22.8.12

الجور ساقط في الهاوية فلِنَحْتَم ِ من إرتجاجات إرتطامه بالقعر

المهندس حميد عوّاد* كثير من الناس، بدافع الترف وكسراً للرتابة أو خرقاً للمألوف وخروجاً من الواقع توثّباً إلى مراتب الشعور بالتفوّق وضخّاً لحيويّة منعشة تنشّط المشاعر، ينشدون الإثارة حتّى عبر خوض مغامرات خطرة تشحن أحاسيسهم بزخّات من الفوران. مارس لبنانيّون طوعاً وإستمتاعاً هذه الهواية في حقبات الإسترخاء والبحبوحة والسلام، لكن ما إن كرّت حملات دكّ أسس الكيان الوطني لمحوه وشرخ "أعضائه الحيويّة" وتفريغه من "ذخائره المميّزة" حتّى تلاشى الرغد وتعطّلت مقوّمات الحياة وتشنّجت الأعصاب وساد الرعب وعمّ الدمار. رغم لمّ الشتات وعقد العزم على النهوض بخطط توافق معظم اللبنانيّين على إنجازها وإنجاحها ضمن ورشة ترميم وتحديث الدولة وإعمار المدن والأرياف وإنعاش وتحفيز الإقتصاد، ثابر "قياصرة" النظامين السوري والإيراني، طبقاً لمخطّط الهيمنة الكلّية على لبنان، على إعاقة جهود التعافي وإختطاف السلطات بالسطو المباشر - يوم حوّل النظام السوري لبنان ثكنةً وغنيمة لعسكره - وبالواسطة - بعد سحب جيشه مكرهاً بضغط قرار دوليّ وعصف نقمة ضاهت دوي إغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي تلبّس إرتكابه - عبر التحكّم بأذرع ومنظومة عسكريّة مكتملة الأجهزة مرتبطة عضوياً به وبحليفه النظام الإيراني شقّت سبل هيمنتها على العديد من مؤسّسات الدولة. بعد طول إعتداد برسوخه إهتزّ النظام السوري ووقع في الحفرة التي حفرها لوأد أخصامه وحصد عواصف أحقادهم بعد زرعه زئير إحتقارهم. إذ إستعدى شرائح من شعبه لشدّة بطشه وظلمه وإنتهاكه للحقوق الإنسانيّة ولم يأبه لمطالب الإصلاح وموجبات الشراكة ظانّاً أنّ التنكيل كفيل بالتطويع وأنّ قوتّه العسكريّة ومتانة تحالفه مع إيران والإتّكاء على الدعم الروسي تضمن ديمومته وتناسله إلى ما لا نهاية. لكنّ الشعب السوري ثار على جور حكّامه وكانت ثورته تظاهرات سلميّة في البداية وتدرّجت في مواجهة القمع الدموي نحو صدامات مسلّحة عمّقت الجراح وبلغت مستوى مأساوياً تضاءلت معه فرص الحلول السلميّة. غاب عن بال حكّام سوريا أن مهمّة عسكرهم المركزيّة هي حماية الشعب وليس ركوبه مطيّة وإستخدامه أداةً لإذلال وتطويع أهله. كما فاتهم انّ القوى العسكرية تتضاعف فعاليّتها في التصدّي لعدوان خارجي متى سُندت بدعم جبهة داخليّة متآلفة ومتراصّة يجمع بين مكوّنات شعبها عقيدة وطنيّة راسخة نابعة من قناعة وحدة الحال والمصلحة والمصير التي تجعل الإنتماء للوطن أسمى مراتب الإنتماء والإفتخار. الواضح أنّهم لم يتوبوا عن ممارسة العنف فالمجازر ما زالت جارية دماؤها في قلب سوريا ويطمحون إلى إستجرارها لداخل لبنان بإفتعال صدامات وأعمال خطف وتفجيرات تدفع سرايا حليفهم الثوريّة في لبنان إلى تعويض خسارة سوريا بإجتياح لبنان! وما "الهدايا" التي حمّلوها لمستشار الرئاسة السوريّة، المُثقل الضمير، لتفجّر "محبّتهم" "شمالاً" في مناطق لجوء النازحين السوريّين إلاّ مثالٌ جديد يضاف إلى سابقاته على "تأصّل" غريزة القتل في طباعهم التي تطيح بجدوى كلّ "إتفاق" عُقد معهم وتثبت عقم التعاطي معهم وبهتان "الودّ" الذي يكنّونه لشعبي لبنان وسوريا. إنّ الأعمال الإجراميّة مدانة وتستوجب إحالتها إلى القضاء المختصّ الوطني أو الدوليّ. إرتكاب جرم من فريق لا يبرّر الردّ بإرتكاب جرم شنيع من الغريم مع إصدار شهادة براءة ذمّة. وتيرة الإنشقاقات تتسارع لتزيد في تآكل النظام، وقوّته العسكريّة الضاربة تنخرها أسلحة متطورة يحصل عليها "الجيش السوري الحرّ" ويقرضها توسيع رقعة المواجهات وتصعيد حدّة الإشتباكات. لكنّ طغيان الصدامات العسكرية على مشهد الصراع في سوريا يغيّب للأسف ممثّلي التيّارات الليبراليّة والعلمانيّة مستقلّة أويساريّة ويفسح المجال لتسرّب عناصرتكفيريّة إرهابيّة تسيء إلى مصداقيّة ومسار الثورة. من هنا تمارس الدول الداعمة لإنتفاضة الشعب السوري مواكبة حذرة للحضّ على تفادي الشطط والتأكيد على الرسوّ على صيغة حكم ديمقراطي يؤمّن مشاركةً فعّالة ومنصفة لكلّ شرائح المجتمع السوري المتنوّع. لقد برم العالم من أوكار الإرهاب ومن البيئات الخصبة المحفّزة لنشوئه على أساس من التعصّب ل"مدرسة" أو مذهب يلقّن كلّ منها "طلاّبه" أو أتباعه نصوصاً يُحرّف تفسيرها بتصلّب ويشحنهم بالحقد والكراهية وتكفير الخارجين عن نهجهم لدرجة جواز زهق أرواحهم. وهذه الوصمة يدمغ بها خطأً وظلماً ويحمل وزرها كلّ من أشار نسبه إلى مسمّى مشترك مع هذه الفئة الضالّة. وبفعل "تعثّر هضم" الجاحدين بحسن إستضافتهم وإحتضانهم في المجتمعات الغربيّة وتحت تأثير إرتكاب الأعمال الإرهابيّة في أفغانستان و باكستان و نيجيريا وغيرها بدأت تبرز ظواهر إجراميّة مقلقة تستهدف أقلّيات متحدّرة من المهاجرين في أوروبا (أندرس برافيك في النروج) وأميركا (وِيد مايكل-مطلق النار على المصلّين في معبد السيخ قرب ميلووكي). إنّ الشحن المذهبي والطائفي عواقبه خطيرة وضحاياه كثيرة. على المرجعيّات الدينيّة الموثّرة إتّخاذ التدابير الآيلة إلى تبريد الغليان وتنفيس الإحتقانات وإحتواء التفجّرات وإجتراح الحلول الشافية من هكذا لوثات وإعادة تأهيل المضلّلين وإعداد مرشدين حكماء يدينون التطرّف ويبشّرون بالتسامح والتآلف والإنفتاح والمحبّة. الفرز المذهبي يتفشّى في الشرق الأوسط وآسيا منسلّا من تفاقم الصراع على السلطة الدينيّة والسياسيّة بين قطبي إيران ودول الخليج ويرخي بظلّه على الصراع في سوريا وعلى التجاذب السياسي في لبنان. كما يحتدم الإحتقان والتهديد بالحرب والتحضّر لها بين إسرائيل وإيران مع ظهيرها في لبنان على خلفيّة التوجّس من التخصيب النووّي الإيراني وتحيّن الفرص للأخذ بالثأر والتأكّد من محدوديّة الخسائر في الجانب المبادر في مقابل إصابة الأهداف وإنزال أذىً جسيم في جبهة الخصم . الأجواء الملبّدة هذه والضاغطة بثقلها على اللبنانيّين تستلزم ترويض غرائز الإستقواء وكبت جموح الهيمنة، وتطهير النوايا والتفكير مليّاً بالمصلحة الوطنية الجامعة لإيلائها الأهميّة الفضلى وإنتظام السلوك في السياق القانوني والتحلّي بأقصى درجات الحكمة وحسن التدبير وضبط الإستفزازات والإنفعالات وغسل القلوب وتحكيم الضمائر. هذه المبادئ الهادية ليست يتيمة، فأهلها كثر في لبنان بينهم شخصيّات ميمونة النّقيبة تتنكّب مسؤوليّات جسام في مؤسسات الدولة ومنهم قادة رأي محترمون وفرسان سياسة ومفكرون وعلماء ورجال دين أجلاّء ومنظّمات المجتمع المدني. فهلمّوا وتقاطبوا أيّها الحكماء وإنطقوا كلمة الحق وسدّدوا الخطى وقودوا المسيرة نحو الأمان والخلاص! أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانيّة* Discernment, percipience, compassion, support for freedom, justice and Human Rights.