24.5.05

إنتعشت الآمال فلا تنغصّوها

حميد عواد*

إن نجاح أي حوار بين فرقاء متبايني الآراء يتطلب، إضافة إلى الذكاء و الحنكة في إدارة الحوار، تمتع كل منهم بوعي و حسن نية و نزاهة و صدق و صراحة و منطق تحليلي و سعة معرفة و عمق تبصر و قابلية لفهم الآخرين و و استعداد مرن للتصحيح و التعديل عند الإقتضاء و حس مرهف في التمييز بين الأفضليات و التزام مخلص ببلوغ صيغة وفاق.

و الحوار على الصعيد الوطني ينطلق من مبادئ محورية تشكّل جوهر الحياة المشتركة للأمّة و صكّ وجودها و ترسم الأطر التي تمّ التوافق عليها، فتصاغ بنوداً في الدستور تستمدّ منها روحية القوانين و تشكل معياراً لصلاحية أو بطلان التشريعات و التدابيرالمنوي إتخاذها.

و الدستور ليس قالباً جامداً بل يجوز إعادة النظر به ليتلاءم مع سياق تطور الحياة المعاصرة و ليستجيب لمتطلبات تحسين فرص مرعييه في الإرتقاء إلى مستوى أفضل، لكنه ليس مطيّة لأي فريق يرغب في تعديله، ساعة يشاء، تنفيذاً لمصلحة خاصة أو فئوية تستسيغ هدر أو قضم أو استغلال المصلحة العامة.

في حقبة إطباق الهيمنة السورية على لبنان أُسر الوطن و أُخضع لشتى أنواع التنكيل والإستباحة المنهجية لمقدساته و لم يسلم الدستور و لا العيش المشترك و لا الحوار ولا حقوق الإنسان من الإنتهاك.

و لولا صمود عصب الممانعة- التيار السيادي- في انتفاضه الأبي على الذل و عصيانه على التدجين طيلة هذه المدة لما أستحوذ تحرير لبنان على الدعم الدولي المقونن و لما سنحت الفرصة لشركاء فاعلين من أبناء الوطن للإنضمام تدريجياً إلى موكب الحرية و السيادة و الإستقلال.

أما ذروة التضامن الوطني فتبلورت في مسيرة 14 آذار عقب اغتيال الشهيد المستهدف رفيق الحريري الذي غيّب معه أرواح الشهداء باسل فليحان و 18 مرافقاً.
إن إيذان قرار مجلس الأمن 1559 بحتمية و قرب جلاء جيش النظام السوري و مخابراته عن لبنان شجع المكبوتين المترددين على خرق حواجز الخوف و على إطلاق العنان لحناجرهم تعبيراً عن استنكارهم لهذا الإجرام الشنيع الذي "رعاه" عراب المخابرات المافياوية المتربص "بالمنشقين" و المترصد أنفاس كل الناس من بلاطه في عنجر.

في "إنتفاضة عنفوان أبناء بلاد الأرز" المباركة توحد إيقاع الأصوات على المطالبة بالحرية و السيادة و الإستقلال و جلاء عسكر و مخابرات النظام السوري ومعرفة الحقيقة عن الكامنين وراء مؤامرة الإغتيال.

و ما لبثت أن توالت الأحداث وفق طموحات أحرار الضمير و الفكر، إذ أخلت طوابير النظام السوري الأراضي اللبنانية في 26 نيسان و أُنشئت لجنة التحقيق الدولية في قضية اغتيال شهيد لبنان الرئيس رفيق الحريري بموجب القرار 1595 و هي تتهيأ للمجيء إلى لبنان خلال اليومين المقبلين و الكل يترقب تقرير لجنة التحقق من الإنسحاب السوري من لبنان التي لا بد أن تتطرق إلى ضرورة رسم الحدود بين البلدين لحسم قرارها. و ذلك يتضمن حسماً لموقع مزارع شبعا و تحديداً لمصير سلاح حزب الله.

إنجازات مجيدة كهذه، هي ثمرة نضال باسل و تضحيات نفيسة، لا يجوز تنفيس زخمها أو تشتيت صفوف فصائلها أو تحوير مسارها او الإستئثار بقطف جناها.

إن عودة العماد عون، القائد البارز في مسيرة التحرير التي جند لها التيار الوطني و حلفاؤه و أصدقاؤه، مع رفاقه إلى الوطن هي "مدّ" خيّر و معين ضروري لبناء لبنان المعافى و المعاصر.

فليس ما يبرر "الجزر" الذي قابله به الأستاذ وليد جنبلاط متذرعاً باتهام الرئيس عون باحتكار المعارضة و النزعة إلى ترؤسها في الوقت الذي غزل هو حبكاته الإنتخابية مع الحليف سعد الدين الحريري بمنأى عن بقية الحلفاء.

هل نتوقع ردة فعل مماثلة حين يطلق الدكتور سمير جعجع من "صومعته" خاصة بعد زيارة العماد عون له تكريساً للتضامن معه و نبذاً لأخطاء الماضي؟

في ذروة "التطيّر" الجنبلاطي انتقلت العدوى إلى الحريري الذي قال أن الطاولة التي تجلس عليها المعارضة يجب أن تكون "دائرية" ( بلا رئيس).

صحيح أن العماد عون انتقد الزعامة الإقطاعية تقليدية كانت أم مالية سياسية ثم كنّى جنبلاط و الحريري برستمين غزاليين.

و ما ردة الفعل هذه إلا تعبير عن امتعاض العماد عون من تنكر منتقديه لأصول التحالف : فمن ناحية لم يبادرا إلى إقرار قانون الإنتخاب المشتق من قانون 1960( القضاء دائرة انتخابية كما طالبا أساساً) و من ناحية ثانية لم يتشاورا (في البدء) مع أطراف المعارضة على خوض الإنتخابات على أساس برنامج عمل ( كان جنبلاط ينادي به ثم عاد و أغفله) قبل البحث في لوائح المرشحين.

إن "التكرم" بمقعد هنا و مقعد هناك من جانب واحد لا يفي بشروط الشراكة المتكافئة.

بعد انحسار التراشق الإعلامي و عودة البحث إلى طاولة المناقشات نأمل أن يلتزم المتحاورون الأصول التي ذكرناها في مطلع هذا الكلام فلا يقف أي تفصيل حائلاً دون الاتفاق على خوض الإنتخابات ضمن لوائح موحدة، و لو بقانون عائب "نام عنه نواطير" السلطة حتى لحظة الحشر.

و كم كنا نتمنى لو أقر قانون سليم عادل يسمح للمغتربين أيضاً، و جلّهم من الملتزمين بقضايا الوطن، أن يمارسوا حقهم في انتخاب ممثلين أكفياء لينوبوا عن كل أبناء بلاد الأرز في إدارة دفة الدولة.

لا شك ان إنصباب الإهتمام الدولي على إجراء الإنتخابات بمواقيتها خوفاً من الوقوع في المجهول سهّل نفاذ قانون انتخابات سنة 2000.

فقد ذكر الحريري، و هو الذي تحادث مطولاً مع مسؤولي الإدارة الأمريكية، محذور تشكيل حكومة عسكرية، فيما ربطت اجتهادات أخرى العجلة بتقنين حصص معينة و بتغطية قرارات مهمة ستتخذها السلطة المنبثقة عن الإنتخابات.

مهما كان الدافع إلى هذه الحمية نتمنى أن يخفف الإقتراع الكثيف من مساوئ هذا القانون و أن يحكّم كل مقترع ضميره بصفاء داخل الغرفة السرية (و ليس خارجها) ليحسن الإنتخاب.

فينبثق عن هذا الإستحقاق غالبية من النخب الكفية العالية المناقب القادرة على حل المشاكل الشائكة و تنقية و تأهيل و فرز السلطات و تحصين القضاء و تحسين فرص العلم و العمل والعناية الصحية و التربية المدنية الراقية.

فإن نجحت يحتل الإنتماء إلى الوطن أعلى مرتبة في حياة المواطن، و تحوز دولة الديمقراطية و التفاعل الحضاري هذه على ثقة المجنمع الدولي المستعد للسخاء بشتى أشكال المساعدات لدعم نموها حتى ذروة الإزدهار.

لقد انعشت أجيال لبنان الآمال بمستقبل مشرق فحذار أن تنغصوها!

* مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

ليست هناك تعليقات: