بين قطبي إيران ودول الخليج ويرخي بظلّه على الصراع في سوريا وعلى التجاذب السياسي في لبنان. كما يحتدم الإحتقان والتهديد بالحرب والتحضّر لها بين إسرائيل وإيران مع ظهيرها في لبنان على خلفيّة التوجّس من التخصيب النووّي الإيراني وتحيّن الفرص للأخذ بالثأر والتأكّد من محدوديّة الخسائر في الجانب المبادر في مقابل إصابة الأهداف وإنزال أذىً جسيم في جبهة الخصم . الأجواء الملبّدة هذه والضاغطة بثقلها على اللبنانيّين تستلزم ترويض غرائز الإستقواء وكبت جموح الهيمنة، وتطهير النوايا والتفكير مليّاً بالمصلحة الوطنية الجامعة لإيلائها الأهميّة الفضلى وإنتظام السلوك في السياق القانوني والتحلّي بأقصى درجات الحكمة وحسن التدبير وضبط الإستفزازات والإنفعالات وغسل القلوب وتحكيم الضمائر. هذه المبادئ الهادية ليست يتيمة، فأهلها كثر في لبنان بينهم شخصيّات ميمونة النّقيبة تتنكّب مسؤوليّات جسام في مؤسسات الدولة ومنهم قادة رأي محترمون وفرسان سياسة ومفكرون وعلماء ورجال دين أجلاّء ومنظّمات المجتمع المدني. فهلمّوا وتقاطبوا أيّها الحكماء وإنطقوا كلمة الحق وسدّدوا الخطى وقودوا المسيرة نحو الأمان والخلاص! أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانيّة* Discernment, percipience, compassion, support for freedom, justice and Human Rights.

14.7.12

النخبة المنقذة

المهندس حميد عواد* رغم إزدياد الكوارث قسوة وإشتداد الأزمات حدّة وتفاقم النزاعات شراسة لتنصبّ كلّها بعنف على العالم منغّصةً حياة بلايين البشر ومحكمةً الخناق على أعناقهم معتصرةً منهم المعاناة والأوجاع والبؤس واليأس، كثيرون منهم يعضّون على جراحهم ليترقّبوا بأمل وتفاؤل وثقة بزوغ أنوار الخيور تنبسق من وجدانهم وتنبعث من شُهُبِ البسمات الطّيّبة والإرادات التّوّاقة والضمائر المتّقدة والمواهب المتألّقة. قلّما هنئ عيش اللبنانيّين في العقود الأربعة المنصرمة، فالقصف بوابل صواعق الأطماع الأقليميّة إنصبّ عليهم ليفسّخ إيمانهم ويمسّخ هويّتهم ويوسّخ ولاءهم ويرسّخ نفورهم. وتحت وطأة هذه الضغوط إنفرز عنهم المنجذبون بعصب قبليّ جعلهم يتخلّون عن لغتهم الأصليّة وشراكتهم التراثيّة ويتنكّرون لإستقلال وفرادة موطنهم. وباتوا يتكلّمون لغة غير مفهومة ويجدعون أغصان الأرز ويشذّبون بل يستأصلون رصائع لبنان ويتوغّلون في إبتلاعه وتلقيمه وجبة سائغة تسهم في إشباع نهم زعيمهم المفدّى. رغم هذه الهجمات الهمجيّة الشرسة الهادفة إلى عكس مسيرة التطوّر بإتجاه عصور البداوة ينتصب اللبنانيّيون الأصلاء لصدّ جماح فرسان الجاهليّة وحصر أذاهم وتبريد هيجانهم وإيقاظهم من نشوة سكرهم وعربدتهم. يتعاون الحرصاء على حماية روعة لبنان طبيعةً وطابعاً وطبعاً ورونق حياة وبهاء معشر في ظلّ فيء غصون الأرز الوارفة على مدى المعمورة ليحفّزوا الهمم وينعشوا الإقتصاد وينهضوا المؤسّسات ويمتّنوا دعائمها ويرشّدوا إدارتها ويعزّزوا سلطات الدولة لتسود بتحويل نصوص الدستور والقانون قوّة نافذة لا يطغى عليها جبروت كيانات لقيطة منزلة من الخارج. هؤلاء الأبرار يرعون النفوس اليانعة وينفحون فيها الثقة والطموح ومحبّة الوطن والأرض ويطمئنونهم أنّ تحالف قوى الخير داخل الوطن عازم على تكريم نبوغهم ونجاحهم وعطائهم وتخليد منجزاتهم وقادر على إستنساخ جينات أمين معلوف وكارلوس غصن وشارل العشّي وكارلوس سليم وفيليب سالم وسواهم من الأغصان الغضّة المنبثقة من أرز لبنان. إنتشال لبنان، من الورطات التي جرّه إليها المرتبطون بمرجعيّات طامعة بإستتباعه، مرهون بتقاطب أبنائه البررة والأباة المتشبّثين بصون عزّة وكرامة وسيادة حقوق أهلهم في كنف نظامه الديمقراطي الضّامن حريّات مواطنيه وحقوقهم وأمنهم ونموّ طاقاتهم وسبل كسب عيش كريم. هذه المهمّة تعيقها تحدّيات خارجة عن إرادتهم. وسط إحتدام تجاذبات الصراع في سوريا وتشعّبه الإقليميّ والدوليّ تتثاقل حركة إنسياب سلطات الدولة اللبنانيّة ومبادرات المجتمع المدنيّ. هول الإقتتال الداخلي وعمق الجراح وسعة الإنشقاقات تفرض مثابرة حثيثة لإبتداع حلّ ينقذ الأرواح ويمهد الدرب لإقامة نظام ديمقراطيّ يوفّر الحقوق المدنيّة لسائر الشعب السوريّ ويؤمّن العدالة ويوصل الرأي والقرار. النأي عن التورّط في النزاع العسكريّ لا يعني التلكّؤ عن دعم حقّ الشعب السوريّ في تعديل النظام لفكّ القبضّة الفولاذيّة عن خناقه وكسر إحتكار طغمة تحكّمت بأزمّة السلطة وأمسكت بالإمتيازات الإقتصاديّة ورفضت الإنفتاح والإصلاح وأهدرت فرص إشراك القوى الشعبيّة في أنصبة الحكم لخوفها من إنزلاق أزمّة القيادة من أياديها. زجّ لبنان في الصراعات الإقليميّة كان دائماً البوّابة للتسلّل إليه وإختراقه ومحاولة تفكيكه وإضعافه وتهميشه وتهشيمه. حصيلة التصدّي لحملات إخضاع العصيان على الطغيان أحصت آلاف الشهداء إفتدوا بأرواحهم حريّة وكرامة أهلهم وسيادة وطنهم. منهم من سقط في ساحة الوغى ومنهم من كمنت له خارجها أيادي المجرمين وغدرت به إغتيالاً. لقد إمتدّت بالأمس هذه الأيادي الآثمة لتنال من قطب سيادي متمرّس في ميدان السياسة تحت قبّة البرلمان وفي مناصب وزاريّة هو النائب بطرس حرب. لكنّ العناية الإلهيّة أفشلت المحاولة وفضحت وجوهاً من مرتكبيها فيما محاولة إغتيال الدكتور سمير جعجع ما زالت ماثلة في الأذهان. الراغبون في خلاص لبنان من دوّامة الأطماع يزدادون قناعة بتحييده عن تلاطم مصالح الدول التي تجعله حجر الرحى لحروب طاحنة. أمّا المنخرطون عضويّاً في كيانات دول أخرى فهم يضطلعون بمهمّة طليعة جيوشها ويضعون أنفسهم غبّ طلب مجنِّديهم. لبنان كنز ثمين متنوّع العروق كالرخام زاهي الألوان تنصبّ عليه أنظار أنصار أحاديّة اللون المتبرّمين من تنوّعه يتحرّون الفرص ويتحرّقون لإلغاء المختلف عنهم. حماية هذا الميراث من القرض والإنكباب على إغنائه يتطلّب حشد طاقات كلّ حرّاسه وصائغي جواهره فلا يتخلّفنّ أحدكم عن هذه المهمّة السامية والمصيريّة! *أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانيّة Discernment, percipience, compassion, support for freedom, justice and Human Rights.

11.6.12

غاب جسده تاركاً إرثاً دائم الحضور والتوقّد

الأدوار التي يلعبها الإنسان خلال حياته والمنجزات التي يحقّقها هي التي تَنْحَتُ وتقولب معالم شخصيّته وتطبعها في أذهان المتأثرين بنشاطه. غسّان التويني تنكّب، بفكره المتوثّب الزاخر بكفاءات ومهارات عالية وحكمة ثاقبة وجرأة واثقة وعناية فائقة ودقّة متناهية، أدواراً محوريّة ورياديّة في الحياة الوطنيّة الدائمة الإضطرام على الصعد التثقيفيّة والإعلاميّة والسياسيّة والدبلوماسيّة. إنجازاته مدوّنة في محاضر المجالس النيابيّة والوزاريّة والمحافل الأمميّة وفي أروقة جريدة "النهار" منارة الشرق ومنبر الرأي الحرّ المسؤول كما هي مخزونة ذخراً في وجدان الذين إقتدوا به وتعلّموا منه. تحمّل كجبّار طعنات موت زوجته ناديا وأبنته نايلة وإبنه مكرم وإستشهاد فقيد "ثورة الأرز" جبران وبحلم الكبار غفر ورذل الثأر. كوكبة أهل القلم التي هبّت لتعبّر عن عميق تقديرها لمزايا شخصيّته الفذّة وعن حنين إفتقادها لصورته الحيّة هي عيّنة مصغّرة لكن بليغة عن مدى توغّل فكره. هذه المحبّة العارمة هي وسام رفيع يضاف إلى وسام "جوقة الشرف" الذي قلّده إيّاه "كلبناني كبير" الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك قبل يوم من عودة جبران إلى لبنان حيث تنغّصت الفرحة بإغتياله في الصباح التالي، و"وسام الأرز بوشاحه الأكبر" الذي منحه إيّاه فخامة رئيس الجمهوريّة ميشال سليمان ممثّلاً بدولة رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي خلال مراسم الجنازة. تكريم أهل الأرض لنبوغ وعطاءات عميد النهضة الفكريّة،غسّان التويني، يُستكمل بتكريم علوّي لدى أبينا السماوي. حميد عواد

1.6.12

شراء أرض أم خطّة منهجيّة لتصفية الوطن ؟


فُتح بابٌ مشرّعاً على مصراعيه لبيع الوطن يوم رُفِعت نسبة تملّك الأجانب في لبنان فيما اللبنانيّون ما زالوا في فترة نقاهة منهكين ومعوزين ومعزولين عن أملاكهم. المال الموّجه يغزو أراض، في زمن سلم نسبي، عجزت عن إقتطاعها الحملات العسكريّة. الإغراءات الماديّة لا تصرف الإنتباه عن التشبّث "بوضع اليدّ" وإنتهاكات التزوير. تحت وطأة الأوضاع غير المستقرّة المستحكمة بالوطن، لا تنطبق قاعدة العرض والطلب لتبرّر هذا الإقتحام الشرس والشره لشراء الأرض الهادف إلى نزع الإنتماء والهويّة مع خلع الملكيّة. منذ أكثر من خمسة عشر سنة طرحت على مرجع إقتراحاً لتأليف صندوق مالي لشراء أراضي المحتاجين إلى المال وتبلور هذا المشروع من خلال الرابطة المارونيّة، لكن الطامة الكبرى تكمن في شهيّة غير المحتاجين المهجوسين بثرواتهم والذين يعتبرون أراضي الوطن سلعة عاديّة مجرّدة من التراث المتجذّر فيها. الصيّاد الخبيث يرمي طعماً سميناً على معلاق صنّارته ليجرّ السمكة النهمة للإلتهام خارج مائها الحيوي لتموت، فيتشارك الإثنان في الجرم. كلّ لبناني أصيل يرفض مؤامرة محو صيغة لبنان الحضاريّة بتصفية مكوّن أساسي من فسيفسائه الأنساني. المهندس حميد عواد أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانيّة Discernment, percipience, compassion, support for freedom, justice and Human Rights.

15.5.12

ما أحلى الرجوع إليه!

أرفع تحيّاتي الحارّة لأعبّر عن تقديري العميق للأمّهات الفاضلات اللواتي نجتمع اليوم لتكريم أدوارهنّ وتضحياتهنّ المحوريّة في بناء العائلة والمجتمع والوطن.
كما أشكر معدّي هذا اللقاء الطيّب بدءاً من الإستاذة غادة صدقة رئيسة فرع تورنتو للجامعة اللبنانيّة الثقافيّة في العالم مروراً بالصديق إيلي جدعون وزوجته ريتا وصولاً إلى كلّ مسؤوليه وأعضائه الباذلين نشاطاً حثيثاً لخدمة جاليتنا.
لقد تكرّموا اليوم بإهدائنا بهجة هذا الإحتفال بعد أن أتحفونا البارحة بلقاء "العودة إلى الجذور" الناجح الذي عُقد بالتنسيق مع المؤسسة المارونيّة للإنتشار والذي غطّته مؤسستا MTV و LBC ال.
كما أنتهز هذه الفرصة لأهنّئ الصديق الأستاذ الياس كسّاب على إنتخابه نائباً لرئيس الجامعة وعلى إنخراطه الدائم في كلّ أوجه مهامّ هذه المؤسسة العريقة.
وأشكر الصديق الأستاذ كميل بحرصافي الذي نطق بلسان كلّ الأصدقاء فيضاً من المحبّة والتقدير والكياسة.
إخوتي الأعزّاء، شاء أحبّائي حَمَلة مشاعل الجامعة أنّ ينوّهوا بدوري الإعلاميّ في إشراك إخوتنا، حيثما حلّوا، بتفاعلي المرهف مع مخاض لبناننا الحبيب وإستنهاضي لأريحيّتهم الوطنيّة وتحفيزي لهِمَمهم لزيادة دعمه، وأنا ممنون لهذه البادرة النبيلة والطيّبة.
لقد إنخرطنا في شؤون وشجون أهلنا في الوطن وما برح يساورنا القلق بشأن التعثّر الحاصل نحن التوّاقين أبداً إلى العودة إلى ربوعه.
إنّنا أمِلنا وهَمَمْنا في الإرتماء في أحضانه خلال محطّات متعدّدة، لكنّ جنوح الأوضاع فيه عكس مشتهانا تكراراً خيّب آمالنا بل صدمنا.
ورغم ذلك ما زال الحنين يضنينا فنثابر على المساهمة في تسديد المسار وتمهيد سبل الإياب إلى فيء أرز لبنان الضارب جذوره ليس فقط في أرضه بل في قلوبنا.
لا غرابة إذن أن يدمن غالبيّتنا على تتبّع أخباره بشغف.
ولا منّة على تخصيصنا قسطاً وافراً من إيراداتنا لإنتشال أهلنا من الضّيق وتحصينهم من تسرّب اليأس إلى نفوسهم وتوفير الدعم لصمودهم وثباتهم في أراضيهم ومقاومتهم إغراءات وضغوط بيعها.
ولا تغاوٍ في تجييّرنا روافدَ من نفوذنا داخل أروقة السلطة في دول إقامتنا لدعم نهوض الدولة في أرض جذورنا.
كلّما ناءت ظروف قاهرة بثقلها على صدور أهلنا وكبّلت مؤسسات الدولة، هبّوا وتصدّوا لضغوطها الجائرة وإنتفضوا وقاوموها، ولاقيناهم نحن في ديار الإغتراب ضمن بوتقة الجامعة الثقافيّة وضمن أُطُرٍ أخرى مستنفرين طاقاتنا لنجدتهم.
فمدّيناهم بالدعم الحيويّ لإنتشال الوطن من براثن وحوش مفترسة تناوبت في الإنقضاض عليه من كمائنها ومرابضها ناشبةً من كلّ حدب وصوب لفرض هيمنة هجينة.
نحن، المغتربين، جناح طليق الحركة وقوّي ومرن، نرفد جناح أهلنا الصامدين لنحلّق سويّة بالوطن في أجواء الحريّة والعزّة والرفاهية.
فحقّ لنا وواجب علينا نصرتهم عبر مشاركتنا الفاعلة في رسم مسار الوطن الساكن في وجداننا والحاضر أبداً في بالنا.
وبسبب فعالية إنخراطنا إستهدَفتنا ذيولُ وأذرعةُ طغاة حاكوا شرانق عازلة غائرة في أزمنة عبوديّة غابرة يشرئبّ منها أسراهم للإطباق على مقدّرات الوطن.
وواظب سلاطين هذه الشرانق وأتباعهم على تشكيل تكتلات هزيلة تدّعي تمثيل المغتربين وتنافس الجامعة الأساسيّة على صفتها التمثيليّة.
قوّة الجامعة الأمّ مستمدّة من إنخراط مغتربين بارزين في بلدان إنتشارهم، موثوقين ومؤتمنين ومنتدبين من جالياتهم للإضطلاع بمهام إدارتها والسعي الحثيث للدفاع عن نظام لبنان الديمقراطي وصيغة ميثاقه الوطني الذي يحفظ توازن أدوار فئاته المتنوّعة.
وحرصاً على فعاليّة عملها إرتأى المغتربون تحصينها بإستقلالها عن وزارة الخارجيّة والمغتربين وبإسباغ كيان قانوني يصنّفها مؤسسة غير حكوميّة معتمدة لدى المجلس الإقتصادي-الإجتماعي ومرتبطة بدائرة الشؤون الإعلاميّة التابعين لجمعية الأمم المتّحدة.
لقد ثبّتت الجامعة بفضل سعي طواقم قياداتها، وبالتنسيق مع شخصيّات مرموقة متحدّرة من أصول لبنانية، منزلةً عالمية للبنان في المحافل الدوليّة وموقعاً وازناً لدى مراكز القرار.
كما ثابر مسؤولوها على تعزيز دورها بتشعيب شبكة قنوات وثّقت التواصل بين جناحي اللبنانيّين.
ومع نمو وتألّق نجومنا في فلك الإغتراب تحوّل الوطن الصّغير إلى عملاقٍ مذهلٍ.
إنتخابات نيابية مهمة تلوح في أفق الوطن وأهلنا ما زالوا يرزحون تحت وطأة ظروف قاسية وشاذّة ومعطِّلة.
ونحن، المغتربين، نشعر بالمرارة والخيبة والغضب لعدم إستواء الأوضاع في مجاريها الطبيعيّة.
رغم أنّ تركيز الجهود يجب أن ينصبّ على تأمين حاجات أهلنا الملحّة التي سُلبت منهم لمحاولة إذلالهم، لا يمكننا صرف النظر عن أهميّة تصويب منحى التطوّرات في لبنان.
والقانون الإنتخابيّ هو القالب الذي سيشكّل الأحجام وينسب الأدوار الحاسمة في نحْتِ مصير الوطن.
فيما يستمرّ التلكؤ في صياغة قانون أنتخابيّ ضامن لأمانة التمثيل، تعيق المراوغة إتخاذ التدابير التطبيقيّة لإتاحة مشاركتنا في الترشّح كما في الإقتراع عبر السفارات والقنصليات في بلدان إنتشارنا وتتموّه بذرائع واهية لحرماننا حقّاً ثُبّت قانونياً في المجلسين النيابي والحكومي إثر إلحاحٍ عنيد من جالياتنا ودعم أكيد من القوى السياديّة داخل الوطن.
إنّ أيّ تلاعب في آليّة العمليّة الإنتخابيّة أو تفخيح لنسف فرصة ممارسة هذا الحقّ سيدفعنا إلى طعن منسّق مع حلفائنا لإبطال نتائجها.
نحن شعب مفطورعلى محبّة الوطن وعلى تنشّق نسائم الحرية والشموخ بزخم العنفوان وتدعيم قوائم السيادة وعشق الحياة وتسبيح الخالق لسخاء عطاياه فَلْنغذِّ هذا التوق.
تراثنا غني وفريد ومبعث فخر فلنزده ثراء ونكفّ يد الساعين إلى تهميشه وتهشيمه.
نظام لبناننا ديمقراطي يحرّك النشاط إلى أقصى مدى طاقاتنا ويصقل المواهب ويبلورها ويؤلّق إنجازاتنا، فلنصنه ونحمه من مَسخه نظاماً شمولّياً مقنّعاً.
هويتنا متأصلة في التاريخ ومجدولة بسواعد أجدادنا ومحبوكة بقرائح وأحلام كلّ الأجيال ومزهوة بالحرية ومعمّدة بدم الشهادة ومزدانة بالعطاءات كأقباس قوس قزح، فلنحبط محاولات طمسها وتغيير معالمها.
لبنان جنّة طبيعية مناخاً وجمالاً وثماراً فلنردّ عنه أبالسة الجحيم. وهو تحفة تاريخية إمتصّت رحيق حضارات عريقة، فلنحل دون تسرّب السموم إليه كيلا تُسقمه وتجعله خرائب بائدة.
طوبى لأحرار لبنان المتنبّهين، ملائكته وحرّاسه، فنسغ الأرز، إكسير المجد والخلود، يجري في عروقهم! عاش شعب لبنان حرّاً سيّداً مستقلاًّ هانئاً! عافى الله الأمهات وجازاهنّ جزيل الثواب!
Discernment, percipience, compassion, support for freedom, justice and Human Rights.

4.5.12

لنهتدِ بالضوء وننأَ عن الضوضاء

المهندس حميد عواد* لبنان جنّة طبيعية مناخاً وجمالاً وثماراً، وتحفة تاريخية إحتضنت روائع حضارات صبّت عصاراتها فيه، فتفاعلت وتلاقحت وأينعت وتوهّجت وغذّت وهدت، فنشّطت طاقات شعبه المفعم بالحيويّة والزاخر بالنخوة والنابض بالمحبّة والعامر بالعافية والصلابة والناضح بالوفاء والطافح بالتفاؤل والطامح للنجاح.
لقد فُطر هذا الشعب على تنشّق نسائم الحرية وشموخ عنفوان الكرامة وتعزيز قوائم السيادة وعشق الحياة وتسبيح الخالق والإحتفال بالفرح والترح والزرع والحصاد والمُونة والعَونة، وثابر على نهل المعرفة والتوق للتنقيب والإكتشاف والتعمير فإنتشى بالتصميم والإبداع وإنتعش بالإنتاج والعطاء.
تبوّؤه لأوج الإزدهار عرّضه لسهام الحسّاد السّامّة وإيواؤه للمضطهدين إستجلب له الإضُطهاد وفتْح قلبه للضيافة كشفه للطعن وتألّقه بممارسة الديمقراطيّة إستصبّ عليه عدوان الطغاة.
لقد إستقطب لبنان بجاذبيّته الأمم و"إخترقته" المصالح المتناقضة والأطماع الخبيثة فتلاطمت فيه وأنهكته. وأصبح بؤرة زلازل صراع دائم مع إسرائيل يوقده جموح "إفناء" سقيم أحبط الكثير من جهود سعاة السلام.
وسط هذا التجاذب الهائل وفي لجج النار وحتّى خارج أتّونها دفع اللبنانيون أثماناً باهظة، لكنّهم تغلبوا على المحن وعصوا على المستبدّين. فغزارة ومهابة تضحيات النفوس الأبية وصلابة تصميمها على صدّ الطغيان وردع محاولات تشويه بهاء لبنان زخّمت دورة تعافي الحياة فيه وجسّدت أسطورة طائر الفينيق وأدهشت العالم.
تراث لبنان غني وفريد فلنزده ثراء ونكفّ عن تهميشه وتهشيمه. أمّا نظامه الديمقراطي فهو محرّك للنشاط المجدي ومحكّ صاقل لمواهب أبنائه وجوهرة تؤلّق إنجازاتهم فلنصنه ونحمه من المَسخ.
شعب لبنان متنوع فلنرسّخ الوئام والإتزان بين شرائحه. ولننزع بذور الخلاف ونتخلّى عن إقتناء السلاح خارج كنف الدولة ونحجم عن توظيفه مع المال والإنجاب المسرف للهيمنة والتمدّد الفئويّين على حساب ضمور وجود ونفوذ بقية أهل الوطن، فنتفادى تفاقم العصبيّة القبليةّ الآيلة إلى التناحر والإنتحار.
هوية لبنان متأصلة في التاريخ ومجدولة بسواعد بنيه ومحبوكة بقرائحهم وأحلامهم ومزهوة بالحرية ومعمّدة بالشهادة ومزدانة بالعطاءات كأقباس قوس قزح، فلماذا تغيير معالمها؟
أرض لبنان منبت خير يطعم كل بنيه ومسكن أمان يأويهم، فلماذا "فرزها" لعزل أهلها عن بعضهم البعض و"إقتطاعها" وفرض الضغوط على الجار العاصي على التدجين لتيئيسه ودفعه لهجرها وبيعها؟
نظام لبنان برلماني مدني حرّ يراعي ميثاقاً وطنياً يحفظ توازناً بين طوائفه ويضمن حرية الرأي والمعتقد ويضمن التجدد في المواقع الرسميّة ويتيح للشعب ممارسة الحكم من خلال المؤسسات الدستورية، لا خارجها، ويوفر فرص المشاركة في مختلف وجوه الحياة الوطنية لكل اللبنانيين، ويفتح أمامهم سبل التقدم والإصلاح، فلماذا السعي إلى نسف أسسه ومحاولة إستبداله بنظام شمولي مقنّع؟
لبنان بأرصدته الغنية وصيغته الفريدة الوادعة هو قدوة تحتذى لا "ورماً خبيثاً" يستوجب إستئصاله بل هو منتجع للروح والفكر والجسد.
لقد توافقت الدول المتحضّرة على صيانة هذا النموذج المميّز من الديمقراطية كموئل للعيش تختلط فيه الجماعات بحريّة ورفق وتعاون. وقد دعمت عهودها بصياغة قرارات في مجلس الأمن تضع حداً لإنتهاك سيادة لبنان، وأنشأت محكمة خاصة لكشف المجرمين والضالعين في إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقافلة شهداء "ثورة الأرز" (و من سبقهم ضمناً) لقطع دابر ترويع الإستبداد الذي يرصف طرقه بجثث الأحرار ويعربد بسحق جماجمهم.
بتضافر ضغوط الإرادات الطّيّبة مع صلابة العصب السيادي تبلورت إرادة لبنانية-دولية مشتركة وقناعة راسخة بضرورة إنخراط كل مكونات الشعب اللبناني
في ورشة ترميم وتحديث مؤسسات الدولة وتعزيز سلطاتها وحماية نظامها وسيادتها وإستقلالها وحرية القرار فيها.
مواسم تلاطم النفوذ وإغتصاب سلطات الدولة وقضم مؤسساتها مع خلق بدائل هجينة بقيت مخيّمةً في "مضارب" وممارسات فرقاء لم يمتثلوا لموجبات الإنخراط في إعادة بناء الدولة الجامعة. واللبنانيّنون مجّوا شبح هذا الكابوس كلّما راود خيالهم، فهل يرتضون تجسّده وإنتصابه على أرض الواقع؟
نربأ بأي طيف من أطياف شعب لبنان أن يقف عائقاً في وجه مسيرة نهوض الوطن وننصح غلاة دعاة إلغاء الطائفية أن يبدأوا بتنقية النفوس في صفوفهم.
وندعو حملة بيارق "العفّة والطهارة ومحاربة الفساد" إلى الإنطلاق من المحاسبة الذاتيّة بتروًّ وإلى الكفّ عن الإفتراء على الشركاء في الوطن والمبادرة إلى تصفية النوايا ومدّ اليد للتعاون الصادق مع كلّ محب ومخلص لوطنه.
النقد الموضوعي المنطقي والتفنيدي مرغوب ومستساغ. أمّا التجريح جزافاً للتسويق السياسي السلبي فهو عمل شائن يدين مرتكبه.
" فالرشق بالحجر الكبير لن يكبّر راجمه". والضرب "بسيف السلطان" لن "يطوّب مستلّه سلطاناً". فلا يتوهمنّ معفّرو النفوذ أنهم قضاة مطلَقو الصلاحيّات يصدرون الأحكام عشوائياً أو طبقاً لأهوائهم.
لقد إشمأزّ اللبنانييون المتنوّرون من الزندقة في الولاء الوطني ومن "نوبات جنون" أصحاب الشخصيات "المنفصمة". فتشنيف الآذان ودغدغة المشاعر بالوعود الخادعة لا تلبث أن تفضحها الممارسات المناقضة لعهودها.
التخبّط في ضباب تغطية الإنسلاخ عن مسيرة نضال مجيد خِيض لإستعادة السيادة، وكأنّه تكفير عن الذنوب، وعكس الخطى للإلتصاق بموكب خانقيها يؤدّي بالمتورّط في هذا المنزلق إلى الإنشراخ والتمزّق.
كذلك الفرشخة بين شرعية المسؤولية الرسمية والشرود عن الشرعية نحو الإنتماء الميليشياوي، نهايتها الإنفلاق.
طوبى لمن استحقوا التقدير والإحترام والتأثير فكرّسوا طاقاتهم وعلاقاتهم لخدمة الوطن.
أما الذين تنكروا لأفضاله وعملوا على "توضيبه" هدية لأسيادهم فسيلقون لوماً قاسياً وسيواجهون بإعتراض عارم من أحرار لبنان.
المواطن بحاجة ماسّة إلى حماية ودعم مؤسسات الدولة وإلى حكومة من الأفذاذ الجذّابين، لا المنجذبين إلى مدار التبعيّة، المزوّدين بمناقبيّة وكفاءات وإختصاصات عالية و المجرّدين من الأثرة.
كما هو بحاجة إلى صفاء وصدق وفعالية في الممارسة السياسيّة والوطنيّة والإجتماعيّة وإلى رعاية روحيّة عطوفة تحتضنه بحنان وتستدرّ فيه ينابيع المحبّة وتطهّر ضميره وتهدي سلوكه وتنعش آماله وتهدّئ هواجسه وتعزّز رجاءه وتوثّق وشائج أحاسيسه وعلاقاته وتنفح فيه التوق إلى الشراكة الخيّرة وتواصل دعمه وإلهامه.
بكركي هي حصن الوطن وملاذ المواطن وقطب حجّ روحيّ يجذب إليه تطلّعات مسيحيّي المشرق وإنطاكية الذين، إضافة إلى منائر كنائسهم، يرنون إلى منارته ليستمدّوا مزيداً من الإيمان والقوّة والرجاء.
مهابة بطاركة هذا الصرح الكنسيّ العريق تشعّ من تقواهم وتفانيهم في خدمة رسالتهم وتفيض من شجاعتهم وغنى معارفهم وتطفو من عمق إيمانهم الوطيد بالله وبالوطن. سيرهم دمغت تاريخ الكنيسة ولبنان بدمهم وتضحياتهم وحكمة تدبيرهم وجلل إنجازاتهم.
فقد رافعوا في قضيّة سيادة نواة الكيان الوطنيّ أمام السلاطين ودافعوا عن رعيّتهم عند هجوم الغزاة وافتدوا أبناءهم بأرواحهم.
كما ساهموا في صوغ تفاهم اللبنانيّين وفكّ خصاماتهم وساعدوهم للنهوض من كبواتهم وحثّوهم على صبّ ولائهم نحو خدمة وطنهم وساهموا في إرساء ميثاق وطني ضِمن هيكل نظام ديمقراطي نفحوا فيه روح التسامح ونبل رسالة التعايش الإنساني الحضاري ودافعوا عن هذه الهوية النموذجيّة الفريدة في المحافل الإقليميّة والدوليّة.
بالأمس (آذار 2001) زارنا غبطة البطريرك صفير مطلقاً صيحة "دولة الظلم ساعة ودولة الحقّ حتّى قيام الساعة!" بعد إطلاق نفير سحب القوّات السورية من لبنان عبر بيان مجلس المطارنة الموارنة في أيلول سنة 2000 ليتبعهما بزيارته التاريخيّة للجبل(4 آب 2001) لإبرام المصالحة المسيحيّة-الدرزيّة مع زعيمها.
واليوم يزورنا خلفه غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي ليطّلع على أحوالنا وليحفّزنا على شدّ أواصر إرتباطنا بالكنيسة الأم و دوام تواصلنا مع أهلنا وإلى التضامن والإنخراط في مسيرة الشركة والمحبّة التي جعلها شعار وشرعة خدمته والتي يثابر على تجسيدها في جمع القيادات المسيحية والتلاقي مع بقيّة القيادات السياسية والمراجع الروحيّة لتعزيز الوئام.
نشارك غبطته القلق جرّاء إستمرار نزف الهجرة من لبنان وخسارة المسيحيّين لأراضيهم بسبب "تهافت" فئات على شرائها بأسعار مغرية أو حتّى تزوير عمليّات بيعها في سعي لتطويق وقضم مناطق إنتشارهم ممّا يشكّل عمليات تهجير منهجيّة تطعن صلب العيش المشترك.
كما نشاركه المرارة من نزوح مسيحيّي الشرق بسبب إنفلات تيارات التطرّف وإرتكابها أعمال إضطهاد وتنكيل وعنف وقتل ضدّ من يخالف غيّ أتباعهم. ونطرح الصوت على ذوي الشأن أن يجترحوا علاجاً لهذا الشذوذ ونثني على جهود غبطته في سياق الدعوة المفتوحة لعقد مؤتمر يجمع القيادات الروحيّة في الشرق الأوسط لمناقشة تنفيس الإحتقانات الدينيّة والمذهبيّة وتصويب الإنحرافات وترسيخ الإلفة.
وفي الوقت نفسه ندين عنف الحكّام المستبدّين ونستهجن إدّعاءهم حماية الأقلّيات ونؤيّد التغيير السلميّ للأنظمة الإستبداديّة إلى بدائل ديمقراطيّة متطوّرة عبر إنتفاضات الشعوب الرازحة تحت ظلمها.
شؤون وشجون الأهل في الوطن وتعثّر مسيرة التعافي تقلق المغتربين التوّاقين إلى العودة إلى ربوعه.
لذا هم يدمنون على تتبّع أخباره ويبذلون قسطاً وافراً من إيراداتهم لإنتشال أهلهم من الضّيق وتحصينهم من تسرّب اليأس إلى نفوسهم ودعم مقاومتهم لإغراءات بيع أراضيهم كما يجيّرون روافد من نفوذهم في دول إقامتهم لدعم نهوض الدولة في أرض الجذور.
إنتخابات نيابية مهمة تقبل على اللبنانيين وهم ما زالوا يرزحون تحت عبء ظروف شاذّة ومعطِّلة. والمغتربون يشعرون بالمرارة والخيبة والغضب لعدم إستواء الأوضاع في مجاريها الطبيعيّة.
فيما التلكؤ مستمرّ في صياغة قانون أنتخابيّ ضامن لأمانة التمثيل ،تُرصد مراوغة في إتخاذ التدابير التطبيقيّة لإتاحة مشاركتهم في الإقتراع عبر السفارات والقنصليات في بلدان إنتشارهم تتلطّى بذرائع واهية لحرمانهم حقّاً ثُبّت قانونياً في المجلسين النيابي والحكومي إثر إلحاح عنيد من جالياتهم.
فحذار التلاعب في صحّة العمليّة الإنتخابيّة أو إحباط فرصة ممارسة هذا الحقّ إذ أنّنا مصمّمون، عند حصول أيّ خلل، على الطعن في نتائجها بالتنسيق مع الكتل السياديّة داخل الوطن.
المغتربون هم الجناح الطليق الحركة والقوّي والمرن الذي يرفد الجناح المقيم ليحلّق الوطن في أجواء الحريّة والعزّة والرفاه وحقّ لهم نصرة أهلهم عبر مشاركة فاعلة في رسم مسار الوطن الساكن في وجدانهم والحاضر أبداً في بالهم.
وصيّتهم لأخوانهم المقيمين فيه ألّا تشوّش الضوضاء صفاء فكرهم ومشاعرهم كيلا ينحرفوا عن سكّة الضوء. وأن يتشبّثوا بأرضهم وقيم تراثهم ويتعاونوا على عمل الخير وصدّ الأذى عن لبنان وأن يدركوا أهمية إختيار ممثليهم في البرلمان ويُحكّموا ضمائرهم فلا يتحولوا بيادق يُنتخب بها دمى، بل يركزوا بصرهم وبصيرتهم على كفاءة المرشح وإستقامته ونزاهته وعمق التزامه الوطني ومدى تعلقه بالنظام الديمقراطي وحرصه على الحريات والسيادة والإستقلال.
لأن الشجرة المثمرة تُرشق بالكثير من الحجارة والأجواء المحيطة محمومة، تكاتفوا وسيّجوا شجرتنا الخصيبة والباسقة يا أحرار لبنان واحموه من السموم والأمراض والقوارض!
*أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية Discernment, percipience, compassion, support for freedom, justice and Human Rights.

18.4.12

حماية الوطن عناية إلهيّة وعيون بشريّة وهداية ذكيّة

المهندس حميد عواد* توافقاً مع تنوّع نسيجه البشري صاغ اللبنانيّون لوطنهم نظاماً ديمقراطياً يتميّز عن محيطه بحماية الحريّات العامّة والحقوق المدنيّة وتأمين إنسياب سلس لتداول السلطة ورعاية حريّة ممارسة الطقوس الدينيّة ضمن أطرها الخاصة دون تجاوزها نحو هيمنة أو إكراه أو غدر أو تعدٍ، وقد إرتئي توزيع المناصب الرفيعة وفق عرف إعتمد وأُقرّت المناصفة في التمثيل النيابي والحكومة ووظائف الدرجة الأولى.

ثمانية عشر طائفة توشّح قيم اللبنانيّين لكنّ فروقاتها تبهُت وتذوب في بوتقة المواطنيّة الصالحة عند تألّق وتجلّي صفاء شخصيّة المواطن الشغوف والفخور بعزّة وطنه.

صوناً لهذه الشخصيّة نستجير بالحماية الإلهيّة ورقابة السلطات الدنيويّة حكوميّة وإجتماعيّة لكفّ أذى سحرة الشعوذة السياسيّة المتمرّغة بالربح المادي والسلطوي ومعاقبة فاقدي الضمير الذين يجنون الأموال من ضفّتي تجارتهم القائمة على الغشّ: أوّلها المصدر حيث يخلّصون الدول من نفايات أطعمتها وأدويتها والفاسدة وثانيها سوق التصريف المستوردة إليه-لبنان-حيث يدفع المواطن قروشه الشحيحة والمستدانة ليشتري ويستهلك هذه السموم بأغلى الأثمان.

كما نتضرّع للعناية الإلهيّة ونحثّ السلطات الحكومية والروحيّة لحماية المجتمعات من مدّعي "القتال في سبيل الله" معتقدين أنّه "أسمى طقوس عبادتهم" وكأنّهم "فُوّضوا" من صميم إرادته سلطة تصنيف خلائقه و"تأديبها وإدانتها" حسب ما شبّه لهم أنّها مشيئته.

ما زال ضلالهم يورّطهم في شنّ الحروب على "أعدائهم" ممن يستهجن جموحهم وتهوّرهم ويستنطقهم بقذف ألسنة التحريض واللهب توسّلاً ل"شقّ دربهم" إلى إغتصاب السلطة ليقيموا "ملكهم الفاضل"!

الزمن في أذهانهم محجور في العصور الغابرة أمّا جغرافيا "طموحهم" فلا حدود لها.

تزمّتهم معضلة وجوديّة وشهوة التوسّع المتأجّجة في صدورهم تشرئبّ لإبتلاع كيان الوطن وتتوّه أهله المفطورين على إغناء المعرفة وإنماء التواصل الحضاريّ مع العالم.

هل بالتوتّر الدائم وشحن النفوس والتهويل والترهيب تُببتهل العزّة الإلهيّة؟ وهل بسفك الدماء تُستدرّ بركاتها؟

النزعة الغريزية لدى كلّ مستبدّ لممارسة القمع والجور والتنكيل بالأحرار وإستباحة الكرامات والحقوق والأرواح هو ردّة جاهليّة تتحدّى أصالة القيم الروحيّة والأخلاقيّة والعصريّة.

التنكّر للوفاء والولاء الوطنيّين والمشاركة في قطع "حبل السُّرَّة" الممتدّ من أعماق التاريخ والمساهمة في تشويه صورة لبنان الحضارية وخنق الرأي الحر الرشيد وهدر تضحيات اللبنانيين-منتصرين على مداهمات الموت أم مستشهدين على رجاء القيامة-وإجهاض جهودهم الخيّرة المحفّزة لنهوض الوطن والداعمة لصموده في وجه حملات أمواج وأفواج التخلّف والتعصّب هو جريمة لا تُغتفر.

حماية البشر من طاعون الإرهاب الناشئ عن التلقين الملوّث بالجهل والخبث والإستغلال والضلال، يقتضي معالجة جذريّة وشجاعة من قبل القيّمين على صيانة الشؤون الروحيّة والتربية المدنيّة لمنع الإنحراف وإستئصال زارعيه.

تخريب النفوس و العقول هو تفخيخ يستهدف نسف الإنجازات الحضاريّة أمّا التثقيف السليم والرحب الآفاق فهو ضمانة الإلفة والتعاون والنموّ والإرتقاء والرفاه.

واجب الوجود والصمود هو رصّ صفوف المخلصين وصبّ جهودهم لوقف الأذى ومنع الإنقراض.

مساعٍ جبّارة كُرّست لبناء الوطن وتعزيز مؤسّسات الدولة مهدّدة بالإنتكاس والإحباط تحت وطأة ضغوط مسلّحين مرعيين من الخارج لا تأتلف أهدافهم مع طبيعة النظام اللبناني ولا مع تطلّعات غالبيّة أهله المتنوّرين.

مهما تضخّمت ضغوط الطغاة فهي لا تبرّر "القفز" خارج كنف الأصالة والسقوط فى الهاوية.

الرضوخ للبطش هو ذلّ وتسعير لعنفه وإغتيال للعدالة تحت ذريعة التوجّس من الظلم.

الإستبداد تأليه لذات مطبوعة بالجشع والغرور والنزق والشراسة والتطيّر وإحتقار الغير تتحكّم بعامّة الشعب كعبيد ملزمين بواجب تبجيلها وخدمتها وطاعتها مجرّدين من حقوق أساسيّة.

التاريخ حافل بفظائع حكّام رهيبين يتناسخون في بعض الحكّام المعاصرين الغاشمين الذين إبتليت بهم دول زادوها تخلّفاً فيما غالبية القادة الملهمين رؤيويّن يسابقون الزمن ويلهبون مواهب وطاقات شعوبهم ويتيحون لهم سبل النجاح ووسائل التنفيذ والموارد الضروريّة لدفع نموّهم وتطوّرهم قدماً.

نقابة تكتّل الدكتاتوريين المتعاطفين والمتحالفين قلقة لفقدانها تباعاً شلّة من أعضائها تهاوت وأخرى تترنّح أمام يقظة وشجاعة وإقدام وإنتفاضات الشعوب المسحوقة ببطشهم.

بالنسبة للطغاة، السياسة نخاسة تسخّر أو تستكري سواعد أصحاب الأدمغة "المغسولة" والمشحونة بتحريضهم والمتشنّجة بحموضة شعوذة خطبهم، ليشنّوا هجماتهم على مناوئيهم ويؤمّنوا لأنفسهم الحماية وديمومة تسلّطهم.

وبما أنّ وجودهم تحدٍّ لمفاهيم الحداثة والتطوّر فَهُم يختلسون الثروات المنهوبة من شعوبهم ويتوسّلون العنف والرشى والإعتقال التعسّفيّ ليفرضوا مشيئتهم كما لايتورّعون عن طرح أنماط إستبدادهم "مثالاً وقدوة ليحتذي" بهما الآخرون.

فالثورة الإسلاميّة في إيران تعتبر نفسها "قنبلة ذرّيّة" ترامت أشعّتها في الدول العربيّة التي شهدت الإنتفاضات الربيعيّة أمّا النظام السوري بعد تباه مزمن "بمنجزاته" وزرع الرعب والتخلّف عن الإصلاح بدأ بحصاد العاصفة.

و"بمصادفة غريبة" نشهد سقوط بند غير صريح يُقرأ بين سطور بنود ما سُميّ "إتّفاق الدوحة" المخترقة "جمّد" الإغتيالات التي إستهدفت قيادات من قوى 14 آذار وعاود الفريق الممتهن لأسلوب التصفيات نشاطه الإجرامي بعد جملة "إشارات" تنذر بذلك دفعت بعض القيادات المستهدفة إلى إتخاذ تدابير إحتياطيّة قاسية.

أتوجّه بالشكر للعناية الإلهيّة العجائبية التي أنقذت الدكتور سمير جعجع والأستاذ مصطفى جحا من محاولتي الإغتيال وأهنئهما على نجاتهما من العملين الإجراميَّين آملا كشف مرتكبيهما ودعم جهود الرصد الأمني تقنيّا (دون تلكؤ) وعينيّاً فيصبح كل مواطن رقيب.

إنّ عظمة النضال لإنهاض لبنان أبرزها رصيد التضحيات الجليلة المبذولة لصيانة السيادة والإستقلال بتفانٍ وهداية ضمير.

محكّ الأصالة هو الوفاء لوصايا الشهداء وإغناء ذخائر الوطن تراثاً وحرّياتٍ منشّطة للمواهبَ ومحفّزة على الإنجاز ومثيرة لشهوة إمتصاص رحيق الحضارات لضخّها لقاحاً في القرائح المبدعة.

التغيير هو هندسة المستقبل لا يؤتمن على تصميمها إلاّ خبراء نبلاء يهتدون بصدق توقهم لخدمة وتنوير الإنسان ويكرّسون سعة معارفهم وعلومهم وتنوّع مهاراتهم ومواهبهم وتوهّج ضمائرهم وذكائهم وتنسيق تعاونهم لقيادة مسيرة النمو والإرتقاء والإزدهار.

التغيير السليم لا يستبطن خبثاً ولا يُرفع ذريعة لخنق الحريّات وقمع الرأي وإجهاض العدالة وزهق السيادة والإستقلال وشلّ النظام الديمقراطي ولا هو حجْرٌ للفكر في دهاليز التعصّب والإنحطاط ولا إنفلاتٌ للغرائز ولا تفجيرٌ لحروب ديموغرافيّة طاحنة تؤدّي إلى كوارث الجوع والمرض والجهل والتناحر وإغتصاب القيم والحقوق الإنسانيّة.

جوهر التغيير هو تثقيف العقل وشحذ المنطق وترصيع شبكة التعاون بالمواهب المتنوّعة لإجتراح الحلول وتهذيب النفس وتشذيب الأدران وإحترام مهابة الحياة.

مرحباً بكلّ تغيير يستولده الفكر النيّر والخلاّق والخفّاق الذي يجوب مروج وجدان البشر فيرتشف النكهات الطيّبة من رحيق زهورها و يلقّحها لينتج عسلاً لذيذاً ومغذّياً و منعشاً يقدّم على مائدة الشراكة البشريّة.

ولأنّ التغيير على صورة منتجه، يبلغ التوجّس ذروته عندما يقدم عليه فكر مغرور ومتزمّت ومتعصّب، منبعث من "ضباب الغيب" "حجّته" الترهيب والعنف والحصار، وشريعته إدمان على الحرب وهدر لحقوق الإنسان.

معالجة الإنحراف الفكري تبدأ من جذوره لكن ما العمل إن تجمّد الزمن و تكلّست الكلمات في العقول فتحجّرت و"تدحرجت كجلمود صخر حطّه السيل من علِ"؟

هل من رجاء في يقظة تنير الأذهان وتكشف أنّ لبنان موطن كلّ أبنائه وليس زريبة أو مزرعة لتناسل خصيب يغلّب ذُريّة مبرمجة "لإفتراس سواها" أو مضارب قبائل يغزو قويّها ضعيفها ويسبيها ويغنمها ويغتصب حقوقها وممتلكاتها؟

القائد الأصيل والصادق والملهم يثبت على مبادئه القويمة ويعمل بهدي سموّها فلا يتنصّل منها أو ينشرخ عنها، إذ إن فعل تجوّف وتكلّس أو إضمحلّ.

نصرة المظلوم فضيلة، أمّا الإنتصار لظالم أو مفترٍ أو متجبّر والتعبّد للقوّة المستبدّة فخطيئة فادحة.

لا حجّة تبرّر الإنخراط في ورشة دكّ أسس الوطن وهدمه لصالح مشروع يغيّب بهاءه وتنوّعه وغناه.

بكركي المتجذّرة في سكب تاريخ الوطن والمساهمة في تخصيب كنوزه وإغناء جبلة حضاراته وتصليب مناعته وتألّق منجزاته، عهدناها نصيرة للمظلوم وحارسة لرسالة لبنان النموذجيّة تنتفض كأمّ ملهوفة على إبنها كلّما إستشعرت خطراً داهماً يهدّد كيانه.

ومتى أطلقت الصوت بوضوح لايشوبه إلتباس يستوجب الإجتهاد تستجيب الضمائر الحيّة للنداء دون إرتباك.

عندما تتناسق مواهب المواطنين المتنوّعة وتتناغم كموسيقييّ أوركسترا يعزفون نشيداً وطنيّاً واحداً بقيادة مايسترو الولاء الوطني، عندها ينمو الوطن و يزدهر.

لكن متى تضرب البلبلة وتتنازع "الأهواء" والفرز والشقاق صفوف أبنائه ويُستدرجوا إلى مكائد نُصبت لهم، عندها يصبحون مادة سهلة للمساومة ولقمة سائغة للطامعين الذين زرعوا الأفخاخ وتلاعبوا بمشاعرهم.

تكرار الوقوع في الخطأ مهين ومكلف، والنهوض يبدأ بتفتّح الذهن والتبصّر وإستيعاب الدروس.

أكاديمي وباحث في الشؤون اللبنانيّة*

11.3.12

خواطر لتذكير المعنيين

*المهندس حميد عواد





في البدء تزرع الكلمة الطيّبة خمائر الخير في النفوس النضرة مبكّراً وترعى نموّها عناية حثيثة وعطوفة تحميها من لوثة المرض والتشوّه واليبياس.



لكنّ بذور الإنحراف والجنون لا تزال تجد تربة خصبة في نفوس ضربها الإنفصام عن السراط المستقيم وأعماها الحقد وأجّجها الجشع والتعطش للسيطرة فتمترست في بؤر نفوذها وإستعبدت العالقين في شباكها وإستعدت المجتمع الإنساني في أرجاء العالم.



الإصلاح المجدي ينطلق من النقد الذاتي البنّاء ويتجاوز تدريجيّاً الإطار الشخصي ليصبّ في ورشة إعمار المجتمع البلدي وصولاً إلى القرية الكونية.



يشعر الإنسان البارّ والفاضل بالإطمئنان والسلام والصفاء والسعادة كلّما إختلى لفحص الضمير أم خشع لمناجاة الله أم هرع لملاقاة الناس.



أمّا مرتكب السوء والفظائع ولو تسلّح بوقاحته وترسانة قوّته للتبجّح والفجور ونكران ذنوبه وردع الإنتقاد وقمع الإعتراض، فإنّه يعجز عن تغطية عوراته أمام الرقابة الذاتيّة الخفيّة الدقيقة والصارمة، وإن نجح في تخديرها موقّتاً يبقى مكشوفاً أمام أبصار وذاكرة ضحاياه ومفضوحاً تحت مجهر رقابة باري الكون ومرصد المجتمع المتمدّن.



لذا يتهرّب المذنب ويتهيّب من الإختلاء بالنفس خوفاً من تأنيب الضمير ومعاناة خيانة القيم الإنسانيّة والوصايا الربّية ويتوجّس من مواجهة العدالة الدنيويّة وحساب الآخرة.



العزّة الإلهيّة حريصة على هناء ونماء خلائقها فتوصي بالتحابب وإحترام الكرامة وصيانة الحقوق وحماية الحياة وتوفير الخدمة وتأمين فرص التطوّر والنجاح والعدالة في المعاملة والإنصاف في توزيع الغلال المستحقّة.



ممارسة الإذلال والظلم والقمع وإغتصاب الحقوق والإعتداء على حرمات النموذج البشري هو عمل وحشي شنيع ينتهك كلّ القيم الإنسانيّة والسماويّة ويشحن نفوس المضطهدين بالغضب والثورة والتوق إلى الإنتقام.



من يرتكب هذه الفظائع هو مسخ تشوّهت فيه الخصال الإنسانية وحوّلته وحشاً خطراً على المجتمع البشري يستوجب مبادرة سريعة لتطويقه وشلّ هيجانه وتجريده من مصادر قوّته وخلعه من موقع نفوذه لإنقاذ مجتمعه من أذاه ومحاولة تأهيله للتعاطي القويم مع الناس.



إنّ البشر التي تتشابه ب% 99 من الجينات وتختلف بالطبائع والقسمات والإمكانات هي متساوية في الجوهر تستحقّ، إضافة إلى تأمين لقمة عيش كريم، مناخاً من الحريّة والتنوّر الفكري يحفّز النضوج والتألّق وإحراز النجاح.



وظائف أعضاء المجتمع كوظائف أعضاء الجسم تعمل بتناغم وتكامل لتأمين دورة الحياة.



وكما الدماغ البشري المذهل يضبط تعقيدات إيقاع إتساق عمل الأعضاء في ظلّ رقابة وعناية الطبّ، كذلك رؤساء وحدات المجتمع والدولة موكلون بتسيير شؤون مواطنيهم متى حازوا على ثقة إنتدابهم لمهامّهم تحت رصد الهيئات الرقابيّة.



المشكلات تقع عندما تغتال الغرائز والعصبيّات العقل والمنطق والحسّ الإنساني لتفرز الناس قبائل متناحرة أو متى يخطئ التقدير والقرار والمبادرة في مجتمع منظّم من يتبوّء المراكز العليا في هرم السلطات إمّا لعدم كفاية المؤهّلات أو لخيانة الأمانة وطغيان المصالح الخاصّة أو لتسلّل هؤلاء إلى مواقع نفوذهم دون تكليف قانوني أو من خلال عمليّة إغتصاب للسلطات.



أكثر المعاناة إيلاماً ومرارة عندما يتسبّب بها قرار مستبد أهوج أو محتكر جشع؛ وأطيب بلسم للجراح هو تحويل ميزانيّة ذخائر الحروب والأرباح غير المشروعة إلى مؤن تطعم الجياع وتعالج المرضى وتثقّف النشء وتحفّزالإزدهار وتنعش الإقتصاد.



التثقيف يتضمّ سرداً اميناً وموضوعيّاً للأحداث التاريخيّة لا إجتزاءً وحشواً متحيّزين ويشتمل نهلاً من مصادر المعرفة المتشعّبة وإنماءً للمنطق والحسّ النقدي ومراعاةً لمشاعر الناس وعدم التعرّض لكراماتهم أو مقدّساتهم علماً أنّ حفظ النصوص يركن في النفوس وما الورق إلاّ وسيط فانٍ.



حماية أرواح الناس وخصائصهم هي الدولة الديمقراطية النظام قلباً وقالباً ولا قيمة لأي حجّة تساق لتبرير إقتناص سلطاتها وقضم الممتلكات العامة والخاصّة وفرض طقوس متزمّتة فهكذا قرصنة خبيثة هي تآمر لتجفيل شركاء الوطن وتشويه للهويّة.



لا تنطلي على اللبنانيين أهداف حيلة إبتكار ثلاثيّة يحلو لمبتدعها شهرها لإختصار مقوّمات الوطن للقفز فوق الدستور والقوانين والتنكّر للإلتزامات وما ذكر الشعب إلاّ إطلاق لحالة جماهيرية (تذكّرنا بمستبدّ أفل نجمه) تغلّف حلم الطغيان الديمغرافي الفئوي.



ممارسات البعض المستقوي بسلاحه الخاصّ ودعم وتمويل "عرّاب" عقيدته الخارجي لتوظيفها في الداخل اللبناني يرسّخ الشروخ بين شرائح الوطن في زمن يحبّذ التقارب والتعاون بين شعوب العالم.



التطوّر التكنولوجي المتسارع إختصر الزمان والمكان في هذا العصر ووثّق التواصل والتفاعل بين الشعوب وأثمر خيراً مشتركاً في معظم العلاقات لكنّه أنجب تشنّجاً وعداءً وأذى في حالات التعاطي مع مجتمعات متخلّفة تتناحر فيما بينها وتناصب العداء وتضمر الشرّ والضغينة والأذيّة للطرف الذي ينبّه أذهان رهائنها ويوقظ إدراكهم لحقيقة تخلّف سجّانيهم وولاتهم ونظم مجتمعهم.



المجتمعات الناجحة هي التي توفّر لأبنائها تربية حضاريّة مفعمة بالمعرفة وإحترام القيم الإنسانيّة والحسّ النقدي وإدراك مسؤوليّة القيام بالواجب وحسن ممارسة الحقوق والتنافس الشريف لخدمة المجتمع فتترسّخ هذه المزايا في النفوس وتتبلور نقاوة شخصيّة نموذجيّة تشذّب الأدران وتسمو لتصبح حافزاً جذّاباً للتفوّق.



أروع موقع للإستقطاب هو مركز المسؤوليّة متى شغله شخصيّة مرموقة لتوقّد مواهبها تقود بإستقامة السلوك وجودة الأداء وضخامة الإنجاز.



صدقيّة المرشد تكمن في تطابق تعاليمه ونصائحه مع سجلّ أعماله.



أمّا تناقض الإرشاد مع نمط السلوك وطبيعة الأعمال فهو ليس فقط مثار سخرية ومبرّر إحتجاج فحسب وإنّما ذريعة لشذّاذ الآفاق لصرف الأنظار عن شناعة إرتكاباتهم.



كما أنّ المبادرات الناقصة التي لا تحقّق الأهداف المشروعة المرسومة لها تنقلب فوائد نتائجها لصالح المارقين المستهدف إجتثّاثهم.



التيقّظ من عبرأخطاء الغيرفضيلة أما الوقوع في الخطأ فخسّارة تُعوّض بتحاشيه مرّة أخرى لكن التعرّض للّدغ من الجحر مرّتين فخطيئة فاضحة وفادحة لا ينفع معها تحسّرقائل:"علّمته رمي السهام فلمّا إشتدّ ساعده رماني" أو "كسحت الألغام لتأمين سلامة عبوره فكان الغدر والعقوق جزائي" .




*أكاديمي وباحث في الشؤون اللبنانيّة