20.3.10

الثبات على المبادئ و الوفاء لوصايا الشهداء

حميد عواد*

التخلّف الفكري و الإجتماعي و الثقافي بمختلف أشكاله هو حشوة متفجرة تجعل المبتلين به ألغاماً سريعة العطب و التفجّر تهلك حاملها و تشظّي مجتمعه و تؤذي احياناً من يسعى إلى تفكيكها.
يزيد تعاظم هذا الخطر متى تسنّى له ذخيرة تلقّم جنوحه و تعزّز إمكاناته.
لكن رغم المخاطر لا يمكن تجاهل واجب الإسهام في إزالة هذا الخطر فوجوده يحطّ من كرامة الإنسان و يخنق مواهبه و يعيق تقدم البشرية.
و ليس مقبولاً ظهور وهن أو تردّد أو عجز عن إجتراح الحلول لدى العملاق الكامن في الفكر الإنساني الخلاّق المشبع بالمعرفة و النافذ بذكاء و فضول إلى أعماق الفضاء و بواطن الأرض و المياه و دقائق الذرة و الخلايا و أسرار الكون و كيمياء التفاعل بين كل العناصر.
لذا يعي اليوم المجتمع الدولي شدّة إلحاح إبتداع حلول مناسبة لنزاعات كأداء تراعي الوقائع الراهنة و الحقوق و العدالة و الإنصاف.
فإعتباراً من صيغة المبادرة العربية و طرح تحويل كيان السلطة الفلسطينية إلى دولة تتعايش بسلام مع إسرائيل، تترافد جهود المجتمع الدولي لتصبّ في حوض تحفيز المفاوضات الضرورية التي يؤمل أن تفضي إلى حلّ ثابت و دائم.
لكن تكمن عقد هذه القضية الشائكة في التفاصيل و الشروط المتضاربة و ذرّ قرون المتطرفين و المتطفّلين.
طوال تفاقم هذا الصراع جُعل لبنان فوّهة البركان و مرجل حممه و إستبيحت أرضه و أمن شعبه ساحة للحروب البديلة مع إسرائيل.
و كان لكل حقبة "أبطالها" يتناوبون علينا و يتنافسون للسيطرة على لبنان و إلحالقه ب"حظيرة" المتطاولين الطامعين.
و كان النظام السوري بمختلف "وجوهه" "حاضراً و متدخلاً" على الدوام و أصبح "متحصّناً" بنظام "الثورة الإيرانية" و "فيلق مقاتلين" "أنشأته"، على غرار "حرّاسها"، بتنسيق معه داخل لبنان.
تحالف "الممانعة" هذا يغدق السلاح و الأموال و "الإرشاد" و وسائط الدعم على "حرّاس" مصالحه تحت راية مواجهة إسرائيل .
يُسلّط "وهج" جاذبية هذا الشعار على البصر و البصيرة توخّياً لإبهارها، فتعمى عن رؤية قضم مؤسسات الدولة اللبنانية و تكبيلها بحبائل "الدويلة الفاضلة"، و بلوغاً إلى الإطباق بضغط متصاعد على الشرائح السيادية لإحباط صمودها و تجفيلها عن أرض وطنها.
حماوة خطاب هذا التحالف تنفث لهبها ناراً بعيدة عن "عروشه" تستعر على ارض لبنان، و ما يخشى التفوّه به يوكل الإفصاح عنه بفظاظة و تناوب إلى "فدائييه" المنتصبين على المنابر اللبنانية و الكامنين في "المتاريس".
لقد إحتدمت مؤخراً نبرة خطاب "الثنائي الممانع" و إحتدّت أصداؤه اللبنانية، لا لمحاكاة الخطاب الإسرائيلي أو "ردعه" فحسب بل ل"تحريم" التعاطي مع امريكا و أوروبا و لتخوين التيارات السيادية و محاولة تجريدها من أي دعم و محاصرتها و عزلها.
أكثر من ذلك، مع "إستشعار" قرب إصدار المذكرة الإتهامية من المدّعي العام للمحكمة الدولية الخاصّة بلبنان توتّرت أعصاب "جهاز الممانعة" و تقمّص هذا التوتر موجاتٍ صوتيةً نافرةً إنطلقت من حناجر "الأبواق" المزروعة في كواليس المسارح السياسية لتلفظ "حكم إعدام ديتلف ميليس في الشارع" و تهدّد الأمم المتحدة من عواقب تطرّق و إشارة القرار الإتهامي إلى "أركان الدويلة الهجينة".
الألسنة و الذمم و العقول المفخّخة بالبارود السوري-الإيراني و المكرّسة لشقّ الطريق أمام الهيمنة الكاملة على لبنان تُحشد و تُلقّن و تُلقّم للمرافعة عن موكّليها و ل"إزالة العقبات" التي تعيق "إختراقها" و "غزوها" لكلّ مؤسسات الدولة اللبنانية التشريعية و التنفيذية و القضائية و الأمنية.
كما تستجمع مصادر قوتها و نفوذها و مكرِها لإضعاف تحالف التيارات السيادية و محاولة النيل من مهابة المرجعيات الدينية دون التورّع عن زعزعة مكانة ضابط إيقاع عمل السلطات في سياق الدستور رئيس الجمهورية.
و مع التلويح بالمبضع نحو الرئاسة يرتسم في الأذهان صخب الأصوات التي ألحّت سابقاً على "إختصار" ولايتها بسنتين في هذه الدورة أملاً بإنتقال سريع إلى "حليف أمين" لل"مؤمنين" ب"ولاية فقه معصوم" سيّد القرار على مدى حياة صاحبه.
و منذ ترميم قوات الأمن الداخلي و "جهاز المعلومات" بإشراف و تدريب و تجهيز أمريكي متطوّر ضمن برنامج هبة شمل وحدات الجيش أيضاً تصاعدت بإطّراد "رياح الغضب" الإقليمي المشترك.
و حملت زوبعة هذا الغضب "غبار" التشكيك في أهداف "مكافحة الإرهاب" التي أُسندت إلى قوى الأمن و جهاز معلوماتها.
لكن الإنجازات التي حققتها دحضت هذا الإدعاء بكشف شبكات التجسس و التخريب والمخدرات و الإجرام و فكّ رموز التخابر الذي أماط اللثام عن "شبكة إغتيال رفيق الحريري" رئيس الوزراء الأسبق الذائع الصيت لتوفير تمويل التحصيل العلمي الجامعي لآلاف الشباب و لمد يد المساعدة للمحتاجين، و لإثبات مواهبه المميزة و طاقاته الغزيرة و براعته في إدارة الأعمال.
كان، رحمه الله، مُطلق نهضة الإعمار في لبنان و باني شبكة علاقات عالمية عززت موقع الوطن و سندت مضطهديه الذين توجّسوا من نزعته الإستقلالية فسفكوا دمه و دماء قافلة من الشهداء فجّرت "ثورة الأرز" و أجلت عنه جيش الهيمنة الخانفة.

برصاص السلاح نُخرت نتائج الإنتخابات النيابية و بقوته إنتزع حاملوه و رعاتهم "حقّ نقض" لكل قرار لا يخدم مخططهم التسلطي و اليوم يُلوّح به لتطبيق النقض مع "مفعول رجعي".
"طموح" هذا الطابور إذابة معالم الدولة في "قالب دويلته".
لذا يثابر على العربدة و الزهو بقدراته العسكرية و يمارس مختلف الضغوط لتجريد القيادات الإستقلالية من عوامل قوتها و فصلها عن معاونيها و حلفائها لتخور قواها فيسهل الإجهاز عليها.
كما ينقضّ بشراسة على النفوس المرهقة لإهلاكها و تدجينها، و يترصّد الأصوات الحرّة لإصطياد فرص خنقها، و يكمن للعقول المتنوّرة للتآمر عليها و خَسْفها و يكيد للنفوس الأبية لإكتشاف منفذ لترويضها.
بالعمل المنهجي الدؤوب يفسح الدرب لإقامة حكم إستبدادي هجين يكبّل النظام الديمقراطي في بلاد الأرز توطئةً لقلبه.
لذلك لا ينكرنّ مسؤوليته في الأذى اللاحق بصفوة اللبنانيين، مقيمين و مهاجرين، كلّ من سوّلت له نفسه التواطؤ بخبث و ضِعة في دعم و تغطية هذا المحو الآثم لصُلب الرسالة و الهوية و هذا الهدر المجنون لجنى الكدّ و النضال و مخزون التراث و التاريخ، و هذا القضم الخطير لهيكل الوطن.
تضامن أهل "ثورة الأرز" الوثيق هو الدرع الحامي لِبُنيان الوطن و السند المتين لدعم النظام و الضمان الأكيد للعبور إلى ضفّة الإستقرار و هناء العيش و إطّراد النمو و شمول الإزدهار.
الظروف الإستثنائية هي محكّ معدن الصلابة و الأصالة و الشهامة و العنفوان و الأمانة للقيم السامية و الوفاء لعزّة أرواح الشهداء و الصدق بوعود تحقيق أمنياتهم التي إنتُزعوا من دروبها و هم يرنون إليها.
فطوبى لمن سطع صفاؤه فإستحقّ الإكرام و خسئاً لمن تفحّم سجلّه فإستجلب لعنة أبدية!
(نظراً لكثرة الشكاوى من الإستغلال و تفاقم المخاطر التي تلفّ درب المطار حان الوقت ل"تسييجه" ب"مظلّة" أمنيّة مُحكمة لا تُخترق و فتح منافذ جديدة للوطن مضمونة بحماية رسمية حصرية بعيداً عن منال قطّاع الطرق.)
*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية