1.7.09

لبنان صنو الحرية و العنفوان لا يخنق

*حميد عواد


إستقامة و نجاعة حرية الرأي و المعتقد تنبعان من وعي حدود المسؤولية حقوقاً و واجبات و ممارسة، كما تبنى من خلال حرية الإضطلاع على مصادر المعرفة و صقل المواهب و تنمية طاقات الإستيعاب و التمييز و الغور في باطن الطروحات لتقصي خباياها و تبيّن مقاصدها و أهدافها.

و هذا يتطلب تنشئة رصينة غنية الروافد، واسعة الآفاق، منشّطة للفكر، شاحذة للمنطق و محفّزة على التحليل النقدي، ضمن بيئة إجتماعية صحية منيعة لا تزعزعها هزات توتر داخلي مفتعل و لا تخرق غلافها إضطرابات وافدة من وراء الحدود.

رغم هول الأحداث و الفتن التي أحاطت و إخترقت لبنان، بقيت شرائح مهمة من المجتمع اللبناني وطيدة الإيمان بوطنها وفية لتراثها و حامية لحصونه الشامخة المنيعة التي يحاول عبثاً "موغول" العصر دكها و محو ذاكرتها الجماعية.

بكركي قلعة وطنية راسخة وصرح روحي حضاري بطاركته من صنّاع تاريخ لبنان و صاحب الغبطة و النيافة مار نصر الله بطرس صفير هو سند صلب لكيان لبنان "الرسالة" عصي على الضغوط و حملات التعدي التي إستهدفت من خلاله عوامل منعة الوطن، فإرتد المعتدون خائبين و مفضوحين: الماس لا تخدشه المخالب.

كم كانت أمنية الحريصين على صيانة جوهر كيان الوطن، المتميّز بنظامه الديمقراطي و تنوعه البشري، ألا تجرف السيول الإقليمية فئة و فتاتاً من نسيجه الإجتماعي لتنقلب على الصيغة النموذجية لهذا الوطن المنارة و القدوة، محاوِلة خنق الحرية و إحتباس النور و إجهاض النهضة بشتى الوسائل الوافدة إليها من الأنظمة الشمولية المحيطة، بما فيها السلاح الذي غدا جزءاً من مهامه حقن للإستفزاز الفئوي و "فورة منشطة" للإستقواء الهمجي و ضغط إستدرار للإبتزاز السياسي و "وسيلة تعبير" لتمجيد الزعامة تمزق الأجساد.

إن القدرة على الترويض حسنة إن خُصصت لإخماد النزعات العدائية وضبط الإنفعالات، أما أن تستغل هذه القدرة عند بعض المشعوذين لإثارة و تأجيج الغرائز البهيمية في أذهان مسلوبة الإدراك كي تؤهبّها و تسوقها للإفتراس فتلك الطامة الكبرى.

رغم صولات الترهيب و تلاوة تعاويذ التضليل و ممارسة طقوس التدجين و ضخّ شعائر التدجيل الديماغوجية إرواءً لظمأ النفوس المدمنة على التبعية، قيّض للديقراطية في لبنان أن تتألق حتى في ظروف دقيقة و صعبة، فتمت الإنتخابات النيابية بنجاح تحت رقابة مؤسسات عالمية مختصة خلال نهار واحد مما عُدّ إنجازاً بارزاً رغم إستباقه بتشكيك جوقة النقيق في نجاحه.

هذه الجوقة لم تكتفِ بحرمان المغتربين حق المشاركة في إنتخاب النواب و ربط مشاركتهم بتعديل للدستور يتيح تخفيض سن التأهيل للإقتراع من الواحدة و العشرين إلى الثامنة عشر ( رغم أن هذا العمر هو بداية لإكتساب الخبرات و نضج الشخصية و إنقشاع الخيارات و التمرس في المسؤولية)، بل ضاقت بمشاركة من تكبّد مشقات السفر للإدلاء بعيّنة من أصوات تفانت في الدفاع عن لبنان، لأنها "إكتشفت" فيها سر خسارتها.

صدمة هذه الخسارة نغّصت رموز النظامين الإقليميين الشموليين الدائمي التحفز للتوسع و السيطرة الذين كانوا يمنّون النفس بفوز كاسح لحلفائهم في لبنان ينشر هالتهم، فشدت عزيمة النظام الإيراني على منع إفلات منصب رئاسة الجمهورية فيه للمعارضة بكل الوسائل، فجاء الرد بالطعن في صحة إحصاء الأصوات و إنطلق تحرك شعبي يدعو لإعادة إجراء عملية الإنتخاب و كشر المحافظون عن أنيابهم فسطعت المفارفة بين نظامي إيران و لبنان:
"ضدان لما "إستحضرا برزا" و الضد يظهر حسنه (و سوءه) الضد"

و في سياق "المحاسن" أوردت وكالات الأنباء ما قاله أحمد خاتمي في خطبة الجمعة(26 حزيران، 2009):" أريد من القضاء أن يعاقب زعماء الإنتهاكات و مثيري الشغب البارزين و الذين دعموا الولايات المتحدة و إسرائيل، بقوة بحزم و دون أي رحمة ليلقن الجميع درساً... إن من يقاتل النظام الإسلامي أو زعيم المجتمع الإسلامي، عليكم بقتاله حتى دماره الكامل. كل من يستخدم السلاح لقتال الشعب، يستحق الإعدام"، مشيراً إلى من عكر السلام و دمر الأملاك العامة هو "في حرب مع الله". (النهار، ي ب أ، أ ب، رويترز، و ص ف)

هذا غيض من فيض غضب و بأس "حراس نظام أحادية حظوة الحلولية و الفقه".
هل يتقبل اللبنانيون تسليط هذا النمط من التفكير و النهج عليهم في لبنان؟

العالم يشهد و يسمع و يميز بين الحرية و الفوضى، بين الظالم و المظلوم، بين الجلاد و الضحية، و يدعم المطالب المحقة كما يعرف ما و من يستحق الإدانة.

لبنان بممارسة الديمقراطية التي تليق بتراثه العريق إستقطب إعجاب و تقدير العالم الذي أغدق التهاني و التمنيات الطيبة على رئيس الجمهورية و رئيس المجلس النيابي و الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة.

اللبنانيون و العالم بأسره يتوسمون خيراً بتكليف رئيس تكتل "لبنان أولاً" سعد الحريري تشكيل الحكومة بالتنسيق مع رئيس الجمهورية و بعد التشاور مع مختلف الكتل النيابية، و يترقبون ترجمة وعود التعاون بتسهيل تشكيل حكومة منسجمة تؤمن مشاركة بناءة بلا مشاكسة هدامة، تعمل بهدي توق غالبية المواطنين لترسيخ الولاء الوطني و تثبيت الإستقرار و تعزيز دور المؤسسات الرسمية في ممارسة مهامها و صلاحياتها الدستورية خدمة للمصالح الوطنية العليا فوق أي إعتبار آخر، و تجيّر كل عوامل القوة لتصليب هيكلية الدولة و تزخيم إندفاعها نحو التنمية و الإزدهار.

قد يمهّد صفاء النيات كثيرأً من العراقيل لكن الإصرار على إنتزاع شرعية تُسبغ على كيان يقرض تدريجياً معالم الدولة سيطرح عقداً على صعيد صيغة الحكومة و صياغة البيان الوزاري.

و المصرّون على إنتزاع "إمتياز" "حرية الإنتشار" و تحويل كل "منزل" لهم قاعدة عسكرية تُجفل أهل الجوار، يتحدون المبدأ البديهي أنّ السيادة تصونها السلطات الرسمية و يحميها جيش الوطن و قواه الأمنية فلا توكل و لا تلزّم إلى "متعهد أمني". كرامة المواطن و أمنه و إطمئنانه لمستقبله هي أمانة تحفظها مؤسسات الدولة لا سلعة يفاوض عليها حملة السلاح لقاء الخضوع لسلطة زعيمهم.
فهل من يقظة ضمير تضع الأمور في نصابها الصحيح و السلاح تحت إمرة الدولة و تزيل الضغينة من النفوس و تمحو البؤر الأمنية عن ارض الوطن و مؤسساته و مرافقه و حتى عن بعض صروحه العلمية؟

إن الوزراء الحاليين الذين أثبتوا جدارتهم في تحمل المسؤوليات بأدائهم المميز يستحقون الترحيب بإعادة تكليفهم، ضمن حكومة توفر دوراً راجحاً لرئيس الجمهورية و تعكس ميزان نتائج الإنتخابات النيابية و الخيار الشعبي بضمّ شخصيات مؤهلة و كفوءة وخبيرة تحظى بالإحترام و التقدير. كما يحلو تطعيم الحكومة العتيدة بوجوه إغترابية مرموقة بمواهبها و إنجازاتها و دعمها لحرية و سيادة و إستقلال لبنان، و إغناء رصيدها بسيدات مشرقات بمهابة إستقامتها و طافحات بتوهج إيمانها الوطني و لامعات بتوقد ذكائها و إشعاع معرفتها و صفاء إخلاصها و هالة سحر إلهامها و بريق القوة الكامنة في داخلها، كماجدة الرومي التي يليق بها وزارة التربية أو الثقافة أو الشؤون الإجتماعية.
يدرك اللبنانيون المتنوّرون فداحة الخسائر التي تكبدوها من جراء الأطماع المحدقة بوطنهم و بسب ضعف في المناعة نتج عن الإخلال بالولاء الوطني.

فهل تحل نعمة الوفاء و الصفاء على قلوب المسحورين بسطوة السلاح فيرون في لبنان جنة يانعة، عامرة وحصينة خافقة بالحياة، لا قاعدة عسكرية قاحلة دائمة التأهب مرهونة لمشيئة الغير تنحبس فيهاالأنفاس تحسباً للأوامر المفاجئة؟

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

هناك 4 تعليقات:

yasser esmail يقول...

مدونتك رائعه جدا جدا واعطيها مذيد من الاهتمام
وادعوك لزيارة مدونتى
http://www.farafero82.blogspot.com

وابداء رايك فيها

وان اردت يمكننا تبادل الروابط معا لتبادل المنفعه

شكرا

بيت فور العرب يقول...

افلام، اغاني، الحوار العام،الأزياء والأناقة، منتديات الزواج،الثقافة الزوجية،بيت العروس ، منتديات الادبية و الفلسفية ،اخبار الفن والمشاهير،الرياضة العامة،المسلسلات الاجنبيه،الجوال،بلوتوث،المناهج تعليمية


http://www.bayt4.com

منتديات يقول...

thanks alot i will share it in my forum
منتديات
Online games</a

غير معرف يقول...

BGXZ
اخبار
رسميا استقالة حسن شحاته :- والتفكير فى مدرب وطنى جديد
اسرار الموبيل
0 أكـبـر مـكـتـبه ألـعـاب جـافـا للهـواتـف السـامـسـونـج Samsung Java games
اسلاميات
اغانى
اغانى شعبى
افلام اجنبي
افلام عربى
العاب
برامج
جوجل ادسنس
دليل الدردشات
فيديوهات و كليبات