29.7.14

كنف الدولة مأمن من أشداق الوحوش

حميد عوّاد* تعاني البشريّة من هزّات أرضيّة، تقذف حمم البراكين والأمواج العاتية وتفسّخ طبقات الأرض، ومن أعاصير كاسحة وفيضانات وسيول جارفة وجفاف مُقحط تخلّف كلّها الخراب والجوع والمرض والموت. وفيما تعمل مؤسّسات النجدة مشكورة على إغاثة المنكوبين، يوغل الجشعون في استغلال واحتكار مواقع السلطة ومصادر وأدوات الإنتاج وينقضّ الأقوياء على الضعفاء والطغاة على مُستعبَديهم. ًتحت وطأة القهر والفقر والإحباط واليأس وانسداد الأفق يبتلي المحبطون بآفة المخدّرات أويسلسون لوعود حاقني جرعات "الدين" حقداً وضغينةً بانتشالهم من الواقع المرير و"تصديرهم إلى الجنّة" فيهون زجّهم في الحروب وقوداً لتوسيع نفوذ "واخزيهم" وفرش دروبهم بجماجم محاربيهم وضحاياهم وصولاً إلى غاياتهم. أبى هؤلاء إلّا أن يضفوا، بشعوذاتهم واختلال موازينهم، على مقولة "الدين أفيون الشعوب" معنىً. كما أسبغوا على مقولة "صدام الحضارات" حتميّة قسريّة ومغلوطة. إضافة إلى طبع شعاراتهم و"حروبهم" بقدسيّة معصومة عن النقد بل واجبة الخضوع. وما تأجيج صراعاتهم إلّا إحياء لنزاعات وثنيّي عصور الجاهليّة. فلا العزّة الإلهيّة، التي توصي بالمحبّة والرحمة سبيلاً للحلول، انتدبتهم للتناحر باسمها، ولا هي ميّزت عرقاً أو سبطاً لتمحضه حصرية السلطان على الكون أو ولّجته بحراسة المعابد. إذن لا يدّعيّنّ أحد أنّ "جرف" مجموعة بشريّة خارج موطنها هو عمل مبارك أكان ذلك بالإكراه أو بالإغراء أم بحشر زخم متعمّد في خصوبة الإنجاب يودي إلى المهالك. الدنيا تسع وتوفّر الطعام للجميع شرط الركون إلى التعقّل والحكمة وحسن الإدارة والإحجام عن التكاثر المسرف وعن إهدار مصادر الأرض ومنتجات العبقريّة الإنسانيّة. ابتُلي الشرق الاوسط ومحيطه بنزاعات مسلّحة انتحاريّة ادمت الدين وجعلته مطيّة لمصالح دول ومليشيات. كلّ يحاول إحراز نصر مستحيل على حساب إزهاق أرواح ضحايا وإخراس أهل التعقّل والاعتدال والانفتاح. يحاولون تطويقهم ومحاصرتهم بين فكّي التطرّف والطغيان. وبما أنّ لبنان بصيغته الحضاريّة يشكّل نقيضاً عصيّاً على مطرقة الطغيان وسندان التطرّف، علينا نحن، المهتدون ببوصلة الوطنيّة المشيرة إلى تضحيات الأجداد والشهداء والمندفعون بمحبّته والأوفياء لرسالته، أن نتضامن ونشكّل مظلّة حماية وخميرة توعية لإقصائه عن مرمى هذه الضربات ونحرّره من قبضة الأغلال التي تكبّل مؤسّساته وتكبح تقدّمه وتعيق استحقاقاته الدستوريّة. المصداقيّة والشفافية على المحكّ وإبعاد لبنان عن دائرة الخطر لا يحتمل المراوغة والتقيّة فلنرفع الصوت ونطالب بأن يكون مسموعاً ولنرفع السواعد لتدعيم مؤسّسات الدولة والحضّ الحثيث على انتخاب رئيس للبلاد ومنع اختطاف الجمهوريّة. عناوين غزْل التعصّب والتحريض معروفة وكذلك مصادر تمويل وتجهيز وتسليح المنحرفين والضالّين وعساكر المستبدّين، فليحزم العالم أمره ويسرّع الضغوط على اصحاب الشأن لتصويب الخطاب ولتسفيه الموتورين ولتثبيت الحقوق المشروعة للشعوب المظلومة. *أكاديمي مواظب على الاضطلاع بالشؤون اللبنانيّة

ليست هناك تعليقات: