13.11.05

1636: زاد جديد للغوص إلى "قعر" الحقيقة

حميد عواد*


لم يدرك "أسياد" الإستبداد، الذين أطبقوا على الوطن ردحاً من الزمن، استباحوا فيه حقوق أهله بِنَهَم و شراسة و شره، أن المجتمع الدولي سيستفيق، بعد سبات مديد، ليستجيب لإنتفاضة ضحاياهم الأباة و يحزم أمر زجرهم و جلائهم عن موائد عربدتهم.

بدأ الحساب بقرار الكونغرس الأمريكي ( SALSRA ) و أنتقل إلى أروقة الأمم المتحدة، فأصدر مجلس الأمن بِتبنٍ أمريكي-فرنسي-أوروبي قراره المبرم 1559 الذي استوجب سحب الجيش السوري و مخابراته من لبنان و نزع أسلحة المليشيات فأذن ب"قطع أرزاق" – و مصدر قوة و نفوذ- المستأثرين بلبنان و شعبه، فقرروا "قطع عنق" شخصية مرموقة محلياً و دولياً اعتبروها ضالعة في صنع القرار.

ف"استلّوا سيوفهم" و أمروا بإشعال صواعق متفجراتهم ( المحشوّة في هيكل مركبة الميتسوبيشي كانتر المسروقة من اليابان و "المهرّبة" – بتواطؤ من؟- إلى الزبداني فحمّانا ل"تجهيزها") بموكب رئيس الوزراء رفيق الحريري في 14 شباط الماضي "عشقاً" بالتشفي و شبقاً بالإرهاب.

قضى الرفيق و باسل فليحان و 21 آخرون شهداء للوطن على مذبح الحرية و السيادة و الإستقلال. و تقديراً لجسامة الخسارة و دلالة على خطورة مرامي هذه الجريمة الإرهابية التي تتخطى الإطار المحلي لتهدد الإستقرار و الأمن العالميين، أصدر مجلس الأمن قراره 1595، القاضي بتشكيل لجنة تحقيق دولية لكشف شبكة المتورطين فيها، استناداً إلى المعلومات التي وفرتها لجنة استقصاء ترأسها بيتر فيتزجرالد، رئيس الشرطة الإيرلندية.

انتُدب لهذه المهمة الشاقة و المعقدة المحقق البارع ديتليف ميليس رئيساً لفريق من 30 محققاً و ما يقارب 70 خبيراً في مختلف حقول العلم الجنائي، فباشر مهامه في 16 حزيران.

و بعد تنقيب متأنّ و كشف شامل في مسرح الجريمة و فحص دقيق للعينات المأخوذة و إستماع إلى ما يقارب 400 شاهد و تمحيص في عشرات الآلاف (بين 60 و 70 ألفاً) من الوثائق و الأدلة المكتوبة و الصوتية المسجلة و المصورة التي جمعت من أماكن دُهمت، سكنها أو ارتادها مشبوهون و بعد تحليل عميق و ربط منطقي للمعلومات و الوقائع و الأدوار، رست الشبهات على رؤساء الأجهزة الأمنية في لبنان و شركاء لهم من المدنيين عقب جلسات استنطاق طويلة و متكررة، فاعتُقلوا.

و لأنه كان للأمن في لبنان "توأمه" السوري "المتفشّي" ب "العيون" و"الآذان" في كل مكان و مقام، يمسك الأزمّة و يوزع الأدوار و الحصص و يضبط إيقاع حياة الناس على جرْس نزواته حتى آخر لحظة سبقت انسحابه مع جيشه في 26 نيسان الماضين قبيل انقضاء المهلة المحددة في القرار 1559، توجه ميليس إلى سوريا بحثاً عن "الخبر اليقين".

لكن "إشراف" "خبراء" في القانون من الجانب السوري على جلسات "الإستماع إلى الشهود" أحبط الإستقاء المجدي للمعلومات.

صاغ ميليس خلاصة أبحاث فريقه و استنتاجاته، ظاناً بضلوع قوّاد الجهازين الأمنيين "التوأمين" اللبناني و السوري في التخطيط و التنفيذ لعملية إغتيال الرئيس الحريري. و رفع تقريره في 21 تشرين الأول إلى الأمين العام للأمم المتحدة الذي سلم بدوره نسخاً منه إلى ممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن.

و بعد مداولات مكثفة و إستبدال الإشارة الصريحة إلى عقوبات إقتصادية و سياسية بتدابير لاحقة تتخذ في حق سوريا (نزولاً عند رغبة ممثلي روسيا و الصين و الجزائر) في حال عدم استجابتها لمطالب لجنة التحقيق، التي تصر على الإختلاء بالشهود منفردين خارج سوريا، توصلوا إلى صياغة للقرار 1636، مشفوعاً بالبند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، حظيت بالإجماع خلال جلسة الإثنين التالي التي حضرها وزراء خارجية هذه الدول. و هذا ما شكل جرعة قوية للغوص نحو كبد الحقيقة.

أشاد هؤلاء في مداخلاتهم بجهود ميليس و فريقه و ببطولة و إباء و شجاعة الشعب اللبناني و أعربوا عن تعاطفهم لما كابده من عذاب و أكدوا إلتزامهم بدعمه و تصميمهم على مواكبة مسيرة تعافيه ليهنأ بمستقبل زاهر. كما حذروا سوريا من التدخل في شؤون لبنان أو العبث بأمنه و استقراره مباشرة أو بالواسطة و حضّوها على الإستجابة لمتطلبات التحقيق لا الإكتفاء بالتعاون الشكلي أو الإدلاء بمعلومات مضللة.

ضمّن ميليس تقريره الكثير من المعلومات التي ألقت الضوء على مراحل التحضير للجريمة و وجد أن إحداثيات مواقع مكالمات الهواتف الخليوية، المتبادلة بين المترصدين بالموكب المستهدف، ترسم طرق العودة إلى قصر قريطم المحتمل سلوكها. و كشف أن هذه الهواتف استعملت حصراً للإتصال فيما بينها و تم إلغاء خطوطها حال إرتكاب الجريمة.

كما حصل على كثير من التسجيلات لمكالمات هاتفية بين مسؤولي الجهازين "التوأمين" و بينهم وبين سياسين مرتبطين بهم (و كم من "القناديل" نحتاج للتفتيش عنهم!) إرتباطاُ وثيقاً.

و يمكن القول أن "البصمات" الصوتية أضافت مزيداً من الدلائل الدامغة إلى ما جمعه ديتليف ميليس و هو لم يكشفها كلها حرصاً على استكمال التحقيق باستنطاق "حميم" و عميق و شامل يتوق إلى إجرائه مع "أباطرة" شبكات التجسس السوريين المشتبه بهم في إعداد المكيدة الإرهابية الشنيعة.

هاجس إخفاء معالم الجريمة و "مصادر" معلوماتها راود بلا شك الكثير من الخواطر، و كنت واحداً ممن توجّسوا حصول انتحار أو استنحار أو سيناريو إخفاء أو اختفاء على أمل "التقمص" في بؤرة أو معقل للإرهاب.

لاحقاً سقط أحد الجنرالات انتحاراً فتخوفنا من تجدد سريان "وباء غامض" حصد سابقاً ، و خلال أسبوعين، العديد من الجنرالات في جيش الإتحاد السوفياتي أيام البطش و "التطهير".

التمرد على الإرادة الدولية الجامعة صعب لأن عواقبه وخيمة فالأسلم أن يسلّم المشتبهون ( دون انقلاب أو عصيان) بشكل سرّي إلى لجنة التحقيق في موقها في المونتيفردي لإكمال حبكة الحقيقة.

لقد آل النظام السوري الآن إلى وضع checkmate فكيفما تحرّك سينفرط عقد اركانه و الخلاص يكمن في "تطعيمه" بشخصيات سورية متنورة و منفتحة تضمر رؤية للإصلاح و تعقد العزيمة على الإنطلاق به، و ما أغنى سوريا بكفاءات من هذا الطراز.

ختاماً أود أن أتوجه إلى من جعل موضوع الرئاسة في لبنان وجباته اليومية، لأقول أن السجالات الإعلامية الحامية لن ترفع قدر مطلقيها و لن ترجّح كفّة انتخابهم لهذا الموقع أو تزيد حظوظ مرشحيهم و لن تعزّز مواقعهم في الكتل التي يُهمّشون فيها.

فاحترام الأصول الديمقراطية التي بذلت في سبيل استعادتها التضحيات النفيسة يقضي بالإحتكام إلى القوانين و الدستور عند استحقاق ما. فبالروية و التأني و التبصر و التوافق و التنافس الشريف تتحرك مسيرة الحياة دون عثرات.

و عذراً، لا يتهافتنّ "الخيّاطون" لتحديد "جوخة" الرئاسة و تصميم زيّها و تفصيل بزّتها. فتوقد الذكاء و سعة المعرفة و غنى التجربة و القدرة على استخلاص العبر و موهبة استنباط الحلول و نظافة الكف و نقاء الضمير و صفاء النية و الوفاء بنذر الولاء للوطن، هي الأساس.

لبنان زاخر بالشخصيات الفذة و عند الإقتضاء يطرح كل مؤهل مشروعه و يبرز إنجازاته و يلقي الضوء على سيرته و تاريخه و يبرهن مدى مساهمته في مسيرة الخلاص الوطني.

و أخيراً نرى من واجبنا تبليغ من أربكوا مناصريهم و محازبيهم بتصريحاتهم الإنفعالية أو الإستفزازية أن يحجموا عن البلبلة و أن يعمدوا إلى لملة الصفوف و ترسيخ الوئام و تنسيق الجهود، و إلا سيجدون أنفسهم بعد حين يصيحون و لا يسمعون سوى صدى صيحاتهم لأن الناس تكون آنذاك قد سئمتهم و هجرتهم!

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

ليست هناك تعليقات: