23.7.06

من الصيف الواعد إلى "الوعد الصادق"

*حميد عواد

ليت ازدحام مرافىء الوطن بالبواخر كان لإفراغ السياح المتحفّزين و الأحبّة الملهوفين على شواطىء نعيم جنّة، لا لإجلائهم من جحيم نار.
فَتَوق اللبنانيين إلى رؤية ضيوفهم انقلب كمينا ً اختطفوا فيه رهائن، و استحال كابوسا ً غدر بتوقعاتهم، و انفتح جحيما ً من القصف اودى بأرواح وديعة و عزيزة، و دكّ بنىً و منشآت حيوية شلتّ دورة الحياة.
في 12 تموز جرفت "مقتضيات الإلتزام الإقليمي" أولوية المصلحة الوطنية، فجاءت عملية "الوعد الصادق" لتبدد آمال الصيف الواعد و لتختطف مع الجنديين الإسرائيليين شعب لبنان بكامله و تجعله أسيرا ً لحمم القذائف الإسرائيلية الهابطة من الجو و المنطلقة من البحر و البر.
قد يتبادر إلى البال أنّ الرهان عُقد على ضبط دولي لحجم ردة الفعل، لكن بعد تصاعد حدة إنذارات إسرائيلية سابقة تحذّر من الإقدام على "مغامرات" عسكرية ضدّها و بعد رؤية ردة الفعل على خطف جندي إسرائيلي على الحدود مع غزة، رجحت كفّة جموح عسكري ثأري متفلّت من لجام القيود الدولية تحت شعار "الدفاع عن النفس".
لذا ترتسم وراء هدف المبادلة المعلن علامات استفهام حول غايات أخر مثل:

1) تخفيف وطأة ضغط الحملة العسكرية على غزة
2) إستنهاض مشاعر جهادية قومية و دينية، اكتسابا ً لتأييد جماهيرها
3) إستقطاب هذه الجماهير و تأليبها على حكامها
4) تحويل إهتمام لقاء الدول الصناعية في بطرسبورغ عن البحث في الملف النووي الإيراني و حصره بالأزمة المستجدة
5) تقويض إنجازات لبنانيّ "ثورة الأرز" و زعزعة ركائز الحكم و الإستقرار في لبنان
6) تمهيد السبل لعودة "مظفّرة" للتدخل السوري و تعزيز النفوذ الإيراني من باب "المونة" على الحزب و المفاوضة باسمه
7) تغييب ملف تشكيل المحكمة الدولية التي سيحال عليها المتهمون بالضلوع في ارتكاب جريمة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري الذي استشهد معه الوزير باسل فليحان و عشرون من المرافقين إضافة إلى مجهول
8) تأجيج الصراع مع إسرائيل و جعل لبنان كبش محرقة يتلطى وراء تضحياته "أبطال" النظام السوري فيما هم يتحيّنون فرصة "طهوه و إنضاجه" ك "وجبة" جاهزة للأكل من جديد "تُغني" عن الجولان المغفل من قاموس خطبهم
9) إرباك المساعي الدولية لنشر الديمقراطية في المنطقة و إضعافها لحساب استقواء الحلف الإيراني-السوري
10) "إعلان حربي مسبق" عن "حيوية" و جهوزية "خط دفاعي أول" قابل للإشتعال في حال "التعرّض" لإيران
لقد سيق اللبنانيون سوق الشاة إلى الذبح، و زُجّوا في أتّون حارق بخّر غليانه التطمينات الطيبة بالتزام الهدوء لإنعاش موسم الإصطياف و كأنها "أضغاث سكرة" ألمّت ب"دردشات" الحوار.
هذا الحوار الذي "علق" فيه (و كأنه ورطة!) اللبنانيون، حسب "المفهوم" السوري، و "لم يتفقوا" رغم إجماعهم على ما يتجاهله أركان النظام السوري من ترسيم للحدود ( يسحب من أياديهم "مصيدة" هوية شبعا) و إقامة علاقات دبلوماسية سوية عبر سفارتين لا عبر ضباب "أروقة" "المجلس الأعلى". إضافة إلى الإتفاق على تشكيل محكمة دولية-لبنانية مختلطة لمقاضاة المتورطين في جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
يغور لبنان و شعبه في لجّة مأساة القصف الإسرائيلي الضاري و يخال البعض
المواجهة غير المتكافئة و كأنها مباراة كرة قدم يصفق فيها المناصرون لإصابة بعض الأهداف و يتحرّقون لإحراز المزيد.
أكثر "المتفرجين" حماسة هم "المشاركون" عن بعد و خاصة فريق من "رعاة" هذه المواجهة ( من حيث الإعداد و التدريب و التموين الصاروخي)، فهاك واحد من "متعهدي" "محو" معْلم ما "عن الخريطة"، يهلل لل"تقاذف" معتبرا أن اليوم "يوم تحرير فلسطين".
و هكذا تصريح يثبت الشراكة الإقليمية و الأبعاد "المرجوة" لهذه "المعركة". أما إسرائيل فتجد في هذا اليوم فرصة لتصفية الحساب مع غريم تمادى بإزعاجها فاندفعت لسحقه.
ولأن "أشبال" النظام السوري "صُرفوا" منعا ً للإسترسال في " تحطيم لبنان على رؤوس قياداته" راحوا يتوسلون استفزاز و تحريض الأسطول الحربي الإسرائيلي عليه ب"الواسطة"، فأشفى غليلهم، وإلتقى "الأعداء" المفترضون مرة جديدة في تواطؤ موضوعي.
إيران حذرت من التعرض لسوريا و إسرائيل طمأنت أنها لن تتعرض لها و حليفا "الحزب" "ينبسان" بتمتمات دعم له.
فيما يتشوّقان ل"مشاهدة" "مبارزات التلاحم" البرّية التي تتوخى منها إسرائيل "تفريغ" حزام "عازل" يُعهد فيه الأمن إلى قوة دولية رادعة يؤازرها الجيش اللبناني. لقد سدد "لاعبو" "كرة النار" ضربات بالغة الألم للبنان في عزّ مرحلة تعافيه فأنهكوا صحّته و زعزعوا بنيته.
و كلما قيّض لهؤلاء "التقاذف" كلما أثخنت الجراح جسد الوطن و أحشاءه.
إن الأضرار التي أصابت اللبنانيين من القصف المنهجي الأسرائيلي بلغت آفاق الكارثة الإنسانية بسقوط مئات الضحايا الغالية و بنزوح مئات آلاف المواطنين من منازلهم و تهديم بنى حيوية يشكل الحرمان من خدماتها حصارا ً خانقا ً و تجويعا ً ظالما ً لجميع المواطنين.
فيما يتلهّف اللبنانيون إلى الخروج من مرمى النار ناشدين الأمان، ينغّص أملهم توجّس، إذ يشعرون أنه إثر الصحوة من دوامة جنون الحرب سينقشع هول مأساة إنسانية رهيبة يصعب التكهن بأعبائها و تشعباتها مهما خفّف أثقالها و بلسم جراحها مساعدات مشكورة من الدول الصديقة.
لكنهم واثقون بتعافيهم رغم عمق الجراح و شدة الآلام و عازمون على النهوض بثبات رغم كثرة العقبات.
فطوبى لمن يبلسم الجراح و يعضد أبناء الوطن لتجاوز المحنة.
و لأنّ الخير قادر دائما ً على تجاوز الشرّ، لم يحل "قطع" جسور العمران في لبنان دون مدّ جسور الصداقة لتعبر عليها المساعدات و تُبذل التزاما ً بعهودها جهود حثيثة لإرساء أمن راسخ و سلام وطيد في ربوعه.
لقد واكب و دعم أصدقاء وطن الأرز مسيرة تحرره و نهوضه و استعادة سيادته، و ما زالوا حريصين على حماية استقلاله و منجرات بنيه.
و لم يغفل العالم الحر القيمة الحضارية الغنية لوطننا، لذا سيثابر على إكمال "تجهيزه" ليتألق من جديد موئلا ً حضاريا ً نموذجيا ً محصنا ً بحماية دولية ضرورية تردع كيد المتربصين به شرا ً و تؤمن له مظلة أمان يقوى و يزدهر في فيء رعايتها.

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

ليست هناك تعليقات: