15.11.11

وجها المال والسلطة

المال والسلطة قوّتان تدفعان نحو النهوض والإنماء والتطوّر إذا أدارهما مسؤولون مكتملوالحكمة والخبرة والبراعة متحصّنين بضمير مرهف يصوّب خياراتهم وقراراتهم وتطبيقاتهم. لكنّ طاقة هاتين الذخيرتين، كالطاقة الكامنة في الذرّة، تنقلب إلى زوبعة مدمّرة إذا تلقّفهما وإستأثر بهما "عقل" مختلّ ومضطرب متفلّت من روادع الأخلاق و الضمير تنهشه شهوات العظمة والهيمنة والجشع .

مع إختلال سياسة الإقتصاد العالمي، بل إستباحته للتلاعب بتداول الأسهم وتجارة القروض وتسريب ريع التضليل، لشفطه داخل خزائن قياصرة السلطة وشركائهم من أقطاب المال، هوى الإقتصاد إلى لجّة الفوضى والإفلاس فخسر ملايين البشر جنى أعمارهم وما زال الترنّح من شدّة الصدمة يتفاعل ركوداً ويهدّد أركان الدول وحيوات الشعوب.

ومع تضخّم ديون الدول والشكّ بعجز قدرة الكثير منها على الإيفاء يُخشى غرق مانحي يد المساعدة مع محتاجيها في بؤرة الرمال المتحرّكة فتشفط تدريجيّاً العالم أجمع.

هذه الظروف العصيبة التى لا يطيق وطأتها شعوب الدول الحرّة زادت شحن نفوس الشعوب المقهورة والمأسورة تحت ظلم وتنكيل الطواغيت توقاً إلى الحرّية والفرج من الضّيق وحفّزتهم على تفجير الثورة التى تختمر في وجدانهم.

هكذا نشهد عيّنات من تفجّر الثورات المكبوتة في العديد من الدول العربيّة سلميّاً أو عسكريّاً على النمط الليبي. لكنّ التجربة الليبيّة الضارية لم توقظ نباهة النظام السوري. ولا تمحّص قادته في أمثولة عبور الإنتفاضتين التونسيّة والمصريّة إلى مراحل التأسيس لنظام جديد، نتوخّاه ديمقراطيّاً لصون كرامة الشعبين، دون خسائر بشريّة بالغة، ولو أنّ سقوط شهيد واحد كاف لفجع أمّة بأجمعها.

فقد تورّط النظام السوري في قمع دموي شرس لإنتفاضة شعبه بوتيرة متصاعدة استدرجت عزله عربيّاً ودوليّاً فحتّى الحظوة التي منحته إيّاها روسيا والصين آخذة في التآكل.


إنّ غريزة القمع والإفتراس المتأصّلة في طبيعة النظام تغلّبت على أيّ منحىً متمدّن يليق بكرامة و حقوق ووعي وثقافة المواطن .

لقد إستمدّ أركانه دعماً وفيراً من تحالفهم الوثيق مع النظام الإيراني الغارز أذرعته والباسط أجنحته على "مدى طموحه" و"إستثمروا" رعايتهم للفصائل المسلّحة التي أنشأوها مع النظام الإيراني في لبنان وغزّة لتعزيز موقعهما ونفوذهما.

دأبت القيادة السوريّة على البطش بمن هو أضعف منها وثابرت على المراوغة لتحاشي الصدام مع الأقوى منها. كما إستهلكت كلّ الوسائل المعزّزة لإستمرارها في السلطة وواظبت على "إزالة كلّ العقبات" التي تعترض بسط سلطتها الجامحة التي جنحت ولاكت لبنان.

لكن يبدو أنها إستنفدت كلّ الحيل التي لم تعد تنطلي على المجتمعين العربي والدوليّ اللذين يشدّدان الضغوظ الدبلوماسيّة والسياسيّة والإقتصاديّة عليها ويمهّدان السبل الآيلة للتغيير.

لبنان المميّز بنظامه الديمقراطي ورسالته الحضاريّة وطموح ومرونة وتوقّد ذكاء شعبه تغلّب على فتن وأزمات هائلة عصفت به وخضّت الوئام وعكّرت التفاعل الخلاّق بين أهله. فرغم تنطّح النظامين السوري والإيراني لفرض وصايتهما عليه بالقوّة يثابر غالبيّة اللبنانيّين على رفض هذه الهيمنة المتقمّصة ب"حرّاس نفوذهما" الذين أغدقا عليهم المال والسلاح والتنظيم خارج كنف الدولة لإختراقها وتغليب إمكاناتهم ونفوذهم على المنضوين تحت لوائها.

فتحتَ وطأة ضغوط هذا الإطباق المدجّج بالسلاح لا يمكن إبرام أي إتّفاق عادل ومتوازن وقد شهدنا نكوصاً بكثير من العهود التي سبق وقطعها المستقوون بالسلاح الذي هوّلوا به لكسر خيار الناخبين وفرض حكومة خاضعة لمشيئتهم خلافاً لشعار المشاركة الذي رفعوه سابقاً. فعبرها يحاولون التنصّل من إلتزامات لبنان بالقرارات الدوليّة ومنها تمويل المحكمة الخاصّة به ويعدّون قانوناً إنتخابيّاً يوّسع حصّتهم ويجرون تعيينات تحشد مؤيّديهم ويسنّون مراسيم وقرارات تستميل الناس لتأييدهم.

عبثاً ثني المؤمن بنظام يمحض سلطة مطلقة وحصرية لفقيه يحكم بلداً آخر عن إيمانه فكلّ ما يستطيعه هو "التكرّم" علينا بمهلة "سماح" لممارسة ديمقراطيّتنا ريثما يُنضِج الظروف لفرض عقيدته.
ومن راهن على "لبننة" هذا المؤمن إنزلق و"تأيرن" و"تسورن"!
ومن يلوّح بنصوص إلغاء الطائفيّة كغطاء لإلغاء بقيّة الطوائف هو الممتنع عن غسلها من نفوس امثاله.
ومن يحرص على إكتساب ودّ وثقة شريكه في المواطنيّة لا يحاصره بكثافة الإنجاب وقضم الأراضي ونشر السلاح وإكتساح مناصب الدولة والسيطرة على إداراتها ومؤسساتها وجامعاتها وهزّ الإستقرار. ومن يحترم جاره لا يفرض عليه "طقوسه"ا.
ومن يحرص على صدق التمثيل لا يعمل بشكل حثيث على "تذويب" أصوات "المختلفين" عنه في دوائر إنتخابيّة "يصّممها" بشكل يفيض فيها عديده على عديد الآخرين فتضمحلّ قدرة منافسيه على إنجاح ممثلين فعليّين لهم.
ومن يرغب في توثيق علاقات المغتربين بأهلهم ووطنهم ويرفض التوطين يسهّل سبل عودتهم مع الذين نزحوا قسراً خارج الحدود ويفسح لهم مجال المشاركة في الحياة السياسيّة ولا يعاملهم كمنبوذين أسعده قذفهم خارج الوطن للتخلّص منهم.

تكاتف اللبنانيّين السياديّين يشكّل درعاً واقياً لنظام لبنان ورسالته الإنسانية النبيلة تسيّجه حماية أجهزة الدولة الأمنيّة الرسميّة المفتوحة لإنخراط كلّ ملهوف لهذه الخدمة.
وفي الملمّات الكلّ يهتفون لبّيك لبنان! (وفي يمين الولاء لا بديل للبنان)

المهندس حميد عواد
أكاديمي وباحث في الشؤون اللبنانية