17.3.11

غبطة عارمة لأنتقال سلس في سدّة البطريركيّة

حميد عواد*

تبوّءُ سُدَدِ المناصب هو إمتحان لتفعيل قدرات ونفاذ تدبير مرتقيها.
كما هو فرصة سانحة لإثبات كفاءاتهم وبراعاتهم وحسن إداراتهم ورجاحة حكمتهم وصواب رؤاهم وتميّز إبداعهم وسمو مناقبهم وشمائلهم وفذاذة شخصيّاتهم.
القاصرون عن تحمّل أعباء المسؤوليات يصبحون عالّة على مناصبهم أمّا المفلحون المرموقون فيزيدونها رونقاً وتألّقاً وتأثيراً.
كما يُفتقد البدر في الليلة الظلماء، متى إكفهرّت الأوضاع وتعقّدت وغدت الظروف فائقة الدقّة تشتدّ الحاجة لقيادة حازمة وخلاّقة ورائعة ومدهشة في أدائها تحشد الطاقات وتستنفر الهمم وتنظّم الجهود لتجاوز المحن.
لمع نجوم بطاركة الكنيسة المارونية لإنطاكيا وسائر المشرق في فضاء لبنان عبر التاريخ حاملين في ذممهم امانة الرعاية الروحية والوطنية للموارنة والمسيحيين عامة مثبّتين الكيان اللبناني في وجدانهم عبر العصور.
إضطروا خلال مراحل إلى التفاوض الحازم مع سلطات الدول النافذة وآخرها سلطة الإنتداب الفرنسيّة لإنجاز الإستقلال وإلتزموا بالتفاهم وتضافر الجهود مع بقيّة الشركاء في الوطن.
تنحى البطريرك صفير عن السدّة البطريركيّة تحسّباً لإعياء قد ينوء به العمر على منكبيه وأفسح المجال لخليفة أوحى بها الروح القدس إلى كلّ المطارنة فأجمعوا على إنتخاب المطران بشارة الراعي بطريركاً جديداً.
الأسى الذي خبره اللبنانيّون لنبأ إعتزال البطريرك صفير طيّبه زفّ نبأ إنتخاب المطران الراعي بطريركاً جديداً.
الدور المجلّي والفعّال الذي لعبه المطران الراعي في نشاطاته ومهامّه الكنسيّة و التثقيفيّة كما في إطلالاته الإعلاميّة الكثيفة، حيث دحض الإفتراءات التى تحامل بها الضالعون في نفث سمومهم بإتّجاه بكركي وصحّح الهرطقات المفتعلة وأكّد ثوابت الكنيسة الروحيّة و الوطنيّة، حتّم إختياره بديهيّاً ومنطقيّاً.
البطريرك صفير كان متّحداً في حلوليّة كيانيّة مع الروح القدس وكان ضميره دائم التخاطر مع خلجات وجدان وإبتهالات قلوب وهواجس عقول اللبنانيين.

والبطريرك الجديد كان يتحسّس بإرهاف وتجاوب نشط هذا التواتر.

وهو على مثال سلفه راسخ العقيدة روحيّاً ووطنيّاً، وأميناً في حمل الرِّسالة وإنعاش الذاكرة لضخّ غنى قيم وبرّ التراث فيها.

وهو كسلفه مجبول بنعم البرّ والمحبّة والعطف والوداعة والحكمة والزهد والتقوى والوقار والمعرفة.
وكلاهما خطيب بليغ ومحاور لبق ومرشد عليم وحكيم ومحامِ دامغ الحجّة وصلب القناعة لا يرضخ للضغوط.
وكلاهما حريص على صيانة الكرامة الإنسانية وعزة النفس وحريّة الرأي والمعتقد في كنف النظام الديمقراطي الضامن لسيادة وإستقلال الوطن.
لمّا إشتدّت وطأة الهيمنة "الأخويّة" على اللبنانيين ولهج زبانيتها بدوامها أطلق البطريرك صفير صرخته المجلجلة مع الأساقفة السامي الإحترام من خلال بيانهم المؤرّخ في بداية أيلول سنة 2000 الذي دعوا فيه "الأشقّاء" إلى سحب جيشهم من لبنان.
وتضافرت عوامل الدعم الداخلي والدولي مخضّبة بدم طليعة شهداء ثورة الأرز وتحقّقت "المعجزة".
لكن ما لبثت أن تقمّصت نزعة الهيمنة في عقيدة وممارسات "حرّاس ثورة" ذات عصب مذهبيّ تغلغلت خلال مراحل ضعف الدولة اللبنانيّة و شرخت شريحة من أهل الوطن.
البطريركان صفير و الراعي يميّزان بوضوح بين مسؤوليّات "سلطة قيصر" وتلك التي لله.
صحيح أنّ كلاً من التربية الروحيّة والتنشئة المدنية تتشاركان وتتكاملان في تهذّيب النفس وتنمية القيم الأخلاقيّة وترهيف الضمير وإبراز الحقوق الإنساسيّة والواجبات والمسؤوليّات، لكن تقف السلطات الروحيّة عند حدود توجيه النصح إلى السلطة السياسيّة إذا إنزلقت إلى شطط أو شذوذ بهدف تصويب السلوك.
الإعتراض السلمي حقّ مباح قانوناً وعرفاً وشرعاً لكن أن تتحوّل سلطة روحيّة إلى قوّة عسكريّة ضاربة فهذا أمر خارج عن نطاق الدين.
روحيّة العصر لا تتقبّل إطلاقاً نظاماً ثيوقراطيّاً للدولة.
المعروف عن اللبنانيين أنّهم كانوا دائماً روّاد النهضة وعشّاق الحريّة المسؤولة ومعتنقي النظام الديمقراطي الذي يتيح التفاعل الإيجابي بين بيئات مجتمعه المتنوّعة في ظلّ رعاية مؤسساته، دون السماح لفريق بإستغلال ظروف الفوضى والوهن القاهرة لفرض طغيان عقائد شموليّة هجينة تخنق الحريّات وتلغي التنوّع وتفكّك النظام.
ألبطريركان صفير و الراعي يدعمان تعزيز مؤسسات الدولة وينددان بنشوء كيانات هجينة مسلّحة تقرض سلطاتها وتهيمن على القرار وتفرض طقوس الحياة اليوميّة على الناس.
وهما يحضّان الدولة للقيام بواجباتها في حماية اللبنانيين من تهديد السلاح وإنتهاكات التعديات وغدر الإغتيالات.
وهما يؤازران مسار العدالة الوطنية و الدوليّة خاصّة المحكمة التي قطعت أشواطاً في التمحيص والتنقيب عن الأدلّة والبراهين الدامغة والقرائن المثبتة في قضيّة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر رفاقه من شهداء ثورة الأرز.
لبكركي موقعها المهم في تاريخ لبنان نظراً للدور الذي إضطلعت به في تأسيس الكيان اللبناني وصيانته وإحباط الهجمات التي إستهدفت تفكيكه.
لذا تحرص الدول الكبرى على الإستماع إلى رأي البطريرك الماروني في القضايا الوطنية وما يتصّل بها من قضايا المنطقة.
البطريرك صفير تلقّى دعوات وإستُقبل من العديد من رؤساء الدول الكبرى فدافع أمامهم بشجاعة وصراحة عن مصالح لبنان وصيغته النموذجيّة التي تحتضن أبناءه بحدب ورعاية وإحترام ودعاهم إلى التعامل بعدالة مع قضايا الشعوب.
البطريرك الجديد مار بشارة بطرس الراعي كان يسير في موازاة البطريرك الجليل مار نصرالله بطرس صفير وهو مدرك لضخامة المسؤوليّات المسندة إليه وهو قادر على ممارستها بجدارة.
اللبنانيّون مطمئنّون وواثقون أنّ المقام البطريركي في عهدة البطريرك الجديد سيستمرّ في تألّقه ووقاره وتأثيره ومحوريّة دوره كما كان في عهدة سلفه، فهنيئاً للبنان!
*مهندس وأكاديمي باحث في الشؤون اللبنانيّة