12.7.06

تصويبا ً للولاء و تثميرا ً لأرصدة الوطن

حميد عواد*

حال الصراعات بين خلايا المجتمعات كحال الإلتهاب في خلايا الأنسجة داخل الكائنات الحيّة.
ففي الحالين أثبتت التجارب أنّ المعالجة الناجعة لأي معضلة تبدأ بفرز دقيق لِمكوّناتها بأطرافها و تشعباتها.
يليه تقصٍّ عميق لأسبابها و جذورها.
و يُستتبع بالتركيز على اختبار نسب ترابط عناصرها، و كيفية تفاعلها و تجاوبها مع علاجات مفترضة.
و يُتابع البحث الحثيث حتى يُفضي إلى ابتكار حلّ حاسم أو إنتاج دواء شافٍ.
لكنّ الجهد لا يُؤتى ثماره إلاّ إذا تقبّل العلاج من يحتاجه.
و كلّما بدأت مكافحة العلل باكرة زادت حظوظ نجاحها و كلّما تأخرت زاد التأزّم و التعقيد في مسار التعافي.
فطالما أُهمِل الإلتهاب بلا علاج فعّال، قُيّض له أن يتفاقم و يستعر و يتمدّد ليهيّج بؤرا ً جديدة يستوعب جيوبها فتزيد من تأججه.
المقصود من هذا التذكير تحذير أطراف النزاعات الناشبة حاليا ً من خطورة نهج التهور و الجموح و حضّهم على التعقّل و الإنضباط لتلمّس طريق الإنعتاق من سورة الجنون و النزف و الإستهلاك ليصلوا إلى مرحلة الوئام و السلام.
نظرة خاطفة نحو المآسي و الخسائر الفادحة التي سببتها النزاعات و الحروب، و التي تجاوزت حدود ميادينها الجغرافية لتطال كل شعوب الأرض، تنبّهنا إلى وجود ترابط عضوي بين مختلف الكتل البشرية يجعل منها جسدا ً إنسانيا ً واحدا ً يستمدّ عافيته من سلامة كل عضو فيه و يعتلّ متى أصاب مكروه أي جزء منه.
يتبلور هذا التجسد في كيان منظمة الأمم المتحدة.
عبر مؤسساتها المتعددة الإختصاصات تبادر الدول الأعضاء، بقدر مساهماتها المتفاوتة، إلى مساعدة الدول الفقيرة بشكل دائم و تبادر لأسعاف الشعوب المنكوبة كلما ألمّت بها النوائب .
و بموازاة إسهامها في التمويل الأساسي للمنظمة الأممية ترصد الدول الغنية في موازناتها مخصّصات للمساعدات الخارجية تقتطع من وارداتها و ثرواتها و الضرائب المجباة.
و طبيعي أن يضطلع مجلس الأمن بصلب مهامه في فضّ النزاعات التي تهدد الأمن و السلام في العالم و أن تلعب الدول الدائمة العضوية فيه دورا ً محوريا ً في اتخاذ و تنفيذ قراراته.
و كيلا يضّطر هذا المجلس ل"قنطار علاج" يبذل أكثر من "درهم وقاية" خلال جهود الوساطات لتسوية الخلافات و يرسل قوات حفظ السلام إلى مناطق التوتر تلافيا ً لنشوء الصراعات أو منعا ً لتفاقمها.
لكن مجرد قراءة "مزامير" القيم الإنسانية لا تلقى مسامع صاغية إن تُليت على مخلوقات شوّه طبيعتها الإنسانية ميل جامح نحو التسلّط أو تنشئة منحرفة مشحونة بسموم التضليل و الكراهية تؤدّي إلى استعداء كل من لم يتمسّخ مثلها.
و هنا تكمن أهمية عزل الطغاة و فضح مصادر "تلويث الأدمغة"، و تفكيك عصب التزمّت.
فيما تُبلسَم النفوس بترويج فوائد الإنفتاح و إتاحة التواصل و اكتساب المعرفة و تثقيف الفكر و إيقاظ الضمير و الإنخراط في المجتمع الإنساني بشراكة خيّرة.
رغم الإفرازات السلبية للصراعات العاتية التي نفّست احتقانها في لبنان، عاد نجم نخب اللبنانيين يسطع كَرُوّاد حضارة اختمرت في قلوبهم خلاصات المحبة و ترافدت في عقولهم سيول المعرفة و تفتّقت في قرائحهم براعم الإبداع و نضجت في وجدانهم ثمار الحكمة فأعطوا بسخاء و خدموا بإخلاص مجتمعاتهم داخل الوطن و في ديار الإنتشار. لبنان خميرة نشيطة لإستنهاض الذات الإنسانية النبيلة و لتحفيز قيم العدالة الشاملة و الحرية المتنوّرة و صون حقوق الإنسان و التزام المبادئ الديمقراطية. تغلّب شعبه على محاولات شرسة لسحقه و رسّخ قناعة عالمية بأهمية دوره فمحضه العالم دعما ً مطلقا ً.
كُرّس لبنان شريكا ً مدللا ً لأوروبا في سياسة الجوار بسرعة قياسية لأن مؤسساته و نظمه في غالبيتها متلائمة مع المعايير المعتمدة في أوروبا و الجهود منطلقة لتعديل ما يتناقض مع هذه المقاييس لجعلها مؤتلفة.
كما أن الولايات المتحدة الأميركية تزخّم نشاط المساعدات المتنوعة و تخصّب تلاقح الخبرات كاستضافة وفود صحافية ضمن دورات إعداد مهنية في أميركا، و مشاركة وفد من الكونغرس الأميريكي زملاء لهم في البرلمان اللبناني في ندوات عقدت بالأمس و تناولت وجوه ممارسة الديمقراطية و الرقابة و العمل البرلماني في البلدين، و إرسال السفارة الأميركية عشرات الطلاب إلى الولايات المتحدة ليمضوا سنة في ضيافة عائلات أميركية و يدرسوا مع الطلاب الأميركيين فيخوضوا تجربة فريدة أشاد بفائدتها الطلاب العائدون.
يبدي العالم إهتماما ً بالغا ً بلبنان و تقديرا ً عظيما ً لمنزلته و حرصا ً عليه تفوق إهتمام بعض اللبنانيين بوطنهم و تقديرهم له و حرصهم عليه.
ذلك أنّ أمثال هؤلاء "تعوزهم المناعة المكتسبة" من إدراك غنى الرصيد الوطني و الشعور بفخر الإنتماء لوطن الأرز المتفرّخ في رحاب العالم، و الموئل المحتضن حضارات عريقة و متحف للآثار متجذّر في أعماق تاريخ مجيد.
أصالة صفوة اللبنانيين تتجلّى في خدمة الوطن بإخلاص و تفان ٍ، مقرونة بعزّة الولاء لكيانه الوطيد المنبثق من رحم التاريخ و المصقول بسواعد بنيه التي فتّتت الصخور و أحالتها تربة خصبة، جبلها عرق تضحياتهم و ضمّخها دم شهدائهم.
هذا الكيان الذي بلورته إرادة أهله في العيش الحر الكريم فصاغت دستوره بنفس ميثاقي كجمهورية ديمقراطية برلمانية، سيّدة قرارها، مستقلّة، و عضو مؤسس في منظمة الأمم المتحدة و جامعة الدول العربية.
و ميثاق الشراكة الوطنية لا يجيز التفرد في القرارات المصيرية بل يشترط التوافق و الإجماع حيالها.
و قيام الدولة القوية يحتّم التعاضد لإنجاز تنقية المؤسسات من "زؤان" و مخلفات و رواسب حقبة الترويع و العسف و الفساد و الهدر و التصفية و الإنحلال و الإنحطاط التي تخلّص منها اللبنانيون بعد نضال مرير و تضحيات جليلة و باهظة الكلفة. لذلك يتبرّم اللبنانيون ممن لم يبرأ من ذهنية التبعية الذليلة، و يشمئزون من "مذيعي" الرسائل المرمّزة أو الصريحة التي "يلتقطها" هؤلاء من آمري مرحلة الهيمنة الآفلة ليعيدوا بثّها محليا ً.
كما يمجّ اللبنانيون السجالات العقيمة و مناورات عرقلة النهوض و التلكؤ في استكمال تجهيز المؤسسات و الإدارات بشريا ً و ماديا ً.
و الرهان معقود على آلية نزيهة و شفافة و منصفة في إختيار الأكفأ و الأخلص و الأقدر لملء المراكز الشاغرة.
ليس سرّا ً أنّ طغيان ولاءات هجينة في أوساط لبنانية، سلختهم عن بقية مواطنيهم و خلخلت بنية الوطن و هيّأت أجواء الفتن و فتحت فجوات تسللت عبرها طوابير الغزاة و "فرق" الإغتيالات و خلايا المدمنين على "أفيون" التخدير الفكري.
لذا فإن أقصر السبل و أسهلها و أأمنها لتمتين المناعة الوطنية من التأثير السلبي للأوضاع المحيطة بلبنان هي "تشريع نوافذ" العقول "المنطوية" ل"نسائم" الثقافة الوطنية و "تسريب" الإيمان بجدوى و أولوية الشراكة الوطنية إلى النفوس "الشاردة" حتى الإرتقاء بالولاء الوطني إلى أعلى المراتب.
إذن الخروج من البيئات القبلية المتنوعة النعوت و الأوصاف إلى كنف الوطن الرحب، هو عربون وفاء و دعم يعززان ثقة المواطنين و استقرار الوطن المرتكز على مناكب كل أبنائه.
هيبة الدولة لا تُستعار و أمنها لا يُستجدى و سيادتها لا تُوكل، فسلطاتها القوية و القادرة و العادلة المنبثقة من الإرادة الحرّة لبنيها و الحائزة على ثقتهم هي مظلّة الأمان لضمان الحقوق و حماية مسيرة الإزدهار.

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

ليست هناك تعليقات: